التناقض المذهل بين مقالتين:

فهمي هويدي ورفيق حبيب

نرجوك.. لا تفجعنا فيك

بقلم د. محمد عباس

 

أعترف للقارئ أنني كبحت جماح قلمي كثيرا ..

وأنني نحيت العناوين الصاخبة .. واستبعدت الأوصاف الجارحة حتى لو كان في يقيني أنها هي التي تعبر عن مرادي ومرامي ..

نحيت واستبعدت رغم ما بدا من مفارقة صاخبة .. فلو أنك عرضت المقالين دون اسم الكاتبين لأكد أي قارئ لك أن مقال فهمي هويدي كتبه مسيحي أو علماني وأن مقال رفيق حبيب كتبه مسلم حسن إسلامه ..!!

وليس هذا فقط .. بل إن مقال رفيق حبيب يوحي بالفطرة السليمة والفكر المستقيم والمقدمات الفلسفية العميقة دون لف أو دوران أو تعمد للتعمية ثم يصل إلى نتائج حاسمة ليس فيها خداع لا لنفسه ولا للقارئ ..لم ينتقل إلى رفيق حبيب فيروس الإيدز الفكري الذي نشره محمد حسنين هيكل في الأهرام فأصاب الجميع وإن اختلفت حدته وتباينت شدته فأصبح مركز الدراسات الاستراتيجية معملا لتفريخ العرب الصهاينة وهذا من أعجب ما رأينا لأن هيكل يزعم أنه قومي عروبي فإذا بجل أبنائه صهاينة فهذا أمر أشبه بأنثى وحيد القرن على سبيل المثال لا تلد إلا الخنازير. البعض الآخر أصابهم الفيروس بالرغم منهم فتسلل إلى دمائهم دون أن يعرفوا أو يوافقوا ومن هؤلاء فهمي هويدي. البعض قبل الفيروس باستمتاع .. والبعض لم يفهم فأشرف على الضياع.

لم يصب الفيروس رفيق حبيب .. ربما لأنه كان بعيدا عن مصادر الفيروس وحامليه .. وربما لأن مناعته الطبيعية وفطرته السليمة وفكره المستقيم وصدقه مع نفسه حماه من كل ذلك.

لا تلمح في رفيق حبيب أيضا أي غرق في الذات أو جنون عظمة أو محاولة لحماية نفسه من تبعات آرائه الصادقة الحاسمة التي لا تنكص عن تسمية المجرم باسمه أو التنديد بالسفاح والمجرم. رفيق حبيب لا يرقص على السلم ولا يستعمل الألفاظ التي تحتمل معنى مزدوجا .. وليس لي من عتب عليه إلا تخليه عن الدكتور محمد مرسي وهو يعلم أنه مظلوم ومغلوب على أمره. وليس معنى ذلك أنني أبرئ الدكتور محمد مرسي من جريرة ما حدث .. على الإطلاق .. لكنني أدخره لأقوله له بأعلى صوت في القصر الجمهوري بعد عودته من أسر القراصنة الذين اختطفوه ورجوعه للرئاسة إن شاء الله، كما فعلت قبل اختطافه بأسبوعين حين لامني البعض على حدتي في الحديث معه رغم أنني لم أجاوز حدود الأدب وإنما كان الجمر يتأجج في قلبي وأنا أرى بعين اليقين ما سيحدث وأحذر منه.

***

سأتجنب بقدر ما أستطيع الإساءة إلى الأستاذ فهمي هويدي فأنا بالرغم من أشياء كثيرة أحترم كفاءة الرجل ودأبه وجهده ومستواه الفكري والثقافي والأكاديمي العالي. كما أحترم ماضيه الذي تصدى فيه لقضايا لم يتصد لها سواه ودفع ثمن ذلك غاليا. وجاهر بكلمة الحق حين انزوى أشباه الرجال وحافظ على كبرياء الكاتب المسلم وظل في الأهرام يقاوم طوفان العلمانية والكفر ثلاثين عاما .. إلا أن هذا البقاء لا يحسب كله له وإنما يحسب لتوازن شيطاني حرص عليه الأهرام كستار يخفي أن الدار تتحول كلها تدريجيا ليس إلى دار علمانية فقط بل وأيضا إلى دار عمالة وكفر ..ومن أجل هذا احتفظ الأهرام بفهمي هويدي .. والذي قد يكون استسلم لبعض التوازنات .. لكن المؤكد أنه لم يستسلم للكثير منها .. ويكفي أن نتذكر مقالاته الممنوعة التي نشرت في كتب بعد ذلك.

أشهد لفهمي هويدي بهذا إلا أنني في ذات الوقت أكتفي بالتلميح إلى جهده في عصرنة الإسلام، واستعلائه المرفوض على الإسلاميين عامة وازدرائه للسلفيين على وجه الخصوص.

يتبادر السؤال هل يفعل فهمي هويدي ذلك عن اقتناع حقيقي خالص أم أنه تشوبه على الأقل شوائب اصطناع حواجز صناعية تقيه شر الاتهام بأنه من الإخوان المسلمين أو السلفيين. وللرجل تجربته المريرة على أي حال في الاعتقال والتعذيب مع أبيه- وكان ما يزال في شرخ الصبا .. بل الطفولة.

***

لنترك هذه المقدمة بعد أن طالت بالفعل .. ولندخل إلى جوهر الموضوع وقلبه.

***

يرى الأستاذ فهمي هويدي في مقال أخير له: "أن على الإخوان المسلمين أن يتجرعوا السم لأجل الوطن رغم فداحة الثمن الذي دفعوه، ورغم قدر الظلم الذي وقع عليهم، ورغم مشاعر قواعدهم، إلا أنني أثق في حكمة ووطنية قياداتهم.

وأذكرهم بأن القرآن علم المسلمين منذ قرون عديدة أن يكونوا أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين،راجيا أن يكونوا من هؤلاء"

يدرك فهمي هويدي أنه بعد مضيّ نحو ثلاثة أشهر لم يحدث متغير أساسي في المشهد. فلا الاعتصامات والتظاهرات أسقطت الحكومة ولا إجراءات السلطة أسكتت صوت الإخوان.

ولانزال حتى الآن نعيش أجواء المواجهة بين قوة السلطة وقوة الفكرة.

وتبين أن السلطة أقوى من أن تتراجع وأثبت مما قدر الإخوان.

***

ربما كانت مقدمات فهمي هويدي صحيحة حتى الآن .. لكنه يفاجئنا بقوله:

"ليس يهم في الوقت الراهن ما إذا كان الفائز في الصراع الدائر في مصر هو قوى التحالف مع العسكر أم تحالف الدفاع عن الشرعية، لأن الخاسر الأكبر في نهاية المطاف هو الوطن" ..

وهذه الجملة تساوي عندي:

"ليس يهم في الوقت الراهن ما إذا كان الفائز في الصراع الدائر في مصر هم أتباع لا إله إلا الله محمد رسول الله أم أتباع جمال عبد الناصر وماركس والجيش" ..!!

***

يتكلم فهمي هويدي كما لو أن الصراع كان بين اللواء "س" واللواء "ص" ..

أو أنه كان بين العالم الذي يدعو للمرجعية الإسلامية "أ" والعالم "ب" الذي يدعو لنفس المرجعية ..

أو أنه كان بين المنكر للشريعة "م" والمنكر الآخر " م مكرر"

ولو كان الأمر كذلك لما شابت مقالة فهمي هويدي أي شائبة ..

***

ولكن الأمر على العكس تماما!!

إنه الصراع بين دولة مرجعيتها الإسلام .. ودولة مرجعيتها "العلمانية" ..أو بصراحة أو بوضوح "التخلص من الدين تماما"..

إنه الصراع بين تطبيق الشريعة وهدم الشريعة ..

بين الشرعية والانقلاب على الشرعية ..

بين الدولة المدنية والدولة العسكرية ..

بين الديمقراطية والدكتاتورية الباطشة المجرمة الكاذبة ..

بين الحق والباطل ..

بين الخير والشر ..

ولننظر بعد ذلك كله ممن يطلب فهمي هويدي أن يتجرع السم؟

والإجابة مذهلة ..!!

***

لن أقول: آن لأبي حنيفة أن يمد رجله ..

ولكنني أتذكر مانشيتا طعنني في الأهرام منذ سنوات يمتدح فيه أكثر الكتاب الغربيين إنصافا للإسلام .. يقول الكاتب الذي امتدحه الأهرام أن المتشددين المسلمين يقومون بعملياتهم الإرهابية ليس حبا في الدم والقسوة ولكن شبقهم الجنسي العاتي يجعلهم يقومون بهذه العمليات لأن الجنس والنساء في الدنيا لم تعد تكفيهم فيلجئون إلى العمليات الاستشهادية تعجلا للذهاب إلى الحور العين في الجنة.

نظرة استشراقية عفنة تمخضت عنها معي يختمر فيها الكذب منذ أكثر من ألف عام.

***

هذه هي النظرة الاستشراقية الموغلة في الفهم الخاطئ المتعمد لتشويه المسلمين .. والتي ترجع في أصولها إلى جذور عميقة منابعها الكنيسة واليهود. وعلى من يشاء المزيد أن يعود إلى العلامة محمود شاكر خاصة في كتابه " أباطيل وأسمار".

قد نتقبل أن يغرق المستشرقون في أفكار مشوهة غبية حمقاء في تفسير مواقف الإسلام والمسلمين.

قد نتقبل هذا .. لكن كيف نتقبل أن ينظر فهمي هويدي إلينا بنفس النظرة .. نظرة مستشرق تشوه الإسلام والمسلمين .. أو على الأقل لا تفهمه ولا تنصفه ..فينظر إلى الصراع الآن على أنه صراع على السلطة بين الإخوان والعسكر دون أن يسأل نفسه: هل سيف عبدالفتاح ومحمد الجوادي من الإخوان .. هل كل علماء السلف ماعدا برهامي إن كان عالما أو كان من السلف- من الإخوان المسلمين؟ هل حازم أبو إسماعيل وعصام سلطان وأبو العلا ماضي من الإخوان المسلمين؟ ..وأستطيع أن أواصل لأذكر له ألوفا أو مئات الألوف ..

بل.. هل كل هؤلاء الملايين في الشارع من الإخوان المسلمين..

فما أجدرهم بالحكم إذن..

وما أجدر المنقلبين عليهم بملايين الفوتو شوب بأن يحاكموا بتهمة الخيانة العظمى والانقلاب على الأمة..

إذن ..

قضية فهمي هويدي تنهار كلها بعد توجيه هذا السؤال إليه ..

نعم.. إذا كان الأمر ليس الإخوان المسلمين فإن قضية فهمي هويدي كلها تنهار..

فالأمر ليس أمر الإخوان وإنما أمر شعب يرفض الحكم العسكري وأمن الدولة والعلمانية ويطالب بتطبيق الشريعة ..

***

يخطئ فهمي هويدي توصيف قضيته وتحرير مصطلحاته فيندفع في الاتجاه الخطأ فيطلب من الخير أن ينسحب أمام الشر .. ومن الحق أن ينسحب أمام الباطل ومن الديمقرطية أن تنحني أمام الديكتاتورية ومن الدولة المدنية أن تسلم الأمر للدولة العسكرية التي تخفي ملامحها برئيس ليس برئيس .. ومن الشرعية أن تتنحى للانقلاب على الشرعية .. ومن الشريعة أن تسلم الزمام لهدم الشريعة .. ومن الإيمان حتى لو كان مشوبا أن يتخلى للكفر وإن كان صريحا ..

لشد ما أذهلني موقف الأستاذ فهمي هويدي!!

***

سنعترف للرجل مرةأخرى بباعه الطويل في الدفاع عن الإسلام في وقت نكص فيه الكثيرون ..

لن نلجأ إلى حشد مواقف ندين بها فهمي هويدي وكيف أنه شكل في مواقف عديدة خنجرا يأتينا من الخلف ..أو نيرانا صديقة ..

لن نلجأ إلى إدانته بالإفراط في تقدير العقل النسبي بطبعه- حتى يكاد يجعله مطلقا ..

لن نلجأ إلى موقفه من بعض الأحاديث الصحيحة ..

ولا إلى قيامه بتضليلنا ربما بحسن نية- في كتابه:"إيران من الداخل"حين رفع شيعة إيران والخميني إلى أعلى عليين بينما خسف بعدها بسنة أفغانستان والملا عمرأسفل سافلين ..

لن نلجأ إلى بخسه قيمة الجهاد التي تصل إلى حد السخرية أحيانا كمثل قوله أن أولأمر في القرآن كان اقرأ ولم يكن اضرب أو ابطش ..

وما كان أغناه عن ذلك لو رجع للقرآن والسنة وللربعي بن عامر ..!

ولو أردنا أن نستعرض الآيات التي أمرنا فيها القرآن بالجهاد والقتال في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين في الأرض..

ما كان أغناه لو رجع إلى كتب السيرة والتاريخ..

أو حتى إلى علي عزت بيجوفيتش الذي وصف مثل هذه الأفعال بقوله: لقد دفعونا لأن نخجل مما كان يجب أن نفخر به .. وأن نفخر بما كان يجب أن نخجل منه ..

كما أذكره بقوله:

إن عامين من الجهاد كانا أفضل للدعوة .. من ألف عام من الدعوة!!

لن نواجهه الآن بأقوال له من نوع : "ليس صحيحا أن المسلمين صنف متميز ومتفوق لكونهم مسلمين وليس صحيحا أن الإسلام يعطي أفضلية لهمويخص غيرهم بالدونية لأنهم كفار" (مجلة العربي الكويتية العدد 267 مقال بعنوان "المسلمون والآخرون") ..

لن نلتفت أيضا إلى التشابه المذهل بين الحل الذي يطرحه فهمي هويدي الآن والحل الذي طرحه محمد حسنين هيكل منذ ما قبل الانقلاب بأن يملك الإخوان شجاعة الاعتراف بالهزيمة والانسحاب من الساحة السياسية والاكتفاء بالعمل المجتمعي...

قال هيكل هذا والدكتور مرسي ما زال رئيسا للجمهورية..

ربما زاد الأستاذ فهمي فصرح بتجرع السم بينما تركها هيكل مضمرة..

التشابه بين فهمي هويدي وهيكل أكبر من أن نغفله..

ذلك أن التشابه بين رأس حربة نظنها لنا ورأس رمح نظن أنه مغروس في قلوبنا لابد أن يثير أقصى درجات الريبة.

***

اختصر فهمي هويدي الأمر بل اختزله اختزالا مشوها بل قلب الحقيقة .. فبدا الأمر كما لو كان صراعا بين الإخوان والعسكر على السلطة .. وأنه لا شيء من هذا الصراع يتعلق بالهوية .. بالإسلام .. بالعقيدة .. بلجنة الخمسين .. بالدستور .. بالمؤامرةالهائلة التي تدبر للوطن وللمسلمين ..بأمريكا.. بإسرائيل.. بتاوضروس..

لن نتوسع في طرح شديد الأهمية طرحه اللواء عادل سليمان المحلل العسكري في مقال له بعنوان:

"مصر على أعتاب ثورة ثالثة هي الأقوى في تاريخ مصر والعالم العربي"

وأن أمريكا تريد دخول مصر لكنها تخاف جيشها المتماسك وقوة الكتلة المدنية فوضعت مخططا يستهدف الصدام المسلح بين أقوى كتلة عسكرية (الجيش) وأقوى تكتل مدني وهو الإخوان المسلمين لينهك كل منهما الآخر ولتتمكن أمريكا من الدخول على الأنقاض ..

ويواصل اللواء والخبير قوله: ..

وقد كلفت (السيسي) لتنفيذ المهمة رجلهم فيالقاهرة كما يصفهالإعلام الغربي واليهودي ..

وهو يحاصر غزة بالوكالة عن اليهود ويهجر قرى في سيناء لتفريغ سيناء من الكتلة البشرية لعودة اليهود .. يحرق ويحاصر مساجد في قلب القاهرة ..

ويضيف اللواء عادل سليمان:

للأسف هذا الخائن له ظهير من العبيد والجرابيع يصفقون له مثل القطيع ..

والسؤال هل ستستمر تلك المهزلة في أرض الكنانة كثيرا ..

أم سيهب الشعب بثورة عارمة تقطع يد هذا الخائن ومن عاونه ومن سار مثل القطيع في فلكه؟؟

***

سوف نتجاهل ولو مؤقتا .. ولو لتخفيف وطأة مقالنا هذا على فهمي هويدي أن المؤرخ العملاق الأستاذ الدكتور محمد الجوادي يبدو مؤيدا لوجهة نظر اللواء عادل سليمان في تسجيل مصور على قناة الجزيرة. ولن نلجأ أيضا إلى الصحافة الأمريكية وما نشرته عن ديانة أو جنسية هذا أو ذاك.

***

يتجاوز فهمي هويدي ما لا يمكن تجاوزه ..

كأن تقول لأب يشك في بنوة ابنه: ليس المهم الآن هل هو ابنك أم ابن سفاح وخيانة .. لكن المهم أن تواصل رعايته والإنفاق عليه ..

يقول فهمي هويدي:

"وحين أقول إن ذلك الوضع ينبغي ألا يستمر فإنني لم أفكر فيما إذا كان الذي حدث هو انقلاب أم ثورة"

ولابد أن نواجه الكاتب الكبير كيف لم يفكر بعد في جوهر المشكلة ولب الكارثة.. فإن كانت ثورة فلابد من أن يتجرع الإخوان المسلمون السم فإن لم يتجرعوه جرعناهموه.. وإن كان انقلابا فهو الخيانة العظمي ولا شيء آخر..

كان لابد للكاتب الكبير أن يفكر..

كان لابد أن يسأل نفسه هل ثمة ثورة في التاريخ يقودها وزير دفاع بمعاونة الجيش والشرطة وتقوم بعزل رئيس منتخب ..!!

أي هزل.. بل أي مسخرة..!!

متى ستفكر في الأمر يا كاتبنا الكبير..؟

اغتصبت الأمة ولم تفكر..

وحملت المرأة سفاحا ولم تفكر..

وولد ابن السفاح فلم تفكر..

فمتى تفكر إذن.. وكيف بنيت حكمك..

ثم يضيف فهمي هويدي:

"ولست مشغولا بمن المخطئ ومن المصيب، لكنني أزعم أن الوطن والأمة معا بحاجة إلى طرف شجاع يتقدم لكي يطفئ الحريق وينقذ مصر من الرياح المسمومة التي هبت عليها وأطلقت فيها وحوش الغضب والثأر والانتقام ودعوات الاقتلاع والإبادة ..

وهو ما يدعوني إلى طرح السؤال التالي:

من يتجرع السم ليسدي للوطن تلك الخدمة في اللحظة الراهنة؟

ولمن لا يذكر فإن المصطلح استخدمه الإمام الخميني وهو يعلن في عام 1988 استجابته لقرار وقف إطلاق النار في الحرب مع العراق،

ويواصل فهمي هويدي:

إنني لا أتصور عقلا أن أطالب السلطة القائمة بتلك الخطوة، ليس فقط لأنها معتمدة على الجيش والشرطة ولكن أيضا نظرا للتأييد الشعبي الواسع لها، لذلك فإنني أتوجه بالنداء إلى الإخوان المسلمين وحلفائهم، وتلك مغامرة شخصية من جانبي لم أستشر فيها أحدا ولا أعبر فيها عن أحد.

***

سوف نستقبل كلمات فهمي هويدي بذهول.. فإن كنت لست مشغولا بمن المخطئ ومن المصيب.. فما الذي أتعبك وشغلك بالقضية كلها إذن..

أنت تشبه طبيبا يقول لست مشغولا بتشخيص المرض لكنني سأكتب العلاج..

أو بقاض يقول: لست مشغولا بمن الجاني ومن المجني عليه لكنني مشغول بإصدار الحكم..

أو بجراح يقول أنه ليس مشغولا بإزالة السرطان ولكنه مشغول بمنع المريض من الشكوى..

هنا يفقد فهمي هويدي ما تمتع به طويلا..

المنطق والحكمة..

ولو أنني كنت مكان الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وكان فهمي هويدي مكان الرجل الوقور لما اكتفيت بأن أمد رجلي.. بل لمددت أصابعي في عينيه..

أقول أن فهمي هويدي فقد المنطق والحكمة..

ولكي يحافظ على اتساقه وتوازنه كان لابد له من شهادة زور..

لن نستطيع أن نتجاوز عن شهادة الزور تلك والتي شهد بها فهمي هويدي:

"إنني لا أتصور عقلا أن أطالب السلطة القائمة بتلك الخطوة، ليس فقط لأنها معتمدة على الجيش والشرطة ولكن أيضا نظرا للتأييد الشعبي الواسع لها"

التأييد الشعبي الواسع يا أستاذ فهمي!!

من تجامل؟ وعلى حساب من؟

وكيف عبر صندوق الانتخاب عن هذا التأييد الشعبي الواسع ..

أم أن خالد يوسف كان بديلا عن صندوق الانتخابات؟

على أنني أفهم المبرر لشهادة الزور تلك..

فلولاها لما استطاع أن يحترم نفسه أبدا..

إنه يقدم وثيقة زواج مزورة..

كي يتستر على جريمة الاغتصاب..

***

سوف نتجاوز هذا كله ..

لكم تمنيت بدلا من أن يطلب فهمي هويدي من الإخوان المسلمين الانسحاب أن يقول ما قاله العميد صفوت الزيات، الخبير في الشئون العسكرية:

"توقعت بعد مذبحة النصب التذكاري أن يتوجه السيسي لقلب ميدان رابعة ليشاهد برك الدم والمصابين, لكن على الجيش أن يستبعد قيادات في هذه المرحلة لحقن الدماء وأن تقترب أخرى حريصة على مصلحة الوطن"..

ولكم تمنيت أن يقول المفكر الكبير ما قاله العسكري:

وطالب الزيات قيادات الجيش الشرفاء والمجندين بعدم الانصياع والتورط في دماء الأبرياء مشددًا على أن الجيش أشرف له أن يهزم عشرات المرات أمام العدو ولا ينتصر مرة واحدة على أبناء شعبه

ولن أكلف الأستاذ هويدي ما لا يطيق وما لا تسمح به له طبيعته ..لن أطالبه أن يقول ما قاله العميد الزيات:

وشدد الزيات على أن "الشعب يريد الدستور وعودة رئيسه المنتخب محمد مرسي ولن يرحم التاريخ ما فعله الجيش من إلقائه المنشورات والبيانات التحذيرية على معتصمي رابعة في حين ألقى على محتشدي التحرير الأعلام الوطنية. "

***

لكن ثمة سؤال افتراضي للأستاذ هويدي:

إذا ما افترضنا المستحيل .. واستجاب الإخوان للأستاذ هويدي ..وانسحبوا جميعا من الميدان .. فماذا سنفعل في الـ75% الذين لا ينتمون للإخوان المسلمين والذين سيواصلون التظاهر ..

من الواضح أنه لو حدث المستحيل .. واستجاب الإخوان لاقتراح هويدي المذهل .. فإن الحال في الشارع لن يتغير كثيرا .. والأستاذ هويدي أذكي كثيرا من ألا يدرك هذه البديهيات كما أنه أنظف من أن يكون قصده الوحيد من اقتراحه المستحيل أن تكون له يد عند العسكر والانقلابيين ..

لقد بدا لي أن مشكلة الأستاذ هويدي طول عمره كانت حرصه على الحصول على اعتراف الجانب العلماني به ..ومقابل هذا أسرف كثيرا في إدانة الإخوان وازدراء السلفيين وتجريم الجهاديين في نفس الوقت الذي أسرف فيه في مجاملة العلمانيين والقوميين .. وهيكل .. دون وجه حق ..

ولولا ذلك لكان شأنه أكبر من ذلك بكثير جدا ..

مع اعترافي بأن شأنه كبير بالفعل.

***

ماذا يتصور الأستاذ هويدي أن يحدث بانسحاب الإخوان؟

أن تكون نهاية سعيدة كالأفلام العربية حين يتفرغ الجيش لمواجهة إسرائيل وبناء الوطن؟ أم أن العكس هو الذي سيحدث .. سيتفرغ الجيش لحماية حدود إسرائيل وتمزيق سيناء وسحق غزة والانتقام من الصعيد ..

هنا مربط الفرس يا أستاذ هويدي .. فإن لم يعجبك مربط الفرس فليكن مربط الحمار أو مربط الجحش أو مربط البغل .. أو .. أو .. أو أي مرادفات أخرى.

***

لقد ظل في نفسي منك الشيء الكثير حتى انفجرتَ على شاشات الفضائيات باكيا حزنا على أهل غزة أيام الرصاص المسكوب .. ويومها شعرتُ أن دموعَكَ تقدم اعتذارا فصفحتُ باسم الأمة- عنك ..

والآن ..

ألا تتصور أن النظام العسكري الذي تدافع عنه قد يكون أقسى على غزة من إسرائيل .. كما كانت قسوته على المصريين بلا سابقة ولا مثيل. حتى إن عدد من قتلهم في رابعة وأخواتها يفوق عدد شهداءنا في كل حروبنا مع إسرائيل .. وحتى في بحر البقر وأبي زعبل وعلى الجبهة فإن إسرائيل لم تحرق الجرحى الأحياء ولم تجمع الجثث بالجرافات وتلقي بها في القمامة.

***

ولو فرضنا المستحيل-وأظنك تعرف أنه مستحيل.. وتلك واحدة أخرى عليك- ووافق الإخوان على الانسحاب من الشارع وتجرع السم.. فمن الذي سيحمل مسئولية دماء الآلاف والجرحى ومن حرقوا أحياء..

أين تذهب أمام الله يوم القيامة وتلك الدماء على كاهلك.. لأنك نصرت من سفكها وخذلت من بذلها..

ثم كيف تلقى الله يوم القيامة يا أستاذ فهمي هويدي وقد ارتضيت أن يحكم من فعل هذا أمة من المسلمين .. بل حتى أمة من اليهود والصليبيين!!

هل رأيت ما حدث في رابعة وأخواتها يا أستاذ فهمي هويدي؟

هل شاهدت تلك الطبيبة وهي ترفض ترك الجرحى فيرديهم الضابط بسلاحه الآلي فتندفع الطبيبة تحتضنه عندما طاش صوابها وظنت أنه لا يمكن أن يكون إنسانا من لحم ودم بل إنسانا آليا جاءوا به كي يدمر سمعة الجيش المصري؟

هل شاهدت جثث الأطفال يا فهمي هويدي؟

هل رأيت ذلك الطفل يتوسل إلى أمه أن تعود بعد أن عبرت بوابة الموت؟

أو تلك الطفلة تصرخ في أمها: بالله عليك يا أمي .. قومي؟

هل رأيت نظرات الغضب والذهول؟

هل أدركت أنه لم يوجد أحد أبدا تصور أن تصل الوحشية إلى هذا المدى؟

أننا جميعا أحببنا جيشنا أكثر مما أحبه قادته.. واحترمناه أكثر مما احترمه قادته ووثقنا فيه أكثر من ثقة قادته..

لقد استخفه قادته فأطاعوه..

كنا نريد أن نبحث لمن أطلقوا الرصاص عن تبرير..

لكنه حكم الله سبحانه..

ومن يُستخف فيطيع الطاغوت ضد شرع الله فاسق ..فاسق .. فاسق.. فاسق..

لم تكن عملية إخلاء للميدان أمرا لا حق لهم فيه فقط بل كانت عملية إبادة واستئصال بالصدمة والترويع واصطياد أكبر عدد من الشباب المستعد للاستشهاد ..

كانت عملية إبادة من نوع العمليات ضد الهنود الحمر .. وفاقت عمليات إسرائيل ضد الفلسطينيين .. بل ولقد ذكر لي شهود عيان مستعدين للشهادة.. أن أول من أطلق القناصة النار عليهم كانوا جنود الصف الأمامي وليس المعتصمين.. كي يشعلوا نيران الثأر في باقي الجنود..

***

أجهد ذاكرتي في عملية قتلت فيها إسرائيل ستة آلاف دفعة واحدة وأحرقت جثثهم وألقت ببعضها في القمامة .. أجهد ذاكرتي فلا أذكر .. فهل تذكر أنت يا فهمي هويدي؟

لقد جربت نوع الحرائق التي أشعلوها في رابعة والنهضة في حريق مكتبتي حيث تلتهم النار كل شيء فلا يبقى منه أي اثر .. في مكتبتي تبخر الحديد والفولاذ والألوميتال والبايركس .. تبخر .. لم يبق منه أي أثر .. وأظن أن إحراق رابعة وأخواتها كان لنفس الغرض .. لكن قصور الخطة وغباء التنفيذ جعل الأمر يقتصر على حرق الجثث وتشويهها.

هل تذكر يا أستاذ فهمي هويدي معركة مطار بغداد؟ .. عشرات الآلاف من الجنود العراقيين لم يبق منهم أثر .. تبخروا .. تبخروا جميعا.. لا لحم ولا عظام ولا ملابس ولا حتى سلاح..لا أثر.. لا أثر على الإطلاق..

هل كانت تلك هي الخطة في رابعة لكنها فشلت؟ ..

هل هؤلاء يا فهمي هويدي هم من تطلب من الإخوان المسلمين أن يتجرعوا السم ليتخلوا عن الوطن لهم؟

كأنه لم يكفك الرصاص والبودرة الحارقة والمارينز فتطلب منهم بعد هذا كله أن يتجرعوا السم ..

أي ظلم .. بل أي ضلال؟

***

ألم يخطر ببالك يا أستاذ فهمي أن تسأل عن سر اختطاف الرئيس محمد مرسي وإخفائه ومنعه من الكلام ..

أي أسرار رهيبة يمكن أن تقضي على الانقلابيين وتكشف سرهم وتهتك سترهم لو أن الرئيس المخطوف تكلم!!

بل لقد أعلنت وسائل الإعلام أن من أفرج عنه ممن كانوا مع الرئيس اشترطوا عليهم ألا يفتحوا أفواههم ..

ألم يخطر ببالك يا أستاذ فهمي أن تتجرع السم أنت فتعلن أنك مع الحق وأنك تتمني مرتبة الشهادة بقولة حق عند لواء أو فريق جائر ..

ألم يخطر ببالك أن تقول أنك تخشى أن يفعل العسكر بمصر ما فعلوه بها مع انقلاب 52 ..حين جاء عبد الناصر رافعا لواء أنه سيغير تاريخ المنطقة فإذا به يغير الجغرافيا وليس التاريخ .. نعم .. غير الجغرافيا .. وإذا به يقلص الدولة إلى أقل من ثلث حجمها في أقل من أربعة أعوام .. فقدنا السودان كله: ضعفي مساحة مصر .. ثم قطاع غزة .. ثم سيناء ..

***

ألا تخشى يا فهمي هويدي من الضربات التي يوجهها العسكر بالضبط إلى نقاط وخطوط تقسيم مصر التي خطط لها برنارد لويس ..سيناء والصعيد؟..

بل لقد تم هذا التخطيط منذ الحروب الصليبية..

ألم تسأل نفسك يا فهمي هويدي: هل فوجئ الانقلابيون بالعواقب الكارثية لما فعلوه؟

قسموا الأمة والجيش وعرضوا الأمن القومي وتماسك الدولة للخطر بل للانهيار وأشعلوا الفتنة الطائفية كما لم تشتعل منذ الفتح الإسلامي المبين ..

وهل لوكانوا قد أدركوا ذلك كانوا قد فعلوا ما فعلوه؟

إن الانقلابات العسكرية عادة إن لم تنجح على الفور فإنها تفشل على الفور .. إنها أشبه ما يكون بعملية النشل .. فإذا أحس الضحية بالنشال وقاومه فقد فشل النشال .. حتى لو لم يستطع الناس القبض عليه بسبب السلاح الذي يحمله ..

أتساءل مرة أخرى يا فهمي هويدي .. وليتك تتساءل معي:

-        هل فوجئ الانقلابيون برد فعل الشعب الذي فضح الانقلاب؟

-        وهل كانوا سيقدمون على الانقلاب لو أدركوا النتائج؟

-        هل تورطوا ولا يستطيعون التراجع الآن؟

-        أم أن الأمر أخطر بكثير جدا .. وأنهم استدرجوا بعلم أو بدون علم في مؤامرة تقسيم مصر ..

- ألا تلاحظ على سبيل المثال أن الانقلابيين يبدون غير حريصين على إطفاء النار.. بل هم حريصون على إشعالها باستمرار.. لقد حرصوا على إعطاء انطباعات بتصلب الإخوان بينما كانوا هم الذين تصلبوا بشهادة الجميع وعلى رأسهم الدكتور محمد سليم العوا الذي لا يمكن أن يجامل الإخوان على حساب العسكر. هم الذين رفضوا الحوار ومنذ البداية.. وهم الذين أحضروا تاوضروس ليشهد ويشارك في عزل أول رئيس مسلم حافظ للقرآن مشعلين فتنة طائفية.. وهم الذين تركوا البلطجية يحرقون الكنائس (وأقول تركوا تأدبا وتحفظا) ثم اتهموا الإسلاميين بذلك رغم نفي القساوسة الذين أدانوا تخلي الأمن رغم استنجادهم وقيام الإسلاميين بحماية كنائسهم. إشعال النار في المجتمع. هل يمكن أن نتخيل ماذا يفعلون ولماذا.. هل من يريد إطفاء النار يرتكب المذابح المروعة التي ارتكبوها ثم يشعلون النار هنا وهناك ثم يعتقلون الأطفال ثم ينشرون أغنية هابطة وسخيفة تسخر من دماء الشهداء وتشعل النار في قلوب أبنائهم ثم يقبضون على الطلاب والأساتذة والعمداء في الجامعة. هناك إصرار على إشعال النار ومنعها من الانطفاء. ألم تلاحظ يا أستاذ فهمي هويدي ذلك الإصرار على إبقاء النار مشتعلة؟ ألم تفكر في السبب؟ هل يمكن أن يكون جزءا من المؤامرة الخارجية التي شاركوا أو تورطوا فيها أو حتى لم يفهموها.. أم تكون طريقة بروتوكولات حكماء صهيون في تدمير المجتمع وتمزيقه ليرضى بأي شيء..

ألم تسأل نفسك:

هل تورطوا؟

هل تعمدوا؟

هل دبروا؟

-        وأنهم بعد أن تورطوا لا يستطيعون التراجع فالموت أمامهم والموت خلفهم فتأتي أنت يا أستاذ فهمي لتطالب من القوة الباقية القادرة على مقاومة انهيار الدولة والأمة والدين فتطلب منها أن تتجرع السم.

هل يمكن أن يكون هذا كله لتمهيد المجتمع لقبول ترشيح السيسي رئيسا؟

وهل يمكن أن يتقبل المجتمع من قتل من الشعب أكبر عدد في التاريخ ليكون رئيسا له..

***

لكم تمنيت أن يوجه وأن يواجه- فهمي هويدي أسئلة كان هو أولى بأن يوجهها قبلي وقبل الدكتور رفيق حبيب الذي أستقي بعض تساؤلاتي القادمة من بعض دراساته ..

لكم تمنيت أن يسأل الأستاذ فهمي هويدي نفسه على سبيل المثال:

هل هذا الانقلاب سيفي بما وعد به؟

هل ستجرى الانتخابات حقا: الرئاسية والنيابية؟

وهل إذا أجريت لن تزور؟

هل سنعود بصورة أو بأخرى إلى عصر مبارك بل أبشع؟

ما دور أمن الدولة؟

ما دور المخابرات التي ثبت أنها الطرف الثالث؟

وما سر التسريبات بعرض عروض كعروض مبارك على الإخوان: الانسحاب من الشارع مقابل 85 مقعدا في البرلمان؟

ولنضع في اعتبارنا أن عدد المقاعد لا يهم ما دامت عصا القيادة والسيطرة في يد الجيش ..

وهل ستلغى الانتخابات ويعين السيسي رئيسا بالتفويض؟

هل يرجعون إلى فكرة مجلس رئاسي يحكم لأربع سنوات دون انتخاب؟

وهل إذا حدث هذا يمكن أن تعود الانتخابات بعده مرة أخرى..

هل يتخيل أحد أن يوافق العسكر على أي حلول وسط ستؤدي بالمجرمين الذين قتلوا شهداء رابعة وأخواتها إلى حبل المشنقة؟

-        إذا تجاوزنا عن هذا الانقلاب فهل يكون الانقلاب الأخير؟

-        أم ستتكرر الانقلابات كلما بدر من الشعب ما لا يعجب العسكر؟

-        وهل كان الانقلاب حلا لأزمة أم خلق أزمة مستعصية تبدو بلا حل؟

-        ألم يلاحظ الأستاذ الكبير فهمي هويدي أن انسحاب الإخوان إذا ما تجرعوا السم وانسحبوا .. وإذا افترضنا استجابة غير الإخوان- سيجعل العسكر هم السلطة السياسية العليا إلى ما شاء الله .. يعني بصورة أخرى عودة حكم عسكري أشرس من حكم الطواغيت الثلاثة السابقين؟

-        وهل سيصبح انحياز القوات المسلحة للأقلية ضد الأغلبية وللمسيحية ضد الإسلام بديلا عن صندوق الانتخاب؟؟

-        ثم ..إن هذا الانحياز ولو بدون انقلاب سيفسد العملية السياسية دائما

-        وماذا لو خرجت الجماهير بعد اختيار الرئيس القادم سواء بالانتخاب المزور أو بالتفويض الفوتو شوب أو بقوة بيادة العسكر لترفضه وتطالب بعزله وبرئيس جديد .. فكم يمكن أن يقتلوا ليستتب الأمر لهم .. لقد اقترح أنسي ساويرس عددا يتراوح بين 30000 و40000 قتيل ليستتب الأمر ..

-        يعني أن الباقي لهم في ذمتنا 34000 شهيد ..

-        فهل يريد الأستاذ فهمي من الإخوان الانسحاب من أجل هذا؟

-        ألا يعتبر تأييد العسكر لمبدأ التفويض دعما للغوغائية (الديماجوجية) والسوقية والابتذال وتغطية للقمع الباطش ..ألا يعتبر فتحَ بابِ ثغرةٍ للقضاء على صندوق الانتخاب مادام يمكننا الوصول إلى الحكم بطريقة أخرى؟

-        ثم هل سيثق الناس في صندوق الانتخاب مرة ثانية يا أستاذ فهمي بعد أن أهدرت إرادتهم ستة مرات؟

-        وماذا إذا فكرت مجموعة من الناس أنه مادام صندوق الانتخابات قد أهدر وسياسة التفويض المزور تحت ظلال الشواذ وتجار الأعراض والمخدرات والكلاب هو الذي يسيطر فإنه لن يبقى أمامهم سوى الاحتكام للسلاح؟

-        هل يسعى الأستاذ فهمي إلى انسحاب الإخوان من الشارع لتسهيل مهمة الجيش وعصابة العلمانيين في عسكرة الدولة؟ في القضاء على أمل الحكم بالشريعة؟ أن ينتصر 20% على 80% .. ليس مجرد انتصار بل سحق وتنكيل وقتل وتعذيب وحرق للمساجد وإهانة للمقدسات وتكريم كل الأديان إلا الإسلام؟ ..

-        هل كان حرق المساجد للتنكيل بالإرهابيين حقا أم بالإسلام نفسه وبترويع المسلمين وإفهامهم أنه لا يوجد جريمة سينكص الانقلابيون عنها ولا يوجد مقدس سيحترمونه لا المساجد ولا المصاحف ولا العلماء ولا الشيوخ ولا الأئمة؟

-        هل هذا ما يسعى الأستاذ الكبيرإلى إقناع الإخوان المسلمين بتجرع السم من أجل إتمامه وكماله؟

-        ثم ..

-        ليسمح لي الأستاذ الكبير أن أسأله:

-        هل كان الانقلاب انقلابا مصريا أم حيكت كل تفاصيله في الخارج ..

-        دعك من أقوال عبيد الشيطان عن الخروج المبهر وعن الـ33 مليون وعن جوجل وإحصائياتها .. وما دام الانقلاب قد حيك في الخارج ونفذ في الداخل ألا يعتبر ذلك تفريطا كاملا في السيادة الوطنية .. وجعل الوطن عرضا مستباحا لا يرد يد لامس ويسمح لخونة الداخل من الاستقواء بخونة الخارج خاصة أقباط المهجر .. خاصة أن الانقلاب لم يكن يمكن له أن يخطط دون ضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي ودون تمويل خليجي ودون موافقة مفتوحة على طوفان الدم وجبل الأشلاء .. بل إنني لا أشك أن المواد المستعملة والأسلحة قد وردت أثناء المذابح من الإمارات ومن إسرائيل.

***

-        ماذا يريد الأستاذ فهمي هويدي بانسحاب المتظاهرين من الشارع؟

-        هل يصدق مثلا أن الانقسام الذي حدث في الشارع المصري هو انقسام حقيقي؟ أم هو فعل إجرامي مخطط اعتمد على دراسة سيكولوجية الجماهير الغفيرة ودراسات المخابرات وغسيل المخ؟ .. دراسة تآمرية شيطانية بلا ضمير تكفلت بأن تقوم بذلك المخطط أجهزة أمنية مهمتها الحفاظ على أمن الوطن فإذا بها تذبح الوطن لكي تحافظ على ميزاتها؟

-        هل يأتمن الأستاذ فهمي هويدي هذه الأجهزة لتقود الوطن؟ ويطلب من المتظاهرين الانسحاب للتيسير عليها؟

-        ثم بعد زرع الفتنة في ربوع الوطن هل يمكن استعادة الثقة مرة أخرى؟

-        هل يمكن أن يثق المذبوح في قاتله .. خاصة أن هذا القاتل المجرم لم يكتف بالذبح بل شفعه بالتعذيب والتزوير والكذب وتشويه السمعة وعسكرة كل أجهزة الدولة كي تصبح تحت جنازير الدبابات وبيادات الجنود؟.. تماما كما حدث عام 54 وعام 65.. نفس الجرائم ونفس المجرمين..

-        ثم ..

-        كيف يمكن إصلاح التشويه الشيطاني الذي برمجت عليه عقول الضباط والجنود والتي جعلتهم يقتلون إخوانهم بكل هذا الغلّ والغضب الذي لم يحملوا مثله أبدا لإسرائيل؟

- أليس الإسلاميون الآن هم العدو الاسترتيجي للجيش؟ أو لنقل أنهم الإخوان.. لكن الأمر يمكن أن يمتد لكل المسلمين.. ولأول مرة في التاريخ يستهين الجندي المصري أو الضابط بالدين وبالمساجد وبالأرواح..

لقد أسلم جارودي لأن جنديا جزائريا مسلما أبى أن يطلق الرصاص عليه تنفيذا لأمر قائده.ز لأنه لا يليق بالمسلم أن يطلق النار على أعزل..

عرف جارودي قيمة الإسلام..

فلماذا نزعت الشئون المعنوية هذه القيمة من ضباطنا وجنودنا..

إن كثيرا من الأسر تتصل بي.. وقد أصيب أبناؤها من ضباط وجنود بنوع من العصاب.. فهم لكي يقنعوا أنفسم أنهم على صواب لابد أن يبالغوا في إدانتهم للإسلاميين.. ولكن.. لا ضمائرهم ولا عقولهم ولا قلوبهم ولا عقيدتهم تطيعهم فيبدأ الصراع النفسي..

- أجار بالسؤال: هل يمكن للعسكري الذي قتل إخوته أن يقاتل الجندي الإسرائيلي بعد ذلك..

أي كارثة هائلة ألحقناها بجيشنا.. هزمناه قبل بداية أي معركة..

كالعادة.. هزمته قياداته..

-        كيف يمكن إصلاح ذلك؟

-        يا فهمي هويدي أجبني كيف يمكن إصلاح ذلك؟

-        ولمن سينحاز الجيش ..

-        لجنوده وضباطه الذين مسخ عقولهم؟

-        أم للشعب المستباح؟

-        وكيف ستتطور العلاقة بعد ذلك بين المجندين عندما يسرّحوا من الخدمة وبين مجتمعاتهم التي شحنوا ضدها؟ وكيف ستتطور العلاقة بين من يبقى في الجيش بعد أن يكتشفوا كذب قياداتهم عليهم وتوريطهم في قتل أهليهم؟

***

-        يلاحظ الرائع الدكتور رفيق حبيب ملاحظة لم تلاحظها أنت يا أستاذ فهمي هويدي .. ولو أنك لاحظتها ما طالبت بما طالبت به .. بل وربما كنت قد هرعت لتقود إحدى هذه المظاهرات.

-        يلاحظ رفيق حبيب أن الانقلاب يهدد كيان الدولة نفسها ذلك أن مؤسسات الدولة العميقة كالجيش والشرطة والقضاء إضافة إلى الفلول وكوادر الحزب الوطني وحزب الفساد كل أولئك يقفون مع الأقلية ضد الأغلبية. وأن الخطير في هذا أن أجهزة الدولة لا تقوم بدورها وأن الشرطة والجيش والقضاء لم تعد ملكا للمجتمع .. بل متسترة خلف بعض منه لا لمصلحة الدولة بل لمصالحها التي تتعارض مع مصلحة الدولة .. بل وتقضي على الدولة وتقمع المجتمع وتهدر ثروته وإرادته. ويؤكد حبيب أن هذه النظم لا يمكن أن تستقر أو تستمر إلا بتزوير الانتخابات، وأن تزوير الانتخابات يستلزم سفك الدماء .. وأن الانتخابات حين تزور لن تزور لمصلحة هذا أو ذاك. وإنما لمصلحة الجيش نفسه.

-        فهل كان هذا ما ينادي به فهمي هويدي؟

***

-        إنني أستطيع أن أفهم ذكاء فهمي هويدي في أنه تجنب الدعوة إلى مفاوضات. فالمفاوضات مستحيلة بين المجرم والضحية .. والجاني والمجني عليه .. بل كان على الطرف المظلوم والمعتدى عليه أن يلجأ إلى هذه الأجهزة كي تنصفه .. ولكن .. كيف تنصفه وهي الجانية وهي المستفيدة؟

-        نستطيع أن نفهم ذكاء هويدي في أنه لم يطلب الحوار .. لكننا لا نستطيع أن نفهم طلبه بالانسحاب ليس لقوى الدولة بل للقوى التي تهدم الدولة.

***

-        يقول رفيق حبيب أن الكارثة الكبرى هي فقدان القضاء حيدته وانضمامه لطرف دون طرف من خلال أحكام قضائية لا تصدر طبقا لمقتضيات القوانين والعدالة بل تبعا للأهواء والمصالح وما دون ذلك .. .. لأننا بذلك نفقد صمام الأمان الأخير .. وتعم الفوضى والعشوائية لتهدم المجتمع .. ثم أن انخراط الجيش والقضاء والشرطة في العملية السياسية بهذه الصورة يقضي تماما على إمكانيات النزاهة والشفافية والانتخابات الحرة ويفتح أوسع الأبواب أمام التزوير المحصن الفساد المتسلط..

-        فهل يسعى الأستاذ فهمي هويدي لانسحاب الناس من الشارع ليسمح لهذا كله بالحدوث؟!.

***

-        لا يقتصر الأمر على ذلك .. فإن أذرع الانقلاب الأخطبوطية المتعددة تخنق الدولة وتخنق أيضا كل القيم النبيلة، وتفضي إلى إعلام مسيلمة الكذاب الذي يزرع الكذب وينثر الفتن ويقسم المجتمع وينشر الإيدز الفكري ويغيب الوعي ويتسبب في الحرب الأهلية .. .. ويواصل ذلك حتى يصل المجتمع إلى حالة الإنهاك التام والشلل التام .. بل والعجز عن اتخاذ قرار .. مما يجعله ينادي على الطاغية ليحكمه ويتخذ القرارات نيابة عنه. لقد كانت وسائل الإعلام هي المدفعية الثقيلة التي مهدت للجنرالات للانقلاب.

***

كنت أتمنى أن يواجهنا الأستاذ فهمي هويدي بأن الانقلاب كان كارثة على كافة المستويات .. وأنه لم يقم بسبب الانقسام بل هو الذي أشعل الانقسام ليمهد للانقلاب .. ثم دفع للحرب الأهلية كي يحافظ على الانقلاب .. وأنه لجأ في ذلك إلى وسائل في غاية الخسة والضعة .. مثل حركة تمرد.

وكنت أتمنى أن يقول لنا أنه لولا هذا الانقلاب المشئوم لكنا الآن قد عبرنا عنق الزجاجة بمجلس شعب شرعي وبعدها يمكن حتى محاكمة الرئيس أو عزله .. لكن الهدف منذ 25 يناير عام 2011 كان هو منع بناء أسس الدولة الديمقراطية لأنها ستكون حائلا بين هؤلاء واستعادة سيطرتهم على الدولة ..

فهل هذا ما يسعى إليه فهمي هويدي؟

***

كنت أتمنى من فهمي هويدي أن يصرخ أن الانقلاب الغشوم قد دفع بنا إلى مأزق لا حل له .. وأن كل ما يمكننا الآن فعله هو إزالة أنقاضه وأن نترك للزمن مداواة جروحه الكارثية .. لا أن يساعده ويطلب من الطرف الذي يمكن أن ينقذ الدولة والأمة والدين أن يتجرع السم وينسحب.

الأمر ليس عودة الدكتور محمد مرسي .. على الإطلاق .. وإنما عودة الشرعية التي ستقيم الشريعة بحكم رأي الأغلبية في صندوق الانتخابات دون عمليات تزوير وغسيل مخ وعصف بالناس وترويع لهم كي يختاروا ما اختاره لهم الجيش ..

ووالله الذي لا إله إلا هو لو ضمنت أن العسكر سيفعلون ذلك لانضممت إليك يا أستاذ فهمي وطلبت من الإخوان أن يتجرعوا السم ولتجرعته معهم ..

فهل تضمن أنت يا أستاذ فهمي أن العسكر سيحققون الشرعية والشريعة وأنهم سيحافظون على كيان الدولة والأمة والدين؟

هل تضمن ذلك ..

بل .. هل لديك أي أمل فيه؟ ..

أم على العكس .. أنت واثق من أن العسكر سيقومون بالعكس تماما ..

فلماذا تطلب إذن من الطرف الذي يقاوم هدم الدولة والأمة والدين أن يتجرع السم وينسحب؟

***

لقد طفرت الدموع من عيني حينما قارنت بين الحل اليائس البائس الذي يضعه فهمي هويدي في تعال وكبرياء وازدراء- والذي يتلخص في انسحاب الإخوان التعساء من المظاهرات بعد تجرع السم ..

دعنا من أنه لم يقل لنا ماذا نفعل بغير الإخوان المسلمين والذين فاقت أعدادهم أعداد الإخوان بكثير ..

طفرت الدموع من عيني حينما قارنت بين حل فهمي هويدي وبين الحل الذي وضعه الرائع رفيق حبيب ..

***

أفرك عينيّ حتى أزيل غشاوة الدموع التي جعلتني أرى فهمي هويدي في ملابس كاهن ورفيق حبيب في ملابس ثائر ..

الحل الوحيد الذي يضعه رفيق حبيب هو بالنص:

" الحل الذي يمكن أن يكون بالفعل حلا لا يأتي إلا من خلال المؤسسات المشتركة في الانقلاب العسكري وأن تقوم هي بنفسها بالتخلص من قيادات الانقلاب بداخلها حتى تعيد الثقة بالمؤسسة وتقدم المشاركين في الانقلاب ككبش فداء لاستعادة الثقة بين الشعب وبين مؤسسات الدولة، وهو ما يعني أن يقوم الجيش والشرطة والقضاء وغيرها من مؤسسات الدولة بتقديم كبش فداء من قادة الانقلاب والمخططين له حتى تستعاد الثقة في مؤسسات الدولة، وتقوم أيضا مؤسسة الإعلام بتقديم كبش فداء وكشف حقيقة المخطط الإعلامي وكيف تم تزييف الحقيقة. وهو ما يعني عمليا أن تقوم كل المؤسسات والجهات المشاركة في الانقلاب العسكري بكشف حقيقة مخطط الانقلاب التي يعلمها البعض أمام الرأي العام حتى تتطهر تلك المؤسسات والجهات من خطيئة الانقلاب العسكري ثم تستعاد الثقة من جديد."

ويستطرد رفيق حبيب بعد ذلك ليقول لنا أن الحل السابق شبه مستحيل .. لذلك ليس أمام المجتمع من سبيل سوى الاحتشاد لكسر الانقلاب كسرة تعلّم أولئك الفسدة ألا يقوموا بانقلاب مرة أخرى أبدا ..

***

انظر أيها القارئ وقارن بين فهمي هويدي الذي يطالب الضحية بتجرع السم ورفيق حبيب الذي يطالب بتقديم رؤوس المجرمين كبش فداء ..

يا فهمي هويدي: لا تفجعنا فيك ..

لقد فجعنا في كثيرين ممن كنا نظن بهم الخير فلا تفجعنا فيك أنت أيضا ..

يا فهمي هويدي .. اعتذر ..

اعتذر إلى الشعب والأمة والدولة واستغفر الله ..

بل إن عليك أن تحذر العصابة المجرمة ..التي أوقعت الأمة في الكارثة التي وقعت فيها من أن الأمة إذا ما سدت أمامها كل السبل قد تفقد السيطرة على معظم الشباب الذين قد يكفرون بمبدأ السلمية.

بل إن عليك أن تحذرهم من لحظة حرجة يخرج فيها كل مسلم شاهرا ما يملك من سلاح ابتداء من سكين المطبخ (حتى الأسلحة الثقيلة المخبأة في الكرة الأرضية تحت رابعة!) دفاعا عن دينه.. عندما يدرك أن هدف الانقلاب والانقلابيين ليس سوى القضاء على الإسلام بدعم من الحركة الصهيونية الصليبية العالمية..

عليك أن تحذرهم من هذه اللحظة وألا يستنيموا على صمت الشعب ولا أن يأملوا في استسلامه..

***

وودت أن أسألك يا فهمي:

هل تطهرت بالذهاب إلى رابعة ولو مرة..

إن لم تكن قد فعلت فقد فاتك الكثير..

وربما يكون في هذا الفوت سر وقوفك مع الباطل ضد الحق..

يا فهمي هويدي .. لا تكرر مأساة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (والقصة تاريخيا غير ثابتة بل مدحوضة ومرجوحة من إعلام مسيلمة الأول) لكنني أتحدث عن فحواها بأن تكون يدا للباطل على الحق ..

كان الجدير بك أن تدعو الخائن لكي يتوب والمارق أن يئوب والكافر أن يؤمن..

لا أن تطلب من المجاهد أن ينسحب ومن الواقف على الثغر أن يترك ثغره..

يا فهمي هويدي:

مزاياك كثيرة .. وجهادك الفكري طويل .. وأخطاؤك كانت فادحة .. ولكن الحسنات يذهبن السيئات .. إلا هذه الخطيئة التي ترتكبها الآن ..

فإنها حارقة كاشفة حالقة.

حارقة كاشفة حالقة.

حارقة كاشفة حالقة.

فانج بنفسك إن استطعت.. ولا توردها موارد التهلكة.. ولا تكن عونا للفجار الظالمين..