في ظلال السيرة

 

 

أي شيء فيه غير معجز؟!

 

 

بقلم د. محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

لا تسألوا عن معجزاته صلى الله عليه وسلم

بل اسألوا أي شيء فيه غير معجز؟!

فلندلف إذن إلى بحر زاخر باللؤلؤ والمرجان لنستعرض جواهره وجوهره ولنتأمل بعض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم.

لا لكي نستوثق من نبوته.. بل لكي نسبح في انبهار بفيض الله عليه وتكريمه له.

مدركين طول الوقت أنه بالمعجزات نبي.. وبدونها نبي..

وأن القرآن معجزته ودليل صدقه وليس الأمر بالعكس كما يرى العلامة محمود شاكر في مقدمته لكتاب "الظاهرة القرآنية"..وإن كان العكس أيضا يصح كما يرى مالك بن نبي مؤلف الكتاب نفسه!..

وأنه لا المعجزات تزيده ولا الشبهات تنقصه.

وعلينا أن نتنبه إلى حقائق هامة.. منها أن الهدف من المعجزات كان تكريما للرسول وتثبيتا للمؤمنين  وليس إقناعا للمشركين. كانت المعجزات إذن  في الأساس إقامة الحجة على الناس وليس دفعهم إلى الإيمان.. حتى أن عددا معتبرا من كتّاب السيرة ينفي دور المعجزة في الإيمان مطلقا ‏معتمدين على قول الله تعالى –وقوله الحق-  بأن المشركين لن يؤمنوا حتى لو جاءتهم المعجزات الخارقة ، وأنهم جبلوا على أن يجحدوا الحق حتى ولو عرفوه، ومثلهم لا يستسلم للحق مهما وضح لهم . وسوف يجدون لكل آية تأويلا ،  ولكل معجزة تفسيرا، إذ أنهم طبعوا على الكفر والتمرد على الله  . قال تعالى :

" وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا اذا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) الأنعام.

وكذلك قوله تعالى

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ (8) الأنعام

*** 

والقرآن يكشف لنا هنا حقيقة بشرية مرعبة فالناس قد لا يهتدون حتى لو رأوا الملائكة عيانا وكلمهم الموتى جهارا. وهذا قد يكشف لنا بعض ما في أحوالنا الراهنة من مظاهر يعجز العقل عن فهمها. فالناس يرون الباطل ويعرفون أنه باطل لكنهم يتبعونه. ويرون الحق ويعرفون أنه الحق فيجحدونه.. ويرون الظالم طاغوتا وجبارا يصد عن سبيل الله فيعبدونه.. ويرون الشهيد شهيدا والمجاهد مجاهدا لكنهم خوفا من أمن الدولة وعبدة الطاغوت يلعنونه. يفعل بهم الحاكم الظالم الضليل الأفاعيل فلا ينكرون ولا يعترضون. يوالي أعداء الله فيوالون.. ويبرأ من إخوتنا في الدين فيبرءون. ويستعين بالكافر على المسلم  فيطيعون،  ويحاصر المسلمين فيحاصرون، ويحكم العلماء بكفره فلا يتحركون، ينهى عن المعروف فيستجيبون ويأمر بالمنكر فيرتكبون. يدعوهم الشيطان فيلبون ويدعوهم الله فيستكبرون. يسرقون ويعذبون ويخونون ويزورون ويحرفون ويبدلون وينشرون الباطل والفحشاء فإذا قيل لهم:أقلعوا يا سفهاء يا علمانيون قالوا إنما نحن مصلحون. وهكذا تماما كان يفعل المشركون والكافرون.

*** 

يقول الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه القيم: السيرة النبوية الصحيحة – مكتبة العلوم والحكم-المدينة المنورة ( وهو مرجع رئيسي في هذه الدراسة و أنبه القراء أنه  من أصح  كتب السيرة المعاصرة- ولولا خشية الإفراط وتجاوز قدري لقلت أنه أصحها) يقول أن المشركين كانوا يطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالآيات الحسية التي تخرق سنن الحياة وقوانين الطبيعة ، وكانوا يقصدون من وراء طلبهم إظهار عجزه عن ذلك والسخرية منه ولعل المؤمنين - وقد ضاقت بهم السبل - كانوا يتطلعون إلى الاستجابة لطلب المشركين ن رجاء إيمانهم ، خاصة وأن المشركين كانوا يحلفون ويؤكدون بأنهم سيستجيبون للإسلام حال ظهور المعجزات الخارقة . لكن الإسلام خلافا لما قبله لم يعتمد على المعجزات الخارقة في اجتذاب قلوب الناس إلى الإيمان 0 ‏بل اعتمد على أقناع عقولهم واجتلاب قلوبهم وملء وجدانهم بمعاني القرآن ، الذي يمثل المعجزة الدائمة الباقية.

‏وهنا يكشف  الله تعالى عن حقيقة أخرى هي سنته في الكافرين إذا جحدوا المعجزة الحسية ، فهو يعجل لهم العقاب ولا يفسح لهم الوقت للتوبة ، فكان عدم إجابة طلب المشركين رحمة بهم وإنظارا لهم ليثوب إلى الحق من كتبت له السعادة والإيمان، وأما أهل الشقاء فلن تغير المعجزات مصيرهم مهما بلغت عظمتها واتسع خرقها لقوانين الحياة والطبيعة ، و كما قال تعالى  في آية أخرى :

 وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنْ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر

‏وهكذا حتى لو استجاب الحق لطلب المشركين المعجزات الحسية ، فإنهم سيتأولونها بأعمال السحرة ، ويبطلون حجيتها عنادا واستكبارا ، تحقيقا لما كتبه الله عليهم من الشقاء .

‏وهكذا فإن المعجزة القرآنية انفردت بالظهور والتأثير الكبير ، لما تتم به من خلود يتسق مع خلود الرسالة الإسلامية وعمومها ، أما بقية المعجزات الحسية فقد ظهرت غالبا للصحابة رضوان الله عليهم ، وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بيِّنا، وقد استجابوا لدعوته قبل ظهورها، فلم تكن سببا في إيمانهم ، وان كان اطلاعهم على أحواله عليه الصلاة والسلام وكرامته على الله تعالى مما يزيد في انشراح صدورهم وطمأنينة قلوبهم ، بل كثيرا ما وقعت المعجزات الحسية لإزالة الكرب عنهم أو سد جوعهم أو إلحاق الهزيمة بعدوهم . أما المعجزة القرآنية فكانت تحديا مباشرا للكفار وسببا في إسلام من أسلم منهم بالإضافة إلى تأثير شخص النبي صلى الله عليه وسلم في حسن خلقه الجم ،  ولطف حديثه ،  وكمال معانيه وسدادها .

ولو راجعنا التاريخ لاكتشفنا أن المعجزات لم تنفع بني إسرائيل  وأن البحر الذي انفلق لم يهد فرعون للإيمان بل اندفع فيه فكان من المغرقين، وأن معجزات عبد الله المسيح عيسى بن مريم لم تدفع الظالمين للإيمان به بل طاردوه حتى صُلب شبيهه. ولم تنفع المعجزات أيضا قوميْ نوح ولا إبراهيم عليهما السلام ولا عاد وثمود..

*** 

وعلينا أن نتنبه أيضا أن قيمة المعجزة  في خرقها للطبيعة تبدو هائلة لكنها من الوجهة الأخرى-بمقارنتها بالنواميس الطبيعية-تبدو هزيلة جدا. فلنقارن مثلا أن يتكلم من كان في المهد صبيا وبين خلق هذا الصبي، أو شق القمر بخلق القمر!.. ولنقارن أكبر المعجزات بأبسط ما في الطبيعة أو بأعقده.. بابتسامة طفل وتفتح وردة والتقام رضيع ثدي أمه  وتأليف القلوب.. بتحول بيضة لا تكاد ترى إلى دودة تتشرنق لتخرج منها فراشة في تلخيص مذهل ورمزبديع لأطوار حياة الإنسان من ميلاد(مرحلة البيضة) وحياة(الدودة) ودفن(الشرنقة) ثم الحياة الأخروية(الفراشة).. أو بحنو لبؤة على وليدها، ذلك كله فضلا عن الشمس التي لا تدرك القمر والليل الذي لا يسبق النهار والكون المتمدد و"إنا لموسعون"!.. نعم.. كل ما في الطبيعة معجز.. والمعجزات كلها طبيعية كما يقول الإمام أبي حامد الغزالي.

ولنضرب لكم مثلا على بساطة خرق الطبيعة مقارنة بالطبيعة نفسها فدعونا  نتخيل أن القانون قضى أن تسير السيارات كلها من القاهرة إلى الإسكندرية.. وأن يمتنع سيرها في الاتجاه المضاد.. سوف تكون رؤية آلاف وملايين السيارات تتجه من القاهرة إلى الإسكندرية أمرا طبيعيا تماما.. وسوف تكون رؤية سيارة واحدة تسير في الاتجاه المعاكس أمرا خارقا للعادة.. ومعجزة.. رغم أنه في الحقيقة لا يعدو جزءا يسيرا من حركة السيارات نفسها. إننا لا نستطيع أن نقول أن الحركة الأولى طبيعية وأن الثانية خارقة.. بل نستطيع أن نقول أن الإعجاز الأكبر يقع في الأولى قبل الثانية. في الطبيعي قبل المعجز!. بل إننا نتساءل: هل طلوع الشمس من المغرب أكثر إعجازا من طلوعها من المشرق؟ وهل ذلك وذاك أكبر من خلقها؟!..

*** 

يذهب العلماء  إلى أن المعجزة : هي أمر يظهره الله بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله.

فشروط المعجزة حسب هذا التعريف هي:

1- أن تكون المعجزة من الله تعالى دون غيره، لأنها تصديق منه لرسوله صلى الله عليه وسلم فلا يصدقه بفعل غيره، سواء كان هذا الأمر (المعجزة) الذي يظهره الله قولا مثل القرآن، أم فعلا كفلق البحر لسيدنا موسى، أم تركا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه السلام.

2- أن تكون خارقة للعادة لأنها لو لم تكن كذلك لأمكن للكاذب ادعاء الرسالة، وخرج بهذا السحر و الشعوذة و المخترعات الغربية.

3- أن تكون مقرونة بدعوى النبوة ومصاحبة لها حقيقة أو حكما.

4- أن تكون المعجزة موافقة للمطلوب، فإن جاءت مخالفة للمطلوب سميت إهانة كما حصل لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين لتبرأ فعميت السليمة.

5- أن لا تكون مكذبة للمدعي. فلو قال الإنسان: معجزتي نطق هذا الجماد فنطق الجماد مكذبا له فإن تكذيبه يعتبر دليلا على كذب المدعي.

6- أن تتعذر معارضة الأمر الخارق للعادة و الإتيان بمثله.

 راجع النبوات. لابن تيمية  والفصل في الملل والأهواء والنحل. لابن حزم  و الإمام الشاطبي : عقيدته وموقفه من البدع وأهلها، وكذلك راجع  تبسيط العقائد الإسلامية لحسن أيوب.. وتتفق معظم المراجع في الأصول وتختلف في بعض الفروع.

يضاف إلى ذلك أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة. أما الكرامة فهي أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد صالح غير مدع للنبوة.  وأما السحر: فهو تجاوز السحرة حدود قدرات البشر العادية عن طريق استعانتهم بالشياطين، كتحويل الحبال والعصي إلى حيات .

ويتضح مما سبق أن محل الإشكال في فهم هذه الأمور الثلاثة إنما جاء من كونها جميعاً تشترك في مجيئها على خلاف العادة، والمعروف من قوانين الكون وسننه، إلا أن اشتراكها في صفة واحدة لا يعني أنها شيء واحد، طالما أن لكل منها صفات تميزها عن الأخرى . فالمعجزة تختلف عن السحر بأنها تأتي مقرونة بالتحدي، فالنبيُّ يتحدى بمعجزاته الكفار أن يأتوا بمثل ما أتى به، فيعجزون عن معارضته، أما السحر فلا يقترن بالتحدي في الغالب، وإذا حصل التحدي من الساحر وجد من السحرة من يعارضه، ويأتي بمثل ما جاء به وأعظم . وللمعجزة حدودٌ لا يصل إليها السحر، فالساحر لا يستطيع أن يفلق البحر، أو يحيي الموتى، أو يشق القمر، أو يوقف الشمس عند غروبها، فحدود المعجزة أكبر بكثير من قدرات الساحر وشعوذته.  كما أن الغاية من المعجزة تختلف عن غاية السحر، فالغاية من المعجزة إظهار صدق الأنبياء، وتأكيد نبوتهم، أما غاية السحر فإلحاق الضرر بالآخرين، وتحقيق رغبات الساحر ومطامعه .إضافة إلى أن حال الأنبياء يختلف عن حال السحرة، فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أفضل الناس وأعظمهم خُلُقاً وصدقاً وأدباً, وأشدهم بعداً عن الكذب والغش والخداع، وأما السحرة فعلى خلافهم، فهم معروفون بالكذب، والدجل، والفجور، وخداع الناس، وأكل أموالهم بالباطل .وتختلف المعجزة عن الكرامة في أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة، بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة، ولو ادعاها لسقطت ولايته، ولم يجر الله على يديه أي كرامة . والولي إنما تحصل له الكرامة باتباعه للنبي والاستقامة على شرعه، فكل كرامة في حقه هي دليل على صدق النبي، ولولا اتباعه للنبي ما حصلت له كرامة .

والكرامة تظل في بعض الأحيان محكومة بعوامل الزمان والمكان، فما كان في زمن ما كرامة قد لا يكون كرامة في زمن آخر، فإتيان مريم بثمر الصيف في الشتاء والعكس، لم يعد كرامة اليوم في كثير من البلاد، وكذلك وصول صوت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - لسارية وبينهما آلاف الأميال لم يعد كرامة في عصرنا بعد تقدم التكنولوجيا ووسائل الاتصال، بخلاف المعجزة فإنها تظل معجزة على مدى الأزمان.

والمعجزة على ضربين:

- ضرب هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل للّه دلّ على صدق نبيّه كتحدّي اليهود أن يتمنّوا الموت.

- وضرب خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله كانشقاق القمر، ممّا لا يمكن أن يفعله أحد إلّا اللّه تعالى فيكون ذلك على يد النّبيّ من فعل اللّه تعالى وتحدّي من يكذّبه أن يأتي بمثله تعجيزا له.

ومعجزات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي ظهرت على يديه تشمل كلا النّوعين.

ونعيد هنا التذكير بسخافة قول  بعض الأشاعرة بمسألة الصرفة المشهورة  والتي ذكرناها في إعجاز القرآن الكريم .وقد نبه أهل العلم من أهل السنة والجماعة على خطأ هذا القول وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

*** 

‏سوف نتجنب الغرق في محيط عجز العقل عن إدراك كليات الكون، لكننا نقول في عجالة أن كل شيء في الإنسان محدود، سمعه وبصره وقدرته على الشم والإحساس والتذوق، بل إن العديد من الحيوانات يتفوق على الإنسان في بعض هذه الحواس. وتلك الحواس هي مدخلات العقل الذي يقوم بعمل إضافي هو تحليل وتفكيك وتركيب نتائج هذه المدخلات وفهم العلاقات بينها. لكن هناك أمرين، أولهما أن الناس يختلفون فيما بينهم وكذلك تختلف عقولهم، وثانيهما أن العقل محدود ككل مكوّنات الإنسان بالنسبية والعجز. والإنسان على سبيل المثال قد يستطيع رفع بضع عشرات أو حتى مئات من الكيلوجرامات، لكن هل يستطيع الإنسان أن يرفع الأرض أو أن يحرك القمر أو أن يطفئ نور الشمس؟. عليه أن يقدر على ذلك قبل أن يفكر-مجرد تفكير- في محاولة فهم أسرار الحكمة الإلهية. إن العين مبرمجة لكي تبصر لكنها لا تسمع. والأذن مبرمجة لكي تسمع لكنها لا تبصر. أما العقل فمبرمج لكي يفهم كيف وماذا لكنه لا يستطيع وحده أن يفهم لماذا. ومن هنا لا يستطيع أبدا فهم سر المعجزة.

سوف نسارع بالعودة من هذا البحر اللجب  لكننا نوصي بقراءة مؤلفات الأستاذ الدكتور المهندس محمد الحسيني إسماعيل-مكتبة وهبة-   كما نوصي بقراءة الفصلين المذهلين في كتاب الظاهرة القرآنية مالك بن نبي: المذهب المادي ص111 والمذهب الغيبي ص123 (طبعة آفاق عربية) وكذلك كتاب "الإسلام يتحدى" لوحيد الدين خان كمجرد نماذج من مئات الكتب. إن الكثيرين جدا ممن يزعمون الانتماء للعقلانية يهدرون العقل كله عندما يعزون الشكل الحالي للكون وللبشرية إلى ملايين المصادفات التي يستحيل حدوثها رياضيا(فحتى المصادفات علم له قوانين). لكنهم بهذا العقل السقيم الذي يقبل ملايين المصادفات المستحيلة عقليا وعلميا ورياضيا يرفضون المعجزة رغم أن طبيعة المعجزة تقتضي أن العقل لا يستوعبها. إنهم بالعقل يهدرون العقل كله!

إن إنكار البعض للمعجزات الحسية غير القرآن  هو مجرد استمرار في الهزيمة الفكرية والثقافية أمام العلمانيين والصليبيين. ومحاولة استعمال منهج التجريب في ميدان لا يصلح لها أبدا كما لا يمكن وزن الشرف أو قياس طول الكرامة أو لون الفرح!. لا وجه لإنكار المعجزات الحسية لأي مؤمن ومسلم. وكل من يؤمن بأن القرآن من عند الله لا ينبغي له أن ينكر المعجزات الحسية. فالأساس هنا وهناك دقيق جدا وعظيم جدا. الإيمان بمحدودية العقل. الإيمان بالغيب، والتسليم لله الواحد القهار. . (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )(3)البقرة

نعم.. لا يمكن لمؤمن إنكار المعجزات الحسية لا كحدث ولا كمنهج ، فقد ثبتت بالأحاديث الصحيحة المستفيضة، فمعناها متواتر من حيث الدلالة على وقوع معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها خرق للناموس الطبيعي، كما في حادثة شق الصدر في العام الخامس من عمره صلى الله عليه وسلم . ثم تكرر ذلك قبل الإسراء والمعراج وهو في الثانية والخمسين من عمره، وكلتا الحادثتين في الصحيحين . ‏ولاشك أن خبر شق الصدر لا تتقبله عقول الماديين، أما المؤمنون بالغيب  ‏فهم يسلمون به تبعا لتسليمهم بالوحي والنبوة، وهما خرق للقانون المادي، لا تقبله الفلسفات الوضعية.

‏كان المشركون كما يقول الدكتور أكرم ضياء العمري يطالبون النبي صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الحسية، واعدين بالإيمان إذا رأوا وسمعوا، ولم يعتمد منهج الدعوة المحمدية أسلوب المعجزات الحسية في هداية الناس إلى الله ونبيه ورسالته اعتمادا كبيرا ، ولكن السيرة  المحمدية لم تخل من خرق للسنن الطبيعية ، لكن الخرق كان يحدث أمام المؤمنين غالبا ولم يكن سببا في إيمانهم، لكنه كان يطمئن قلوبهم ويزيدهم إيمانا، فضلا عن رفع الشدائد وحل الأزمات وتيسير الصعاب عليهم .

‏ومن الأحداث النادرة التي استجاب الله تعالى فيها لتحدي المشركين ما رواء البخاري في صحيحه من « أن أهل مكة سألوا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر فقال عليه الصلاة والسلام : اشهدوا » صحيح البخاري 6/631.  ولكنهم لم يؤمنوا كما وعدوا وإنما قالوا: سحرنا محمد. ولم يكن قولهم سحرنا محمد تعبيرا عن اقتناعهم ، وإنما كان ذريعة للتخلص من وعدهم بالإيمان عند رؤية المعجزة .

‏وإذا كان انشقاق القمر استجابة لطلب المشركين وكشفا لعنادهم وكذبهم فإن حادثة الإسراء والمعراج وما رافقها من وصف دقيق لبيت المقدس قدّمه الرسول صلى الله عليه وسلم  أمام المشركين ولم يكن قد رآه ، وما رأى من آيات ربه الكبرى في المعراج كل ذلك كان معجزة دون أن يطالبه بها أحد ، بل كانت فتنة وامتحانا ميزت بين المؤمنين والكافرين.

‏وقد وقعت معجزات حسية أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم  و أمام بعض المشركين في أوقات متباينة من المرحلة المدنية ، لكنها لم تؤد إلى إيمان أحد منهم بصورة مباشرة استجابة لقهر المعجزة ،  بل تأخر إيمانهم بعدها حين شاء الله لهم الهداية . فقد حدث هذا مع المرأة صاحبة المزادتين حين سقى من مزادتيها جمعا غفيرا ثم أعاد إليها المزادتين كاملتين فلما رجعت المرأة إلى أهلها قالت عنه فعل كذا وكذا ، فوالله إنه لأسحر الناس ، أو إنه لرسول الله حقا ولم تسلم وقومها إلا بعد حين(صحيح البخاري 1/447) .

‏ومثل هذا تكرر من رجل من بني عامر - فيما يرويه الإمام أحمد بسند صحيح عندما استجابت النخلة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إيابا وذهابا فقال العامري : يا آل بني عامر ما رأيت كاليوم رجلا أسحر) المسند 1/223.

‏ولكننا نكرر أن المؤمنين كانوا هم المستهدفين بالمعجزات قبل المشركين. بل كان عدد المعجزات التي شهدها المشركون  قليلا إلى جانب المعجزات الحسية الكثيرة التي شهدها المؤمنون فازدادوا إيمانا واستبشارا . .  لذلك فإننا نرى أن جانب الفتنة في المعجزات لا يقل خطورة عن جوانبها الأخرى، ففي بعض المعجزات :كالإسراء والمعراج – كما حدث أيضا في تغيير القبلة- فتنة تسببت في ردة البعض.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا ؟ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلّ الماء فقالوا : اطلبوا فضلة من ماء ، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل ، فأدخل يده في الإناء ثم قال : حي على الطهور المبارك ، والبركة من الله فقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد كنا نسمح تسبيح الطعام وهو يؤكل(صحيح البخاري 6/587).

‏وقد استفاضت الأخبار الصحيحة في تكثير الماء والطعام بين يديه في السفر و‏الحضر، وقد توضأ سبعون صحابيا في قدح فيه ماء يسير مد النبي فيه أصابعه الأربع ، ومرة أخرى توضأ زهاء ثلاثمائة من إناء وضح الرسول صلى الله عليه وسلم يده فيه ، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه (صحيح البخاري 6/580-581) .

*** 

أظن على وجه ما أن الإيمان بالمعجزات يشكل نوعا من الاختبار للنفس البشرية، وقدرتها على التفوق على مجرد الحواس المحدودة القدرة. شيء ما يشبه اختبار أجهزة الرادار وعما إذا كانت ترى فقط الأشياء الظاهرة والواضحة كمجرد تضخيم لقوة الإبصار والسمع، أم أنها أيضا ترى ما لا تراه العين وتسمع ما لا تسمعه الأذن كما تفطن للحيل فلا تخدعها الطائرات المنخفضة ولا طائرات الشبح التي لا تستطيع أجهزة الرادارات العادية رصدها أم الصواريخ المطلية بمواد تمنع ارتداد الموجات منها فلا يمكن كشفها. إن الرادار الأول رادار متخلف وبدائي وجاهل ويؤدي إلى الهلاك. بينما الرادار الأخير هو المنجي من المهالك!. الرادار الأول ينخدع عن الحقيقة فلا يرى إلا الظواهر. أما الرادار الأخير فيقتنص الحقيقة ظاهرها وباطنها ولا يفلتها أبدا.

إن الجاهل لا يرى في قصيدة شعر سوى حروف متراصة ورغم قراءتها فهو لا يدرك مراميها بل قد تثير استهزاءه وسخريته.. بينما هناك من يدفع عمره من أجل معني في شطر بيت في قصيدة.. وهناك من يكتب مجلدا ضخما في شرح قصيدة قصيرة(راجع نمط صعب نمط مخيف للعلامة محمود شاكر) . ذلك أن المعاني مكنونة ومبثوثة ولكنها تحتاج إلى جهاز الاستقبال الذي يفك شفرتها فيفهمها. ورغم فجاجة التشبيه فإن آلاف القنوات الفضائية والإذاعات مبثوثة حولك في كل مكان لكنك لو تدركها إلا إذا امتلكت جهاز الاستقبال المناسب.

وكذلك.. لو كنت فظا غليظ القلب.. كالرادار المتخلف فإنك لن تقتنع بالمعجزة ولن تفهم سرها.. أما لو ملكت جهاز الاستقبال المناسب.. فسوف تسمع وترى وتحس وتفهم وتهتدي..

*** 

دعونا الآن نستعرض بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم.

إلا أن عقبة كئودا تقف بيننا وبين تقصي هذه المعجزات..

ليس لأن معجزاته قليلة..

بل لأن لا شيء في سيرته غير معجز..

كلماته معجزة وصمته معجز.. حركاته معجزة وسكونه معجز.. نهاره معجز وليله كذلك.. حروبه معجزة وكذلك صفحه.. جهاده معجز وكذلك قيامه.. علاقته بأصحابه معجزة.. لكن علاقته بأعدائه وأعداء الله لا تقل إعجازا..

*** 

ليست معجزاته بالقليلة حتى تجهد في البحث عنها.. ولقد ذكر النووي في مقدمة شرح مسلم: أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تزيد على ألف ومائتين. وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفاً وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة وقيل ثلاثة آلاف. وقد اعتنى بجمعها جماعة من الأئمة كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما.

*** 

لقد كانت واقعة واحدة كفيلة بدحض كل شكوك المكذبين..

فقد انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ، فقال الناس : انكسفت لموت إبراهيم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس والقمر  آيتان من  آيات الله  ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 1060

فلو أن أحدا يريد أن يدّعي لنفسه معجزة فهل كان يمكن له أن يترك تلك الفرصة تفلت منه.

لقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك في زمن كانت أوربا تعجّ بالكهّان والمنجمين والمشعوذين، والذين كانوا موضع تصديق من معظم الناس آنذاك، في ذلك الزمن أنكر وحرّم نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الأعمال فقال: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) [رواه أحمد] الراوي: عبد الله بن عمر المحدث: أبو نعيم - المصدر: حلية الأولياء - الصفحة أو الرقم: 8/270.

*** 

ولقد استفاضت الأخبار الصحيحة في معجزاته مثل تكثير الطعام بين يديه صلى الله عليه وسلم منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في غزوة  الخندق (راجع صحيح البخاري 7/395 وصحيح مسلم 3/1610). ومنها ما حدث في  وليمة زواجه صلى الله عليه وسلم من زينب رض الله عنها، ومنها ما حدث في  الحديبية ، عندما نزل المسلمون على ثمد قليل الماء فنزحوه ، فانتزع صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، فوالله مازال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه صحيح البخاري 5/329). ومرة أخرى في الحديبية عطش الناس وبين يدي النبي ركوة فتوضأ منها ، واشتكى الناس إليه أن ليس عندهم ماء للشرب والوضوء غير ما في الركوة ، فوضح يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون ، فشرب ألف وخمسمائة من الصحابة وتوضئوا. وهذا الخبر يرويه جابر بن عبد الله في صحيح البخاري ، وقد شهده العيان من الصحابة وهم جمع غفير ، وما أنكره أحد(صحيح البخاري 6/581) .

‏ومن ذلك ما حدث في غزوة تبوك حيث أخبر معاذ بن جبل بأن عين ماء تبوك كانت تبض بشي، من ماء ، وأن المقاتلين وقفوا عليها ، ومعروف أن جيش تبوك هو أكبر جيش قاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فماذا يجدي معهم ماء لا يكفي للرجل الواحد إلا بعد جمعه في إناء ! فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غسل يديه ووجهه بماء جمع له من العين في إناء ، ثم أعاده في العين فجرت بماء منهمر، فقال لمعاذ : يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملي، جنانا صحيح مسلم 3/1784. وفي غزوة تبوك نفدت أزواد المسلمين حتى هموا بنحر بعض إبلهم التي تحملهم ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله لو جمعت ما بقي  من  أزواد ألقوم فدعوت الله عليها . ففعل، فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره  ‏فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم . فقال صلى الله عليه وسلم : أشهد آن لا إله إلا ألله وأني رسول الله لا يلقي الله  بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة(صحيح مسلم 1/55). ‏ومن هذه المعجزات الحسية الطبية أن عبد الله بن عتيق عندما ذهب لقتل اليهودي أبي رافع لما كان يفعل من أذى الرسول والإعانة عليه ، سقط عبد الله من درجة في بيت أبي رافع ، فانكسرت ساقه ، فلما رجع فأخبر رسول الله بقتل أبي رافع وأن رجله انكسرت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابسط رجلك . قال : فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم اشتكها قط(صحيح البخاري 7/34) .

‏وأصيبت ساق سلمة بن الأكوع في غزوة خيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال سلمة : فنفث فيها ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة (صحيح البخاري 7/475).

‏وذهبت خالة السائب بن يزيد به وهو صغير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبن أختي شاكٍ فادع الله له ، فدعا له. فمات السائب وهو ابن أربع وتسعين وكان جلدا  معتدلا ، فكان يقول : لقد علمت ما متعت به سمعي وبصري إلا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم (صحيح البخاري 4/163).

*** 

فأي شيء فيه غير معجز..

أي شيء؟!.

‏انظروا مثلا إلى إخباره عليه الصلاة والسلام بالأمور المغيبة ، فهو لا يدل بالطبع على معرفة الغيب إذ ليس ذلك إلا لله وحده، ولكنه يخبر بما يعلمه الله بواسطة الوحي ، فعن آبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول  الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف وكبر أربعا(صحيح البخاري 3/116).

‏ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن استشهاد القادة الثلاثة في غزوة مؤتة 0 ‏قبل وصول الخبر إل المدينة ، فقال صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية  زيد  ‏فأصيب ، ثم .خذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة  فأصيب ، وان عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم  لتذرفان ، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له » (صحيح البخاري 3/116. )

فانظروا إلى رحمته وحنانه صلى الله عليه وسلم..

انظروا إلى عينيه الشريفتين تذرفان..

فأي شيء فيه غير معجز..

*** 

انظروا إلى ثقته ويقينه..

انظروا إلى عصمة الله له..

‏ روى الصحابي جابر بن عبد الله  أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قبل نجد ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه ، فأدركتهم القائلة في وواد  كثير العضاه ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وتفرق الناس يستظلون بالشجر،  ‏فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم  تحت شجرة وعلق سيفه ، ونمنا نومه  فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم  يدعونا وإذا  عنده أعرابي  فقال : إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم  فاستيقظت  وهو في يده صلتا، فقال : من يمنعك منى؟ فقلت: الله.-ثلاثا. ولم يعاقبه وجلس (صحيح البخاري 3/229).

فأي شيء فيه غير معجز..

روى أبو هريرة رضي الله عنه  قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه  بين أظهركم ؟ قال : فقيل : نعم . فقال : واللات  والعزى  لئن  رأيته  يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن  وجهه في التراب . قال : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو يصلى، زعم ليطأ على رقبته . مال : فما فجأتهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقى  بيديه . قال : فقيل له : مالك ؟ قال 0 ‏إن بيني وبينه لخندقا  من نار وهولا وأجنحة ،  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏لودنا من لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ». المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2797

فأي شيء فيه غير معجز..

انظروا إلى  النخلة  التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق بعد أن تركها إلى منبر جديد،  فنزل النبي  صلى الله عليه وسلم  فضمها إليه ، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت.(صحيح البخاري 4/319).

فأي شيء فيه غير معجز..

‏انظروا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف حجرا  بمكة  كان يسلم علىّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن (صحيح مسلم 4/ 1782).

فأي شيء فيه غير معجز..

‏وقد رمى رسول الله  المشركين بالتراب في وجوههم في عدة مواقف من السيرة، فكان للتراب أثر في هزيمتهم . كما أخبر شهود عيان من الصحابة رضوان الله عليهم ، فأخبر العباس بن عبد المطلب وسلمة بن الأكوع .أنه صلى الله عليه وسلم أنه لما غشيه  المشركون في غزوة حنين ، نزل عن بغلته فأخذ ترابا أو حصيات من الأرض ، ثم استقبل به وجوهم فقال : شاهت الوجوه . فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينية ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين (صحيح مسلم 3/1398-1402)

‏وقد أخبر عبد الله  بن عباس أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر ، فتعاهدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله .

‏قال : فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت على أبيها فقالت له : ما علمت . .  قال : يا بنية أدنى وضوءا فتوضأ، ثم دخل المسجد فلما رأوه قالوا هو هذا . منهم رجل ، فأقبل رسول الله  صلى الله عليه وسلم حتى قام على رءوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال : شاهت الوجوه . قال : فما أصابت منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا (المسند 1/250) .

فأي شيء فيه غير معجز..

يقول الدكتور أكرم ضياء العمري أن المسلمين قد شهدوا معجزات كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت تزيدهم إيمانا واستبشارا، وكانت متنوعة في جنسها ، متكررة في أوقات عديدة  ما بين تكثير الماء والطعام حتى ليكفي ماء وطعام الاثنين والثلاثة عددا كبيرا يبلغ الألف أو يزيد ،  وما بين تطبيب المرضى بالدعاء والمسح على موضع الأذى ، وما بين  ‏الإخبار عن أمور مغيبة فتقع كما أخبر ، وما بين انصياع الحيوان والنبات والجماد له وهي لا تعقل ، وما بين عصمة الله له من القتل، واستجابة الله  لدعائه. وقد مال بعض الباحثين إلى إنكار المعجزات الحسية بحجة أنها لا تتمشى مع نمط التفكير العقلي الحديث . ولا تتقبلها الفلسفات الحديثة ، ولا مناهج البحث المعصرة . وقد اعترف هؤلاء بالمعجزة القرآنية وحدها ، لأنها محسوسة لأهل هذا العصر يمكنهم دراستها والحكم على أوجه الإعجاز فيها ، أما المعجزات الحسية التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم  فلا يمكن إخضاعها للدراسة ، ولا تتقبلها ألأعراف العلمية السائدة . ونظرا لأن المصادر ألإسلامية الصحيحة نقلت أخبار المعجزات الحسية ، فإن إنكارها فيه اتهام لشهود العيان من الصحابة رضوان الله عليهم بالكذب أو بضعف العقل وخلل التصور ، بحيث نقلوا أخبارا تصور وها صحيحة وليست كذلك ، ولا يخفى ما في الاتهامين من إجحاف وتناقض فقد قبلنا من نفس شهود العيان ها يتعلق بالعقيدة والشريعة ، وتعرفنا على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا قبلنا منهم رواياتهم في هذا كله ، وأنكرناها عندها تعرضت لأخبار المعجزات الحسية ، وإن كانت العلة أن العقل المادي يرفض المعجزات ، فإنه يرفض الوحي كله ويرفض الإيمان بالله وبرسالاته ، فلا مناص للمؤمن بالغيب هن قبول الروايات الصحيحة المتعلقة بالمعجزات الحسية .

*** 

ثمة معجزات تحدت الحاضر بإعجازها، وتحدت المستقبل بصدق رواتها وتواتر رواياتها. لكن الإخبار بالغيوب نوع فريد من الإعجاز. وسوف نتناول إخباره صلى الله عليه وسلم بالغيوب، لكننا نورد هنا إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية وروما:

فمن الفتوح الكبرى التي حدث بها رسول الله وبشر بها أمته فتح عاصمتي النصرانية القسطنطينية: عاصمة الكنيسة الشرقية. وروما: عاصمة الكنيسة الغربية.. وقد وقع الفتح الأول بعد ست قرون من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر به تماماً، وسيقع الفتح الثاني بإذن الله ومشيئته التي لا ترد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فعن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له خلق، قال: فأخرج منه كتاباً. قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مدينة هرقل تفتح أولاً]. يعني قسطنطينية (رواه أحمد والدارمي وغيرهما وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 4).

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بغيوب كثيرة كأن يحدث أمر في مكان بعيد فيخبر به فيكون على النحو الذي أخبر به تماماً، وكذلك حدث بغيوب هائلة مما أطلعه الله عليه، ولا يعلمه إلا الله، وذلك منذ مبعثه وإلى يوم القيامة فوقع ما وقع منها على النحو الذي حدث به تماماً... ولا تزال الأيام تأتي بما أخبر به مما لم يقع فيقع الأمر كما أخبر به تماماً صلوات الله وسلامه عليه.

ولقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأن الدين الذي بعث به سيعلو على كل الأديان، وأنه سينصر، وأن أمته ستفتح العالم، وتفتح لها كنوز الأرض.

عن خَبَّابِ بن الْأَرَتِّ قال شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا له ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا قال كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض فَيُجْعَلُ فيه فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ والله لَيُتِمَّنَّ هذا الْأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إلا اللَّهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ أخرجه البخاري (3416)

وقد وقع هذا الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم فدانت الجزيرة كلها بالإسلام، وأمن الناس فيها من أقصاها إلى أقصاها... وكان تصور هذا ضرب من الخيال، فقد كان القتل وقطع الطريق، والإغارة والنهب والسلب في كل ركن من أركانها إلا المسجد الحرام فقط.

سوف نتناول في فصول تالية بعض هذه الغيوب التي كشفها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فأي دليل أكبر من هذا من أدلة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟!

وأي شيء فيه غير معجز..

*** 

خيره الله أن يجعل له الجبال ذهبا فآثر هداية أمته..

وخيره المشركون أن يجمعوا له حتى يكون أغناهم فأبى وآثر هدايتهم..

كان بأبي هو وأمي يجوع..
يا من تهلكهم التخمة  كان حبيبي وحبيبكم صلى الله عليه وسلم يجوع  فيربط الحجر على بطنه.

وما شبع صلى الله عليه وسلم من خبز القمح ثلاثة أيام متتالية حتى فارق الدنيا، ويمر عليه الشهر والشهران فلا يوقد في بيته نار .. وكان يحب أكل اللحم لكنه لم يكن يأكله إلا ثلاث أو أربع مرات.... كل... عام..!! ..

لو أنه شاء لكان..

لو أنه شاء لبزّ الأكاسرة والقياصرة..

لكنه أبى..

فخبروني: أي شيء فيه غير معجز..

كان يجلس علي الأرض  ولو شاء أن يكون له سرير من ذهب لكان.. ويضع طعامه علي الأرض  ولو دعا بمائدة من السماء لتنزلت بها الملائكة بإذن الله، ولكنه كان يحب أن يجلس كما يجلس العبد، ويأكل أيضا كما يأكل العبد.

فأي شيء فيه غير معجز..

هل رأيتم أما تأنف من الشرب في نفس الإناء بعد وليدها؟.. وهل يطيق أحدكم يا قراء أن يشرب بعد صاحبه من نفس الإناء؟..بعد صاحبين من ذات الإناء؟!.. بعد عشرة أصحاب.. بعد كل الأصحاب؟!.. آخر واحد في أصحابه؟!!

هكذا كان يفعل حبيبي صلى الله عليه وسلم، كان يشرب آخر أصحابه ، وقدحه من خشب غليظ  ولو شاء أن يكون أول الواردين لكان، ولو شاء أن يكون كأسه من بللور لكان..

فأي شيء فيه غير معجز...

لم يكن لحبيبي صلى الله عليه وسلم قط قميصان معاً ، ولا رداءان معاً ، ولا إزاران ولا نعلان وكان يلبس الصوف ، ويرتق ثوبه ، ويرقع قميصه ، ويخصف نعله ، ويركب الحمارة ويحلب شاته ولم يستمتع يدنياه وكان طعامه الشعير ومات ودرعه مرهونة عند يهودي ولا ميراث لأهله مما ترك عقار وهو قليل .

فأي شيء فيه غير معجز..

كان أضحك الناس وأطيبهم خلقاً ونفساً صافي القلب وكان يكره ضرب النساء ويعيبه ، لم يطلق زوجه من زوجاته دخل بها وعاشرها .

فأي شيء فيه غير معجز..

حتى حقه في رؤية النصر الذي أفنى في سبيله حياته ، حرم نفسه منه ، فقد سار في موكب نصره يوم الفتح ، حانيا رأسه حتى كادت تلمس رحله ، وتعذر على الناس رؤية وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم فأي شيء فيه غير معجز.. آمن أهل مكة رغم ما فعلوه فيه وفي أصحابه  دون أن يمن عليهم، بل ودون أي شرط، ولم يفرض عليهم دخول الإسلام، وعفا عمن لاكت كبد عمه الحمزة في موقف كان من أغيظ أيام حياته لأن الإسلام يجبّ ما قبله.. ولنفس السبب عفا عن القاتل: وحشي..

في كتاب:"المعجزة المحمدية" يقول مؤلفه السيد إبراهيم أحمد:

لعلنا بنظرة لما يحدث في عصرنا وعصور سبقته عندما تقوم الثورات وينتصر المستضعفون فيها تأتي دور المحاكمات والاعتقال السياسي والنفي والسجن وتحديد الإقامة غير انتهاك واستلاب الأموال والأحكام العشوائية- دون مناقشة أو دفاع- بالإعدام وخلافه لابد أن يدور بخلد من يقرأ عظمة فتح مكة وأحداثها ومقارنتها بالحادث من تصرفات البشر لو أتيحت لهم فرصة الانفراد بمن آذاههم وهم في موقف الضعيف وهو في موقف المنتصر 0

إن هذه المعجزات لا تقل أهمية عن المعجزات الحسية.. أبدا.. أبدا..

أي شيء فيه غير معجز؟!

كان حبيبي وسيدي ومولاي  صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكر ،ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، لا بأطراف فمه ويتكلم جوامع الكلم ، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين ، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئاً،لم يكن يغضب لنفسه، لا يثبت نظره في وجه أحد ، خافض الطرف ، نظره إلي الأرض أطول من نظره إلي السماء ، جل نظره الملاحظة لا يشافه أحد بما يكره حياء وكرم نفس ، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه بل يقول :" ما بال أقوام يصنعون كذا " .

فأي شيء فيه غير معجز؟!

كان ينام على حشية من القش أو على حصير خشن يؤذي جسده الشريف حتى بكى أصحابه رحمة وتحنانا.

روى عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه فقلت : يا رسول ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي وللدنيا وما أنا والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب  ظل تحت شجرة ثم راح وتركها . الراوي: عبد الله بن مسعود المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 5/264.

ورآه عمر علي نفس الحال والحصير قد ترك أثراً علي جنبه فبكي وسأله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا بن الخطاب ؟ فقال عمر :- يا نبي الله ، ومالي لا أبكي ، وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزائنك لا أري فيها إلا ما أري وذاك كسري وقيصر .

فأي شيء فيه غير معجز؟!.

لم يضرب أو ينهر خادماً، و كان يقبل منهم الهدية ويكافئ عليها، ويلبي دعوتهم إلي الطعام ويكره أن تقبل يداه مخافة أن تجري العادة بهذا بين الناس فيكون فيها الخضوع والمذلة الهوان وكما يقول العقاد في كتابه: " عبقرية محمد " " أن حصة النبي من خدمة نفسه كانت أعظم من حصة خدمه".

ولم يكن يثأر من أحد لأنه أساء إليه في شخصه ، ولم يكن يغضب إلا لله ، وكان أكثر رجل مشاورة للرجال .

فأي شيء فيه غير معجز؟!.

كانت السيدة فاطمة ابنته الأثيرة لديه وبنت السيدة خديجة أحب الزوجات إلي قلبه،  وكانت قد ولدت  في أحضان الثراء والرفاهية في دار أمها الثرية السيدة خديجة ، فانظروا إلى أثاث بيتها عندما تزوجت من سيدنا علي رضي الله عنه .  كان كل جهازها أعواد من جريد صنع منها سرير واطئ ووسادة حشوها ليف وسقاءين للماء. ورحاءين للطحن. وقارورتي طيب .ومنخلاً .ومنشفة ً.وقدحاً . وكان غطائهما قطيفة إذا غطت رأسيهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيَّا أقدامهما تكشفّت رأسيهما ، وفراشهما جلد كبش ينامان عليه بالليل ويجعلانه نهارً لعلف البعير عليه ، ولم يكن لهما خادم.(راجع المعجزة المحمدية م س). ورغم هذه المكانة عند الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه العميق لزوجها فقد ذهبت إليه تشكو ما أصابها من نصب وتعب وإجهاد (ولا تنسوا أنها ربما كانت مريضة فقد ماتت في ريعان شبابها) ذهبت ترجوه أن يعطيها خادمة من سبي جاء بعد الحرب: قالت: " وقد جاءك الله -عز وجل- بسبى وسعةٍ فأخدمنا"  ، فقال : " لا أعطيكما وأدع أهل الصفة - جماعة من الفقراء - تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكنى أبيعهم ، وأنفق عليهم أثمانهم " (رواه أحمد) وقال لهما صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكما على خير ٍمما سألتمانى ؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبرا ثلاثاً وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم " .( متفق عليه ) .

يواصل السيد إبراهيم أحمد:

 ويا ليته رفض إهداءها الخادم ولم يأخذ منها . وأترك الموقفين التاليين برهاناً للإعجاز :

 أتي النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ، فعدل عن دخوله لأنه رأي علي بابها ستراً موشياً وأخبر علياً بأن ترسل - أي فاطمة - بالستر إلي فلان أهل بيت بهم حاجة . من منا يأخذ من ابنته ويهدي غيرها ؟!

       وفي مرة أخري أراد زيارتها ثم عاد كذلك دون أن يدخل عليها ، فأرسلت تسأله عن سر ذلك أيضا ، فأجابها : " أني وجدت في يديها سوارين من فضة ، فبلغها ذلك فأرسلتهما إليه ، فباعهما النبي صلى الله عليه وسلم بدرهمين ونصف وتصدق بهما على الفقراء"( رواه أبو داود)

فأي شيء فيه غير معجز؟!

يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٍ يدها)"

فهل رأيتم سرقات حكامنا واختلاسات حكامنا وغلول حكامنا وسمسرة حكامنا وعمولات حكامنا ورشاوى حكامنا وزوجات حكامنا.. وأبناء حكامنا.. وأصهار حكامنا .. وأقارب حكامنا وأصحاب حكامنا وأنصار حكامنا وأتباع حكامنا وخدم حكامنا وشرطة حكامنا وصحافة حكامنا؟!.

يقسم صلى الله عليه وسلم بذلك..

لكن صحيفة الشروق اليومية تنشر يوم 30-6-2010 على لسان مسئول رفيع: بأن أمر رشوة المرسيدس «حساس للغاية» بالنسبة للعلاقة المصرية ــ الأمريكية. كما أقر أن هناك اتصالات جرت لتفادى «أو على الأقل تأجيل» الإعلان عن اسم الشخص المتورط في هذا الأمر «إلى أقصى أجل ممكن»، مضيفا أن هذا المسئول المصري كان «الرجل الوسيط» وبالتالي فإن الخشية من كشف اسمه ترتبط بالكشف عن الرجل الأساسي وراء هذه العملية.

من جانب آخر، أقر مصدر رسمي مصري، تحدث لـ«الشروق» من واشنطن، باتصالات «رفيعة» بأن الحكومة المصرية ليست في حاجة إلى وثائق أمريكية لتعرف من هو المسئول المتورط.

***   

إنني أشعر بالغضب لمجرد الدفاع عن صدق قوله ومعجزاته صلى الله عليه وسلم..

أشعر بالغضب..

ذلك أنني لا أتصور عقلا سليما نزيها يشك في الحقائق الناصعة، وكما يقول أبو الطيب المتنبي:

 

وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ ... إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ.

*** 

نعم..

لا يرفض التصديق بمعجزاته صلى الله عليه وسلم إلا عقل سقيم.

لقد كان صلى الله عليه وسلم معرضا كل يوم لخطر القتل : لكنه فجأة يصرف حراسه قائلا أنه لن يُقتل لأن الله يعصمه من الناس.

فهل يمكن لبشر أن يخاطر بحياته ويعرض نفسه للهلاك كي يصدقه الناس؟..

فإذا تصورنا المستحيل ممكنا.. هل كان يمكن أن يعرض دعوته كلها للخطر.. لأنه لو حدث أن اغتيل أو قُتِل بعد أن صرف الحراس لانهارت دعوته كلها..

هل كان يمكن أن يحدث ذلك ما لم يكن ذلك وحياً من الله الذي يعلم الغيب وبيده الموت والحياة .قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.

أما ما ترويه  السيدة عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – حول هذه الآية أنها قالت :

  سهر رسول الله ذات ليلة وأنا إلى جنبه ، فقلت : يا رسول الله ما شأنك ؟ قال : ( ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة ) ، قالت : وبينما نحن في ذلك إذ سمعت صوت سلاح .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا ؟ فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك . فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية ... فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قُبَة  أدَم وقال : ( انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ) رواه القرطبي

وهناك باحثة بلجيكية عكفت على دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصلت إلى هذه النقطة ، فتوقفت عندها تقول : لو كان هذا الرجل يخدع الناس جميعاً ما خدع نفسه في حياته، وأشهرت إسلامها.

*** 

اتسعت العبارة وفاضت المعاني وضاقت المساحة، وسوف نواصل إن شاء الله في الفصول التالية، لكننا قبل أن نختم هذا الفصل نشير إلى وجه لم نتطرق إليه في أسباب المعجزات. وهو وجه تنبيه الأجيال التالية وربطها بقضية ما. سوف نتناول –مؤقتا- ملمحا واحدا في معجزة الإسراء والمعراج،  ففي هذه المعجزة تم ربط قضية المسجد الأقصى وما حوله - فلسطين- بقضية العالم الإسلامي إذ أصبح المسجد الأقصى ثالث الحرمين، كما أصبح الدفاع عن مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وما حوله – فلسطين- دفاعا عن الإسلام نفسه، يجب أن يقوم به كل مسلم في شتى أنحاء الأرض، والتفريط في الدفاع عنها وتحريرها، تفريط في جنب الإسلام، وحصارها حصار للإسلام وخذلانها خذلان للإسلام وجناية يعاقب الله عليها كل مؤمن بالله ورسوله.

فأي شيء فيه غير معجز.

*** 

 

 

حاشية: يكرس صلاح عيسي رئيس تحرير صحيفة فاروق حسني للمشككين والمكذبين والمستهزئين وقد استمر لمدة شهرين يعطي مساحة واسعة لكاتب مجهول أظنه مختل عقليا – كما ظهر في القناة الثقافية – يزعم أن الإسراء والمعراج لم يكونا إلى المسجد الأقصى بل كانا إلى المدينة المنورة!!..وهنا سأله مقدم البرنامج – جمال الشاعر- عن هدفه من بحثه فإذا به يكشف الفضيحة.. إذ قال: إذا كان الإسراء والمعراج إلى المدينة فليس لنا شيء في المسجد الأقصى.. فلنتركه لإسرائيل إذن ونتقدم إلى السلام معهم!!!..