في ظلال السيرة

 

المقدمة 1

د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

 

أذوب حتى أكاد أتلاشى كلما صافحت عيناي الآية:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر.

وتستبد بي الدهشة  كلما قرأت الحديث النبوي الشريف:

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ".

صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" 1 / 174 : سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني

وقد ورد الحديث بصيغ أخرى لم يصححها الألباني وسند معظمها ضعيف وإن كان المعنى صحيحا، ومجمل تلك النصوص أن السماء الأولى بالنسبة للسماء الثانية كحلقة في فلاة  وأن السماء الثانية هي كحلقة في فلاة بالقياس لحجم السماء الثالثة ، وأن السماء الثالثة  في السماء الرابعة كحلقة في فلاة ، وأن السماء الرابعة كحلقة في فلاة بالقياس للسماء الخامسة ، وأن السماء الخامسة مقارنة بالسماء السادسة كحلقة في فلاة وهذه بدورها  كحلقة في فلاة نسبة للسماء السابعة .

فهل يقتصر الأمر على هذا الهول كله..

لا والله..

فالسموات السبع كلهن لا تمثل بالقياس إلى الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة !!!..

يا اللــــــــــــــه

كيف استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن يؤمنوا بذلك كل هذا الإيمان في ضوء القدر المتيسر من علوم الفلك آنذاك.. كيف استطاعوا.. وأي إيمان كان.. وأي بشر فوق مستوى البشر.

أسأل نفسي: لو أن جيلنا الحالي كان مكانهم.. هل كان سيؤمن منا أحد؟.. فإن كان.. فكم؟!..

سبحانه ..

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ..

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة " .

سبحانه..

***

سبحانه

فلنحاول الآن باختصار شديد جدا وبتبسيط بقدر الإمكان أن نفهم معنى ذلك.. بأن نتصوره من خلال تصور عكسه.. لنواجه في ذهول من طمس الله على قلوبهم فنسألهم:

هل يمكن أن يكون هذا الكون بدون إله؟

فلنعمل عقلنا إذن..

فليس من المعقول أبدا أن يكون هذا العقل المطلق موجودا ثم لا يتصل بمخلوقاته الوحيدة العاقلة عبر رسول..

***

لكل رسول مرسل..

وبين المرسل والرسول رسالة..

ولكل رسالة كتاب..

إن التلازم بين المرسل والرسول والرسالة أمر بديهي تدركه الفطرة السليمة على الفور.

وكلما ازداد ذكاء المرء وصفائه وتجرده.. (أو صفائه وتجرده حتى بدون ذكاء) أدرك ذلك التلازم.. بداية من الصورة الصريحة المباشرة التي نطق بها لسان الفطرة عند الأعرابي عندما سُئل عن دليل وجود الله ؟ فقال: البعرة تدل على البعير .. والأثر يدل على المسير.. فسماء ذات أبراج .. وأرض ذات فجاج .. ألا تدل على العليم الخبير.. وليس نهاية بالصورة المركبة المعقدة التي تشمل أحدث ما وصلت إليه نظريات العلم كالنسبية والكم والانفجار العظيم.

***

إن موقف الإنكار الكلي الذي ساد في بعض عصور الإغريق وازداد في القرون الثلاثة الأخيرة قبل القرن العشرين قد تداعى مع الاكتشافات العلمية بعد ذلك.. أما عن مشركي العرب فلم يصلوا إلى درجة الإنكار الكلي..” وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ" (61) العنكبوت.

درجة الإنكار الكلي غباء مطبق تضع من يقول بها في مرتبة الحيوانات العجماء بل أقل.

وَلَقَدْ ذرأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)الأعراف

***

إنكار وجود الله حماقة لم تعد تحتاج إلى من يدحضها.. لأنها لا تدل إلا على الغباء والحماقة..

ولنضرب مثلا كي نوضح الصورة..

إذ ماذا يمكن أن نقول إذا ما فوجئنا بإنسان  ينكر وجود دولة اسمها أمريكا في هذا العالم، فيقرر أن يمحو اسمها من كتب التاريخ والجغرافيا، ثم لا يكتفي بذلك بل ينظر بعين السخرية والاتهام إلى من يؤكد وجودها؟!.

 وماذا يمكن أن يحدث لو فوجئنا بإنسان آخر، يقر كارها ومضطرا إزاء الدلائل بوجود أمريكا، لكنه يجهل كليا كيفية التعامل معها، فلا يعرف كيف ينال مودتها أو كيف يتجنب عداوتها، لذلك فإنه يقرر أنه برغم اعترافه بوجودها إلا أنه لا يستطيع إخضاع هذا الوجود أو تفسيره بمنطقه، لذلك  فسوف يمارس حياته كما لو كانت غير موجودة؟!.. وكيف نواجه ثالثا يعترف بوجودها لكنه ينفي أي تأثير لها على هذا العالم وهو ما يجعل وجودها وعدم وجودها سواء..

من يتبنى أي موقف من هذه المواقف سيجد نفسه منضما من الناحية العملية إلى الآخر ، الأول ينفى وجودها وبالتالي تأثيرها، والآخر يعترف لكنه يجهل كيفية التعامل معها فيتجاهل وجودها.. أما الثالث  فيدعى أن لا تأثير لها ولا تدخل في هذا العالم.

والآن، لندلف على الفور إلى ما يرمز إليه المثال، ولنرفع اسم أمريكا ولنضع اسم الله جل جلاله، إن الفئة الأولى تمثل الملحدين، والفئة الثانية والثالثة تمثل قصورا عجيبا في العقل يلغي من الوجود ما لا يفهمه بدلا من السعي إلى فهمه.

***

يحدثنا وحيد الدين خان في كتابه القيم : الإسلام يتحدى" أن نيوتن .. مكتشف قانون الجاذبية .. تحدث عن اكتشافه قائلا: " إنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس وهى تؤثر على مادة أخرى، مع أنه لا توجد أي علاقة بينهما"..

لكن عدم الفهم هذا يدفع للفهم والاستنباط والقياس..

هل ينكر أحد قانون الجاذبية؟!..

الجاذبية.. تلك النظرية المعقدة غير المفهومة.. نعتبرها اليوم – جميعا – حقيقة علمية بلا جدال..

لماذا ؟!..

لأنها تفسر بعض ملاحظاتنا ..

ليست الحقيقة العلمية إذن هي ما علمناه مباشرة بالتجربة.. بل هي اعتقاد يقيني في وجود حقيقة لا نراها تربط وتفسر ما نراه..

كيف يمكن لإنسان القرن الحادي والعشرين أن ينظر إلى  إنسان لا يؤمن بنظرية الجاذبية..

الحقيقة التي لا نراها ولكنها تربط وتفسر ما نراه ..

ماذا تطلقون على الكافر بها والذي يعلن أنه لن يؤمن بها إلا إذا رآها..

ماذا تطلقون على الأحمق الذي يرفض الربط بين تجلياتها وظواهرها ونتائجها..ويعتبرها غيبا يتنافى الإيمان به مع المنهج العلمي..

أي قدر من الاتهامات الهائلة يمكن أن نواجه به هذا الأحمق..

يغفر لي الله تجاوزي  إن  أنا استبدلت كلمة الله بكلمة الجاذبية..

هب أن واحدا من الذين اشمأزت  قلوبهم قال: أنا لا أومن بقانون الجاذبية ، أو حتى قال : أنا أومن به كأمر واقع لكنني ما دمت لا أفهمه لن أرتضى أحكامه.. سوف أعقب عليها.. سوف أسقطها وسأصنع قانوني الخاص الخاضع لتجربتي العملية..

هبوا أن ذلك الرجل الزى قرر ألا يتحكم قانون الجاذبية فيه  خرج إلى شرفة بيته.. في الطابق العاشر أو العشرين.. ثم قرر أن يتحدى القانون الذي لا يفهمه.. فخطى في الهواء ليمشى – ضد قانون الجاذبية -نحو السحاب..

ماذا سيحدث؟!..

لن يموت على الفور..

سوف تكون هناك ثوان يسقط فيها..

في هذه الثواني سوف يرى ما لم يره أبدا.. وسوف يحس بما لم يحس به أبدا..

ما بين التحدي والهلاك ثوان.. ليست كمثلها ثوان..

 

***

لو أن واحدا منا.. قال لنفسه أنه لا يؤمن بالله.. أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر.. ولو أنه قرر أنه حتى وإن آمن فإنه لا يفهم.. ومن أجل ذلك سيسقط أحكام الله.. سينشئ أحكامه الخاصة الخاضعة لمنطقه.. هبوه فعل ذلك.. ثم انطلق في حياته يمنطقها بمنطقه.. وهو يظن أنه بين السحاب يوشك أن يمسك النجوم..

هذا التعيس.. في هذه اللحظة.. يكون قد بدأ سقوطه.. سقوط يستمر أربعين أو خمسين أو ستين عاما..

فما أربعون أو خمسون أو ستون عاما إزاء الأبد..

أهي أكثر من ثوانِ؟؟!!..

ثوان .. نسقط فيها من أرحام أمهاتنا .. فيلتمع الضوء لحظة .. ثم نسقط في غياهب القبور..

أوَتنكرون علىّ إن قلت لكم أن عمر أي واحد فينا إزاء الخلد القابع في الغيب.. ليس إلا لحظة كمثل تلك اللحظة وثوان كمثل تيك الثواني؟!..

ثوان يتبعها الخلد أبدا .. إما في جحيم وإما في نعيم ..

***

نحن مأمورون أن نتدبر بعقولنا.. ولكي يجد عقلنا ما يعقله فلن يكون أمامنا في البداية إلا الكتاب..

لأن صدق الكتاب يدل بداهة على صدق الرسول ووجود المرسل..

فإذا تأكدنا تأكدا لاشك فيه فسوف يكون على العقل أن يدرك قصوره ويترك لباقي الملكات الإنسانية دورها في اكتشاف الإعجاز والإيمان به.

لأن إهمال العقل في موضعه حماقة واستعماله في غير موضعه صفاقة!

***

ماذا يفعل أي واحد فينا إذا ما مرض؟!

سيلجأ إلى طبيب يداويه.. وسيكون حريصا على اختيار هذا الطبيب مستعينا بكل أدلته العقلية وخبراته وتجاربه.. ثم سيذهب بعد ذلك إلى هذا الطبيب الذي وثق به.

إن الثقة بالطبيب سبقت ذهابه إليه بل هي التي دفعته نحوه.

قبل الذهاب إلى الطبيب كان إعمال كل ملكات العقل ضرورة لا غنى عنها ولا بديل..

أما بعد الذهاب  ومباشرة الطبيب علاجه بأية طريقة شاء.. هل من العقل أن يواصل المريض استعمال عقله؟!!

هل سيناقش الطبيب في كل خطوة يخطوها؟ في كل قرص دواء يكتبه؟ هل من حقه – عقلا – أن يقول للطبيب أنه يقبل أقراص الصباح لكنه يرفض أقراص المساء

فأي امتهان للعقل لو فعلنا ذلك.. وأي توظيف له في غير محله.. لكننا نستدرك فنقول أن هذا ليس تغييبا للعقل بل تكريما له.. ليس انسحابا منه..

إعمال العقل إذن ضرورة لا غنى عنها في مجاله.. أما إعماله في غير مجاله فليس سوى حماقة لا تفوقها حماقة.. ولن تعود بالضرر على أحد سوى من يخطيء الحساب..

 

***

لقد سقنا مثالنا حتى الآن في إطار واقعي ومجسد..

فلننتقل خطوة إلى الأمام لننتقل به إلى مثال رمزي ومجرد..

ولنفترض من أجل تلك الخطوة الواسعة ما لا يحدث في الواقع.. مثل أن تكون الثقة في الطبيب كاملة واليقين به مطلقا وأن تكون الثقة بالشفاء لا شك فيها.

هل سيعوقنا ساعتها عن الاستمرار في العلاج دواء مهما بلغت مرارته.. أو عملية جراحية مهما بلغت معاناتها؟!..

ثم نعود إلى العقل في إطار مثل المريض والطبيب.. هل يعنى حجبنا إياه عن الجدل الجاهل مع الطبيب أننا غيبناه؟..

ثم.. هل يعنى ذلك أنه فقد دوره وأهميته وقيمته..؟!

لا..

ففي حدود المثل يبقى له أن يتأمل طول الوقت براعة الطبيب وعبقريته ومعجزاته في علاجه..

يبقى له أن يتأمل في انبهار مدى حكمة الطبيب عندما أخفى عنه ما أخفى.. وعندما صرح بما صرح.. وعندما أصر على مواصلة العلاج حتى عندما كانت الظواهر والأعراض لا تبشر..

يبقى له أيضا أن يتأمل .. وأن يحاول أن يتعلم.. لماذا اختار الطبيب هذا الدواء ولم يختر ذاك.. لماذا اختار العملية الجراحية وليس الإشعاع.. أو العكس.. عليه أن يتأمل و أن يستنبط في وجد لا حد لعذوبته كلما حل مسألة أو اجتاز مشكلة أو فهم معضلة..

فإن كان عقله على مستوى الإدراك الذي يجعله يفهم فبها ونعمت.. وإن غمّ عليه الأمر  واحتاج إلى معونة فإن عليه أن يلجأ إلى عالم ليعلمه.. إلى عالم .. وليس إلى عدو أو سمسار أو جاهل..

قمة عقل المريض أن يدرك أنه لا من حقه ولا هو يستطيع أن يحكم على عقل الطبيب بعقله.

***

انتهى ضربنا للمثل.. وندلف على الفور إلى بيت القصيد..

إذ أننا في حديثنا عن السيرة النبوية إنما نتناول فيما نتناول منهج تفكيرنا الذي يختلف كليا عن منهج تفكير أعداء الله..

بالنسبة لهم فما هي إلا الحياة الدنيا.. أما نحن فالوضع عندنا مختلف.. والآخرة أشد حضورا و أكثر أهمية من الدنيا بما لا يقاس..

من أجل هذا فلابد أن تكون أسئلتنا الأولى:

  هل نحن مؤمنون؟: هل نؤمن بالله؟ أم لا نؤمن؟.. ثم هل نحن مسلمون؟ هل نؤمن بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه صدقنا فيما بلغنا به عن ربه و أن القرآن من عند الله..

فإن كانت الإجابة نفيا كما هو الحال بالنسبة للصهاينة والصليبيين والشيوعيين والعلمانيين فليس لنا ثمة سيطرة عليهم.. وليس هناك مشكلة ملحة..

وإن كانت الإجابة إيجابا فليس ثمة مشكلة أيضا.. فسوف يكون نبراس المؤمنين بل المسلمين جميعا: إن كان قالها فقد صدق..

المشكلة تأتى من أولئك الصهاينة والصليبيين والشيوعيين والعلمانيين الذين تسللوا إلينا كطابور خامس يلبسون رداءنا ويتحدثون لساننا ويدعون إيمانا كإيماننا فإن أردنا أن نحكم عليهم بإيمان يدعونه هاجوا وماجوا وأرادوا أن يكونوا الخصم والحكم..  نعم.. فالأمر ليس أمر غزو فكرى .. إنه أشبه بالاحتلال الاستيطاني الذي يدرك أن لا بقاء له في البلاد التي غزاها إلا بإبادة أهل البلاد الأصليين عن بكرة أبيهم..

إنهم يدعون المنطق بينما هم يخاصمونه.. ويزعمون الموضوعية ثم يقاطعونها.. بل ولا يتورعون عن أشد درجات التزوير في العلم كي يسوغوا انحرافاتهم وأباطيلهم. وغير بعيد أنهم قاموا بعمليات معقدة بتركيب فك قرد على جمجمة إنسان ثم طمروها وادعوا العثور عليها واكتشافها كحلقة متوسطة في تطور القرد إلى إنسان.. وقد اعترف العالم المزور بذلك بنفسه. ولقد جهلوا أو تجاهلوا أن القضية لم تكن فقط نشوء الحياة على الأرض..فكرسوا كل جهودهم لينسبوا للصدفة العمياء ملايين المصادفات التي أدت في النهاية إلى خلق الإنسان بالصدفة. تجاهلوا وجهلوا أن الأمر لا يتعلق بالأرض فقط بل بالكون الواسع الهائل كله في منظومة لو اختل جزء فيها لسقطت السماء على الأرض.

إن الأمر هزل لا يحتمل مناقشته بجدية.. إنه يشبه تناول حجر في منتصف ناطحة سحاب .. ومحاولة إيجاد نظريات لتفسيرات وجوده معلقا في الهواء مع إهمال كلي لكونه جزءا من منظومة ناطحة السحاب.

لم تكن المشكلة في الأرض.. فما الأرض بالنسبة للكون إلا حلقة في فلاة.

***

أذوب حتى أكاد أتلاشى كلما صافحت عيناي الآية:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر.

وتستبد بي الدهشة  كلما قرأت الحديث النبوي الشريف:

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ".

***

لا يكاد يستوعب العقل مدى اتساع الكون..  ولا يكاد يستوعب أنه رغم اتساعه لا يكف عن التوسع.. وبسرعة تقترب من سرعة الضوء..  أحدث النظريات العلمية التي تفسر كيف خلق الله هي نظرية الانفجار العظيم.

يقول ستيفن هوكنج-أشهر علماء الفلك في القرن العشرين-في كتابه تاريخ أكثر إيجازا للزمن- دار العين. أن الكون بدأ في لحظة ما منذ 13.4 بليون سنة حيث كانت المسافات كلها تساوي الصفر والكتلة لا نهائية ليبدأ الانفجار العظيم ويتغير كل شيء في كوننا المنظور..لأن القوانين التي كانت سائدة قبل الانفجار لا تنطبق على ما بعده والعكس صحيح.. وبهذا يضع هوكنج حدا رياضيا لحدود العقل البشري. وللدكتور محمد الحسيني إسماعيل كتب قيمة جدا في نفس الاتجاه.. حيث يبرهن على وجود الله بالمعادلات الرياضية البحتة..(راجع مثلا : -  الحقيقة المطلقة الله والدين والإنسان وأيضا كتاب الدين والعلم وقصور الفكر البشري-مكتبة وهبة.

ويقول الأستاذ الدكتور زغلول النجار في مقال بعنوان" إشارات قرآنية في نشوء وتمدد الكون:

إن ما جاء في كتاب الله العزيز لا يمثل إلا لمحة في كيفية نشأة الكون المتطور وتمدده والتي لم يشهدها غيره سبحانه. لقد لوحظ إن بعض النظريات الفلكية والجيولوجية تقترب إلى حد ما مع ما ورد من الآيات القرآنية من حيث حقيقة عدد ومواقع ومعاني الكلمات المطلقة بكل تفصيلات الوقائع المادية ذاتها وحركتها وقوانينها بقوله تعالى في " سَنُريهم آياتُنا في الآفاقِ وفي أنفُسِهم حتى يتبينَ لَهُم انهُ الحقُ أو لَم يكفِ بربكَ انه على كل شيءٍ شهيد " (سورة فصلت:53) .

***

لم تكن المشكلة مشكلة الأرض فقط..

ولا كانت مشكلة الإنسان فقط..

بل كانت مشكلة تفسير هذا الكون بالغ الاتساع الذي سخره الله سبحانه كي يكون مناسبا لحياة الإنسان على الأرض في منظومة تتصل ولا تنفصل.

نعم.. كون بالغ الاتساع..

فليتخيل كل واحد منا مدى اتساع مدينته.. وكيف أن وطنه مترامي الأطراف.. وأن الأرض كبيرة جدا وهائلة جدا للدرجة التي جعلت مناطق شاسعة فيها لم تطأها أقدام بشر.. ومع ذلك فإن هذه الأرض صغيرة جدا ولا تكاد تذكر إزاء حجم الكون.

إن الأرض الشاسعة الواسعة  موطن الإنسان وبيئته ليست في حقيقة  الأمر إلا كوكبا سيارا صغيرا من أحد عشر كوكبا تدور حول نجم الشمس وهناك بلايين الشموس أو النجوم في مجرتنا التي هي واحدة من بلايين المجرات مثيلاتها في كون فسيح إلى حدث يصعب تصوره وتخيل مداه.

***

في حياتنا الأرضية اليومية نحتاج إلى أدوات ومصطلحات ولغة معينة لا تصلح في غير هذه الحياة اليومية. إنني أقصد المعنى المباشر الذي سنتناوله في الفقرة التالية على الفور . كما أقصد المعنى غير المباشر. وأعنى به أن السيرة غير التاريخ.. وأن النبوة غير البطولة..وأننا نحتاج إلى أدوات أخرى تعيننا على دراسة وفهم السيرة النبوية.

***

في حياتنا الأرضية البشرية يعتبر "المتر" مقياسا مناسبا لحاجاتنا على الأرض. ولو قسمناه إلى مائة قسم ينتح عندنا السنتمتر الذي هو مقياس يفيدنا كثيرا في الاستعمالات اليومية . وكذلك لو قسمنا السنتيمتر على عشرة مرفوعة للأس8 (مائة مليون) لحصلنا على قطر نموذجي للذرة... ولو ضربنا السنتيمتر في نفس العدد (مائة مليون) لحصلنا على قطر القمر. ولو ضربنا قطر القمر بنفس العدد (مائة مليون) فإننا نحصل على حوالي قطر النظام  الشمسي.. ومرة أخرى لو ضربنا قطر النظام الشمسي بنفس هذا العدد  لوصلنا إلى أقرب جار كوني لمجرتنا.. فهل يمكن أن نقيس المسافة بين الشمس والأرض أو بين المجرات بالمتر؟

***

وكذلك يعتبر "الكيلوجرام" مقياسا إنسانيا أرضيا ممتازا.  ولو قسمناه على  ألف نحصل على الجرام الذي هو مقياس مخبري نموذجي.. فلو قسمنا الجرام على (واحد وأمامه ثلاثة وعشرون صفرا) فإننا نحصل على كتلة ذرية نموذجية. ولو بدلا من ذلك  ضربناه بنفس العدد نحصل على ما يقارب كتلة أصغر قمر طبيعي في النظام الشمسي.. فإذا ضربنا الناتج هذا بنفس العدد مرة أخرى نحصل على ما يقارب كتلة مجموعتنا المحلية من المجرات.

***

 والإنسان الذي يدرس الكون- تماما كالإنسان الذي يدرس السيرة-  مضطر لتغيير قيمه ومقاييسه إلى هذه الحجوم والكتل الهائلة التي لا يستطيع أن يجد لها تشبيها معقولا يساعده على تصورها وفهمها. (الكون  والثقوب السوداء- رؤوف وصفي -عالم المعرفة -العدد 254)

***  

ولكي نتصور حجم الكون فدعونا نسترجع المسافة بين القاهرة وبعض المدن الكبرى. فالمسافة بين القاهرة ونيويورك 9042 كيلومترا.. وبين القاهرة وطوكيو 9419 كيلومترا وبين القاهرة وباريس كندا 9312 كيلومترا وبين القاهرة وباريس فرنسا 3213 كيلومترا وبين القاهرة ولندن 3498 كيلومترا وبين القاهرة وبكين 7378 كيلومترا. ولكن استرجاع المسافات بهذه الطريقة أمر مجهد ويمكن أن يتسبب في التباسات عديدة.. من أجل ذلك فقد تعود الناس أن يحسبوا المسافة بالساعات.. ولكي يفعلوا ذلك فقد تصوروا طائرة تسير بسرعة ثابتة مقدارها ألف كيلومتر في الساعة.. وبمثل هذه الطائرة فإننا نستطيع حساب المسافة بالزمن فنقول أن المسافة بين القاهرة ونيويورك تسع ساعات.. ومثلها تقريبا لطوكيو.. وخمس ساعات –تقريبا- لباريس ولندن.. وهكذا دواليك.

***

المسافة بين الأرض والشمس 150,000,000كيلو متر، فلو أننا  ركبنا ذات الطائرة التي تطير بسرعة 1000كيلو متر في الساعة فإننا بذلك سنحتاج إلى أكثر من 150,000 ساعة طيران أي 6250يوم أي 209شهر أي أكثر من 17 سنة من الطيران المتواصل وبدون توقف حتى نصل إلى الشمس !!!

الكيلومتر إذن مقياس ضئيل جدا لقياس المسافة بين الأرض وبين الشمس.. وكذلك فإن الساعة لا تصلح كمقياس زمني.

ولما كانت سرعة الضوء هي 299,792كم في الثانية، فإنه يقطع المسافة من الشمس إلى الأرض في مدة 8 دقائق و20 ثانية. فعندما تفلت مركبة فضائية من قوة جذب الأرض، فإنها تنطلق بسرعة 40,200كم في الساعة. وإذا أمكنها الاحتفاظ بهذه السرعة طوال رحلتها إلى الشمس دون أن تحترق، فإن رحلتها تستغرق 154 يوماً، أو ما يزيد قليلاً على خمسة أشهر.

وتماما كما ترجمنا المسافات بين المدن إلى ساعات زمنية فقد اصطلح على قياس المسافات الكونية بالزمن كأن نقول أن المسافة بين الأرض والشمس ثماني دقائق ضوئية.

ولكن هذه المسافة شيء لا يكاد يذكر مقارنة بالمسافات الشاسعة في الكون. ولو تأملنا المسافات التي تفصلنا عن النجوم التي تحيط بنا لوجدناها مسافات هائلة الكبر لدرجة لا يتصورها عقل بشري إلا بالأرقام. فأقرب نجم لكوكبنا(غير الشمس) يبعد عنا أكثر من أربع سنوات ضوئية، أي أن الضوء الصادر من هذا النجم يستغرق أكثر من أربع سنوات ضوئية لقطع المسافة من هذا النجم باتجاه الأرض(الثانية الضوئية 300000 ثلاثمائة ألف كيلومتر)فتخيلوا معي كم تبلغ المسافة التي يقطعها الضوء  في أربع سنين.. ولمزيد من توضيح هذا الأمر.. فلو أننا عدنا إلى مثل الطائرة التي تسير بسرعة ألف كيلومتر في الساعة وركبناها كي نسافر إلى أقرب النجوم إلى الأرض لاستغرقت رحلتنا زمنا من الطيران المتواصل قدره مئة وتسعة وتسعون ألف 199،000 سنة من الطيران المتواصل.

***

نعم .. ما أوسع الكون..-

 يقول الأستاذ عامر أبو سمية في كتابه الإليكتروني  "أما آن لك أن تعتنق الإسلام"[1]

الأرضُ التي نعيش فوقها تُمثِّل قطرة ماء في محيط عظيم , أو حبَّة رمل في صحراء شاسعة !, لا بُدَّ لنا إذن  أن نختار وحدةً لقياس مسافاته الهائلة . هذه الوحدة ليست هي الكيلومتر ؟ ولا الألف كيلومتر ؟ بل ولا المليون كيلومتر ؟   أبدًا ! إنَّ المسافات بين النُّجوم لا يكفي لقياسها حتَّى المليون كيلومتر , إذ  لا بُدَّ من مليون المليون ! ذلك أنَّ أقرب نجمٍ إلينا بعد الشَّمس , وهو ما يُسمَّى بالفرنسيَّة Proxima Centauri والذي ينتمي إلى النِّظام المتعدِّد النُّجوم Alpha du Centaure , يَبعدُ عنّا حوالي 41 ألف مليار كيلومتر !! نعم , هذا أقرب نجم ! فَما بالُك ببقيَّة النُّجوم ؟! لذلك , اتّجهَ العلماء في حساب المسافات الفلكيّة إلى استعمال سُرعة الضّوء التي تبلغ 300 ألف كلم في الثَّانية . لكنّ هذا الرَّقم , على كِبَره , غير كافٍ أيضًا ! فوقع الاتِّفاقُ إذًا على السَّنة الضَّوئيَّة , وهي المسافة التي يقطعُها الضَّوءُ في سَنة من الزَّمن , كَوحْدة للقياس . السَّنة الضَّوئيّة = 9.5 ألف مليار كيلومتر .

وعلى هذا , فَعِوَضًا أن نقول أنَّ المسافة التي تَفصلُنا عن الشمس هي مائة وخمسون مليون كيلومتر فإننا نقول أنها  ثماني دقائق .. وبدلا من أن نقول أن المسافة بين الأرض و النَّجم Proxima Centauri هي 41 ألف مليار كلم , نقول أنَّها تساوي حوالي 4.3 سَنة ضوئيَّة , أي أنَّ هذا النَّجم يبعد عنَّا مسيرة 4.3 سَنة بسرعة الضَّوء , أي أنَّه لو أرسلَ إلينا شُعاعًا من نُوره لَوَصل إلينا هذا الشُّعاع بعد 4 سنوات وثلاثة أشهر ونصف تقريبًا !.. وبما يعني أنه لو انفجر واختفي من الوجود فلن نعلم إلا بعد  4 سنوات وثلاثة أشهر ونصف. إن الأمر يشبه أن يراسلك صديق في الخارج من مكان يستغرق وصول الخطابات منه أسبوعا. فإنك لن تعرف بحدوث أي خبر يخبرك به إلا بعد أسبوع من حدوثه. فإذا مات هذا الشخص فإنك لن تعرف إلا بعد أسبوع من موته(زمن وصول الخبر).

 ***

ما أضخم الأرض..

بل ما أضأل الأرض!

إنها ليست إلا حلقة في فلاة..

إن  قطر الأرض يبلغ 12756 كيلومتر أما قطر الشمس فيصل إلى 1.4 مليون كيلومتر.. وأن الشمس تتسع لاحتواء مليون كرة أرضية بداخلها.. فما أضخمها وما أضألها..

حلقة في فلاة!.

***

وبمقارنتها بالنجوم الأخرى، تُعد الشمس متوسطة الحجم ، فهناك نجوم تبلغ أقطارها 1000 مرة قدر قطر الشمس.

ولضخامة كتلة الشمس فإن قوة الجذب على سطحها تزيد كثيراً على قوة الجذب على سطح أي كوكب. لذلك فإن الأجسام تزن فوق سطحها أكثر مما تزن فوق أسطح الكواكب. فالإنسان الذي يزن مثلاً على سطح الأرض 45 كجم، يصل وزنه إلى 1,270 كجم على سطح الشمس. ولنلاحظ هنا العلاقة بين حجم الأرض وقوة الجاذبية ووزن الإنسان وعلاقة ذلك بقدرته على الحركة والحياة وأن أي اختلاف في أي جزئية كان يمكن أن تمنع إمكانية الحياة من الأساس.

***

وتنتمي المجموعة الشَّمسيَّة إلى مجموعة أخرى أكبر منها بكثير تسمَّى مَجَرَّة دَرْب التّبَّانة (Voie Lactée) , ويُسمِّيها البعضُ مَجَرَّة طريق اللَّبن .

ويبلغ طولُ هذه المجرَّة حوالي 100 ألف سنة ضوئيَّة , وارتفاعها حوالي 10 آلاف سنة ضوئيَّة ! ولكن مجرة درب التّبَّانة , ليست سوى حلقة في فلاة !, فالجزءُ مِن الكون الذي تَوصَّل العلماءُ اليوم إلى اكتشافه بواسطة مَراصدهم العملاقة , يحتوي على ملايين المجرَّات !

والمدهش أكثر أنَّ المسافة بين هذه المجرَّات تُقدَّر بملايين السِّنين الضَّوئيَّة ! وهذا يعني أنَّ الكون , بالرَّغم من احتوائه على مليارات المليارات من النُّجوم , إلاَّ أنَّه فارغٌ بأتمِّ معنى الكلمة ! وأنتَ عندما تَستلقي على ظهرك تتأمَّلُ السَّماء , في ليلةٍ ظلماء لا يَشوبُها سحاب , تُشاهد حشدًا هائلا من النُّجوم , فتظنُّ أنَّ الكون مُزدحم . لكنَّ الحقيقة أنّك لو ركبتَ مثلا مركبةً فضائيَّة لِتَنْقُلَكَ من نجم لآخر , لَبقيَتْ تسير بك ملايين السِّنين في فراغ مُوحش وسواد شديد , لا يعترضُكَ فيه أيُّ شيء حتَّى تصل إلى النَّجم المقْصُود !

***

لقد أثبتت الأبحاث خلال المائة سنة الأخيرة، وباستخدام التكنولوجيا المتقدمة والحسابات المختلفة بأن هناك تاريخاً لميلاد الكون. وقد أثبت العلماء من خلال هذه الأبحاث أن الكون في حالة تمدد و اتساع مستمرين. و بإجراء مراجعة منطقية لهذا التمدد توصلوا إلى أن الكون قد بدأ من نقطة و هي بداية لهذا الكون، فالعلم الحديث توصل إلى بداية الكون من هذا العدم”النقطة” بواسطة الانفجار، وقد سمي هذا الانفجار بـ “الانفجار العظيم” .(BIG BANG).

إن كلمة الانفجار هنا غير دقيقة كما لاحظ بحق الدكتور زغلول النجار، فالأدق هو التعبير الذي استعمله القرآن الكريم: "البناء أو التشييد". ذلك لأن الانفجار يفضي إلى الفوضى وانعدام القوانين والسنن وليس إلى بناء بالغ التناسق والتنظيم.

ولنتفحص معاً المثال الآتي: لنفترض أن انفجاراً قد وقع تحت سطح الأرض، وكان من نتيجته أن ظهر إلى الوجود قصر من أفخم ما يكون و بجميع غرفه وأثاثه و نوافذه و أبهته. هل يمكن لنا أن نقول بأن المصادفة كانت سبباً في ظهور هذا القصر؟ هل يمكن لهذا الحدث أن يقع من تلقاء نفسه؟ هكذا يدعي العلمانيون.

أو لنتصور أن انفجارا حدث في مصنع للحبر أعقبه انفجار في مصنع للورق.. فهل يمكن أن يتمخض عن الانفجارين أن تتكون –بالصدفة!- مكتبة هائلة تحتوي على بلايين النسخ من ملايين الكتب والروايات ودواوين الشعر المزينة أغلفتها بأجمل ما في الوجود من صور؟! وأن نفسر بلايين بلايين الكلمات وما تؤدي إليه من ملايين المعاني والأفكار والاكتشافات والعلوم بأن ذلك كله محض صدفة من تناثر الحبر على الورق إثر الانفجار!

أي عبث هذا؟! أي عبث؟!.

أما ولادة الكون نتيجة الانفجار العظيم فلا يمكن مقارنته بالمثالين السابقين لكونه ظهوراً خارقاً ورائعاً بكل المقاييس. فالدقة المتناهية موجودة في كل صغيرة وكبيرة من هذا الكون، ويحكمه نظام خارق أيضاً.

فإذن: إنّ التشبث بالادعاء القائل بأن “الكون ظهر من تلقاء نفسه” يُعَدُّ أمراً لا منطقياً، بل غبيا، وإنّ هذا الحدث يثبت لنا وجود خالق للمادة من العدم، وإن هذا الخالق يسيطر على هذه المادة كل لحظة ويمنحها مميزاتها، وإنّ هذا الخالق لابد أن يكون ذا قوة وعلم لا حد لهما. إن هذا الخالق القويّ هو الله البارئ المصور جل جلاله.

***

 

ما أوسع الكون..

الأرض الهائلة بالنسبة للمجموعة الشمسية حلقة في فلاة..

والمجموعة الشمسية بالنسبة لمجرة درب التبانة حلقة في فلاة.

نعم حلقة في فلاة..

لو أننا تصورنا أن الكرة الأرضية في حجم حبة العنب لكانت الشمس في حجم كرة القدم  ولكانت المسافة بينهما بنفس مقياس الرسم 280 مترا كما أن المسافة بين الشمس والكواكب الأبعد في المجموعة الشمسية ستبلغ كيلومترات عديدة.

ومن خلال هذا المثال نستطيع أن نتخيل حجم مجموعتنا الشمسية الهائل. ولكن لو قارنا حجمها بحجم مجرة درب التبانة التي هي جزء منها، فالنتيجة تكون هائلة جداً؛ لأن هذه المجرة تحوي نجوماً غير شمسنا وأغلبها أكبر حجماً، ويربو عددها على 250 مليار نجمة.

ولكن مجرتنا تغدو صغيرة جداً لو قارناها بالفضاء الشاسع المترامي الأطراف؛ لأن الفضاء يحتوي على مجرات أخرى يقدر العلماء عددها بـ 300 مليار مجرة. كما أن الفضاء الذي يقع ما بين النجوم في مجرتنا ليس نهاية هذا الكون، فوراءه ملايين المجرات الأخرى، وهي تندفع جميعها، كما يبدو مبتعدة عن بعضها البعض بسرعة فائقة قد تبلغ نصف سرعة الضوء، كما تمتد حدود الكون الذي يمكن رؤيته بالمجاهر الحالية مسافة (2000) مليون سنة ضوئية على الأقل في كل اتجاه. فالكون في تمدده المتواصل يشبه الكرة التي يتابع النفخ فيها حتى إذا انفجرت تطايرت أشلاؤها فكذلك الكون يكبر بتباعد مجراته حتى ينفجر في النهاية ويتطاير كسفاً ويتناثر حطاماً حيث ليس للكون نهاية معروفة. ومع أن بعض المجرات تزيد سرعتها على سرعة الضوء نفسه خلافاً لنظرية (اينشتاين) في النسبية بشأن السرعة والكتلة لجسم متحرك ما، وبذلك لا يمكن أن تصل الأضواء المنبعثة من تلك المجرات. أي أنها في الكون اللامرئي. الكون الذي ولا يمكن مهما بلغت وسائلنا العلمية أن نراه. ذلك أننا نرى بسرعة الضوء.. فإذا كان هناك شيء يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء فإننا لا يمكن أن نراه.. تماما كما لا يمكن للسيارة أن تلحق بطائرة.. إلا إذا تحطمت الطائرة.

..

{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ- الذاريات 47 }

***

حلقة في فلاة..

نعم.. حلقة في فلاة..

و لو تأمّلنا في بناء مجموعتنا الشمسية لوجدنا أن هناك توازناً دقيقاً و متقناً للغاية، فالذي يحفظ الكواكب من ابتعادها عن الشمس، وبالتالي اندفاعها نحو الفضاء الخارجي ، هو التوازن الموجود بين قوة جذب الشمس والقوة الطاردة المركزية للكواكب، فالشّمس تملك قوة جذب هائلة تجذب بواسطتها الكواكب نحوها، والكواكب تستطيع أن تقلل أو تتخلص إلى حد ما من هذه الجاذبية بواسطة قوتها الطاردة المركزية المتولدة عن حركتها المدارية، ولو كانت سرعة دوران الكواكب أقل مما هي عليه لانجذبت نحو الشمس لتبتلع من قبلها مصحوبة بانفجار كبير، ولو افترضنا العكس أي لو كانت أسرع دوراناً لما كانت قوة جذب الشمس كافية لإبقائها ضمن المجموعة، وبالتالي تندفع هذه الكواكب نحو الفضاء الخارجي. بيد أنّ أياً من الافتراضَين لن يحدث أبداً. والمجموعة الشمسية تستمر في الوجود بفضل هذا التوازن الدقيق جداً.

إن هذه الظواهر تُعَدُّ دليلاً على وجود مثل هذا التوازن الخارق في المجموعة الشمسية، وهذه الظواهر تقود إلى حقيقة عظيمة؛ و هي أنّ هذا التوازن الذي يحفظ بنيان المجموعة الشمسية بشمسها وكواكبها، لم يتكوّن من تلقاء نفسه.

إن هذه حقيقة واضحة لكل ذي عقل وتفكير. فالواضح أمامنا أن هذا التوازن قد تم حسابه بدقة متناهية جداً، ويُعَدُّ هذا التوازن آية من آيات الله عز وجل وقدرته التي لا حدّ لها في الخلق و التصوير.

لم يكن للحياة أن تنشأ على الأرض إلا بتدبير هائل يخلق وينسق بين ملايين العوامل والضرورات التي تتضافر جميعا كم تمكن الإنسان من الوجود والاستمرار..

ويمكن أن نحصي العديد من هذه الضروريات كالأكسجين والماء والشّمس والغلاف الجوي والحيوانات ...، وضروريات أخرى أجل وأكثر من أن تحصى ولكنها موجودة كلها بصورة طبيعية في هذا الكوكب. وهذه العوامل الضرورية تمر بأذهاننا في حالة ما إذا فكرنا تفكيراً سطحياً، و لكننا لو تعمقنا في التفكير لوجدنا أنّ هذه العوامل مرتبطة بعضها مع بعض ارتباطاً وثيقاً وفق موازين دقيقة. وإن هذه العوامل الحياتية الموجودة في هذا الكوكب كالكائنات الحيوانية والنباتات والسماء والبحار مخلوقة ومسخرة لحياة الإنسان على أحسن صورة.

فلو أنَّ الأرض مثلاً كانت أقرب إلى الشَّمس مِمَّا هي عليه الآن , لاحترقَتْ بِمَن عليها ! ولو أنّها كانت أبْعَد منها ممَّا هي عليه الآن , لَتَجمَّد كلُّ شيء فوقها !

والذي سَنَّ هذين القانونَين عَلِم أنَّ الأرض ستمارسُ جاذبيَّتها على كُلِّ مَن فَوقها من أحياء وجماد , فيَلتصقُوا بها , لا يستطيعون حراكًا . لذلك , جعلها تدور حول نفسها لِتَكْتسب قوَّة طَرْد مضادَّة لجاذبيَّتها , فيحصلُ التَّوازن , ويستطيع الأحياءُ المشيَ والحركة !

وهذا الدَّورانُ محسوب أيضا بدقّة , بحيث لو كان أسرع مِمَّا هو عليه الآن , لَتَناثر كلُّ مَن على الأرض مِن بَشَر ودوابّ وغير ذلك , ولو كان أقلَّ مِمَّا هو عليه الآن , لَوَجد النَّاسُ صعوبة كبيرة في الحركة !

ولأنَّ الكونَ يسيرُ وفْقَ نظام واحد , فقد سَنَّ خالقُه سُنَّةَ الدَّوران أيضًا على كلِّ الكواكب والنُّجوم والأقمار الأخرى , فجعلها كلُّها تدور حول نفسها !

والأعجب من هذا أنَّها كلُّها تدور من الغرب إلى الشَّرق , على عكس دَوران عقارب السَّاعة إذا نظرنا إليها من فوق , سواء عندما تدور حول نفسها , أو عندما تجري في مدارها حول النَّجم أو المركز الذي تدور حولَه !

فالأرض تدور حول نفسها من الغرب إلى الشَّرق , وتدور في مدارها حول الشَّمس , أيضًا من الغرب إلى الشَّرق ! والقمر يدور حول نفسه من الغرب إلى الشَّرق , ويدور مع الأرض حول الشَّمس , أيضًا من الغرب إلى الشَّرق ! وكلُّ كواكب المجموعة الشَّمسيَّة تدور حول نفسها من الغرب إلى الشَّرق , ويدور كلٌّ منها في مداره حول الشَّمس , أيضًا من الغرب إلى الشَّرق ! والشَّمس تدور حول نفسها من الغرب إلى الشَّرق , وتدور في مدارها حول مركز مجرَّة درب التّبَّانة , أيضًا من الغرب إلى الشَّرق !

والأعجب من العجب أنَّنا إذا انتقلنا من المجرَّة , التي هي أكبر شيء في هذا الكون , ونظرنا في أصغر شيء فيه , وهو الذَّرَّة التي هي أَصْل كلِّ مادَّة , لَوَجدناها تتكوَّن من نَواةٍ في الوَسط , تدور حولها إلكترونات , أيضًا من الغرب إلى الشَّرق , في مداراتٍ كما تدور الكواكب حول الشَّمس ! فالنَّواة هي شمس هذه الإلكترونات , و "من الغرب إلى الشَّرق" هي قاعدة ثابتة في هذا الكون !

ومن اللاّفت للانتباه حقًّا أنَّ المسلمين عندما يؤدُّون فريضة الحجّ , يقومون بالطَّواف بالكعبة , فيدُورون حولها من الغرب إلى الشَّرق ! نعم , مثل الكواكب والنُّجوم والإلكترونات ! (أما آن لك أن تعتنق الإسلام. م.س.)

***

حلقة في فلاة..

ليس على مستوى الحجم فقط بل على مستوى كل وجه من أوجه الإعجاز.

تدور الأرضُ حول محورها مرَّةً كلَّ 23 ساعة و56 دقيقة و4.1 ثانية , وذلك بسُرعةٍ تزيد قليلاً عن 1600 كلم في السَّاعة بالنِّسبة لِنُقطةٍ عند خطِّ الاستواء . نعم , إنَّ الأرض تدور بنا بهذه السُّرعة المجنونة , ونحن لا نشعر بِدَوَرانِها على الإطلاق !

وليس هذا فقط , فهي في نفس الوقت تدورُ , ومعها القمر , حول الشَّمس في مَدار إهليلي مرَّةً كلَّ 365 يومًا وربع اليوم , بسرعة 105 ألف كلم في السَّاعة!

وتدور الشَّمسُ حول مركز مجرَّة درب التّبَّانة بسرعة 69500 كلم في السّاعة , بالنّسبة لِمَا حولها من النُّجوم , حاملةً معها الأرض وبقيَّة المجموعة الشَّمسيَّة !

وتدور مجرَّة درب التّبَّانة في مدار حلزوني حول مركزها الهندسي بسرعة 972 ألف كلم في السَّاعة, حاملةً معها الأرض والشَّمس وبقيَّة نجوم المجرَّة !

***

هذا هو العلم وليس الفن..

هذه هي الحقائق وليست الأباطيل..

نحن نتكلم عن الفلك والفيزياء وليس عن تهويمات صوفية أو خرافات أو أساطير.

نتكلم عن الواقع لا عن الخيال.. عن رؤية اليقظة لا رؤية الأحلام. عن البصر لا عن البصيرة. عن المعادلات الرياضية الدقيقة  وليس عن شطحات الروح.

نتحدث عن الجزء الذي نراه من الكون..

وليس لدينا أي فكرة عن حجم الجزء الذي لا نراه..

وقد يكون الجزء الذي نراه في الكون بالنسبة للجزء الذي لا نراه هو أيضا كحلقة في فلاة..

ثم أننا بعد هذا كله نتحدث الآن عن كون واحد هو الذي نرى بعضه دون بعضه الآخر..

وليس هناك أي مانع نظري من أن تكون هناك مئات أو آلاف أو ملايين أو بلايين الأكوان..

ثم يأتي بعد ذلك أن هذه الأكوان كلها ما نرى منها  وما لا نرى بالنسبة للكرسي ليست سوى حلقة في فلاة..

لم ينته الأمر بعد..

لأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة.

***

سبحانك..

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر.

سبحانك..

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ".

سبحانك..

سبحانك..

سبحانك..

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر.

سبحانك..

" ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ".

***

كان لابد أن نحلق في الكون باعتباره المكان الذي يحيط بالأرض. مهبط الوحي وموضع الرسالة وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم. فمن خلال النظرة الشاملة تلك ندرك قصورنا وعجزنا وعظمة الخالق وقدرته. وندرك أيضا ضحالة تلك التصورات عن اتخاذ الله ولدا، سبحانه وتعالى عما يصفون.وندرك أيضا سفاهة الشرك بالله وحماقة من يقولون بالنظريات المادية والتطور.  بل إن أحداثا هائلة كالإسراء والمعراج  لا تظهر في حجمها الحقيقي إلا من خلال النظرة الشاملة للكون وللوجود فإذا بها رغم وجودها المعجز ليست إلا كحلقة في فلاة. فالإسراء والمعراج على سبيل المثال ليسا أكثر إعجازا من رفع السماء بلا عمد ولا أكثر إبهارا من إخصاب بويضة وولادة طفل. إن كل الطبيعة معجزة وكل المعجزات طبيعية وليس هناك "ما لا نهاية" أكبر أو أصغر من "ما لا نهاية " أخرى!

أردت أيضا أن أشير إلى نقطة هامة جدا تتعلق بالوعد الإلهي بانتشار الإسلام وبمعجزة نبوية مذهلة تحدث من خلالها الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام وبيّن أن الإسلام سينتشر في جميع أجزاء الأرض. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، عزا يعز الله به الإسلام ، وذلا يذل الله به الكفر"[2]. لقد  نطق الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث في مرحلة ضعف المسلمين وقلة عددهم، في ظروف لم يكن أحد يتوقع أن الإسلام سينتشر في الجزيرة العربية فقط لا في بقاع الأرض كافة.

لقد كان الكون مجهولا للبشر حتى قرون قليلة خلت. كان العلم به خلطا غريبا من الجهالات والخرافات والأساطير. والآن،  ومع تدفق المعلومات تسقط الخرافات والأساطير والبدع وتسقط معها جل حكايات الكتب السابقة على القرآن  ويبقى القرآن  ناصعا قويا وهو الوحيد القادر على الربط بين مبنى الكون ومعناه.

أتذكر أن الراحل الكبير الأستاذ عادل حسين وهو مفكر إسلامي كبير انتقل من اليسار إلى الإسلام كان يقول أنه مع الاكتشافات الهائلة في العلم ستسقط أوهام كثيرة وخرافات كثيرة وأساطير كثيرة  وأديان كثيرة وسيثبت أن معظم ما في الكتب السابقة على القرآن قد حرف وبدل، بالإضافة إلى أن معظم الموجود في الكتب المتاحة لا يمكن أن يدرج إلا تحت بند الخرافات والأساطير. لقد حلت العلمانية محل الدين، لكنها بغض النظر عن قصورها الفكري والمنهجي لم ترو أشواق الروح. كان الخطأ الفادح في بنيتها أنها أهملت الجزء الأهم في الإنسان وركزت على الحيوان. وبذلك كانت تصلح للتطبيق في مزرعة للحيوانات. لكنها فشلت مع البشر. إن ما يقرب من نصف أهل الأرض (47%) وثنيون منهم حوالي 20% من البوذيين والهندوس. لقد تكفل العلم ويتكفل بإقناع الوثنيين بسطحية عقائدهم ولا معقوليتها. كما تكفل بإثبات الأخطاء الهائلة في التوراة والإنجيل. تقول الدكتورة زينب عبد العزيز في مقال بعنوان" اعترافات ووثائق مخجلة" أن الموسوعة البريطانية (1972) قد أحصت هذه الأخطاء وقدرت أنها  قرابة المائة وخمسون ألفا من المتناقضات،  وقد قام العلماء ومنهم رجال دين مسيحيون برفع هذا العدد إلى الضعف ، خاصة مجموعة العاملين في أبحاث معهد ويستار Westar)) في الولايات المتحدة ، والتي يفوق عددهم المائتين عالما متخصصا في علم اللاهوت أو اللغويات القديمة ، وجميعهم مسيحيون ، وأجمعوا في ندوة عيسى Jesus Seminar)) مضيفين حقيقة أن 82 % من الأقوال المنسوبة ليسوع لم يتفوه بها ، وإن 86 % من الأعمال المسندة إليه لم يقم بها !

لقد قام العلم إذن بهز المسيحية واليهودية هزا عنيفا، ثم تكفلت العلمانية بالباقي. والمدهش أن رد الفعل كان عكسيا. فقد تمسك الناس بالخطأ وتركوا الصواب!.

  كان عادل حسين يتنبأ بأن العلمانية سرعان ما تشهر عجزها عن تلبية الحاجات الروحية للبشر. وأن العالم سيعود للبحث عن دين مناسب، وساعتها لن يجد إلا الإسلام. ذلك أن اليهودية ديانة منغلقة على نفسها وتتعلق ببني إسرائيل فقط. أما المسيحية فكيف يعتنقها الوثنيون إذا كان أهلها يكفرون بها ويتخلون عنها. وعلى هذا فلن يكون أمامهم إلا الإسلام.

يقول الدكتور محمد عمارة: "إن الذين يؤمنون في أوروبا بوجود إله أقل من 14% من السكان، والذين يذهبون في القداس مرة في الأسبوع في فرنسا "بنت الكاثوليكية وأكبر بلادها"، أقل من 5% من السكان أي أقل من 3 ملايين أي أقل من نصف عدد المسلمين الفرنسيين"، وأن 10% من كنائس إنجلترا معروضة للبيع، وفي ألمانيا توقف القداس في 100 كنيسة أي 30% من كنائس إبراشية آيسين وحدها، وفي إيطاليا بلد الفاتيكان غنت مادونا في احدي الكنائس التاريخية بعد أن تحولت إلي مطعم وملهي ليلي، مضيفا: "إن تلك المؤشرات تدل علي إفلاس الكنائس الغربية في عقر دارها. وبناء على بناء على الاتجاهات الديموغرافية وحركات الهجرة الحالية ومعدلات الإنجاب فإن أوروبا سيكون بها أغلبية من المسلمين بنهاية القرن الجاري وذلك. وقال برنارد لويس الأستاذ بجامعة برنستون ومؤلف العديد من الكتب حول الشرق الأوسط في حوار مع صحيفة (دي فيلت) الألمانية (إن أوروبا ستكون جزءا من المغرب العربي). وأن أوروبا سيكون بها أغلبية مسلمة بنهاية القرن الواحد والعشرين على أقصى تقدير». وأن أوروبا المسلمة ستشكل خطرا ماحقا على أمريكا. لقد كان عدد المسلمين في العالم عام 1900 أقل من نصف عدد المسيحيين، ولكن في عام 2025 سوف يصبح عدد المسلمين أكبر من عدد المسيحيين بسبب النمو الكبير للديانة الإسلامية (4). ففي عام 1900 بلغت نسبة المسلمين في العالم 12.4 % ، أما المسيحية فقد بلغت نسبتها 26.9 % . وفي عام 1980 بلغت نسبة المسلمين في العالم 16.5 % ، أما المسيحية فقد بلغت نسبتها 30 % . وفي عام 2000 بلغت نسبة المسلمين في العالم 19.2 % ، أما المسيحية فقد بلغت نسبتها 29.9 % . أما في عام 2025 سوف تبلغ نسبة المسلمين في العالم 30 % ، أما المسيحية فستكون نسبتها 25 %. وبهذا يكون المستقبل للإسلام تحقيقا للوعد الإلهي وللبشارة النبوية.

***

نعم .. فالمستقبل لهذا الدين كما يقول الشهيد-أحسبه كذلك-  سيد قطب في كتاب يحمل هذا الاسم. ورغم أننا في السيرة النبوية نتحدث عن الماضي إلا أن عيننا كلها على المستقبل. ونحن عندما نتناول السيرة لا نتناولها كي نزيل الركام عن أضابير تحمل التاريخ بين دفتيها.. بل لنعيد صياغة هذا التاريخ وصناعته على منهاج النبوة. كما أننا في تناولنا للسيرة إنما نتوجه للشباب الذي يريدون إخراجه من دينه.. نتوجه إليه كي ننبهه لعظمة دينه وعظمة سيرة نبيه وكذلك إلى الجهود  الجبارة التي تبذل-منذ قرون- لحصر الإسلام في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية؛ ومنعه من الهيمنة الكاملة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية-كما هي طبيعته، كما هي حقيقته، وكما هي وظيفته. لقد كانت هذه الخصائص في هذا الدين.. خصائص الشمول والواقعية والهيمنة.. هي التي تعبت منها الصليبية العالمية في هجومها على (الأمة المسلمة) في (الوطن الإسلامي). كما أنها هي التي تعبت منها الصهيونية العالمية كذلك، منذ عهد بعيد! ومن ثم لم يكن بد أن تبذلا معاً الجهود الجبارة لحصر هذا الدين في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية؛ وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية؛ ومنعه من الهيمنة على نشاط الحياة البشرية.. وذلك كله كخطوة أولى، او كموقعة أولى، في معركة القضاء عليه في النهاية!. نتناول السيرة كي نضعها بين أيدي شبابنا لكي يدركوا أن كل (دين) هو منهج للحياة بما انه تصور اعتقادي.. كذلك عكس هذه العبارة صحيح.. أن كل منهج للحياة هو (دين). فدين جماعة من البشر هو المنهج الذي يصرف حياة هذه الجماعة..

***

ولقد رأينا أن نبدأ بالحديث عن علم الفلك.. فهذا الفلك الهائل المروع في ضخامته أسلم لله طائعا.. فما بال الإنسان؟! أردنا أن نتحدث عن النظام المعجز للكون، وعن حماقة إنسان لا يستطيع الحياة دقائق دون وجود الشمس.. وهو يرضخ تماما ويستسلم تماما للقوانين التي يسيرها الله بها والكون من حولها، ولكنه يتمرد ويرفض أن يخضع هو نفسه لما أراده الله له. إنه لا يتخيل أن تخرج الشمس ثانية واحدة عن فلكها المرسوم.. لكنه هو نفسه يتمرد ويخرج!.

والإنسان  إما أن يعيش بمنهج الله بكليته فهو في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود، وفطرته هو أنفسه. وإما أن يعيش بأي منهج آخر من صنع البشر، فهو في خصام مع نواميس الكون، وتصادم مع فطرة الوجود، ومع فطرت هو نفسه، بوصفه قطاعاً في هذا الوجود.. تصادم تظهر نتائجه المدمرة من قريب أو من بعيد..

نكتب عن السيرة كي ندافع عن الدين الذي ما جاء إلا ليلغي  عبودية البشر للبشر، في كل صورة من الصور، وليوحد العبودية لله في الأرض، كما أنها عبودية واحدة لله في هذا الكون العريض.

(أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، واليه يرجعون)..[3]

 

 

******

***

 


2

 

 

في ظلال السيرة

 

هل القرآن كلام الله؟!

الكون قرآنٌ محكيّ

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

هل القرآن كلام الله؟!

هذا هو الفيصل بيننا وبينهم.. عبر التاريخ والأزمنة والأجيال بل وعبر الكون..

ذلك أنه إذا كان القرآن من عند الله- وهو من عنده- فقد صدقت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.فإذا ثبت لنا صدق نبوته- وقد ثبت- وجب علينا أن نتلقى منه بقلب آخر وعقل آخر وروح أخرى..

إننا لو جئنا بأعلم أهل الأرض في مقابل مجموعة من الصعاليك والجهلة لما أدركوا من قيمة العالم  شيئا.. فإذا استبعدنا الصعاليك وجئنا بمن هم أعلم منهم لتناسب تقديرهم للعالم مع علمهم.. فكلما ازدادوا علما كلما ازداد تقديرهم لأعلم العلماء.. فمشكلة الإيمان والكفر هي مشكلة علم وجهل بالدرجة الأولي ثم تأتي بقية العوامل الأخرى بعد ذلك..

الصعاليك سيشاغبون على أعلم العلماء ويسخرون منه ويستهزئون به أما العلماء فيسكنون أمامه وكأن على رؤوسهم الطير مهابة وطلبا لاستفادة.

إذن .. كلما ازداد الجهل كلما ازداد البعد عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وكلما ازداد العلم ازداد الاقتراب.

لقد فوجئت بابنتي-التي تنتظر وليدها-  تقول لي والدموع تملأ عينيها : لو علم الأبناء شيئا عن مشاعر الآباء تجاههم ما عصوا أبدا وما تمردوا أبدا وما جنحوا وشقوْا أبدا..

وقلت لنفسي أن المشكلة هي ذات المشكلة.. مشكلة جهل.. وأننا لو عرفنا وصدقنا كم يحبنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما عصينا وما تمردنا وما شقينا..

ولكي نعرف لابد لنا أن نصدق ولكي نصدق لابد أن نؤمن ولكي نؤمن لابد أن نقتنع ولكي نقتنع فلابد أن نضع أنفسنا في مواجهة الإعجاز المذهل للقرآن.. فإذا ما وضعنا أنفسنا في هذا المجال لابد أن نؤمن به فإذا آمنا به لم يعد ثمة مناص من اليقين بصدق النبوة.

إننا نستدل على صدق النبوة بإعجاز القرآن ولا نستدل على إعجاز القرآن بصدق النبوة..

إن القرآن معجز.. ولذلك فإن محمدا رسول الله وخاتم النبيين.. وهو الصادق الأمين..

لكن موسى وعيسى نبيين صادقين على الرغم من أن الإنجيل والتوراة في صورتيهما الحاليتين ليسا بمعجزين.

***

أعرف شاعرا .. كان يساريا.. وذلك مرادف للكفر إلا من رحم الله أو من يعذر بجهله.. لكن أخانا هذا كان كافرا بالفعل.. ولقد سمعت منه مباشرة ما حدث له.. كان يعبر قنطرة على النيل تفصل بين عمله وسكنه.. كان الجو شتاء وكان البرد قارصا ثم بدأ المطر يهطل بغزارة فأسرع الخطو كي يتجنبه ويتجنب البلل  والمرض والحمى.. في وسط المعبر انقضت عليه صاعقة..

صاعقة من السماء.. لكنها ليست شحنة كهرباء .. بل قبس من النور..

صاعقة أفكار..

يقول الرجل أنه ظل على المعبر أكثر من نصف ساعة وكأنما قد تحول إلى تمثال حجري والمطر يهطل عليه وهو لا يتحرك..

كانت صاعقة الأفكار التي دهمته تقول له:

-      أنت شاعر.. ولشد ما تحتفي باللفظ والبيان.. ولو قرأت شطرا من بيت في قصيدة لاستطعت تحديد من القائل، فلكل شاعر خصائص لا يتطابق معه فيها شاعر آخر. بل إن أي شاعر لا يستطيع مهما اجتهد أن يقلد أسلوب شاعر آخر تماما، ومن هنا استطاع المحققون والنقاد أن يكتشفوا دائما الشعر المزور والمنحول. هذا شيء بديهي جدا. الجاهل فقط هو الذي لا يستطيع أن يميز ما بين شاعر وآخر. فكيف غفلت عن هذا..كيف.. كيف.. كيف .. كيف..كيف غفلت عن الاختلاف الكامل بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث.. ليس ثمة علاقة.. لا يمكن أن يكون قائل هذا هو قائل ذاك.. فكيف غفلت.. كيف غرني أصدقاء السوء كي أكون من المستهزئين.. دعنا من الدين كله.. فالأمر يتعلق بي.. بشاعر صناعته الألفاظ فكيف لم أفهم تفرد بيان القرآن.. بل إن الإعجاز هنا مزدوج.. فأسلوب القرآن مختلف عن أسلوب الحديث وهما معا يختلقان عن أسلوب الأحاديث القدسية وهي التي أوحي بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فعبر عنها بلفظه.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

وكان هذا وجها من وجوه الإعجاز كشفه ملحد-سابقا-  بمقاييس لا تتعلق بالدين بل باللغة!..

***

تناول هذا الأمر العلامة محمود شاكر في المقدمة الرائعة التي كتبها لكتاب الظاهرة القرآنية تأليف مالك بن نبي وترجمة الدكتور عبد الصبور شاهين-آفاق الكتابة-الهيئة العامة لقصور الثقافة. لم يذهب العلامة محمود شاكر مذهب من يقولون أن الروع الذي أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم كان بسبب رؤية جبريل عليه السلام على حقيقته بل ذكر أن هذا الروع الذي أرجف فؤاده فدخل على خديجة رضي الله عنها فقال "زملوني زملوني"فزملوه حتى ذهب عنه الروع..وذلك أنه قد أتاه أمر لا قبل له به، وسمع مقالا لا عهد له بمثله.. وكان هذا الروع الذي أخذه هو أول إحساس في تاريخ البشر بمباينة هذا الذي سمع للذي كان يسمع من بيان قومه.

يرى محمود شاكر إذن أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب و أبلغ العرب وقد أوتي جوامع الكلم قد أدرك أن هذا الكلام ليس كلام بشر  وأنه كلام الله.. الله الذي لم يحتمل الجبل تجليه فاندك دكا وخر موسى عليه السلام  صعقا.. فليس بغريب إذن أن يصيب هذا الروع سيد المرسلين عندما سمع :

(بسم الله الرحمن الرحيم)

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق 1-5

 

***

 يلعب الأطفال بقطعة من الحديد فإذا رآها خبير مفرقعات انتفض فزعا.. فالأطفال لا يدركون لكنه هو يدرك أي طاقة جبارة يواجهها.. وأن ما يعبث الأطفال به ليس قطعة من الحديد مثل ما يصادفهم كل يوم بل هي قنبلة مروعة. أو كما يقول شيخ العربية الشامخ مصطفى صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية- دار الكتاب العربي: دع جهلهم باللغة وأسرار البيان فهو السبب الحق الذي ضل بهم وجعلهم يرون القرآن كلاما من الكلام يجرون عليه الحكم الذي يجري على غيره ، كما يظن الجاهل كل صورة ككل صورة وكل حصاة ككل جوهرة ويذهب يقيم لك البرهان على صحة نظره من الخطوط والتقاسيم والألوان والأوصاف.

***

أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم إذن أنه يواجه أمرا لم يواجهه من البشر إلا أولو العزم من الرسل..

ويواجه بيانا ليس كمثله بيان.. ومن هنا كان روعه.

***

يواصل العلامة محمود شاكر أن هذا القرآن المعجز هو البرهان الساطع على صدق النبوة أما صحة النبوة فليست دليلا على إعجاز القرآن.

***

ولقد دبج الأستاذ الدكتور محمد جبريل رئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر  في هذا الصدد بحثا قيما عميقا شاملا بعنوان: عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم- المملكة العربية السعودية- وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة . . فيشير إلى أن معجزات الأنبياء السابقين انتهت بعصورهم فلم يعاينها إلا من حضرها .. أما القرآن: معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي باقية إلى يوم الدين فهو في كل عصر خارق للعادة في أسلوبه وبلاغته وفصاحته ونظمه وأسلوبه  وسائر وجوه إعجازه ومنها إخباره بالمغيبات.. فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر شيء مما أخبر به أنه سيكون. . وكذلك في إخباره عن القرون السابقة والأمم البائدة.. وكذلك في إعجازه النفسي .. ثم إعجازه في هديه وتشريعه وأخيرا الإعجاز العلمي..

كانت معجزات الرسل عليهم السلام حية تشاهد بالأبصار..أما القرآن فمعجزة عقلية تشاهد بالبصيرة.

***

ولقد كان التركيز على الإعجاز البياني للقرآن محورا رئيسيا لدراسات الإعجاز..  ولكننا سنؤجل تناوله الآن لسبب نراه وجيها.. فإعجاز القرآن البياني لم يَقِلّ.. لكن جهل الناس بلغة القرآن أصبح فادحا. لذلك فإننا سنبدأ بتناول الأقل وهو الإعجاز العلمي لننتهي بالأجل وهي ضروب الإعجاز الأخرى. وسيكون ذلك في لمسات خاطفة، لأننا لو أوغلنا في الإعجاز لانصرفنا عن موضوعنا الرئيسي: في ظلال السيرة.

على أننا نشير هنا إلى أن جهل الناس بلغتهم لم يكن محض تخلف بل كانت داهية دهياء تحالف فيها الصليبيون واليهود والعلمانيون لفصم العلاقة بين الأمة ودينها عندما تعجز الأمة بجهلها عن إدراك أوجه الإعجاز في قرآنها.

يقول شيخ العربية مصطفي صادق الرافعي : إعجاز القرآن (مرجع سابق) :

‏وقد نبتت في مصر نابتة من الزنادقة الملحدين في آيات الله الصادين عن دين الله ، قد سلكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شعابا جددا، وللتشكيك في الدين طرائق قددا، منها الطعن في اللغة العربية وآدابها، والتماري في بلاغتها وفصاحتها، وجحود ما روي عن بلغاء الجاهلية من منظور ومنثور ، وقذف رواتها بخلق الإفك وشهادة الزور، ودعوة الناطقين باللسان العربي المبين إلى هجر أساليب الأولين، واتباع أساليب المعاصرين.

‏ومنهم الذين يدعرن إلى استبدال اللغة العامية المصرية بلغة القرآن ،  والغرض من هذا وذاك صد المسلمين عن هداية الإسلام وعن الإيمان بإعجاز القرآن،  فإن من أوتي حظا من بيان هذه اللغة، وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها، لا يملك آن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته وبأسلوبه في نظم عبارته.

***

رواد الحداثة والعلم والتنوير يحرصون على نشر الجهل والإظلام والتزوير لسبب وحيد هو فصم العلاقة بين الأمة والقرآن ولقد أدركوا أن هذه العلاقة لن تنفصم ما بقي القرآن وما بقيت اللغة ولما كانوا عاجزين عن محو القرآن فلم يعد أمامهم إلا هدم اللغة..إن هدم اللغة سيخلف جيلا لا يفهم القرآن ولا يتفاعل مع السيرة النبوية بل سيفقد تواصله مع تراثه كله. إنها ليست عملية غزو ثقافي تجاور فيه الثقافة الغازية ثقافتنا بل هي عملية إحلال ومحو كامل لثقافة أمتنا ووعيها وهويتها. وذلك مبحث طويل جدا عميق جدا خطير جدا لا يتسع له المجال هنا لكنني أنبه الناس أن كل خطوة لنشر العامية أو اللهجات المحلية أو الشعر النبطي أو لغة البربر أو كل ما شابه ذلك ليس إلا لفصم العلاقة بين الأمة والقرآن لأن أمة لا تفهم العربية لن تدرك إعجاز القرآن، وقبل أن يتساءل متسائل فما بال أمة الإسلام من غير العرب فأقول لهم من ناحية أن العرب هم القاطرة وهم الأساتذة، ثم أن العربية ليست العرق وإنما هي اللسان.

سوف يزعمون ألف سبب وسبب لتشجيع العامية واللهجات المحلية لكنهم لن يعترفوا بالحقيقة أبدا. بل سيسعون إلى تشويه كل من يكشفهم ويفضحهم  ولن يناقشوا أبدا حججه وبراهينه وسيعتبرون أن اقتصار الرافعي على شهادة الابتدائية وصمة عار بينما يعتبرون-هم بأنفسهم وضمائرهم المريضة- العقاد كاتبا عملاقا.. لكنهم يعتبرون العقاد علمانيا وهذا سر إشادتهم به أما الرافعي فإسلامي لذلك يجب أن ينكل به.. ولقد تجاهلوا في نفس الوقت إشادة سعد زغلول باشا-وهو الآخر علماني قح- بكتاب إعجاز القرآن حيث ورد في تقديمه وصفه لعجز أمثال هؤلاء العلمانيين عن الاستجابة لتحدي القرآن،‏ ولو قدروا ما تأخروا .. ثم يستطرد قائلا:

" ‏هذا العجز الوضيع بعد ذاك التحدي الصارخ ،  هو أثر تلك القدرة الفائقة ، وهذا السكوت الذليل بعد ذلك الاستفزاز الشامخ، هو أثر ذلك الكلام العزيز."  

ثم يواصل حديثه موجها تحيته للرافعي: "‏ولكن أقواما أنكروا هذه البداهة وحاولوا سترها . فجاء كتابكم "إعجاز القرآن" مصدقا لآياتها ، مكذبا لإنكارهم ، وأيد بلاغة القرآن وإعجازها بأدلة مشتقة من أسرارها في بيان مستمد من روحها.."

بل ويصل سعد زغلول في وصفه لكتاب الرافعي إلى حد أن يبالغ مبالغة شديدة فيقول: " كأنه تنزيل من التنزيل ، أو قبس من نور الذكر الحكيم" .

***

لعلي هنا أعيد وأزيد وأكرر أنني لا أكتب هذه السيرة استرجاعا للماضي – وهذا جليل جدا لكن غيري أقدم عليه أفضل مني-لكنني أكتبها إنقاذا للمستقبل.. وإنقاذا لشبابنا من السقوط  تحت الضربات السافلة والهوائل النازلة  والنوازل الهائلة في مستنقع الإلحاد والضياع والشقاء والعدمية. أكتبها لأناشد شبابنا ألا يدعوا القرآن مهجورا وأن يتنبهوا لتلك الآية الهائلة المزلزلة:

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران

نعم أنبه شبابنا .. أن يذكروا الله دائما.. قياما وقعودا وعلى جنوبهم كما أكتبها لأكشف من خلال تناول السيرة حيل العلمانيين من عرب وعجم في نشر الأكاذيب وابتداع المطاعن..أنبه شبابنا أنهم يزرعون في أعماقه قرآنا غير القرآن وسيرة غير السيرة.. وأن فهم ذلك والتدقيق فيه جوهري لفهم القرآن والسيرة...وأن هدفهم من ذلك أن يدفعوا شبابنا إلى ازدراء تاريخه الذي شوهوه وتراثه الذي زوروه ثم سنته وقرآنه. الهدف هو إخراج الشباب من الإسلام. وأحذر الشباب من وهم موضوعية الغرب .. فذلك وهم وكذب. ولعل واحدا من أفضل من كتبوا عن ذلك هو العلامة محمود شاكر في تقديمه لكتاب:"الظاهرة القرآنية- مرجع سابق" حيث يقول:

‏فمنذ أول الإسلام ، خاضت الجيوش الإسلامية معارك الحرب في جميع أنحاء الدنيا ، وخاض معها العقل الإسلامي معارك أشد هولا حيث نزل الإنسان المسلم . وتقوضت أركا‏ن الدول تحت وطأة الجند المظفر، وتقوضت معها أركان الثقافات المتباينة تحت نور العقل المسلم المنصور ، وظلت الملاحم دائرة الرحى قرونا متطاولة ، في ميادين الحرب وميادين الثقافة ، حتى كا‏ن هذا العصر الأخير .

‏انبعثت الحضارة الأوربية ، ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي ، أكبر معركة في تاريخنا وتاريخهم . وهي معركة لم يحط بأساليبها وميادينها أحد بعد في هذا العالم الإسلامي ولم يتقص أحد آثارها فينا . ولم يتكفل بدراستها من جميع نواحيها من يطيق أن يدرس(...).. ‏لم تكن المعركة الجديدة بين العالم الأوربي المسيحي ، وبين العالم الإسلامي، معركة في ميدان واحد ، بل كانت معركة في ميدانين : ميدان الحرب ، وميدان الثقافة . ولم  يلبث العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الحرب ، لأسباب معروفة . أما ميدان الثقافة ، فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلا بعد جيل ، بل عاما بعد عام ، بل يوما بعد يوم. وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين ، وأبعدها أثرا ، وأشدها تقويضا للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي . وكان عدونا يعلم مالا نعلم ، كا‏ن يعلم أن هذه هي معركته الفاصلة بيننا وبينه ، وكان يعلم من خباياها مالا نعلم، ويدرك من أسرارها ووسائلها مالا ندرك ، ويعرف من ميادينها مالا نعرف ، ويصطنع لها من الأسلحة مالا نصطنع ، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا مالا نتحرى أو نلقي إليه بالا . وأعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعا هزيمة في ميدان الحرب . فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة ، وصار مهيمنا على سياستها واقتصادها وصحافتها ، أي سقطت في، يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية ء والعقل الإسلامي .

‏وميادين معركة الثقافة والعقل ميادين لا تعد ، بل تشمل المجتمع كله في حياته وفي تربيته وفي معايشه ، وفي تفكيره وفي عقائده وفي، آدابه وفي فنونه وفي سياسته ، بل كل ما تصبح به الحياة حياة إنسانية  كما عرفها الإنسان منذ كا‏ن على الأرض . والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثقافة، أساليب لا تعد ولا تحصى ، لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها ، وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة ، لأن عقل المثقف يتكون يوما بعد يوم ، بل ساعة بعد ساعة ، وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع ، أشياء يسلَّمها بالإلف الطويل وبالعرض المتواصل وبالمكر الخفي ، وبالجدل المضلل وبالمراد المتلون وبالهوى ‏المتغلب ، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم ، لكي يقيم العدو على أنقاضه بناء كالذي يريد ويرجو .

‏وقد كان ما أراد الله أن يكون ، وتتابعت هزائم العالم الإسلامي في ميدان الثقافة جيلا بعد جيل ، وكما بقيت معارك الحرب متتابعة سرا مكتوما ‏لا يتدارسه قادة الجيوش الإسلامية وجندها حتى هذا اليوم ، بقيت أيضا معارك الثقافة على تطاولها ، سرا خافيا لا يتدارسه قادة الثقافة الإسلامية وجندها : بل أكبر من ذلك : فقد أصبح أكثر قادة الثقافة في العالم الإسلامي وأصبح جنودها أيضا ، تبعا يأتمرون بأمر القادة من أعدائهم ، عارفين أو جاهلين أنهم  هم ‏أنفسهم م قد انقلبوا عدوا للعقل الإسلامي الذي ينتسبون إليه ، بل الذي يدافعون عنه أحيانا دفاع غيرة وإخلاص .

‏لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة ، أو أن ينازل ضلالا بهدى، أو أن يصارع باطلا بحق ، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كا‏ن غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي ، جرحى وصرعى لا تقوم لهم قائمة ، وينصب في أرجائها عقولا لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تعرف ، فكانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم ، كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها مثلا بمثل . وقد كان ما أراد له أن يكون ، وظفر العدو فينا بما كا‏ن يبغي ويريد .

***

لم يكن ثمة مفر من هذا الاستشهاد بالعلامة محمود شاكر.. وهو إن بدا طويلا فهو في الحقيقة أقصر ما يكون.. ولو أطنب فيه غيره لكتب في هذا الأمر مجلدات ومجلدات. كما أنني لسبب آخر لم أعمل الاختصار فيه. لقد أردت أن أطرح للقارئ مثلا من أسلوب محمود شاكر وبلاغته وبيانه.. فإن كانت حاسة التذوق الأدبي والبلاغي قد نضجت عند القارئ بدرجة معقولة فإنه يستطيع أن يستخرج أسلوب محمود شاكر من آلاف الأساليب. هو أسلوب لا يشترك معه فيه غيره. فإن جاز هذا على محمود شاكر.. أفلا يجوز على القرآن؟!

***

لقد حطمنا الغرب تحطيما.. ولو أننا احتفظنا بعقلنا ووعينا لتداركنا الأمر.. ولو حتى لنمنع انهيار العقل ونزيف الوعي من ثقوب الذاكرة وجروح الزمن.. لكننا في اللحظة التي احتجنا فيها إلى عقلنا كان العدو قد ارتكب أبشع جرائمه. لقد استبدل بعقولنا عقله. أصبحنا ننظر بعيونه إلى أنفسنا. نظرة عدو إلى عدو. ومنتصر إلى مهزوم. وسيد إلى عبد. ومتحضر إلى متخلف, ومتوحش إلى إنسان. ومسالم إلى إرهابي. ومؤمن إلى وثني.. ورغم أن العكس تماما كان هو الصحيح إلا أنه استقطب نخبتنا من حكام ومثقفين إليه.. وحتى ذلك لم يكن صحيحا.. بل كان مزيفا.. فالنخبة لم تكن نخبة.. بل كانت حثالة خائنة.. وفي إطار هذا الانهيار الشامل انهارت اللغة وبدأ الناس يفقدون تواصلهم مع القرآن فلا يرون المعجزة ولا يبهرهم الإعجاز.

لقد بلغت الوحشية في المعركة الثقافية أنهم وضعوا مرجعيات عن الإسلام هم الذين ألفوها كي يرجعوا إليها ونرجع معهم إليها ولكن أغلبنا-خاصة شبابنا الذين لم يكفوا عن السعي لتفريغه من هويته- يظنون أن هذه المراجع إسلامية فعلا.. ومن ذلك دائرة المعارف الإسلامية Encyclopaedia of Islam عن دار نشر هولندية تسمى بريل BRILL. و كانت أول طبعة قد ظهرت بين عامي 1913 و 1938 بعدة لغات ثم ظهرت نسخ مختصرة منها عام 1953. ثم بدأ العمل في الطبعة الثانية عام 1954 و اكتملت عام 2005.

و قد ذكر ستيفن همفري Stephen Humphreys أستاذ التاريخ الاسلامي بجامعة كاليفورنيا – سانتا باربارا في كتابه “التاريخ الإسلامي: إطار البحث” Islamic History: A Framework for Inquiry ما يلي:

“دائرة المعارف الإسلامية مؤلفة بالكامل من قبل باحثين أوروبيين و هي لا تعبر إلا عن النظرة و المفهوم الأوروبي للحضارة الإسلامية. و تناقض هذه المفاهيم و تختلف اختلافا كبيرا عن المفاهيم التي يؤمن بها و يتبعها المسلمون أنفسهم. و ما ذكر في هذه الموسوعة لا يتوافق مع التعاليم و المبادئ الإسلامية للمراجع الإسلامية كالأزهر بل يتناقض معها”..

سوف يفاجأ شبابنا عند محاولة الفهم أنهم يقيمون عليه الحجة من هذه الموسوعة.. وهي موسوعة ضد الإسلام لا معه.

وفي هذا الصدد فإن قصص جورجي زيدان تصبح هي المرجع للتاريخ الإسلامي.. ويوسف شاهين-النصراني- هو المرجع عن صلاح الدين الأيوبي تماما كما اتخذ العلمانيون من قصص الأغاني وألف ليلة وليلة  مراجع عن السيرة النبوية.

أجل..

أناشد شبابنا العودة إلى المنهج الأكاديمي المذهل لأسلافنا العظام وأن يدقق في السيرة كما دقق المحدثون الأوائل في الأحاديث.

***

يقول الأستاذ العلامة محمد قطب في كتاب:لا يأتون بمثله:

ولكن القرآن لم يكن معجزا في بنائه اللفظي وحده وإن كان إعجازه اللفظي كافيا- وحده- للدلالة على أنه من عند الله، وكافيا- وحده- لإقامة التحدي أمام الإنس والجن إلى قيام الساعة‍‍‍‍‍‍!

القرآن معجز في جميع مجالاته، وعلى جميع أصعدته00

وإذا كان القدامى- لأسباب مفهومة- قد وجهوا أكبر اهتمامهم للإعجاز البياني، الذي تحدى القرآن به الجاهلية العربية وآلهتها المزيفة، فقد آن لنا أن نتدبر جوانب الإعجاز الأخرى في هذا الكتاب المعجز، التي لا تقل إعجازا عن الإعجاز البياني، والتي نحن في حاجة إلى تدبرها، وبيانها، وإبرازها، لتحدى الجاهلية المعاصرة، التي تتخذ صورة ((العلمانية))، وترفع شعارات((العلم))و((العقلانية))و((التنوير))؛ لتفتن الناس عن ربهم ودينهم، وتؤله((الإنسان)) بدلا من الله، وتسعى- بحماقة- إلى تدمير الإنسان، بإبعاده عن مصدر النور الحقيقي:

((الله نور السموات والأرض))

((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))0 

ولن يفي كتاب واحد- مهما تضخمت صفحاته- بالحديث عن كل مجالات الإعجاز فى القرآن، فهى في حاجة إلى أن يتفرغ لها كتاب وباحثون، بحيث تتكون من مجموع بحوثهم مكتبة كاملة من إعجاز القرآن، سواء الإعجاز البياني الذي لا تنفد عجائبه، أو الإعجاز الدعوى، بوصفه كتاب دعوة قد أبرز عقيدة التوحيد الصافية كما لم يبرزها كتاب قط، ودخل بها إلى قلوب البشر من جميع منافذها وأقطارها كما لم يفعل كتاب قط، أو الإعجاز التشريعي الذي تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم لا في زمان نزولها فحسب، بل مهما امتد بهم الزمن وتعددت مجالات الوجود، أو الإعجاز التربوي الذي أخرج خير أمة أخرجت للناس، أو الإعجاز العلمي الذي تتكشف آياته كلما زاد البشر علماً بما حولهم من الكون00

***

نبدأ إذن بالإعجاز العلمي واضعين في الاعتبار ضوابط ومحاذير وضعها لنا الكثيرون ومنهم ا د محمد جبريل : "عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز"(مرجع سابق) فيثني على المجهود الفذ للأستاذ الدكتور زغلول النجار ويناشد كل من يفسر القرآن على هذا النحو أن يعتمد أولا على القواعد العلمية الصحيحة النهائية و أن يحتاط بعد ذلك بالتأكيد على أن التفسير يظل وجهة نظر المفسر وفهمه و أنه لا يستطيع أن يقطع بأن فهمه للآيات هو مراد الله منها. ويؤكد د جبريل على استحالة وجود تناقض بين نصوص قرآنية صريحة وحقائق علمية صحيحة ثم يضيف أن القرآن الكريم كتاب هداية وليس كتابا في العلوم لكنه يضم في رسمه لطريق الهداية حقائق تدهش أهل التخصص حتى لقد تمخضت الأمور عن إنشاء "هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

***

أعترف أنني كنت في عجز شبابي –بعد أعوام المحنة-  نهب فكرة خاطئة سيطرت علىّ ردحا من الزمن.. مؤدى هذه الفكرة أن الله يقين مطلق وأن طرح أدلة وجود الله أو إعجاز القرآن أو صدق النبوة يقلل من شأن من يطرح هذه الأدلة.. تماما كمن يطلب دليلا على وجود الشمس وهي في كبد السماء.. فإجابته لا تكون بإقامة الدليل بل بإثبات أن السائل أعمى.. لا يرى!.. ذلك أننا لا نوجِد هذه الأدلة .. بل نكشف عن وجودها.. تماما كاكتشاف وجود الذرة.. فهو مجرد اكتشاف موجود لا إيجاده.. لكن افتقادنا للقدر الكافي من العلم جعلنا عميانا عن وجود الذرة.. وكذلك في الإيمان.. ولقد وصل بي الحال إلى اعتبار محاولة إثبات وجود الله أو إعجاز القرآن أو صدق النبوة هي نوع من إساءة الأدب لا تليق. فوق هذا أننا نستعمل أدوات فكر بدائية للتدليل على أمر معجز.

كانت فكرة خاطئة بالتأكيد.. وهي قد تصلح في ظروف معينة للشخص نفسه.. لكنها لا تصلح لمن يكرس تفسه للدعوة ويواجه الآخرين ويعمل على صد موجات الإلحاد الموجهة إلى شبابنا..

***

كطبيب كان ما أبهرني وأذهلني إعجاز القرآن في مجال الطب. كنت مؤمنا تماما بالإعجاز بصورة كلية لا تهتم بالتفاصيل.. لكنني فوجئت بأن اهتمامه بالتفاصيل لا يقل عن اهتمامه بالكليات في إعجاز مذهل. إعجاز الكمال الذي ليس فيه نقص. لقد كنت أقول للأصدقاء أنني أعتبر كتب التشريح وعلم وظائف الأعضاء كتب دين. كنت أقرأ مبهورا ولاهثا موضوعات تتحدث عن جدار الخلية أو تشريح جذع المخ. وكانت أكثر تأثيرا في نفسي من كتب الرقائق. وعندما اكتشفت بعد ذلك كيف عبر القرآن عن حقائق علمية بالغة التعقيد بأسلوب بالغ الإعجاز قلت مبهورا أن الكون كله ليس إلا تفسيرا للقرآن ومثالا مجسدا عليه.. نعم..إن الكون قرآن محكيّ.

نعم.. إن الكون قرآن صامت وإن القرآن كون ناطق..

لقد أدهشني على سبيل المثال ما أدهش علماء الأجنَّة عندما اكتشفوا , فقط خلال القرن العشرين , أنَّ نطفة الرَّجل هي وحدها التي تُحَدِّد جنْسَ المولود , ذكرًا أم أنثى , وليس لِبُوَيْضة المرأة أيّ دَخْل في هذا الأمر !

(36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) القيامة 36-40

وسوف ترد الإشارات -ليست إشارات بل حقائق ناصعة ساطعة متحدية- في آيات عديدة أخرى منها  الآيات  (42-46 من سورة النّجم والآية 223 من سورة البقرة.)

أما ما ورد في الآيات (من 5-7) من سورة الحج فهو مذهل أيضا حين يتحدث عن معلومات دقيقة عن مراحل تطوُّر الجنين , لم يتمَّ اكتشافها إلاَّ خلال القرن العشرين بعد التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) الحج

لقد أسلم عالم الأجنة الكندية الشهير كيث مور بعد أن عرف هذه الآيات وما يماثلها مثل الآيات (12-16) من سورة المؤمنون. كان الوصف دقيقا ومذهلا وصحيحا صحة مطلقة لا يشك فيها أو يشكك إلا جاهل أو مجنون أو شيطان.

ولكننا نعود إلى سورة الحج. ففي نفس الآية يكشف القرآن أن الإنسان خلق من تراب. وهي حقيقة علمية أخرى. لكن في الآيتين السادسة والسابعة يكشف القرآن أمورا أخرى:

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)الحج 6-7

تقول لنا الآيات أن الله حق وأنه يحيي الموتي وأن الساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور..

إن الذي صدقنا في الأولى – وكانت غيبا حتى اكتشفه العلم الحديث- لابد أن يصدقنا في الثانية.

لماذا يصدق الحمقى ما أثبته العلم الحديث فيما يتعلق بالأجنة ولا يصدقون الساعة والبعث؟!

كيف؟!.

أي عقول؟!

. ***

لقد كان مفاجئا لنا – منذ ما يقرب من نضف قرن- ورغم أننا طلاب طب تناول جلد الإنسان كعضو من أهم أعضائه وأكثرها تعقيدا.. ثم كانت دراسة الحروق مذهلة.. كنا نرى المحروقين في عنابر الحريق.. كنا نشاهد عذابهم المروع.. وحتمية الوفاة إذا وصلت نسبة الحريق حدا معينا.. ولكن ما أدهشنا كان التناسب العكسي بين شدة الحريق والألم.. فحروق الدرجة الأولى والثانية أشد إيلاما من حروق الدرجة الخامسة.. أما حروق الدرجة السادسة حين يأتي الحريق على طبقات الجلد كلها فإن المريض لا يحس بأي ألم..

سبحانك..

ترتجف الروح إزاء النذير:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) النساء

 

سبحانك..

من الذي أعلم محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك وهو علم لم يكتشف إلا في القرن العشرين.

سوف نكتشف بعد ذلك أيضا أن الأمعاء لا تحس بألم القطع أو الكي.. ولقد رأينا ذلك في غرف العمليات في العمليات الجراحية التي تجرى بمخدر موضعي في الجلد فقط.. تقطع الأمعاء فلا يحس المريض.. وتكوى فلا يشعر.. لكنها تشعر بألم الشد أو النفخ.. حتى أن المريض يمكن أن يموت إن لم يتنبه الطبيب لذلك.

سبحانك.. ألم يعبر القرآن عن هذا بقوله أن الذي يقطع الأمعاء ليس النار بل الماء الحميم. وهو علم لم يكتشف إلا في القرن العشرين.

فمن الذي أعلم محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ومن الذي أعلمه بإعجاز بصمات الأصابع الذي لم يكتشف إلا في القرن التاسع عشر فتحدى الكفار بقدرته على تسوية البنان.

. ***

لقد تحدثنا في المقدمة عن إعجاز خلق الكون.. والآيات التي تتناول ذلك مذهلة في وضوحها واستحالة تفسيرها على نحو آخر.. لكننا نحيل القارئ إلى آلاف الكتب التي تتناول أمور الإعجاز العلمي في القرآن بالتفصيل.

. ***

لقد كنت أيضا أنفر نفورا شديدا من الإعجاز العددي للقرآن. وما زلت أنظر بريبة شديدة إلى ما يكتب في هذا الاتجاه. لكنني على الرغم من ذلك لم أستطع تجاهلهما وصفه  د. طارق السويدان بأنه معجزة إلهية داخل آيات القرآن الكريم وذلك من خلال الربط بين علم الأرقام ومعانيها مثل تلك التي تخبرنا عن التساوي بين الرجل والمرآة من حيث عدد مرات تكرار كلمة "الرجل" و "المرآة" حيث تكرر ذكر كل منهما 24 مرة.

وقد أمكنه الربط بين معنى التساوي في كل موضوع لجنسن بعدد مرات تكرارهما.

وفيما يلي أمثلة أخرى عن الربط بين تكرار المفردة في آيات القرآن الكريم والمعنى التي تتحدث عنه تلك الأيات:

1) "الدنيا" وردت 115 مرة مقابل 115 مرة لـ "الأخرة".

2) "الملاك" وردت 88 مرة مقابل 88 مرة لـ "الشياطين".

3) "الحياة" وردت 145 مرة مقابل 145 مرة لـ "الموت".

4) "النفع" وردت 50 مرة مقابل 50 مرة لـ "الضر".

5) "الناس" وردت 50 مرة مقابل 50 مرة لـ "الرسل".

6) "أبليس" وردت 11 مرة مقابل 11 مرة لـ التعوذ من الشيطان الرجيم.

7) "مصيبة" وردت 75 مرة مقابل 75 مرة لـ "الشكر".

"الصدقة" وردت 73 مرة مقابل 73 مرة لـ القناعة.

9) "الضالين" وردت 17 مرة مقابل 17 مرة لـ "الهالكين".

10)"مسلمين" وردت 41 مرة مقابل 41 مرة لـ "الجهاد".

11)"الذهب" وردت 8 مرات مقابل 8 مرات لـ رغد العيش.

12)"السحر" وردت 60 مرة مقابل 60 مرة لـ "الفتنة".

13)"الزكاة" وردت 32 مرة مقابل 32 مرة لـ "البركة".

14)"العقل" وردت 49 مرة مقابل 49 مرة لـ "النور".

15)"اللسان" وردت 25 مرة مقابل 25 مرة لـ البهجة والأحتفال.

16)الرغبة وردت 8 مرات مقابل 8 مرات لـ "الخوف".

17)التحدث على الملأ وردت 18 مرة مقابل 18 مرة لـ الخطبة.

1"الظلم" وردت 114 مرة مقابل 114 مرة لـ "الصبر".

19)"محمد" وردت 4 مرات مقابل 4 مرات لـ "الشريعة".

20)"الرجل" وردت 24 مرة مقابل 24 مرة لـ "المرآة".

   . ***

سبحانك!!

مهرجان دائم متجدد من المعجزات لا ينفد أبدا.. فكل تلاوة جديدة للقرآن تأتي بمعنى لم نلتفت إليه في قراءتنا السابقة يمثل إعجازا جديدا على مستوى الفرد والأمة بل والأجيال أيضا.. جل الكتاب عن التشبيه.. لكنه في حدود وعينا البشري ككتاب يُحدّث كل صباح فيحتوي كل صباح على جديد.. ورغم هذا كله يبعث يوم القيامة بكرا..

سبحانك..

 


3

 

في ظلال السيرة

الرائد لا يكذب أهله

 

د محمد عباس

Mohamadab47@yahoo.com

www.mohamadabbas.net

 

 

نعم..

القرآن كون محكي..

كل الكون قرآن ما فُرِّط فيه من شيء..

‏(..‏ ما فرطنا في الكتاب من شيء‏...)‏

‏(‏الأنعام‏:‏ آية‏38)‏

‏(‏ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء‏..)‏

‏(‏النحل‏:‏ آية‏89)‏

القرآن كون محكي..

انظر أنى شئت تجد القرآن تجاهك.. انظر في السماوات والأرض تجده تجاهك.. وانظر ما بينهما تجده تجاهك.. وانظر ما قبل خلقها وما بعد فنائها تجده تجاهك.. انظر إلى قبل القبل وبعد البعد تجده تجاهك.. وانظر إلى نفسك تجده تجاهك.. في كل كبيرة وصغيرة انظر تجده تجاهك.. انظر في نفسك تجده تجاهك.. وكلما وجدته أيْقن بصدق النبوة.. واخشع إزاءها..

أحيانا.. أتصور مدي الروع الذي أصاب سيدي وحبيبي ومولاي رسول الله عليه وسلم عندما تبدى له جبريل عليه السلام بصورته السماوية الأصلية فسدّ آفاق السماوات والأرض.. أفكر في ذلك فأجد القرآن أجل وأعظم وأكثر وعدا ووعيدا وروعة وترويعا.. فما أكبر القرآن إزاء جبريل عليه السلام وما أضألنا  إزاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه أولى لنا فأولى ثم أولى لنا فأولى أن يصيبنا من تدبره فزع أشد وروع أكثر.

أولى لنا.. لكن الأعمى لا يرى عمق الهاوية والجاهل لا يقدر جسامة الخطر.

فانظر إذن بقلب يرى وروح تسمع.. انظر واسمع وتأمل وتدبر..

انظر إلى إعجاز القرآن في آيات تتحدى البشرية عبر التاريخ تنطق بآخر ما وصل إليه العلم بغير أن تفقد معناها قبل هذه الاكتشافات الحديثة.. لكنها بعد الاكتشافات تصبح مذهلة في معناها..  إنه تصريح لا يبوح بمكنونه إلا في الوقت المناسب. والتفسير موجود منذ الأزل لكنه لا يكشف عن نفسه إلا بعد أن تصل البشرية إلى الاكتشاف العلمي.

انظروا إلى آيات الإعجاز وتدبروا.

***

انظر إلى: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون"(الذاريات 47).. وانظر: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ { 30الأنبياء}....

   . ***

أريد أن أنبه القارئ.. أنه إذا عرض أي آية من القرآن على جاهل فإنه لن يجد فيها معنى بل قد يثير الأمر استهزاءه.. وكلما ارتفعت بالمستوى العلمي والإنساني يزداد الوعي والفهم والإدراك والتقدير. فانظر وتأمل..

وانظر: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)..

   . ***

انظر واسمع وتأمل وتدبر..

لو أننا حاولنا التحدث عن وجه واحد من أوجه إعجاز القرآن لما كفتنا أحبار الدنيا ولا قراطيسها.. والمعجز أن وجوه الإعجاز تلك رغم تعددها وشمولها إلا أنها غير ساكنة ولا ثابتة.. إنها تنمو باستمرار وتتجدد باستمرار.. ومن وجوه تجددها ما يثبته العلم بين الحين والآخر من حقائق كونية ونفسية تؤكد وتؤيد ما أخبر عنه القرآن الكريم، بل واكتشاف وجوه جديدة للإعجاز لم تكن تخطر ببال ولا يتسع المجال هنا للحديث عنها.وفضلا عن الإعجاز العلمي هناك الإعجاز التشريعي، والإعجاز البياني، والإعجاز الغيبي، ثم أخيرًا لا آخرًا الإعجاز الفني التصويري.

انظر إلى الإعجاز الفني التصويري مثلا لقوله تعالى ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (43) إبراهيم-  انظر إليها كما يوردها صاحب الظلال: والرسول [ ص ] لا يحسب الله غافلا عما يعمل الظالمون. ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتعون , ويسمع بوعيد الله , ثم لا يراه واقعا بهم في هذه الحياة الدنيا. فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة , التي لا إمهال بعدها. ولا فكاك منها. أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع , فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة , مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك. ثم يرسم مشهدا للقوم في زحمة الهول.. مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء , ولا يلتفتون إلى شيء. رافعين رؤوسهم لا عن إرادة ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكا. يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب فلا يطرف ولا يرتد إليهم. وقلوبهم من الفزع خاوية خالية لا تضم شيئا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه , فهي هواء خواء..

هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه. حيث يقفون هذا الموقف , ويعانون هذا الرعب. الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلا آخذا بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب:

(إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم , لا يرتد إليهم طرفهم , وأفئدتهم هواء)..

هل يمكن أن أنقل  ما يزيد على أربعة آلاف صفحة من "في ظلال القرآن " إلى هذه الصفحات تدليلا على ما أقول؟.. ولو فعلت.. فما هو إلا كتاب واحد من عشرات آلاف الكتب التي تتحدث عن الإعجاز.

سبحانه..

) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) الكهف.

سبحانه..

***

انظر إلى الإخبار بالمغيبات كقوله تعالي: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين" الفتح: 27 وقوله عن الروم :"وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" الروم: 3 - 4 وقوله: "ليظهره على الدين كله" الصف: 9 وقوله: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا" النور: 55 وقوله: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً" النصر: 1- 2..

انظر إلى :  إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3) الكوثر.. وإلى: ) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) المسد.

انظر إلى جميع هذا الذي أخبر به القرآن فكان جميع هذا.

انظر إلى:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) المائدة..

بعد نزول هذه الآية صرف الرسول صلى الله عليه وسلم من كانوا يتولون حراسته من عشرات بل مئات مؤامرات الاغتيال..

سبحانك..

كيف يفكر أولئك الذين يشككون في صدقه..

هل كان يتآمر-حاشا لله- على نفسه؟!.

***

.. انظر إلى : "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْع"ِ وهذا ما أثبته العلم الحديث.. هل كان النبي محمد يعلم ذلك من تلقاء نفسه؟

انظر إلى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) القمر- تلك الآية التي أثارت الدهشة والعجب مما أخبرت عنه ، قبل أول موقعة بين المسلمين والكفار ، قبل موقعة بدر بسبع سنين نزلت تخبِر أن الكفار سينْهَزِمون وسوف يَفِرّون من أمام المسلمين ، ولم يكن هناك ثَمّةَ قتال ، وكان حال المسلمين قد بلغ من الضعف مبلغًا يصعب معه تصديق مثل هذه النبوءة إلا على من كان راسخ الإيمان بأن هذا الكلام هو كلام الله ، فكانت الآية بمثابة اختبار لقوة إيمان المؤمنين.

انظر إلى: ‏(‏لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏)(‏ غافر‏:57)‏

‏ انظر إلى: ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) (سورة النبأ: 6-7).

‏ انظر إلى: ( و إذا النجوم انكدرت ) سورة التكوير(2) وانظر إلى: ( فإذا النجوم طمست ) سورة المرسلات (8).. ثم اقرأ كتابا في علوم الفلك وليس التفسير لتعرف المعنى!.

‏ انظر إلى: " و آية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون " يس 37. واعلم أن الجزء المضيء حول الأرض هو 200 كم فقط أما باقي الكون فظلام دامس.

انظر إلى: ( فإذا برق البصر، و خسف القمر و جمع الشمس و القمر)القيامة 7ـ9. واقرأ في العلوم كيف يقترب القمر من الشمس عاما بعد عام وحتمية اجتماعهما.

انظر إلى: ( و الأرض ذات الصدع ) الطارق 12. واقرأ عن الزلازل وعن صدوع الأرض التي لم تكتشف إلا في القرن العشرين

 انظر إلى: ( وهو الذي جعل الشمس ضياءً و القمر نوراً ) يونس 5.

واعلم أن الضياء هو الذي ينبثق مباشرة من جسم مشتعل مضيء بذاته و حين يسقط هذا الضياء على جسم معقم ينعكس نوراً.

من الذي علم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التفريق الدقيق بين الضياء و النور قبل ما يزيد على ألف و أربعمائة سنة.. من إلا الله؟!

انظر إلى: ( ثم استوى إلى السماء و هي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين ) فصلت 11.

ثم اقرأ آخر الاكتشافات العلمية حيث يعترف فيه عالم غربي أن ما كشفوه من غبار كوني لا يمتُّ بصلة للغبار الذي نعرفه ولا يشبهه أبداً، وأن هذا الغبار أشبه ما يكون بدخان السيجارة!!!

انظر : مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان﴾ (سورة الرحمن، الآية:19-20)

وانظر: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً) [الفرقان:53]

وانظر: (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)   [النمل:61].

منذ 1400 سنة لم يكن أحد على وجه الأرض يعلم شيئاً عن الحاجز بين النهر والبحر. وقد قام حديثا علماء بدراسة المنطقة حيث يصبّ النهر العذب في البحر المالح. وكانت النتيجة أن هذه المنطقة لها خصائص مختلفة كلياً عن الخصائص الموجودة في أيّ من ماء النهر أو ماء البحر.

انظر إلى: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) ) سورة النور

واعلم أن هذه الظلمات التي يتحدث عنها القرآن لم تكتشف ولم تكتشف أسبابها إلا برحلة طويلة جداً من البحث العلمي حتى تكاملت الاكتشافات فتقدمت الصورة فوجد علماء البحار أن هناك ظلاماً شديداً على بعد 300 متر، 500 متر من سطح البحر.

بالمناسبة هذه الآيات قيلت للاستشهاد على حال الكافر الذي لا يرى أنوار الهداية

انظر إلى: (والبحر المسجور) سورة الطور 2.

وتأمل كيف يكون البحر مسجوراً والماء و الحرارة من الأضداد. اقرأ الإجابة في كتب العلوم لا علوم التفسير حيث اكتشف حديثاً أن الأرض التي نحيا عليها لها غلاف صخري خارجي هذا الغلاف ممزق بشبكة هائلة من الصدوع تمتد لمئات من الكيلومترات طولاً و عرضاً بعمق يتراوح ما بين 65 و 150 كيلومتر طولاً و عرضاً و من الغريب أن هذه الصدوع مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً يجعلها كأنها صدع واحد، يشبهه العلماء باللحام على كرة التنس، و قد جعلت هذه الصدوع في قيعان المحيطات و هذه الصدوع يندفع منها الصهارة الصخرية ذات الدرجات العالية التي تسجر البحر فلا الماء على كثرته يستطيع أن يطفئ جذوة هذه الحرارة الملتهبة و لا هذه الصهارة على ارتفاع درجة حرارتها ( أكثر من ألف درجة مئوية ) قادرة أن تبخر هذا الماء، و هذه الظاهرة من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء..(واعلم أن لفظ السيجارة جاء من المسجور)..

انظر إلى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} الروم: 1-5. واعلم أنه لم يكتشف إلا حديثا جدا أن موقع المعركة هو أدنى الأرض.. بمعنى:أكثرها انخفاضا عن سطح البحر ويتجلى وجه الإعجاز في قوله تعالى: {أدنى الأرض} حيث تعني كلمة "أدنى" في اللغة أقرب وأخفض، فأخفض منطقة هي منطقة أغوار البحر الميت بفلسطين. تماماً كما سجلته الأقمار الاصطناعية بعد أربعة عشر قرناً.

انظر إلى: ( فلا أقسم بمواقع النجوم، و إنه لقسم لو تعلمون عظيم. ) [ سورة الواقعة ].

من الذي علم الرسول صلى الله عليه وسلم أننا لا نرى النجوم أبدا وإنما نرى مواقعها التي كانت فيها منذ زمن.. وشرح هذا يطول..ولكن أكثر تبسيط له أنه إن كان لك صديق يراسلك بالبريد من المدينة المنورة مثلا.. وكانت الخطابات تستغرق من المدينة المنورة إليك يومين.. فإنه عندما يكتب لك في خطابه أنه في المدينة الآن فإنه لن يكون في نفس المكان عندما يصلك الخطاب.. بل قد يكون قد مات و أنت لا تعلم.. وكذلك النجوم.

انظر إلى: فلا أقسم بالخنس( 15 ) الجوار الكنس ( 16) –التكوير.

وهي تصف بدقة مذهلة المذنبات والثقوب السوداء.. وشرح ذلك يطول  وللقارئ الراغب في الاستزادة الرجوع إليه في مصادره.

انظر إلى: وأنزلنا الحدید فیھ بأسٌ شدید ومنافع للناس( 25) الحديد.

 وهذا ما أثبته العلم الحديث.. فكيف علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحديد الموجود في الأرض لم يخلق فيها وإنما أنزل إليها من الفضاء الخارجي وإنما أُنزل إلى الأرض إنزالاً.

يقول الدكتور زغلول:

أن الأرض على ضخامة كتلتها ثبت أن أكثر من (35%) من هذه الكتلة حديد.

ولم يكن هناك أحد يتخيل أبدا أن هذا الحديد قد أنزل إلى الأرض إنزالا ، كيف أُنزِلَ الحديد إلى الأرض وكيف اخترقها ؟؟.

وثبت علميا أن ذرة الحديد هي أكثر الذرات تماسكا على الإطلاق ، ولا توجد ذرة في شدة تماسك ذرة الحديد. ولذلك فإن الحديد له خواصه الطبيعية المميزة له.

ثم ذكر الدكتور زغلول بعض فوائد الحديد ومنافعه للناس فقال :

الحديد طبعا هو عصب الصناعات الثقيلة في حياة الإنسان. ليس هذا فقط بل لولا وجود هذا اللب الصلب أو هذه الكرة الضخمة من الحديد في قلب الأرض ما كان للأرض مجال مغناطيسي.

وإذا فقدت الأرض مجالها المغناطيسي ما استطاعت أن تمسك بغلاف غازي ولا مائي ولا بحياة ، لأنها فقدت الجاذبية ، ولذلك فإن وجود الحديد ضرورة من ضرورات جعل الأرض صالحة للعمران.

والحديد يُكَوِّن أغلب المادة الحمراء في دماء البشر ودماء أغلب الحيوانات.

الحديد يُشَكَّل المادة الخضراء في أجساد كل النباتات.

ولذلك فإن الحديد لازم من لوازم الحياة.

أما عملية إنزال الحديد إلى الأرض فما استطاع أحد أن يستوعبها على الإطلاق.

حتى جاء العلماء أثناء رحلات الفضاء وبدؤوا يهتمون بدراسة التركيب الكيميائي للجزء المدرك لنا من الكون فوجدوا أن غاز الهيدروجين الذي هو أخف العناصر وأقلها بناء هو أكثر العناصر انتشارا في الجزء المدرك لنا من الكون.

حيث إن غاز الهيدروجين وحده يكون (74%) من مادة الكون المنظور ، يليه في الكثرة غاز الهليوم ويشكل (24%) من مادة الكون المنظور أي المُشَاهَد لنا.

فقال العلماء : عنصران هما أخف العناصر المعروفة لدينا وأقلها بناء يشكلان أكثر من (98%) من مادة الكون المنظور لابد أن باقي العناصر قد خلقت من غاز الهيدروجين.

وهي ملاحظة جيدة ثبتت صحتها بمراقبة ما يتم في داخل الشمس حيث إن الشمس حين تتحد فيها ذرات الهيدروجين يتكون الهليوم ، وحين يتحد الهليوم يتكون اللثيوم في عملة متسلسلة تسمى بالاندماج النووي.

وحينما نظر العلماء في الشمس وجدوا أن عملية الاندماج النووي لا تصل إلى الحديد -أي أن عملية الاندماج النووي لا تستطيع أن تُكَوِّن ذرة واحدة من ذرات الحديد- وتتوقف هذه العملية قبل الحديد بمراحل طويلة لأن الحديد يحتاج إلى حرارة عالية جدا ، والشمس لا تتوفر فيها هذه الحرارة ، مع أن درجة حرارة الشمس تبلغ حوالي (20 مليون درجة مئوية) ومع ذلك لا تكفي لتكوين ذرة حديد واحدة.

فنظر العلماء في نجوم أخرى خارج مجموعتنا الشمسية ، فوجدوا نجوما تسمى (المُسْتَعِرَات) هي أشد حرارة من الشمس بملايين المرات ، حيث تصل الحرارة في جوف النجم المُسْتَعِر إلى (مئات البلايين من الدرجات المئوية).

فعرفوا أن هذه هي الأماكن الوحيدة في الكون المشاهد لنا التي يمكن أن يتخلق فيها الحديد.

هذه الملاحظة جعلت العلماء يقولون : إن أرضنا التي نحيا عليها عندما خلقت وانفصلت من الشمس ، لم تكن سوى كومة من الرماد ، ليس فيها شيء أثقل من الألمونيوم ، ثم رجمت بوابل من النيازك الحديدية ، تماما كما تصلنا النيازك الحديدية الآن ، والحديد بحكم كثافته العالية تحرك إلى لب الأرض وهي لا تزال كومة من الرماد فاستقر فيها وانصهر وصهرها وقسمها إلى سبع أراضين تماما كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز :

( اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ).

والذين أثبتوا هذه الحقيقة هم علماء غير مسلمين ، وأكدوا على ذلك بقولهم :

إن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة حديد واحدة ، تَفُوقُ كل الطاقة الموجودة في مجموعتنا الشمسية بأربع مرات.

انظر وتأمل: الطاقة اللازمة لتكوين ذرة حديد واحدة ، تَفُوقُ كل الطاقة الموجودة في مجموعتنا الشمسية بأربع مرات.. فكم تكون الطاقة اللازمة لخلق الحديد كله.. وكم تكون الطاقة اللازمة لتكوين باقي العناصر.. وكم تكون الطاقة اللازمة لخلق الكون..

لا إله إلا أنت سبحانك..

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين..

ثم نبارز بالمعاصي ونباهي بالطاعات وما قدرناه حق قدره..

لا إله إلا الله..

ولذلك يَمُنُّ الحق تبارك وتعالى علينا بإنزال الحديد ويُقْرِنُهُ بإنزال القرآن الكريم فيقول سبحانه :

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيْزَانَ لِيَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيْدَ فِيْهِ بَأْسٌ شَدِيْدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ).

يستطرد الدكتور زغلول قائلا :

وكنت أتحدث عن هذه الحقيقة في محاضرة في جامعة ملبورن باستراليا ، فوقف أحد أساتذة الكيمياء وقال :

يا سيدي هل حاولت أن تربط بين رقم سورة الحديد في القرآن الكريم والوزن الذري للحديد ، وبين رقم هذه الآية : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيْدَ … ) والعدد الذري للحديد ؟

يقول الدكتور زغلول : وأنا عادة أضع نص الآية القرآنية وترجمة معانيها إلى اللغة الإنجليزية ، وأضع أيضا رقم الآية ورقم السورة في المصحف ، فهو بحكم تكوينه العلمي التقط رقمي الآية والسورة ، وسأل هذا السؤال.

فقلت له : الأرقام منزلق خطير إذا دخله الإنسان بغير دراسة وبغير رَوِيَّة قد يدمر ذاته.

فقال لي : أرجوك عندما تعود إلى بلدك أن تحقق هذه القضية.

يقول الدكتور زغلول : وبعد رحلة طيران استمرت (22ساعة) من ملبورن إلى القاهرة لم أستطع تحقيق هذه القضية فلجأت إلى مكتبتي وأتيت بالقرآن الكريم وكتاب في الكيمياء غير العضوية والجدول الدوري للعناصر

فأذهلني أن أجد أن رقم سورة الحديد في المصحف وهو (57) ، يساوي الوزن الذري للحديد وهو (57) أيضا.

ورقم الآية في قوله تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيْدَ … ) هو (25) ، والعدد الذري للحديد هو (26) ، ولكن إذا أضفنا البسملة في بداية سورة الحديد واعتبرناها آية من السورة فيصبح رقم الآية (26) ويساوي العدد الذري للحديد.

فيا سبحان الله ، أي إعجاز أعظم من هذا الإعجاز القرآني الكريم ؟؟؟.

لا نملك بعد هذا الكلام إلا أن نؤكد ونقول :

نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم..

سبحانك..

سبحانك..

***

انظر إلى } وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ{.

وانظر إلى أقوال كثير من المفسرين في مختلف العصور أن الآية تشير إلى أن مكة المكرمة  هي أصل الأرض، وسرتها في الكعبة وسط الأرض المسكونة.

وقد ذهب كثير من المفسرين -رحمهم الله تعالى جميعا- إلى القول بوسطية مكة المكرمة، ووسطية الكعبة للمعمورة أو وجه الأرض؛ قال الرازي المتوفى سنة 606 هـ: "قالوا الكعبة سرة الأرض، ووسطها, وفي تفسير قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ" [البقرة:143]؛ قال أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ: "قيل المعنى كما جعلنا الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطاً.

فانظر وتأمل.

لقد قام العالم المعاصر الدكتور حسين كمال الدين أحمد إبراهيم أستاذ الهندسة المساحية والفلك الكروي في جامعات القاهرة و أسيوط و الملك سعود، منذ نحو عشرين عاماً أثناء عمله بجامعة الملك سعود بإثبات أن مكة المكرمة هي مركز الكرة الأرضية و ذلك أثناء دراسته لمواقيت الصلاة في العالم فقام بالإسقاط المساحي المكي للعالم، و هو البحث عن خرائط مرسومة بطريقة خاصة تساعد على معرفة اتجاه القبلة للصلاة في أي مكان على سطح الكرة الأرضية،وأنه عندما تم توزيع حدود القارات الأرضية السبع على خريطة الإسقاط وجد أن الحدود الخارجية لهذه القارات بجميعها تشكل محيط دائرة واحدة مركزها عند مدينة مكة المكرمة أي مكة المكرمة تعد مركزاً وسطاً للأرض اليابسة على سطح الكرة الأرضية.

(المرجع: كتاب الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا تأليف د. أحمد السيد دراج القاهرة دار العلم و الثقافة 1999م.)

انظر وتأمل كيفية واتجاه الطواف حول الكعبة.

أي مجنون يقول أن هذا عبث أو أنه صدفة أو أنه سدى..

   . ***

يؤكد الأستاذ عامر أبو سمية أنه ليس هناك أيّ وَجْه مقارنة بين القرآن الكريم , وبين توراة اليهود وأناجيل النَّصارى , لا في الأسلوب ولا في المحتوى ! فالقرآن كتابٌ مُقدَّس فريدٌ من نوعه , مُعجِزٌ ببلاغته ومحتَوى آياته , وهو دليلُ الإنسان في كلِّ مجالات حياته , في كلِّ البلدان وكلِّ الأزمان إلى قيام السَّاعة !.

لن تجد في القرآن ما تجده في الكتب الأخرى من تناقضات مضحكة انعكست على حالة المجتمعات المؤمنة بها حيث ينتشر الزِّنا وشرب الخمر في أُمم تقرأ في كتبها المقدَّسة أنَّ أنبياءها كانُوا يشربُون الخمر حتَّى الثُّمالة , ويزنُون بأخواتهم وبناتهم وأزواج معارفهم , مِن غير أن يُعاقبهم اللَّه !!. وبخلاف الكُتب السَّماويَّة السَّابقة التي بُدِّلَتْ وحُرِّفت , فإنَّ القرآن قد تكفَّل اللَّهُ سبحانه بحفظه , ليكون شاهدًا على وجود الخالِق , وليكون منهاجًا لِخَلْقِه إلى آخر الزَّمان , لأنَّه لا نبيَّ بعد محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم , يقول اللّه تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 9 } (15- الحجر 9). والمقصود بالذِّكْر هنا : القرآن الكريم , تعهَّد اللَّهُ بحفظه. حتى أنَّك تطوفُ العالَم اليوم شبرًا شبرًا , فلا تجدُ إلاَّ قرآنًا واحدًا , هو بالضَّبط الذي أَنزلَه اللَّهُ تعالى , بواسطة الملَك جبريل عليه السَّلام , على النَّبيِّ محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم منذ حوالي 1400 سنة.

ثمَّ إنَّ الآيات التي عرضناها, والتي تُشير إلى حقائق علميَّة دقيقة لم يستطع العلماءُ الوصول إليها إلاَّ منذ وقت قريب وبعد سنوات من التَّجارب الدَّقيقة والملاحظة المستمرَّة , هذه الآيات لا تَدَعُ مجالاً للشَّكِّ في أنَّ هذا القرآن وحيٌ من عند اللَّه , وأنَّه لم يَدخُلْ عليه أيّ تغيير أو تبديل , وأنَّ كلّ ما جاء فيه حقٌّ. إنه هو المعجزة الكبرى.. ذلك أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا بعثَ أنبياءَه أيَّدَهم بمعجزات تتناسب مع أَزْمانهم:

فالنَّبيُّ موسى عليه السَّلام بُعِثَ في عصْرٍ اشتهَر بانتشار السّحْر وتقدُّم السَّحَرة في هذا المجال , فأيَّده اللَّهُ تعالى بعصا , تحوَّلَتْ بإذنه (أي بإذن اللَّه) إلى حيَّة , وأبطَلَتْ حِيَل كبَار السَّحرة. ويَحكي لنا القرآنُ تفاصيل هذه الحادثة بأسلوبه الفريد الذي يشهد لِوَحده أنَّه كلام اللَّه ، فكِبارُ السَّحرة الذين جَمَعَهُم فرعونُ لِنُصْرته رأَوْا بأَعيُنهم , وهم المتخصِّصون في هذا الميدان , أنَّ العملَ الذي قام به موسى عليه السَّلام يستحيلُ أن يكون سحرًا , وإنَّما هو معجزةٌ أيَّده اللَّهُ تعالى بها. فلم يتردَّدوا في الإيمان بموسى وبخالقه , بالرَّغم من تهديد فرعون ووعيده لهم !

وأمَّا النَّبيُّ عيسى عليه السَّلام , فقد بعثه اللَّه تعالى في عصْرٍ تَطوَّر فيه الطِّبُّ , فأيَّده بقُدرات غير عاديَّة على مداواة الحالات المرَضيَّة المستعصِيَة وحتَّى إحياء الموتى , كلُّ ذلك بإذن اللَّه. يقول تعالى مفصِّلاً هذه المعجزة : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ 110 } (5- المائدة 110).

كلُّ قُدُرات عيسى عليه السَّلام كانت إذًا معجزات من عند اللَّه تعالى. فإذا كان النَّصارى قد اتَّخَذُوا من هذه المعجزات سببًا لِتَأليه عيسى وادِّعاء أنَّه ابنُ اللَّه , فلماذا لا يكون إبراهيمُ عليه السَّلام كذلك وقد رُميَ في النَّار فخرج منها سالِمًا ؟! ولماذا لا يكون موسى عليه السَّلام كذلك وقد ضَرب البحرَ بعصاه فانفلق إلى نصفين , فاخترقَه هو وأتباعُه فلم يغرقوا , وتبعهم فرعونُ وجنوده فغرقوا ؟!

بل , هل يَقبل العقل والمنطق أن يكون لِخَالق هذا الكون الهائل ابنٌ أو زوجة ؟! تعالى اللَّه عمَّا يقول الظَّالمون علُوًّا كبيرا !

أمَّا محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم , فقد بعثه اللَّهُ تعالى في عصْر البلاغة والفصاحة , فأيَّده بالقرآن الكريم الذي أَعجز الفُصحاءَ والأدباءَ والشُّعراء في ذلك الوقت. وإذا كانت معجزةُ كلُّ نبيٍّ قد انقطعت بموته , فإنَّ معجزة محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خالدة إلى قيام السَّاعة ! يقول اللَّه تعالى متحدِّثًا عن الكفَّار : { وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ 50 أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 51 قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 52 } (29- العنكبوت 50-52).

فالكفَّارُ مِن قَوْم محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم طَلبُوا منه أن يُريهم مُعجزات ملموسة , كما فعل الأنبياء مِن قبله , لِيَتحقَّقُوا أنَّه مبعوثٌ من عند اللَّه. فأجابهم اللَّهُ تعالى بأنَّ القرآنَ الكريم كافٍ وحده ليكُون معجزةً لهم خاصَّة , وللنَّاس عامَّةً في كلِّ الأزمان.

ولو طلبنا اليومَ من نصراني أن يُرينا كيف كان عيسى عليه السَّلام يُبرئ الأبرص ويُحيي الموتى, لَعَجز عن ذلك. وكذا الحالُ لو طلبنا من يهودي أن يُرينا كيف كانت عصا موسى عليه السَّلام تتحوَّل إلى حيَّة.

أمَّا لو طلبنا من مسلم أن يُرينا معجزة محمَّد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم , فسَيَجِدُها دون تعب ! إنَّها القرآنُ الكريم الذي سَحَر ببلاغته فُصحاء العرب في كلِّ عصر , وبَهَر بمحتواه كلَّ النَّاس. فهو فعلاً مَرْجعٌ في الأخلاق , والعلاقات الاجتماعيَّة , والمعاملات الماليَّة , والقضاء , وأخبار السَّابقين , وأخبار العوالم الأخرى من ملائكة وجنٍّ وشياطين , والأخبار الغيبيَّة عن البعث والحساب. وها نحنُ اليوم في عصر العلم لا نزال حائرين أمام إعجاز القرآن العلمي في مختلف الميادين , وكذلك إعجازه البلاغي والتَّشريعي !

***

بلاغة القرآن وحدها كانت كافية لإقناع العرب بإعجازه وكونه من عند الله.. فالذي يفقه العربية حقا لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة على الإعجاز. وما زلنا نرى آثار هذا في أنفسنا فكم من مرة بل كم من ألف مرة يهتف الواحد منا وهو يتلو القرآن: "ما هذا بقول بشر".. يقولها الأعرابي في الصحراء والعالم في كليات اللغات ومجامع اللغة.

يقول "ابن تيمية" رحمه الله في كتاب "النبوات": "والقرآن مما يعلم الناس "عربهم وعجمهم- أنه لم يوجد له نظير مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية، ونظمه آية، وأخباره آية، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم لغير العربي كانت معانيه آية، كل ذلك لا يوجد له نظير في العالم".

ويقول: " وكون القرآن أنه معجزة، ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط.... ، بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي والغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بَيَّن فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً..... وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن هو حجة على إعجازه, ولا يناقض ذلك بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له  "

وقال في موضع آخر: " نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة.... ونفس فصاحة القرآن وبلاغته عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا وتفصيله طويل، يعرفه من له نظر وتدبر، ونفس ما أخبر به القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته أمر عجيب خارق للعادة، لم يوجد مثل ذلك في كلام بشر لا نبي ولا غير نبي، وكذلك ما أخبر عن الملائكة والعرش والكرسي والجن، وخلق آدم وغير ذلك، ونفس ما أمر به القرآن من الدين والشرائع كذلك... ".

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: " فالقرآن العظيم معجزة من وجوه كثيرة، من فصاحته وبلاغته ونظمه وتراكيبه وأساليبه، وما تضمنه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلية، وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مكان المعجزة القرآنية في دعوته، وأنها الغالبة على سائر معجزاته. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِي : " مَا مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلا أُعْطِي مِنَ الآياتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وَكَانَ الذِي أُوتِيتهُ وَحْياً أوحاه الله إلي فَأرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ القِيَامَةِ "

                              أخرجه البخاري ح ( 4981 ) ، مسلم ح (152)..

 

كان العربي الذي يتذوق اللغة يشعر بذلك على الفور، ولكن، الآن وقد أضعنا اللغة فقد فقدنا جزءا كبيرا من هذا الكنز، وأصبحنا نحتاج للأدلة التي تقنع العجم كي نقنع بها أبناءنا وأهلنا الذين فقدوا أو أفقدوا جزءا كبيرا من لغتهم وعجمت ألسنتهم وأفكارهم. لقد عشنا قرونا نستثمر قوة الإيمان الدافعة ليس فقط  للفوز بالجنة في الآخرة بل أيضا لإعمار الحياة، في تلك القرون المتطاولة لم يكن هناك تحد واضح، ولا هجوم سافر يحاول اقتلاع جذور الإيمان وأسسه، تحد تتبناه الدول وتروج له أجهزة الإعلام وتقمع سواه، أما الآن فإن هناك هجوما عنيفا جماعيا منظما على أركان الإيمان وأسسه. وقبل ذلك كانت مجرد نظرة للقرآن ترمم كل محاولات الهدم. أما بعد أن تم تغريب الناس عن لغتهم العربية، لغة القرآن، فلم يعد لإعجاز القرآن تأثيره السابق، ولم تعد البلاغة-التي لا يفهمها جموع الناس- تستطيع أن تصد التيار الرهيب القوي لمحاولات هدم الإيمان، ومن هنا يأتي أهمية اللجوء إلى الإعجاز العلمي، لأنه من ناحية من منتجات الفكر الغربي نفسه مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) فصلت.

فانظر إلى الإعجاز: إنّ الله عز و جل سيري الناس آياته في أنفسهم و في الآفاق (أي الكون و ما يحيط بهم) حتى يستيقنوا أن القرآن الكريم هو الحق.

 بل إننا نحتاج للأسف- وللفخر في نفس الوقت!- إلى الاستشهاد بما يقوله الأجانب عن القرآن.

***

 يقول العالم الفرنسي موريس بوكاي الذي أسلم عام1982م:

"لقد قمتُ بدراسة القرآن الكريم وذلك دون أي فكر مسبق وبموضوعية تامة، باحثًا عن درجة اتفاق نصي القرآن ومعطيات العلم الحديث.. فأدركت أنه لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث...". ويستطرد: "إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه نصوص القرآن لأول مرة هو ثراء الموضوعات العلمية المعالجة، وعلى حين نجد في التوراة – الحالية – أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطأ، ولو كان قائل القرآن إنساناً فكيف يستطيع في القرن السابع أن يكتب حقائق لا تنتمي إلى عصره، ليس هناك تفسير وضعيّ لمصدر القرآن".

ويقول الشاعر الألماني الشهير جوته : "إن أسلوب القرآن محكم سام مثير للدهشة … فالقرآن كتاب الكتب، وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم … وأنا كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي … ولما بلغ غوته السبعين من عمره أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بليلة القدر التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد، ولما أبصر غوته ريشة طاووس بين صفحات القرآن هتف : "مرحباً بك في هذا المكان المقدس، أغلى كنز في الأرض". لقد أعجب بالإسلام ولفت نظره مبدأ التوحيد.. تلك العقيدة التي تدعو إلى الانقياد لله الواحد، والدعوة إلى تحرر الإنسان من كل صنوف العبودية الدنيوية"

وتقول المستشرقة الألمانية أنا ماريا شميل: "القرآن هو كلمة الله، موحاة بلسان عربي مبين، وترجمته لن تتجاوز المستوى السطحي، فمن ذا الذي يستطيع تصوير جمال كلمة الله بأي لغة؟!".

ويقول الباحث الأمريكي مايكل هارت صاحب كتاب "العظماء مائة": "لا يوجد في تاريخ الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملاً دون تحوير سوى القرآن".

ويقول المستشرق بودلي: "بين أيدينا كتاب فريد في أصالته وفي سلامته، لم يُشكّ في صحته كما أُنزل، وهذا الكتاب هو القرآن".

ويقول المستشرق "فون هامر" في مقدمة ترجمته لمعاني القرآن: "القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيان العربي، وأسلوب القرآن المدهش يشهد على أن القرآن هو وحي من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية".

ويقول البروفسور يوشيودي كوزان – مدير مرصد طوكيو: "إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود … إن الذي قال هذا القرآن يرى كل شيء في هذا الكون، وكل شيء مكشوف أمامه". ويضيف:" لا أجد صعوبة في قبول أن القرآن كلام الله، فإن أوصاف الجنين في القرآن لا يمكن بناؤها على المعرفة العلمية للقرن السابع، الاستنتاج الوحيد المعقول هو أن هذه الأوصاف قد أوحيت إلى محمد من الله".

 ويقول ليوتولستوي: أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه، وليكون هو أيضا آخر الأنبياء.

ويقول توماس كارليل:  إنما محمد شهاب قد أضاء العالم.

نعم..

شهاب أضاء العالم..

ينتشر نوره.. وسينتشر.. ولو كره الكافرون..

***

فإذا كان للقرآن هذا الصدق كله وهذا الإعجاز كله وهذا الإبهار كله وهذا الإفحام كله أفلا ينسحب ذلك على من أنزل عليه فحمله إلينا؟!..

الصادق الأمين: سيدي وحبيبي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لمّا نزل قول الله تعالى ( وانذر عشيرتك الأقربين ) صعد الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا ودعا بني هاشم وبني عبد المطّلب وقال

:" إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا اله إلا هو أني لرسول الله إليكم خاصة والى الناس كافّة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، و لتحاسبن بما تعملون ولتجزوّن بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا،

وإنها لجنّة أبدا أو لنار أبدا". الراوي: جعفر بن عبدالله بن الحكم المحدث: الألباني - المصدر: فقه السيرة - الصفحة: 97

***

والآن لندلف إلى السيرة بعد أن أدركنا قبسا من عظمة صاحبها  الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.

لندلف إلى السيرة..

سيرة الرائد الذي لا يكذب على الله أبدا ولا يكذب أهله..

 

*****

***

*

 

حاشية مرعبة

من النبوءات النبوية :

خراب مصر

 

هذا حديث لم أفلح في تحقيقه.. لكن لسان الحال يصدقه:

وقال القرطبي في التذكرة، وروي من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ويبدأ الخراب في أطراف الأرض حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من الغرق، وخراب مصر من جفاف النيل.

 

 



- مصدر رئيسي في هذا الفصل.

[2] -  الراوي: - المحدث: الألباني - المصدر: تحذير الساجد - الصفحة أو الرقم: 158- خلاصة الدرجة: على شرط مسلم وله شاهد على شرط مسلم أيضا

[3] - المستقبل لهذا الدين- الشهيد سيد قطب-