1-        سئمنا من أكاذيبكم..سئمناها

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

 

2-               العلاقة بين تجفيف النيل وحملة التوراة والإنجيل..

 

3-                 يطلقون الرصاص علينا ..

 

 

 

 

بقلم د محمد عباس

 

سمعتها من البطل "أردوغان" كما سمعتموها:

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه.. سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

كانت هذه الجملة ذروة الخطاب – وكله ذرى- الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمام البرلمان التركي في الأول من يونيو/ حزيران 2010.

لأول مرة منذ عقود نسمع حاكما مسلما يصف إسرائيل دون خوف وجبن ونفاق فيصمها (حرفيا) بالدناءة والإرهاب والإجرام وبأنها قاطعة طريق وساقطة وإرهابية وحقيرة ومستهترة وماجنة  وتمارس إرهاب الدولة.. وأنه حتى الطغاة وقطاع الطرق والقراصنة لهم حساسيات معينة وقواعد أخلاقية يعملون بها. وأن وصف إسرائيل بهذه الصفات إنما يعتبر مدحا لها.. لقد خرجت إسرائيل من الإنسانية  تحت رعاية قوة تستمدها من مكان ما.. وأن هذه القوة شريك لها..

لأول مرة منذ عقود نسمع حاكما مسلما يصرخ :

"سئمنا من أكاذيبكم " .. ثم يضيف:"هم ينكرون ذلك قائلين: لقد أطلقوا علينا النار. لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه سئمناها... كونوا صادقين, صادقين."

***  

كان الخطاب كله ينسكب على قلبي كذوب الرصاص المنصهر وكانت هذه الجملة بالذات كشظية قنبلة مزقت قلبي..

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

دعكم من أنه كان يقصد إسرائيل..

فمع مثل هذا البطل.. وفي مثل هذا الوضع.. تتجاوز الكلمات إطارها ومكانها وزمانها لتحلق في الآفاق حكمة وعقلا مجردا يتجاوز تاريخية النص لينطبق على حوادث وأماكن وأزمان بلا نهاية.. كل واحد منها يبدو وكأنه المقصود بالنص.

إنها تنتمي بصلة التلمذة و القرابة والدم إلى ما جل على أن يشبه به شيء .. وهو جوامع الكلم..

أو قل أنها تنتمي إلى درر الشعر والحكمة حين يذهب شطر بيت شعر أو جملة نثر ليصير مثلا وعلامة وحكمة ينطبق على المناسبة التي فجرته نفس انطباقه على أحداث تأتي بعده بقرون.

كان قلبي المصاب بالشظية  ينزف.. وخيل إلىّ أن دمه النازف المسكوب  ينسرب على الأرض ليكتب:

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه .. سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

قالها البطل عن إسرائيل.. لكنني -ولست أدري كيف؟- كنت واثقا لحد اليقين أن هذه الجملة موجهة لحكامنا ولنخبتنا ولولاة أمورنا.. أنها موجهة لكل بلد عربي.. وأولها مصر والسعودية.. ولا يعني هذا أن نصيب إسرائيل منها ينقص مثقال حبة خردل فكأنها لم تقل إلا فيها.. إن نصيب إسرائيل منها كامل.. ونصيب ولاة أمورنا منها كامل فكأنه لم يقصد منها سواها..

وانفجر الألم.. فالأمر ليس صدفة ولا هو خبط عشواء..

والقول صادق.. في إسرائيل كما هو فينا..

نعم..

نعم..

نعم ..

موقفنا وموقف إسرائيل واحد..

موقفنا متطابق..

مصر كإسرائيل..

وأسدود كالعريش..

سد يمنع وصول احتياجات الفلسطينيين أو يغمسها بالذل قبل وصولها..

فيا للألم..

وحتى عندما أعلنت مصر فتح معبر رفح لم يتقبل أحد هذا الموقف أبدا على أنه مكرمة أو فعل نبيل..

بل لقد بدا أنه يزيد من الحسرة والازدراء والإدانة..

لقد كتب الدكتور عبد الله الأشعل في "المصريون"  يوم 6-6 :

" قد أكدنا ولا نزال أنه لا علاقة بين المصالحة الفلسطينية وفتح المعبر، وأن التذرع بالمصالحة المستحيلة تغطية على قرار سياسي بإغلاق المعبر بعد أن فشلت حجة الإغلاق احتراماً لمعاهدة دولية مزعومة، وقد قلنا يومها أنه حتى لو كانت هذه المعاهدة المزعومة ملزمة لمصر، فإن هذا الإلزام يسقط لأنه يؤدى إلى المساهمة في جريمة، وبعد أن ساءت وجوه الكتبة الذين ساءهم أن ندلى بشهادة قانونية موثوقة حول الوضع القانوني لمعبر رفح. ولذلك يجب أن نعيد التأكيد في هذا المقام ما يلي بشكل قاطع:

أولاً، أن فرض الحصار جريمة مركبة وعدم السعي إلى كسره جريمة أخرى.

ثانياً، أن مساندة الحصار باستمرار إغلاق المعبر ثم الأنفاق ومطاردة كل من يحاول إنقاذ غزة جريمة ثالثة.

ثالثاً، أن محاولة تبرير جريمة إغلاق المعبر حتى تستمر جريمة الحصار وتداعياتها جزء من خط عام مساند لإسرائيل سياسياً، ولكنه جريمة رابعة سواء كان التبرير بالبيان أو الإعلام أو غيره.

رابعاً، أن جدار مبارك الفولاذي تجسيد لجريمة المشاركة في الحصار وإحكامه مهما صوروا من آثام ومساوئ الأنفاق، لأن الأنفاق بديل عن المعبر، والجدار إنهاء للأنفاق.

خامساً، أن السماح لإسرائيل بتدمير الأنفاق في الأراضي المصرية جزء من التعاون مع إسرائيل في إحكام الحصار وانتهاك للسيادة المصرية، وهى جريمة خامسة."

ثم أنه- عبد الله الأشعل: مساعد وزير الخارجية الأسبق، والذي يزمع الترشح في  الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها العام المقبل وهو خبير قانوني في الشؤون القانونية الدولية والمعاهدات والتخطيط السياسي-  بعد ذلك لا يكتفي بهذا بل يطالب بـ:" لابد أن يتحمل كل من تسبب في الحصار واستمراره وآثاره حتى كارثة أسطول الحرية مسئوليته الجنائية والأدبية والأخلاقية، ولابد أن يعتذروا لضحايا هذا الفعل اللاإنسانى، وفى مقدمة هؤلاء كتبة الحكومة العاملون في صحافة الشعب وإعلامه، ومارسوا ضد الشرفاء الاغتيال المعنوي بأموالنا تحت عنوان حرية الصحافة."

وكأنه هو الآخر كان يصرخ:

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه .. سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

صرخ بها أيضا  فهمي هويدي في الشروق(5 يونيو –ذكرى النكسة):

"الخبر الجيد أن معبر رفح فتح. أما الخبر السيئ فإن ذلك الفتح مؤقت إلى أن تهدأ موجة الغضب التي ترددت في أنحاء العالم مطالبة به. حين حدث شبه إجماع على أنه لو كان المعبر مفتوحا، وطريق وصول احتياجات أهل غزة سالكا. لما جرى ما جرى لقافلة الحرية."

لقد  ذهب بعض المحللين أن المعبر فتح استجابة لطلب إسرائيلي أمريكي لتخفيف الضغط على إسرائيل.. وأن ما عرضته مصر هو ما عرضته إسرائيل..وهو يتلخص في استقبال المعونات لتوصيلها بعد إفساد بعضها ومنع بعضها وترسيخ فكرة الحصار.

كما أن نتن ياهو ورطنا معه  بقوله -في خطاب مذاع-  إن مصر تقدمت باقتراحات لتفتيش سفن أسطول "الحرية" للتأكد من عدم وجود أسلحة عليها، والسماح لها بإدخال بضائع غذائية وإنسانية لغزة، إلا أن منظمي القافلة رفضوا الاقتراح المصري ومن ثم لم يبق لنا أي اختيار إلا الصعود لسفن الأسطول.

ولقد أذاعت قناة (CNN) الأمريكية أن إسرائيل ومصر تتحركان لتخفيف حصار غزة وهي تعني أن فتح المعبر لم يكن قرارا مصريا خالصا، بل بالتوافق والتشارك مع إسرائيل..

ولقد نشرت الأهرام يوم 6-6- تقول :" بدموع الفرح‏‏ استقبل آلاف الفلسطينيين قرار الرئيس مبارك فتح معبر رفح واعتبروه قراراً إنسانياً حكيما‏ً، تحقيقات الأهرام رصدت مشاعر الفرحة من معبر رفح...

" فهل معنى ذلك أن قرارات إغلاق المعبر كانت قرارات شيطانية رجيمة؟.

***  

كنت أتابع الفضائيات والغضب يسري في دمي مثل حمى لا علاج لها..وكانت كل الفضائيات تسب إسرائيل.. و.. و.. وتسب أيضا كل ولاة أمورنا..كان سبابهم أليما..وكان تجاهلهم مؤلما أكثر.. وكان حجم الازدراء الموجه إليهم والسخرية بهم تفوق القدرة على الاحتمال.. لكنهم اختبئوا في القصور وصمتوا صمت القبور.

كان الانتقاد الموجه إلى مصر أليما..

وكان المؤلم أكثر أنه لم يكن موجها من خارج مصر فقط.. بل من أعلام الفكر فيها.. من هامات سامقة كالدكتور محمد بديع والدكتور عصام العريان وحمدي قنديل وعشرات وعشرات.. وبإحدى هذه الفضائيات اتصلت امرأة.. كانت تبكي وتنتحب.. وكانت تقول: "أرجوكم لا تسبوا مصر..أنا مصرية.. وأنا أفدي غزة بروحي.. لا تظلموا شعب مصر.. نحن لسنا كحكامنا.. وولاة أمورنا لا يمثلوننا.. فلا تسبونا.. أرجوكم"..

كانت الكلمات تبكي والحروف تنتحب..

وكنت أهمس لنفسي:

هل أنت واثقة يا بنيتي أننا لسنا كحكامنا؟!

يا بنيتي "كما تكونون يول عليكم"..

وحتى لو كان هذا حديثا ضعيفا ولم يرد في الصحاح فإن القرآن الكريم يقول:

"وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"129 الأنعام

***  

كنت أتابع أردوغان وعيني على مصر..

أين مصر؟..أين مصر؟؟..أين مصر؟؟..

وكنت أجد الإجابة مهينة مخزية عندما بدأ الهجوم  السفيه على تركيا والتشكيك في علاقاتها المشبوهة-بإيران الشيعية-  رغم أن الحملة لم تخرج من إيران ولا بمعونة حزب الله ولا تحت إشراف القاعدة.. بل خرجت من تركيا السنية والعضو في حلف شمال الأطلنطي! ثم أن هناك مئات من الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس من عشرات الدول ولا يمكن لأكبر نصّاب فتاوى أن يتهمهم بنشر التشيع أو العمالة للملالي وحزب الله!...

نعم .. بدأ الهجوم السفيه على تركيا ..

وأخذوا يتكلمون عن تركيا الاستعمارية وعن الدولة العثمانية (دعكم من عبوديتهم لدول الاستعمار الحقيقي)

وكانت الصحف المصرية والسعودية هي الأكثر تورطا..

أحد السفهاء كتب في صحيفة سعودية يتساءل عن مصدر الأموال التي حملها مستقلو أسطول الحرية..(لاحظوا أن إسرائيل نفسها لم تسأل!)..

ولتقرءوا معي في صحيفة  مصرية من شبه كاتب يعتبرمن أكثر المقربين إلى السلطة وهو رئيس تحرير وعضو في لجنة السياسات  ويكاد يكون  المتحدث الرسمي مما يغرينا على أن نعتبر أن حديثه هو رأي مصر الرسمية أو على الأقل رأي رئيسها القادم.. يقول فض فوه وبورك لاعنوه :

" تركيا التي ومن اللحظة الأولى سجلت أنها في مأزق وأنها تمارس قدراً من الاستعراض الهادف إلى تحقيق مكاسب سياسية على حساب الأطراف الأساسية للملف، بغض النظر عما سوف يحققه الفلسطينيون من فوائد.. وواقعة البحر التي حولتها إسرائيل إلى مجزرة خير دليل على ذلك. إن تركيا لا تريد أن تحقق مصلحة فلسطينية وإنما أن تستخدم الورقة الفلسطينية من أجل تحقيق أهدافها. تقف تركيا عاجزة الآن لا هي حمت رعاياها ولا هي ردت على إسرائيل، ولا هي انتقمت للشهداء، ولا هي مررت المعونات، ولا هي حاصرت إسرائيل دبلوماسياً، ولا هي تمكنت من أن تسجل نقاطاً إضافية في عملية الدعاية واسعة النطاق لدورها المستجد. والمسألة باختصار يمكن إيجازها في عبارة 'الطبع يغلب التطبع'. والطبع هو أن حزب العدالة والتنمية الذي يقود من خلاله أردوغان حكومة تركيا هو في الأصل جماعة إخوانية.. والتطبع هو أن الحزب أراد أن يقدم نفسه على أنه صيغة جديدة وحداثية للإسلام السياسي، وأن تلجم السياسة الأيديولوجيا، لكن الواقع والمتغيرات دفعته إلى أن يعود أسيراً للأيديولوجيا وأن تنكشف طبيعته كجماعة تنتمي إلى التنظيم الدولي للإخوان.الغالبية في القافلة باستثناءات بسيطة كانت من بين جماعات الإخوان في مختلف دول المنطقة.. وعلى سبيل المثال النائبان الإخوانيان من مصر، وأيضا المجموعات المشاركة من الأردن، وكذلك المجموعات المشاركة من الكويت.. تركيا عبر منظمة وصفت بأنها غير حكومية خلقت وعاء جديداً لهذا التيار تحت عباءتها".

انتهى كلام رئيس التحرير عضو لجنة السياسات..

أنبيك يا مسكين يا عبد أن جل أولئك الذين استقلوا أسطول الحرية تربطهم علاقة أخرى رغم اختلاف المواقع والأزمان وحتى التوجهات.. علاقة لا أظنك تفهمها.. ومن المؤكد أنها ستثير عندك حساسية مرضية.. وأقصى درجات الريبة.. فهم يا مسكين.. يا عبد على علاقة بالله سبحانه..

نعم.. علاقة بالله...

فاهنأ بعلاقتك بالشيطان وأميركا وإسرائيل.

***  

كان التساؤل الذي يذبحني: ما هو موقف مصر الحقيقي؟..

وكانت الإجابة تحوم في الآفاق:

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه.. سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

والذي يذبح أكثر أن السؤال ليس مقتصرا على السلطة أو النخبة.. بل هو موجه إلى الأمة أيضا..

الأمة التي تخرج بعشرات الألوف بل بمئات الألوف من أجل مباراة في الكرة كيف لم تخرج لغزة بمثل هذه القوة والكثافة؟..

كنت أسمع رجع الصدى لدوي صراخ لست أدري مصدره:

-         أين ذهبت مصر.. هل ماتت؟؟

وكان  عمرو الشوبكي يجيب على السؤال رغم أنه  يحمل شعورا عدائيا للإسلاميين ولحماس-  المصري اليوم 3-6

وهذا هو الفارق بين حكومة مصر ونظام تركيا، فالأولى عبّأت رجالها من أجل تبرير الحصار الظالم المفروض على شعب غزة، لأنها ترفض سياسات حكومة حماس المقالة، ولم تميز بينها وبين المليون ونصف روح بشرية المحاصرين في غزة بقرار إسرائيلي، كما أن فشل حماس المؤكد (تقريبا في كل شيء) لا يبرر حملة الكراهية المنظمة التي يطلقها الحكم في مصر ضد الشعب الفلسطيني وتلك الشماتة الصريحة والمبطنة التي تخرج عقب كل عدوان إسرائيلي على غزة. لقد انهال على المجتمع المصري بفضل نواب الأمن في مجلس الشعب والصحافة والجامعة خطاب فيه من التخلف والجهل والكراهية بحق الشعب الفلسطيني المحاصر، غير متكرر في أي مكان آخر في العالم، حتى يؤدى «غسيل الدماغ» والنفوس إلى تقليص التعاطف السوي والطبيعي مع القضية الفلسطينية، وانقسام المجتمع المصري بصورة غير صحية بين مدافعين عن القضية الفلسطينية ارتدوا ثوباً إخوانا، وآخرين بكل أسف معادين لها ارتدوا إما ثوباً ليكودياً إسرائيلياً أو ثوباً مدنياً حداثيا.

وواصل عمرو الشوبكي قائلا:

والكارثة الحقيقية أن ما يجرى في مصر هو عكس ما يجرى في العالم الذي يعرف تزايداً هائلاً في أعداد مناصري القضية الفلسطينية من نشطاء السلام سواء في تركيا أو أوروبا أو أمريكا الذين يحركهم الإيمان بعدالة القضية لا ديانة المجرم والضحية، وحتى المسلمون والمتدينون الأتراك دعموا القضية الفلسطينية على أرضية مدنية وبلغة فهمها العالم واحترمها حتى لو اختلف مع جانب منها، في حين بقى الإخوان في مصر وغزة متمسكين بخطاب خارج الزمن يكلمون به أنفسهم بسعادة بالغة.

ما لم يقله الشوبكي-بل وربما حاول أن يطمسه- هو  أن العلمانيين الأتراك المتطرفين في علمانيتهم كانوا لا يقلون حماسا

عن الإسلاميين في حماسهم لغزة وغضبهم وعداوتهم لإسرائيل. . بينما كان جل العلمانيين في مصر مناكيد مرتزقة قلوبهم مع إسرائيل وسيوفهم على الإسلام.

ما لم يقله الشوبكي أنه يوجد بالإضافة لنواب الأمن مثقفو الأمن.. وكما يوجد ضابط أمن دولة يعذب وينكل ويقتل فإن هناك مثقف أمن دولة يفعل نفس الشيء على مستوى الروح وعلى مستوى وجدان الأمة ووعيها وهويتها.

لا يبرح السؤال رغم وجود الإجابة..!!

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

لطالما زعمنا أننا نغلق معبر رفح تنفيذا لاتفاقية دولية.... ولكن قرارنا بفتح المعبر يفتح الجرح فينبثق الصديد ناشرا نتن النوايا الخبيثة.. لأن من يملك إصدار القرار بفتح المعبر هو من أغلقه.. فلماذا أغلقتيه يا مصر؟ لماذا يا مصر؟ لماذا يا مصر؟.

***  

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

لقد أجاب محمد عبد الحكم دياب عن هذا السؤال في القدس العربي بتاريخ 5-6-2010 تحت عنوان:

"باب فلسطين ادخل اردوغان التاريخ واخرج مبارك منه"

"إن القضية الفلسطينية بقدر ما هي عادلة فهي جامعة. يكبر بها من يصدق معها وينتمي إليها، ويتضاءل معها من يتخلى عنها ويفرط فيها. ذاك كانت تركيا وهكذا أصبحت. وبالمثل كانت مصر وهكذا أضحت. من هنا لا يقارن وضع العرب وفي المقدمة مصر بحال تركيا(...) وأضحى يتحمل مسؤولية شبه كاملة عما حل بالمنطقة من خراب. وهذا مدخلنا للتعرف على ما قام به ومشاركته في الجريمة التي اقترفتها الدولة الصهيونية. فهو يقف على قدم المساواة مع من نفذوها. فمسؤولية المحرض والمتواطئ لا تقل عن مسؤولية مرتكب الجريمة. فالهجوم البربري على قافلة الحرية، وعلى متنها مئات النشطاء الشرفاء من كل الأعراق والجنسيات والقوميات ليس مسؤولية القراصنة الصهاينة وحدهم. يشاركهم فيها (...-وليسمح لي القارئ أن أحذف بعض الأسماء) ويتحمل فيها النصيب الأكبر. لولاه ما تجرأ أحمد أبو الغيط على التهديد بكسر رجل أي فلسطيني يستجير بمصر من هول ما يعيشه في جحيم الحصار، وما تعاملت السلطات مع النائب البرلماني السابق جورج غالواي ورفاقه من النشطاء، والتحريض عليهم بتلك الجلافة والهمجية، سُدت المنافذ والمعابر، وهُدمت الأنفاق، وأُقيمت الجدران العازلة. (...) وبعد ذلك يأمر بفتح معبر رفح بدعوى رفع المعاناة عن الفلسطينيين. بكل ما يحمل هذا الإعلان من تدليس. وكأنه ليس صانع المعاناة الأكبر. ولا يجب التفريق البتة بين بنيامين نتنياهو وبين (...).. فكلاهما ينفذان مخطط القضاء على كل أشكال المقاومة المشروعة. أيديهما ملطخة بدماء الفلسطينيين، لا فرق بين أي منهما، وعلينا أن نحمل (...) نصيبه في مسؤوليته عن الشهداء الفلسطينيين الذين ماتوا تحت التعذيب في سجونه ومعتقلاته، ونصيبه في المسؤولية عن ضحايا وشهداء محرقة غزة الأبرياء. وقام بكل هذا من أجل توفير الأمن والحماية والاستمرار للدولة الصهيونية، وللضغط على حماس والجهاد الإسلامي وحلفائهما للقبول بشروط الرباعية الدولية، بكل ما يترتب عليه من إسقاط الحق في المقاومة، والحق في العودة، والحق في التحرير، والحق في إقامة الدولة الوطنية المستقلة.

***  

المؤلم والمهين أن معظم المراقبين يربطون موقف مصر المضاد للفلسطينيين والموالي لإسرائيل بالرغبة في معونة إسرائيل ووساطتها في التوريث. يقول الدكتور حسن نافعة في المصري اليوم 3-6:

" والحاجة إلى دعمها –يقصد إسرائيل-وربما وساطتها مع الولايات المتحدة والغرب لتذليل عقبات دولية لا تزال تعترض مشروع توريث السلطة، ومقايضة مشروع التوريث ببيع قضية الشعب "..

وتتساءل صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن السر وراء عدم توجيه أنقرة أي انتقادات للقاهرة برغم مواقف الأخيرة من قوافل كسر الحصار على غزة، ورفضها مرور تلك القوافل من الأراضي المصرية.. وهي بذلك تتحدث عن القاهرة كشريك لإسرائيل وعدوهما المشترك في غزة.

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

هل مصر حقا تريد المصالحة؟ أم الاستسلام التام وإنهاء كل مقاومة لصالح إسرائيل؟.

وهل تجوز المصالحة بين حماس والضفة؟ هل تجوز المصالحة بين مجاهد وخائن؟.

هل مصر تريد فعلا مصلحة فلسطين والعروبة والإسلام أم أنها حسمت اختيارها في الاتجاه المضاد تماما.

وهل كانت :

"لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه.. سئمناها... كونوا صادقين, صادقين"..

موجهة لإسرائيل فقط؟!

يقول المستشار طارق البشري - نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق- إن النظام المصري بغلقه المعبر، وقيامه بإنشاء الجدار الفولاذي، إنما يشارك في خنق الفلسطينيين، والاعتراف باحتلال إسرائيل لغزة رغم جلاء القوات الإسرائيلية عنها، مشيراً إلي أن بناء الجدار الفولاذي في الوقت الذي لا يتم فيه فتح المعبر، يعد تأميناً لإسرائيل.. وأن النظام المصري لا يمنع الفلسطينيين من أن يحاربوا بسلاحهم وبمقاومتهم فقط وإنما يقوم بمحاربتهم في الاحتفاظ بهذا الحق، وأكد البشري أن ما يقوم به النظام المصري الآن هو التحالف الاستراتيجي مع العدو الاستراتيجي ليس حماية للأمن القومي وإنما حماية لبقاء النظام.

***  

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

هل نقرأه في صحف الحكومة ووسائل إعلان الحكومة أم نقرأه في مصادر أخرى؟

تقول الشاعرة لينا أبو بكر في القدس العربي 3-6  أن ما أذاعته فضائياتنا الحكومية حول الفعل الإسرائيلي الإجرامي هو وجه آخر لذلك الفعل.. وأن وجه الشبه الذي يجمع بينهما.. أنهما.. فضائياتنا وإسرائيل ينتميان لنفس العالم.. عالم الدعارة.

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

هل نسمعه من وسائل إعلامنا التي تعتم على الجريمة تماما وهي تمارس دعارة الكلمات والبرامج..

أم  نقرأه في الدستور مع رئيس تحريرها إبراهيم عيسى وهو يكتب: 'لا يتخذ الرئيس أمام أي جريمة أو مذبحة أو مجزرة أو عدوان إسرائيلي مواقف عاجلة حاسمة بل تتركز إدانته على العنف المفرط كأنه لا مانع من العنف بلا إفراط ويطالب بضبط النفس، كأن الفلسطيني الذبيح يتساوى مع المجرم الإسرائيلي ، كأن الرئيس مبارك طرف محايد، وإذا أمعنت التأمل في الموقف المصري الرسمي ستجد الرئاسة ووزارة الخارجية وأمانة السياسات رأيهم أن النشطاء استفزوا إسرائيل ووضعوا أعناقهم في حنك السبع وأنهم مش قد إسرائيل وأن تركيا عايزة تعمل زعيمة، وأن حماس هي المسئولة لأنها لم تقبل كف سيدها أبو مازن والسلطة الفلسطينية.

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

يكمل إبراهيم عيسى أقواله السابقة ليصرخ بها  صريحة ذابحة:

" وأعرف أن صناع القرار يكتمون هذه الآراء عن الإعلان لكنهم يقولونها فعلا في دوائرهم وحلقاتهم الضيقة".

فهل هذه هي الإجابة؟ وأن ما يكنه ولاة أمورنا لغزة هو نفس ما تكنه إسرائيل لها..؟

أظنه أصاب..

***  

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

ولماذا تكرم الخونة  وتستقبلهم استقبال الزعماء في نفس الوقت الذي تنكل فيه بالمجاهدين..

لماذا يستقبل دحلان –عليه  وعلى صحبه من الله ما يستحقونه-  استقبال الفاتحين.. ألأنه مثلهم؟.. ولماذا يهمل خالد مشعل وإسماعيل هنية ومحمود الزهار رضي الله عنهم..

لماذا نمجد الكذاب ونخذل الصادق..

لماذا نمجد الخونة وننكل بالمجاهدين..

لماذا قتلنا المجاهدين؟

لقد أذاعت قدس برس اعترفات مروعة منسوبة لضابط أمن دولة بخصوص تعذيب قيادي بحماس ونسبت لضابط مصري في جهاز أمن الدولة، كشف النقاب عن ظروف اعتقال يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون في السجون المصرية.

 وقال الضابط المصري: "إن قيادة جهاز أمن الدولة المصري طلبت التركيز في التحقيقات مع المعتقلين الفلسطينيين على بنية حركة "حماس" ومكان الأسير جلعاد شاليط ". وأكد الضابط  أن الشهيد يوسف أبو زهري تم إعدامه في سراديب التعذيب في مقر جهاز أمن الدولة في القاهرة .

وكشف الضابط المصري عن أوامر وصلت لأقسام اعتقال الفلسطينيين في سجن المرج وبرج العرب و أبو زعبل وأمن الدولة في القاهرة تتركز على تشديد الإجراءات والتضييق وفعل كل ما يمكن أن يمتهن كرامة المعتقل خصوصا معتقلي حركة "حماس"، وذلك بعد رفضها التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، وقال: "في شهر كانون ثاني (يناير) الماضي وصل تعميم من جهات عليا لضباط التحقيق بتشديد الإجراءات والتعذيب بشكل يومي متكرر بعد رفض حركة "حماس" التوقيع على ورقة المصالحة مع حركة فتح".

وقال: "يوسف أبو زهري لم يتوفَ كما أشاعت وزارة الداخلية بسكتة قلبية في سجن برج العرب، بل تم قتله في مقر جهاز أمن الدولة في القاهرة أثناء التحقيق".

وتابع " كنت متواجدا في مقر أمن الدولة يوم وفاة يوسف أبو زهري وفي ذلك اليوم أحضر 10 معتقلين فلسطينيين من سجني أبو زعبل والمرج، وكانوا جميعا معصوبي الأعين وتم تجميعهم في مكان خاص تحت الأرض بجوار غرفة التعذيب، حتى يسمعوا أصوات الصراخ وبالتالي يدلون بالمعلومات المطلوبة بشكل أسرع".

وأضاف: "نقل لي أحد الزملاء أن أول من تم اقتياده إلى غرفة التحقيق هو يوسف أبو زهري وكان يحمل حينها الرقم 19 وبدأت جلسة التحقيق معه بالضرب المبرح وهو عاري بشكل كامل، ومن ثم استخدام الكهرباء في المناطق الحساسة واستمر على هذه الحال لمدة تزيد عن 45 دقيقة حتى فارق الحياة" .

***   

ما هو موقف مصر الحقيقي؟

لقد انكشفت فضيحتنا أمام العالم  عندما قمنا باعتقال جرحى فلسطينيين عادوا من دول عربية لتلقي العلاج بعد حرب غزة، لنسجنهم مدة 51 يومًا سماها أحدهم بـ"رحلة الموت"، حيث تم ربط العصب على أعينهم وتكبيلهم طوال فترة سجنهم وحتى أوقات طعامهم ونومهم وصلاتهم، وتم تعذيبهم بصعقات الكهرباء واللكم والضرب أثناء التحقيقات والويل لمن يجهر بصلاته.. هذا جزء يسير مما تعرّض له السجناء في "غوانتانامو العرب" على حد تعبير أحدهم، حيث تمّت مساءلتهم عن خلفية انتمائهم وعن تفاصيل تنظيماتهم وقادتهم، ويذكر أحدهم: "كانوا يطرحون من الأسئلة ما يشير بأنهم مرتبطون بالكامل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية".

يقول أحد المعتقلين الذين أفرج عنهم وهو " درويش الغرابلي"القيادي في حركة "الجهاد الإسلامي :

"نزلنا إلى مطار القاهرة، كُبِّلت الأيادي واستقلَّوا بنا سيارة عسكرية من المطار وقالوا لنا: إنكم متوجهون إلى معبر رفح، مضت ساعة ونصف الساعة في السيارة، وإذا بنا في مبنى ضخم.. أنزلونا إلى الطابق الأرضي، بدأنا نسمع الصراخ والعويل، أدركنا أننا في أحد المسالخ". ويستطرد  الغرابلي قائلاً لوكالة "قدس برس": "كبَّلوا أيادينا وشدوا العصبة بقوة على أعيننا، فقلت للضابط: خففها قليلاً، فشدها أكثر، وقال لي: "اسكت يا ابن الـ..."، وكانت أول شتيمة من نوعها أسمعها في حياتي، ثم لكمني أربع لكمات قوية على وجهي وصدري، وأمرني وزملائي بالتعرِّي الكامل، وبدأت عملية الصعق بالكهرباء".كانت هذه البداية، وما بعدها أشد؛ حيث نادى الضابط على أحد الجنود بإحضار الكلاب، وألقونا بعدها في الزنازين؛ حيث "لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".. وبدأنا نتعايش يوميًّا مع الشَّبْح والتعذيب، ووجبات يومية متتالية من التحقيق القاسي". عند كل سؤال صعقة بالكهرباء، غير اللكم والضرب والشد والهز"، وحاول المحققون انتزاع الاعترافات منهم بهذه القوة والوحشية، التي قال الغرابلي إنه لم يسمع مثلها في قصص الخيال. طلبوا معلومات عن قيادات سياسية وعسكرية من الحركة، وأماكن وجودهم، وأماكن بيوتهم، ومرافقيهم وأماكن سكناهم، وأماكن تصنيع الصواريخ والمعدات العسكرية وتخزينها في غزة. أبلغوه- أي الغرابلي-  بمنعه من دخول مصر أو السفر عبرها إلى يوم القيامة، سألوه عن مكان وجود الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط .

وقال الغرابلي: "كانوا يقولون لنا: أنتم هنا في صحراء قاحلة، لو متم كلكم ستموتون كالكلاب، وسندفنكم هنا ولن يعلم عنكم أحد من الأمة كلها". وأشار إلى أن الصعق بالكهرباء كان أبرز الأساليب الوحشية التي كان يستعملها المحققون والسجانون بحق السجناء، وخاصة الصعق في منطقة الأعضاء التناسلية من الأمام والخلف، والصدر والأفخاذ، ولم يسمح السجانون للغرابلي وزملائه بالوضوء للصلاة إلا ثلاث مرات يوميًّا فقط، ومن يطلب بالمزيد يتعرَّض لسب الدين والذات الإلهية والألفاظ التي تهتك الحرمات وتقذف المحصنات، وأجبر السجانون السجناء الفلسطينيين الستة على النوم مُكبَّلي الأيدي خلف أظهرهم ليالي كثيرة، ولم يكن يسمح للسجناء بصلاة الجماعة أو الجهر بالقرآن في الصلوات الجهرية، أو التجمُّع لصلاة الجمعة،  واختتم الغرابلي بقوله : "أهون على البشر أن يكونوا في سجون "إسرائيل" من أن يكونوا في سجون الأمن المصري".

***  

يا إلهي..

يا رب السموات والأرض..

لولا أن هذا بحذافيره هو ما يحدث لمعتقلينا لما صدقته..

يا إلهي..

إنني أتذكر أحمد العريشي وهو يهاتفني منذ عشرين عاما ليقول أنه لولا الولاء والبراء لفضل إسرائيل على مصر والموساد على مباحث أمن الدولة..

يا إلهي..

إن هذا هو ما يقوله بعض بدو سيناء.

لقد نشرت صحيفة ساويرس: "اليوم السابع"  4 يونيو 2010 أن البدو يهددون بنسف خط الغاز بسيناء بسبب التوتر المستمر بين الأمن المصري والبدو وسط سيناء، مما دفع العشرات من البدو إلى التهديد باستهداف خط الغاز المؤدى إلى إسرائيل وخطوط الكهرباء وإغلاق منفذ العوجة تماماً ومنشآت أخرى حيوية  و اللجوء إلى القوات الدولية في حالة استمرار الملاحقات الأمنية وامتهان كرامة البدو واقتحام حرمة بيوتهم.

***   

لماذا تفعلين ذلك يا مصر..

لماذا؟.. لماذا؟.. لماذا؟

إن حصار غزة والتنكيل بالبدو يحققان كل آمال إسرائيل ويحطمان مصالح مصر..

فلماذا؟..

لقد سئمنا من أكاذيبكم هذه.. سئمناها... سئمنا من تعذيبكم.. سئمناه.. سئمنا من خياناتكم.. سئمناها.. سئمنا من سوقيتكم.. سئمناها.. سئمنا من تزويركم.. سئمناه.. سئمنا من جلافتكم.. سئمنا من قسوتكم.. سئمنا من غلظتكم.. سئمنا من جرائمكم.. سئمنا من أقوال الصديقين وأفعال الشياطين..  كونوا صادقين, صادقين.. كونوا بشرا .. لا حيوانات..

يا حيوانات..

***  

لماذا تفعلين ذلك يا مصر..

لماذا؟.. لماذا؟.. لماذا؟

لماذا أوصلت نفسك إلى الحضيض الذي يصفه ياسر عبد العزيز في المصري اليوم 7-6:

"لم يعد «شغل المسرح» ينفع السياسة المصرية، وستأتي التطورات الإقليمية والعالمية بأكثر من قدرتها على التفكير والتصرف والمبادرة، وسيتخلى عنها الشركاء والمؤيدون والمتعاطفون، وستقف عزلاء إلا من رطانة مكررة ثبت خواؤها، وعبارات إنشائية لا تقنع أحداً ولا تغطى نقصاً. ثمة رجل مريض في الشرق الأوسط، ينزوي وحيداً بلا طموح أو فخر، وينفض من حوله الحلفاء، ويصغر في عين العدو والصديق، بعدما ملأ الدنيا وشغل الناس، وهيمن لعقود على عقل المنطقة ووجدانها.

***  

ما هو موقف مصر الحقيقي؟..

هل مصر مع فلسطين حقا؟ أم هي مع أنصار إسرائيل من الفلسطينيين.. مع من استسلموا وخانوا وهانوا وضد من قاوموا وصلوا وصاموا..

مع من..

مع فلسطين أم مع إسرائيل..

السؤال مرير بطعم العلقم والذل..كريه برائحة الخيانة..

لكن..

لكن الكارثة الآن أن السؤال لم يعد هل تقف مصر مع غزة أو مع إسرائيل؟ بل أصبح: من يقف مع من؟ هل تقف مصر مع إسرائيل ضد غزة؟ أم تقف إسرائيل مع النخبة المصرية ضد الدولة وضد الأمة وضد الدين.. وضد فلسطين..

الشواهد كلها تؤدي إلى التفسير الأخير..

فالنخبة التي تستعين بإسرائيل ضد غزة تستعين بالغرب ضد فزاعة الإسلام.. بل وتقع في خطايا لست أتصور كيف لنظام مسئول أن يقع فيها.. ذلك أن ما يقوم به هذا النظام لا يمكن أن يقوم به نظام وطني.. لا يرتكبه إلا نظام احتلال..

نعم..

نظام احتلال.

***  

لماذا فعلت ذلك يا مصر..

فلو صدقنا أن حماس وليس إسرائيل هي مصدر التهديد لأمنك القومي..

ولو صدقنا أن حماس صارت دولة عظمى تهرب السلاح إليك  وليس منك..

ولو اقتنعنا بفضائيات الدعارة التي تؤكد أن هدف الفلسطينيين في غزة من الأنفاق أن يجلبوا العاهرات الروسيات من خلالها..

ولو قلنا أن مصر تحالفت مع إسرائيل كي تعينها على مواجهة الخطر الداهم من حماس..

فلماذا يا  مصر ضيقت على البدو في سينائك حتى بدأت الأقاويل عن  رغبتهم في الانفصال عن مصر بل وعن تفضيلهم  لحكم لإسرائيل..

لماذا ضيقت على المجاهدين حتى قالوا أن الموساد أرحم..

لماذا نكلت بالناس العاديين على المعبر؟..

كم مريضا قتلت على المعبر يا مصر.. وكم سرطانا نشرت وكم علاجا كيماويا قطعت  وكم فشلا كلويا فاقمت وكم طفلا مات لأنك لم تسعفيه بالعلاج والغذاء.. كم طالبا ضيعت مستقبله.. كم ملهوفا رددت.. وكم مستغيثا صددت..وكم آملا  خذلت..

كم أزمة قلبية وكم فشلا كبديا وكم طرفا مقطوعا وعضوا منزوعا ومرضا وبيلا وأنت يا غليظة القلب تمنعين الدواء والطبيب وتمنعين رجل الإعلام الذي يفضح كل هذا أو لجان المنظمات الدولية التي يمكن أن تدينه.

ولماذا يا مصر نجح أمنك فيما فشلت فيه مباحث أمن إسرائيل.. لماذا نجحت حيث فشل الآخرون وفشلت حيث نجحت تركيا.. لماذا نجحت في القضاء على الهوية والانتماء..

لماذا تسليتم بقتل الأفارقة على حدود إسرائيل وأهل جنوب السودان في قلب القاهرة..

لمصلحة مصر في جنوب السودان أم لمصلحة مصر في منابع النيل..أم لمصلحة إسرائيل هنا وهناك..

لمصلحة من نعطى الأسمنت والغاز لإسرائيل ونمنعه عن غزة..

لمصلحة من؟

نعم.. لمصلحة من تعملون؟!..

هل هو الجنون المطلق؟ أم الجهل المطبق؟أم العقل الشيطاني؟

يا إلهي.. إن الكارثة أفدح حتى مما نقدر..

لم تستعن إسرائيل بمصر على غزة.. بل حدث العكس.. استعانت مصر بإسرائيل على غزة..

نعم.. لقد استعانت مصر بإسرائيل على غزة.. وهي الآن تستعين بنصارى مصر على مسلميها.. ففي حماقة ليس لها مثيل اختارت أن يكون رئيس لجنة الانتخابات المستشار انتصار نسيم حنا.. والانتخابات الماضية والقادمة لا يتصارع فيها سوى قوتين.. الحزب الوطني الذي أدمن النجاح بالتزوير.. والإخوان المسلمون الذين لا يخسرون الانتخابات إلا بالتزوير..

يا إلهي.. إن الدولة تشعل الفتنة الطائفية بين أبنائها.. كنا نظن إسرائيل هي التي تفعل ذلك فإذا بنظامنا ضالع.. ولقد التزم الإخوان جانب الحكمة وعدم التصعيد فلم يتحدثوا عن الأمر أبدا.. أما المستشار نسيم حنا فقد بدت تصريحاته تقلع عن تقليد نصراني عتيق تتبعه الأقليات في كل الدنيا كي تحفظ لنفسها احتراما ومكانا ومكانة.. أن تكون في عملها أكثر دقة وأمانة.. ليس لمجرد مكارم الأخلاق بل للمنافسة وإثبات الوجود. منذ اليوم الأول صرح أنه لا تعقيب على قرارات لجنته.. وفي التطبيق أهدر القضاء ورفض جل قراراته.. وأعلن المستشار أنه لن يحترم حكما نهائيا أباح  شعار:"الإسلام هو الحل".. وبالفعل طلب شطب مرشح لكن القضاء أبطل قراره.. ثم قال أن الانتخابات نزيهة ليتحدث القاصي والداني أنها من أكثر الانتخابات تزويرا في تاريخ مصر. حتى أن نجاد البرعي يقول:

"لا أعلم كيف يمكن أن يتحمل ضمير قاض- أي قاض- تلك المساخر التي شابت العملية الانتخابية لمجلس الشورى التي جرت وقائعها الثلاثاء الماضي، وأنبأت عنها تقارير منظمات حقوق الإنسان التي راقبت الانتخابات قدر ما استطاعت في ظل أجواء معادية للنزاهة والشفافية.

ربما يذكر الجميع تلك التصريحات التي أدلى بها القاضي انتصار نسيم منذ أقل من أسبوعين، والتي قال فيها إنه ولجنته فوق المراقبة لأنهم قضاة، وهو أمر انتقدته في حينه، ورأيت فيه خروجا على الدستور (...).. افتقرت قرارات اللجنة للأسانيد القانونية، فلم يكن غريباً من بعد أن جل قراراتها قد تعرض للإلغاء من المحكمة الإدارية العليا أما عن الأحكام القضائية فقد ضربت بها اللجنة عرض الحائط ما دامت ليست في صالح مرشحي الحزب الوطني(...)فأصبحوا يشكلون بوجودهم في مواقعهم هذه ليس فقط إساءة إلى النظام السياسي المصري، ولكن إلى هيبة القضاء(...)  أيها القاضي الجليل انتصار نسيم، السادة أعضاء اللجنة العليا للانتخابات المحترمين، هذا وقت الاستقالة بكرامة فلا تفوّتوا الفرصة.

***  

يا إلهي..

لشد ما تدهورت الأمور..

يعلم القاصي والداني أن إسرائيل هي مفتاح قلب أمريكا..

وأخشى أن يصبح بعض  النصارى مفتاح قلب إسرائيل..

***  

لقد قرنت  صحيفة  الجارديان  البريطانية وقارنت بين فجور إسرائيل في الهجوم على أسطول الحرية وفجور الأجهزة المصرية  في انتخابات مجلس الشورى.  ونوهت الصحيفة عن أن دور مصر كشريك في الحصار الإسرائيلي على غزة طالما كانت نقطة ضعف مبارك السياسية الكبرى، فإلى جانب إغلاق معبر رفح واستخدام الغاز بشكل منتظم في الأنفاق بين مصر و غزة قامت مصر أيضاً بمنع قوافل الإغاثة من الدخول إلى غزة من خلالها و لعبت دوراً كبيراً في فشل مفاوضات التسوية بين فتح و حماس.(...) إن تلطف مبارك لإسرائيل يفتح الباب أمام مليارات الدولارات من المساعدات من واشنطن، و التي يعتمد عليها مبارك في تمويل أجهزته الأمنية التي يستخدمها للبقاء في السلطة، كما أنها تساعده في أن يغض الغرب الطرف عن الانتهاكات الصارخة لمبادئ الديمقراطية و حقوق الإنسان (...) كما أن أحداث "أسطول الحرية" تسير على نفس الطريق، حيث امتدت شعارات المتظاهرين المعادية لإسرائيل لتنتقد القمع الذي مارسه الأمن المصري في يوم تزوير انتخابات مجلس الشورى، حيث قام بعض المتظاهرين بتشبيه المجازر الإسرائيلية في غزة بـ"مجزرة أصوات الشعب" التي ترتكبها الحكومة المصرية.(...) ..

وتستطرد الصحيفة:  فمع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة و ترسيخ الجمود السياسي بشكل أكبر، و اقتراب موعد الانتخابات، فإن سفك الدماء الذي مارسته إسرائيل في البحر المتوسط يدخل عنصراً جديداً من عدم اليقين إلى ما يقترب من أن يكون العاصفة المثالية التي ستطيح بنظام مبارك.

***  

يا إلهي.. كيف فعلتموها.. كيف استطعتم..

إنه موقف متكامل ضد مصر..

يا نخب مصر.. سئمناكم.. سئمنا من أكاذيبكم.. كونوا صادقين.. كونوا صادقين..

***  

أما أنت يا فخامة رئيس الوزراء أردوغان.. فجزاك الله خيرا.. فلولاك كنا نموت من الخزي والعار..

إن وسائل الإعلام تذيع الآن أنك تفكر في أن تتوجه بنفسك على متن أسطور الحرية"2" لاختراق حصار غزة والقضاء عليه.. وأن بوارج حربية سوف تصحبك.. فيا رياح الكرامة هبي لتقشعي روائح النتن المخيمة علينا..

تقول تلك الفضائيات أيضا أن فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي سيكونان في نفس القافلة..

وإنني أدعوا الله-وأتقدم إليكم بذلك-  أن أكون في أسطول الحرية "2" معكم فأقتلُ أو أقتلَ فأدخل الجنة..

اللهم آمين..آمين..آمين..

 

***  

**

*


 

العلاقة بين تجفيف النيل

وحملة التوراة  والإنجيل!

بقلم د محمد عباس

 

ينفجر الغضب وأنا أتابع أثناء كتابة هذا المقال الجريمة الإسرائيلية مع أسطول الحرية..

ينفجر الغضب شواظ محرقة لكنها –في مثل عمري- تمزقني أنا وتشعل النار في قلبي أنا لتغرقني في النهاية في بحر من الحزن إزاء أمة لم يعد يحركها شيء حتى لو تيقنت أن حكامها ونخبتها خانوها وانضموا إلى الأعداء ضدها..

ينفجر الغضب لتسطع في ضوء اللهيب الحقيقة مرة أخرى: فلسطين محورنا.. منها يبدأ انتصارنا.. ومنها تبدأ هزائمنا.. ومنها يبدأ تجفيف منابع النيل.. ومنها يبدأ الحفاظ  عليه وعلى أمتنا أو القضاء عليها.

ينفجر الغضب .. لكن تهب نسمات من رحمة الله تحمل بعض الغوث متجسدة في موقف الرائعة العظيمة تركيا.. وفي موقف الدول الأوروبية المساهمة في أسطول الحرية وفي موقف الجزائر العظيمة التي أثبتت وتثبت أن غيرها –وليست هي-  بلاد المليون عميل والمليون سفيه والمليون خائن.

***  

إن القليلين  يندهشون عندما أربط بين كارثة ما يحدث في منابع النيل وإسرائيل فهم يدركون حجم المؤامرات المهلكة التي تدبرها لنا.. لكنهم يندهشون عندما أربط ذلك بفلسطين.. رغم أن الرابطة واضحة ووثيقة ولها ألف وجه ووجه.. وأحد وجوهها هو القصاص الإلهي.. ألم نشيد سدا بيننا وبين غزة لنهلك إخوتنا في غزة مجاملة لأعدائنا وليس في سبيل أنفسنا.. فلماذا نعتب على إثيوبيا إذا ما قررت بناء سد من أجل مصلحة شعبها حتى لو أهلكتنا نحن الذين لا تجمعنا بهم رابطة عنصر أو دين. لقد أعطينا الآخرين المبرر ليشنقونا بحبل جدلناه بأنفسنا..  فلتفعل مصر ما شاءت فكما تدين تدان.. وكما تُحَاصِرُ تُحَاصِر.. وكما تتحالف مع الأعداء ضد الأشقاء سوف يتحالف الأشقاء مع الأعداء ضدها.. وكما ساهمت في تقسيم غيرها ستشرب نفس الكأس المر.. وسوف يكون هلاكها -لا قدر الله- أنها شنت الحرب على الإسلام احتماء بالصليبيين والصهاينة واستقواء بهم.. وتركت مجالها الحيوي الوحيد الذي يمكن أن يحميها.. الإسلام.

***  

 أقول أن القليلين يندهشون من علاقة إسرائيل بما يحدث في منابع النيل.. أكثر منهم من ينهشون عندما أتحدث عن علاقة فلسطين به.. لكن الكثيرين جدا يندهشون عندما أطرح أمامهم علاقته بالحملة ضد الإسلام وحملات التنصير والبابا شنودة وأقباط المهجر في الخارج وبعض النصارى  والعلمانيين في مصر. .

أعترف أن الذهول يستبد بي عندما أرى ولاة أمورنا سادرون في غيهم وكأنهم لم يقودوا البلاد إلى الكارثة ..

نعم.. يستبد بي الذهول عندما أرى  أننا وصلنا إلى هذه الدرجة من الانهيار دون أن يطرف للنخبة الحاكمة جفن ودون أن يؤنبهم ضمير.

مهما كانت الهزائم.. ومهما كانت النكسات.. ومهما كان الخراب فإنهم لا يرتدعون أبدا ولا يكفون..

والمصيبة الهائلة والكارثة النازلة أنهم هم نخبتنا وقادتنا وولاة أمورنا.. أولئك الذين نتوسل إليهم ألا يفسدوا في الأرض فيقولون إنما نحن مصلحون.. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.. فهل يجديني أن أوجه ندائي إلى أولئك الذين لا يشعرون؟ فكيف يفقهون؟..

أم أنني أسمعت لو ناديت حيا..

ففي الجانب الآخر هناك صنف آخر.. لا أظن ثمة جدوى من التوسل إليهم.. أولئك هم المفسدون الذين يعلمون أنهم يفسدون.. يفعلون ذلك عن وعي كامل.. وبإدراك كامل.. ويحصلون على الثمن.

أولئك الذين باعوا للشيطان نفوسهم وللصليبية الصهيونية أوطانهم فأصبحوا أدوات للأعداء علينا يستهدفون في النهاية ما نحذرهم منه.. ذلك أن بعض السذج منا يتصور أنهم يعرضون الوطن للأخطار لأنهم لا يفهمون التبعات ولا يشعرون بالمخاطر.. بينما الأمر على العكس.. إن الوطن لا يهمهم إلا بقدر ما يستفيدون منه.. ولقد رهنوا أنفسهم بالأعداء لذبح أمتهم.. وكل واحد منهم ابن علقمي وأبي رغال  آخر  إنهم يشبهون نخاسا يبيع أهله أو قوادا يتاجر في عرض أهل بيته. وأولئك الذين كلما تذكرتهم تذكرت الشيخ عبد الكريم عبد الرزاق إمام وخطيب جامع عمر المختار في العراق. كان الشيخ الجليل يصف  تجليات الحضارة الغربية في أبي غريب وكنت أسمع حديثه على نحو آخر  فكأن الضحايا ليسوا رجالا ونساء وإنما أمم ودول. كان الشيخ يقول:

"في سجون الداخلية العراقية هناك قطع للرؤوس وشواء للأجساد وقلع للعيون والأظافر، وهناك قطع الرؤوس ، هناك شواء للأجساد، هناك قلع للعيون، هناك قلع للأظافر."

وكنت أقول لنفسي أنهم هناك وهنا يفعلون بالمواطن نفس ما يفعلونه بالوطن!.. يجففون نيله ويمزقون قلبه ويسرقون أرضه. لكن.. لنعد إلى الشيخ يقول:

" عندما كنت عند الأميركان في الشعبة الخامسة في الكاظمية والله كنت في زنزانة استمع إلى فتاة عراقية تقول والله أنا عذراء والله أنا بكر والله أنا شريفة وتنادي بالله ثم نادت وا محمداه وا نبياه واإسلاماه"..

***  

كلما أوشكت على مناشدة أحد من ولاة أمورنا تذكرت هذه الفتاة المسكينة..

تذكرت صرخاتها: " والله أنا عذراء والله أنا بكر والله أنا شريفة"..

وكأن ذلك سيردع المجرمين ويكفهم عنها..

بل كما لو لم يكن ذلك هدفهم ومبتغاهم منذ البداية..

أن يهتكوا عرضها ويثلموا شرفها ويفضوا بكارتها حتى لا يعود لها بين العالمين شرف ولا قيمة وعلى أمل أن يقتلها العار والقهر والعجز وجبن الرجال عن نجدتها..

لذلك كلما كدت أصرخ:" يا حكامنا هذا وطن هذه دولة هذه أمة وهذا دين" تذكرت المرأة وتذكرت أن ولاة أمورنا لا يختلفون عمن أسروا المرأة.. والفرق أن الأولين أسروا امرأة وقتلوا أهلها وأن الآخرين أسروا وطنا!!..

وأن الأولين اغتصبوا امرأة بينما اغتصب الأخيرون وطنا وقتلوا أمة..

وإن زاد من البشاعة أن الأخيرين اغتصبوا أمتهم وأمهم وأخواتهم.

***  

كارثة اتفاق دول منابع النيل ضدنا كانت كفيلة بإحداث ثورة غضب شاملة لا تبقي ولا تذر.. وقد تصرفت النخبة الحاكمة بدرجة لا تكاد تصدق من الاستهتار وانعدام والإحساس بالمسئولية.. حتى أن بعض الكتاب قارنوا التصرف البارد الهادئ للنخبة الحاكمة في أمر يهدد وجود مصر نفسها بالنار المتأججة التي أشعلتها  نفس النخبة إزاء مباريات الكرة بين مصر والجزائر حيث لم يفضح أكاذيب نخبتنا إلا قرارات الفيفا. هل تذكرون ردة الفعل أيامها  وكيف اندفعت النخبة المنحطة  وتتابعت اجتماعات الكبار-الصغار-  والتصريحات الحكومية الهائلة المنذرة  والتي لم تعقد مثلها لمناقشة  الخطر على منابع النيل الذي يشكل الخطر الأكبر على مصر كدولة وكأمة.

كان الإعلام كله لأكاذيبنا عن الكرة.. وكان التعتيم كله نصيب الكارثة المحيقة في منابع النيل.. فبدا للناس أن الكارثة مفاجئة بينما هي تمتد إلى أكثر من نصف قرن تجاهلناها فيه أو تعاملنا معها بنفس الاستكبار والتعالي والغرور التي واجهنا بها إسرائيل عام 67 والتي واجهنا بها كل مشاكلنا. لا تفكير ولا تخطيط ولا استراتيجية. ثم يبدو ولاة أمورينا مفاجئين كما لو كانت أثيوبيا قد بنت السدود خلسة في ظلمة الليل لنفاجأ بها في الصباح. والأمر ليس كما تبديه أجهزة إعلامنا..ففي سنة 2000، وتحديداً 14 نوفمبر 2000، وقِّعت وإثيوبيا عقدا مع إسرائيل لبناء سد على النيل الأزرق ضمن 8 سدود سيتم بناؤها على هذا النهر اللي يمد  مصر بـ86% من احتياجاتها المائية. كما أن المشروعات التي قامت بها وأعدتها مكاتب دراسات جدوى أميركية وأوروبية تتحدث عن خمسين مشروعا، يفترض أن تنتهي في عام 2050، على مدى خمسين سنة، من 2000، لـ 2050، بمساعدات وخبرة إسرائيلية  وتحت رعاية وموافقة أمريكية. لا يقتصر الأمر على ذلك. لأن  الدكتور حلمي شعراوي – مركز البحوث العربية والأفريقية يقول  – في كتابه القيم " الفكر السياسي والاجتماعي في إفريقيا ": تعرف أجهزة الحكم المسئولة دور البنك الدولي في وضع مبادرة حوض النيل أواخر التسعينيات من خلال المؤتمرات الدولية حول المياه وتسعيرها، وضبط البنك الدولي بإشراف أمريكي لآليات تحديد أوضاع مياه النيل، كما يدرك الحكم دور إيطاليا وفرنسا أكثر من غيرهما في بناء السدود بأثيوبيا، ودون مراعاة لعلاقة مصر المخلصة للبنك والأكثر إخلاصا لمبادرة المتوسط بإشراف الصديقين ساركوزي وبيرلسكوني، وكان كل ذلك، بالإضافة لما جد من وصول الصين واليابان.

***  

لم يكن الأمر مفاجئا لحكوماتنا إذن.. فلطالما قرأنا منذ ثلاثة عقود على الأقل  أن حروب القرن الحادي والعشرين ستكون حروب مياه. لكننا تفرغنا لحروب الكرة أو محاصرة أشقائنا والتحالف لشن الحروب عليهم  وللتنكيل بأبنائنا داخل الوطن ولفرض قانون الطوارئ الذي لم يحمنا من الكوارث بل حمى من يجلبون علينا الكوارث.

إن الجميع يلقي المسؤولية في تمرد دول حوض النيل على إسرائيل وإثيوبيا، وهذا حق.. إلا أنه حق يخفي خلفه الباطل.. ذلك أنه ليس غريبا على الشيطان أن يغوي فالذنب يقع على من استسلم للغواية . إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة المصرية التي فشلت في إدارة النزاع منذ سنوات على مياه النيل.

***  

لكن.. هل تقتصر مسئولية الحكومة على عام مضى؟ على عشرة أعوام ماضية؟ على ثلاثين عاما؟

لا.. فالأمر أبعد.. أبعد بكثير..كما أنه بالمصطلحات الشائعة خطأ استراتيجية لا خطأ تكتيك. خطأ منهج لا خطأ تصرف.

إن اللبنة الأولى المباشرة كانت منذ نيف ومائة عام (تسبقها أحداث سنتناولها بعد ذلك) ..  وضع هذه اللبنة الأولى  بطرس باشا نيروز غالي (1846 - 2، فبراير 1910) وزير خارجية ثم  رئيس وزراء مصر والذي تلقى تعليمه في كلية البابا كيرلس الرابع و يعتبر من أكثر الشخصيات إساءة لمصر في العصر الحديث (لا يجاريه فيها إلا أحفاده الذين يتصدرون ساحة النصارى الآن) حيث له أفعال فظيعة منها اتفاقية الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان عام 1899. لقد قوض هذا الاتفاق ممتلكات مصر في منطقة خط الاستواء في كل من أوغندا وعدد من الموانئ الموجودة على البحر الأحمر مثل زيلع وبربرة فقلص من سيطرتها وهيبتها وتأثيرها على دول منابع النيل.

كان ذلك مرحلة أولى جوهرية تمكنت بعدها بريطانيا من فصل الجنوب وتنصيره تمهيدا لما سيحدث بعد من فصله عن السودان.

***  

أما اللبنة الثانية فقد كانت على يد رائد القومية العربية جمال عبد الناصر والذي فضل عزل محمد نجيب بصورة وحشية أدت إلى انفصال السودان عن مصر. ورغم النذر فلم يرتدع رائد القومية حين خرجت الجماهير في السودان تهتف في مظاهرات عارمة وفي السودان اندلعت مظاهرات جارفة تهتف (لا وحدة بلا نجيب). ولم يكتف عبد الناصر بهذا، إذ أنه نكاية في أهل شمال السودان المسلمين المتعاطفين مع الاتجاه الإسلامي في مصر قرر تسليح التمرد الوثني الصليبي في جنوب السودان. ولست أظن الأمر كان خطأ حسابات من جمال عبد الناصر أو أنه فوجئ بانفصال السودان. بل أظن الأمر كان مقايضة بينه وبين أمريكا وبريطانيا: سنتركك تحكم وتزيح نجيب مقابل فصل السودان عن مصر.. وقد وافق.

وللقارئ الذي قد يتشكك في التحليل أحيله إلى المعلومة الموثقة ولنطالع معه ما جاء في كتاب خطير عنوانه: " اللعبة الكبرى: المشرق العربي والأطماع الدولية - هنري لورانس- ترجمة د عبد الحكيم الأربد- إصدار الدار الجماهيرية  للنشر والتوزيع والإعلان" .. ففي  صفحة 157 يأتي بالنص:

" واستقال ( الرئيس محمد نجيب)  من رئاسة الجمهورية يوم 25فبراير .كان الجيش منقسما على نفسه. (...) وخطب عبد الناصر في المتمردين ولكنه لم يفلح في إقناعهم فاستسلم بدوره يوم 27أما نجيب فقد أعيد إلى السلطة .واستقبل الناس النبأ بمظاهرات فرح جبارة لعب فيها الإخوان المسلمون دورا كبيرا. (...).. وفي تلك الأثناء كان عبد الناصر يعمل على استعادة سيطرته على الجيش (...)  واستسلم نجيب (...)  وفي نوفمبر 54 نحي عن السلطة دون تعيين رئيس جديد ووضع تحت الإقامة الجبرية . (...)

كان لكل هذا نتائج  هامة على السودان . فقد كان نجيب فيه ذا شعبية كبرى خاصة وأن له فيه أقارب أما عبد الناصر وجماعته فلم تكن لهم فيه شعبية بالمرة لذلك أدى سقوط نجيب بالسودان إلى التخلي عن الاندماج مع مصر والى اتجاه نحو الاستقلال . وحاول عبد الناصر وأنصاره لفترة إيقاف هذا التطور بل وشجعوا ثورة في جنوب السودان الوثني  المسيحي ضد الشمال المسلم . وعلى الرغم من ذلك فقد استمر عدد المسلمين (23%) أكثر من عدد المسيحيين(17%) في الجنوب حتى عام 1997. ولكن الجهود المباركة للثورة غير المباركة أدت إلى خفوت الصوت الإسلامي وارتفاع الصوت المسيحي المتحالف مع أمريكا وإسرائيل. . ولقد عمق هذا السلوك الخائن التعارض بين جزأي السودان وهو ما كانت له عواقب وخيمة على مستقبل السودان وتداعياته على دول حوض النيل .

***  

مازال بعض السذج وحسني النية يبدون الدهشة والاعتراض على مساندة النظام القومي-الذي ما يزال يحكم- رغم أن استعراض التاريخ القريب يفضح أن حكوماتنا وقفت في الأغلب الأعم ضد المسلمين في كل مكان.. في السودان والصومال واريتريا وكشمير والبوسنة والهرسك وكوسوفا وقبرص و.. و.. و.. وكانت علاقاتنا دائما أقوى بمن يحمل عداء أشد للإسلام. ولطالما أشدنا  بـ: «هيلاسلاسي» أو «أسد لهوذا » الذي نكل وأسلافه  بالمسلمين وأبادوهم حتى هبط عدد المسلمين في الحبشة من  90% في معظم أجزائها_ ومنها عاصمتهم آنذاك  إكسوم- إلى 60%  في الأرقام الإسلامية و 30%  في الإحصائيات المسيحية الآن. لقد واجه الإسلام الحرب في الحبشة على مسار خمسة قرون أو تزيد على أيدي حكامها وحلفائهم من البرتغاليين والفرنسيين والطليان والانجليز.

ومن المحزن أن مطالعة الوسائل التي اتخذت ضد المسلمين في الحبشة سوف يشي أن بعضها يتخذ في بلادنا الآن ضد المسلمين والإسلام.

قال الأستاذ عبد الله التل في كتابه الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام: كانت خطة «هيلاسلاسي» لإبادة المسلمين والقضاء على الإسلام فيما يلي:

1 ـ حرمان المسلمين من التعليم وتلقي الثقافة الإسلامية واللغة العربية.

2 ـ مصادرة أموال المسلمين وأملاكهم بهدف إفقارهم.

3 ـ هدم ما تبقى من مساجد المسلمين وإقامة الكنائس على أنقاضها.

4 ـ تنصير أبناء المسلمين بالقوة، ونشر الهيئات التبشيرية في جميع البلاد الإسلامية وفرض تقديم العون المالي لها على المسلمين.

5 ـ الفتك بالمسلمين وقتلهم في مجازر جماعية بحجة العصيان ضد الدولة وتدمير قراهم وتشريدهم في الجبال.

6 ـ ابتلاع معاقل الإسلام المحيطة بالحبشة لسد الطريق أمام أية عملية لاستنقاذ مسلمي الحبشة، وبالتالي استئصال شأفة الإسلام نهائياً.

7 ـ حرمان المسلمين من الاتصال الخارجي والحيلولة دون اتصال المسلمين من الخارج بمسلمي الحبشة.

8 ـ حرمان المسلمين من وظائف الدولة برغم أنهم يمثلون 60% من عدد سكان الحبشة.

9 ـ فرض الضرائب الباهظة على المسلمين والسماح للكنيسة بالتسلط على المسلمين وبمصادرة أموالهم وأملاكهم لصالحها.. وهناك ضريبة خاصة فرضت عليهم تسمى «ضريبة الكنائس» وهي فريدة من نوعها.

***  

أحد أقل الناصريين  ظلما  هو الأستاذ محمد عبد الحكم دياب الذي تجاهل تماما دور الناصرية في كارثة منابع النيل لكنه يكتب عن دور النظام الآن في القدس العربي  28-5:

ما يجري في حوض النيل نتيجة طبيعية لما يجري في الداخل. حيث التنازل المستمر عن مقومات وإمكانيات القوة الذاتية والعامة، وإذا كان السادات قد أمرك الإدارة المصرية على أمل أن تحل بديلا لتل أبيب، جاء حسني مبارك فصهين القرار المصري ووضعه في خدمة المشروع الصهيوني، وبين السادات ومبارك ضاع أمن مصر وأمانها على المستويات كافة. العودة للبدايات تفسر لنا ما آلت إليه النهايات، فحكم يفك ارتباطه بدوائره الطبيعية ويعلن انسلاخه عنها وبراءته منها، إن جاء ذلك عفوا فهو جهل، وإن كان عمدا فهو خيانة. والعربدة في منابع النيل سبقتها ومهدت لها عربدة أخرى في شمال مصر وشرقها. عربدة أعالي النيل امتداد للعربدة في فلسطين والعراق ولبنان وسيناء. وكما أعطى حكم مصر ظهره للعرب فقد أبعد مصر عن إفريقيا. (...).. ضاع كل ذلك. ومن يعمل على تمكين عدوه من محاصرته في الشمال والشرق، بالفراغ الأمني والعسكري والبشري في سيناء وبالأساطيل الأمريكية والصهيونية في البحر الأبيض. من يتواطأ على أمن وسلامة بلاده في الشمال والشرق لا يتورع عن فعل نفس الشيء في منابع النيل.

***  

لن يكون عند الناصريين والقوميين أي مانع من إدانة نظام الحكم الحالي واتهامه باتهامات شتى.. ونحن نتفق معهم في ذلك كله.. لكنهم سينكرون-أو يتجاهلون- دور عبد الناصر وهو أكثر خطورة وإجراما. ولنقرأ شهادة قومي يحمل عداء فطريا للإسلاميين هو مكرم محمد أحمد الذي كتب في أهرام 28-5 يقول:

"لو أن التاريخ ينطق بالأخطاء التي تم ارتكابها‏,‏ لكان عليه أن يعترف علانية الآن بالخطأ الكبير الذي ارتكبه ساسة مصر والسودان في فترة مهمة من تاريخهما المشترك‏ عندما أهدروا وحدة وادي النيل التي كان يمكن أن تضمن وجود دولة قوية في الركن الشمالي الشرقي من القارة الإفريقية‏,‏ تمتد سواحلها علي البحرين الأبيض والأحمر‏,‏ ويبعد طولها بعمق وادي النيل جنوبا‏,‏ وصولا إلي حدود إثيوبيا وأوغندا وإريتريا ومعظم دول حوض النيل‏,‏ يصعب الاعتداء علي أطرافها الجنوبية ‏,‏ ويصعب عزلها عن منابع نهر النيل كما يحاول البعض الآن‏,‏ ولو أن وحدة وادي النيل وجدت طريقها إلي حيز التطبيق لما تمكنت قوي خارجية عديدة من النفاذ إلي هذه المناطق لتدق أسافينها في العلاقات بين قبائل الشمال ذوي الأصول العربية وقبائل الجنوب ذوي الأصول الزنجية (...) ولا يزال هذا الجيل هو الأكثر إحساسا بخيبة الأمل الآن‏,‏ وهو يري السودان يتعرض لمؤامرة كبري تستهدف تمزيق وحدته وتقطيع أوصاله‏,‏ علي حين تتعرض مصر لحصار يهدد وجودها وأمنها القومي وحقها التاريخي في مياه النيل المصدر الوحيد لحياة المصريين‏.‏

أما الشاعر فاروق جويدة فيقول في صحيفة الشروق 30-5:

أفاقت حكومة مصر وهى نائمة في العسل على اتفاقيات وتوقيعات وانقسامات غيرت معالم كل شيء.. لقد أطاح هذا الزلزال المخيف بتاريخ طويل من الثوابت القانونية والأعراف والعلاقات الإنسانية والتاريخ الحافل بين دول المنبع ودول المصب.. فجأة اكتشفت مصر أن أهم الأشياء في حياة المصريين يتعرض لأخطار رهيبة..

ويضيف: لابد أن نعترف أن هناك مقدمات سبقت ما يحدث الآن وأن الذي نراه في دول حوض النيل سبقته مؤشرات كثيرة..كان انفصال جنوب السودان أول هذه المؤشرات التي لم يقرأها أحد في الوقت المناسب..

ثم يستطرد:

نحن الآن أمام مؤامرة دولية لحصار مصر والسودان رغم كل ما يبدو لنا من مظاهر الصداقة والتعاون.. لقد خلعت أمريكا وإسرائيل السودان من الجنوب.. وخلعت مصر تماما من القرن الإفريقي.

***  

وكما لو كان الأمر تنفيذا لسيناريو محكم يقوم فيه كل ممثل بدوره في الفصل المحدد له وفي التوقيت المحسوب جيدا بحيث لا يجوز أن يتقدم فصل على فصل سابق ولا باختلال الزمن لأن كل خطوة تؤدي إلى ما بعدها.. كانت الخطوة الأخيرة طوال العقود الأخيرة هي التعالي والتنائي عن أفريقيا والاتجاه  للغرب. وهنا اكتملت الكارثة. لكن ما يجمع بين بطرس غالي وجمال عبد الناصر والنظام الحالي هو العداء لصمام الأمان الوحيد الكفيل بإنقاذنا: الإسلام. ولقد وقفوا جميعا من الإسلام نفس الموقف الصليبي الذي أدرك أن الشمال الأفريقي يمثل بوابة عبور الإسلام لبقية أفريقيا , وهذا من شأنه أن يؤدي إلى وحدة المصير والهدف مع عمق الروابط الأخوية والثقافية , ولذلك بذلت جهودا كبيرة من دول ومنظمات لفصل مصر عن السودان ثم فصل شمال السودان عن جنوبه ليكون الجنوب منطقة عزل عدائية بين دول المنبع ودول المصب، بالإضافة إلى أنه سيكون دولة جديدة تطالب بحصة إضافية من ماء النيل. وبدلا من أن تستغل حكوماتنا الإسلام-ولو بصورة نفعية وانتهازية- لتعميق الروابط فقد اتخذت منه موقف العداء. وغفلت هذه الحكومات عن أن ثمة أغلبية -أو أقلية كبيرة يمكن أن تكون مؤثرة- للمسلمين في معظم دول حوض النيل. كانت حكوماتنا المسلمة تحارب الإسلام وتنكل بأصحابه وترسي دعائم العلمانية. في نفس الوقت كانت جهود (العلمانيين الصليبيين والصهاينة!) على قدم وساق للتنصير في إفريقيا , فالغرب الذي يطالبنا بتغيير هويتنا واعتناق العلمانية , كان ( ولا يزال ) يدعم جهود التنصير عبر أعلى مستوياته السياسية والاقتصادية من خلال واجهات اجتماعية أو خيرية أو طبية أو إغاثية , ولذلك نرى كيف تغيرت نسب تعداد المسلمين في هذه البلاد هبوطا بسبب الجهود التنصيرية من جهة والفراغ الدعوي القادم من الشمال من جهة , والجهود السياسية والاقتصادية الدولية من جهة أخرى .

وكانت نخبتنا تحارب في صفوف أعدائنا.

***  

إن افتقاد النظرة الشاملة للتاريخ تصيبنا بالعمى عن فهم الحاضر وتمنعنا من إنقاذ المستقبل.. والغرب (الصليبيون) منذ مؤتة يفكرون بنفس الطريقة ويسيرون نفس المسار ومهما فشلوا، فإنهم يعاودون الكرة المرة تلو المرة حتى ينجحوا.. المأساة أن ما كانت الحضارة الإسلامية والدولة الإسلامية تطلبه دائما هو أن نبقى في بلادنا التي حررناها من استعمارهم أحرارا نتعايش معهم في سلام.. أما هم فكان مبتغاهم طيلة الزمان أن يعيدوا احتلال بلادنا وأن يقضوا على ديننا..

وعندما أدرك الغرب عجزه عن إبادتنا فقد تآمر الصليبيون مع المغول علينا – وذلك ثابت في التاريخ رغم التعتيم عليه..

***  

مشكلة منابع النيل جزء من الحرب الصليبية التي يشنها الغرب علينا.. بل إن أول تفكير في قطع منابع النيل عن مصر قد حدث منذ خمسة قرون. في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي، وقتها كانت مصر ملتقى طرق التجارة العالمي، حيث كانت تمر عن طريقها التجارة من أوروبا إلى الهند، و كانت تلك إحدى أكبر مصادر الدخل في ذلك الوقت للقطر المصري. كانت التجارة تأتي عن طريق البحر المتوسط ثم يتم تحميلها برا إلى البحر الأحمر (بحر القلزم في ذلك الوقت)، و من ثم تنطلق إلى الشرق حيث بلاد التوابل والعطور (الهند).

***  

يحدثنا الأستاذ محمد يوسف عدس في كتاب غير منشور له بعنوان "الفيليبين" – عن أن الصليبيين بعد فشلهم في الحروب الصليبية لجئوا إلى الأساطير فنسجوا أسطورة حول إمبراطورية خرافية تصوروها بأقصى الشرق يحكمها ملك مسيحي هو القديس يوحنا وتركز أملهم في الوصول إلى مملكه القديس يوحنا والتحالف معه فذلك هو الكفيل بنجاح الغرب في القضاء المسلمين وكسر شوكتهم ثم انتزاع الأرض المقدسة من قبضتهم .

وكانت أوربا تتنسم أخبار الملك المقدس وتتلهف عليها حتى وصلت البابا أنباء جنكيزخان فصار الاعتقاد بأنه لابد أن يكون هو نفسه القديس يوحنا لفرط عداوته للمسلمين فتم الاتصال به فعلا بل وزوجوه بأميرة نصرانية حرضته على اكتساح بلاد الإسلام.

***  

 وعندما اتجه  دالبوكيرك  إلى الحبشة مبعوثا من قبل ملك البرتغال كان يعتقد أن ملك الحبشة المسيحي هو نفس القديس يوحنا صاحب الأسطورة، كانت رأس هذا القائد تلتهب  بفكرة جنونية تقضى بأن يقوم على رأس حملة عسكرية يزودها النجاشي بالمؤن والرجال، ثم يعبر البحر الأحمر في مسيرة سريعة إلى المدينة لاختطاف رفات النبي r ثم  يعرضها على المسلمين مقابل التخلي عن فلسطين..

فلسطين..

البداية والنهاية.. والمحور والمرتكز..

كان هذا هو الهدف منذ استعاد المسلمون العرب فلسطين العربية من الرومان بعد معركة أجنادين وقد نجحوا في تحقيقه في الحروب الصليبية ثم نجح العرب المسلمون في تحريرها مرة أخرى.. بعد حطين تحطمت جيوشهم لكن هدفهم لم يتحطم ولولا بزوغ شمس الدولة العثمانية في هذا الوقت بالذات لاستطاعوا بعد إنهاك العرب واستنزافهم في الحروب الصليبية وحروب المغول القضاء علينا، لكن الدولة العثمانية تكفلت بحماية الإسلام والمسلمين في الشرق فانطلقوا هم من الغرب..

***  

ويضيف سعيد عبد الحكيم زيد  في كتابه  ‏واقع العالم الإسلامي- مكتبة وهبة مزيدا من التفاصيل: كان البرتغاليون يرغبون في الوصول إلى آخر ديار الإسلام ولكنهم يئسوا من ذلك فقد  كان المحيط الهندي آنذاك بحرا إسلاميا خالصا لذلك  فكروا في الانتقام من المسلمين و غزوهم  في عقر دارهم في أرض العرب. ولقد بدا أنهم على وشك النجاح في المنطقتين.  فعندما وصل فاسكو دي جاما إلى قاليقوط وجد فيها مسلمين فقصفها بالقنابل ثم أغرق سفينة في خليج عمان تنقل الحجاج من الهند إلى مكة وعلى ظهرها مائة حاج حيث أعدمهم جميعا بعد أن فعل بهم الأفاعيل، ثم عاد إلى كالكوتا فأحرق مجموعة من المراكب كانت محملة بالأرز وقطع أيدي وآذان وأنوف بحارتها. وكان في مدينة  كيلوا في شرق أفريقيا ثلاثمائة مسجد دمر معظمها على أيدي البرتغاليين بمجرد دخولهم  المدينة وأعلن البرتغاليون بعد انتصارهم على المماليك في معركة ديو البحرية أنهم سيهدمون الأماكن المقدسة في مكة والمدينة  وأنهم سيزيلون معها آخر آثار الإسلام  وهذا ما جعل العثمانيين يتجهون نحو بلاد العرب يحمونها بضمها  إلى دولة الإسلام قبل أن يستولي عليها الصليبيون. ثم  ليقفوا بعد ذلك  في وجه البرتغاليين. ثم ‏خلف دالبوكيرك فاسكو دي جاما، والذي يعود إليه الفضل في توطيد دعائم  الإمبراطورية البرتغالية، تضمنت مشروعاته قبل موته تحويل مياه نهر النيل إلى البحر الأحمر ليحرم مصر من ري أراضيها ، ‏ويخرب شبكة الري التي كانت قائمة فيها آنذاك ، ‏وتهديم المدينة المنورة في شبه جزيرة العرب ، ‏ونبش قبر ألرسول محمد r   ، ‏وأخذ كنوره  حيث كان يتصور أن ضريحه مليء باللآلئ والمجوهرات شأن الفاتيكان وسرقة رفات الرسول وجعلها رهينة حتى يتخلى المسلمون عن الأماكن المقدسة في فلسطين. وقد ‏ألقى البوكيرك خطابا هاما . يقطر حقدا على المسلمين _ قبل هجومه الثاني على مدينة ملقا في شبه جزيرة الملايو عام 917هـ/ 1511 م ، جاء فيه:

‏( الأمر الأول هو الخدمة الكبرى التي سنقدمها للرب عندما نطرد المسلمين من هذه البلاد، ونخمد نار هذه الطائفة المحمدية، حتى لا تعود للظهور بعد ذ لك أبدا، وأنا شديد الحماسة لمثل هذه النتيجة.. إذا استطعنا تخليص ملقا من أيديهم فستنهار القاهرة، وستنهار بعدها مكة).

‏وعندما انتصر البرتغاليون فى ملقا استدعى ذلك إقامة قداس شكر في أوروبا عام 921 هـ/ 515م. وقال احد الخطباء في هذا القداس: إن هذا يسهل استعادة القدس، وفسر كيف أن الصليب وصل إلى أماكن بعيدة، واتهم سلطان ملقا بأنه مسلم متعصب يكره النصارى، ونادى بحرب صليبية جديدة لاحتلال القدس.

وفي ذلك الوقت أرسلت ملكه الحبشة إلينى إلى  ملك البرتغال عمانوئيل رسالة يُشَمّ منها روائح الحقد على المسلمين تقول فيها.

‏ السلام على عمانوئيل سيد البحار، وقاهر المسلمين القساة الكفار، وتحياتي إليكم ودعواتي لكم، لقد وصل إلى مسمعنا أن سلطان مصر جهز جيشا ضخما ليضرب قواتكم ويثأر من الهزائم التي ألحقها بها قوادكم في الهند، ونحن على استعداد  لمقاومة هجمات الكفرة بإرسال أكبر عدد من جنودنا إلى البحر الأحمر و إلى مكة وإلى باب المندب وجدة والطور وذلك لنقضي قضاء تاما على جرثومة الكفر. ولعله قد آن الوقت  لتحقيق النبوءة القائلة بظهور ملك مسيحي يستطيع في وقت قصير أن يبيد الشعوب الإسلامية المتبربرة.

أريد أن أنبه القارئ إلى التواريخ. كان هذا في عام م 1515. في العام التالي كانت جدة محاصرة بالأسطول البرتغالي وكانت أصوات قصفها تسمع من مكة.. وبدا أن الاستيلاء على مكة والمدينة يوشك. في العام التالي 1517 كان العثمانيون قد أدركوا عجز المماليك عن القيام بدورهم فتحركوا لفتح مصر. كان هدفهم الرئيسي حماية الأراضي المقدسة. كان البرتغاليون مطمئنين إلى سيطرتهم على المحيط الهندي والبحر الأحمر. وكان الطريق مسدودا أمام الأسطول العثماني. لكن العثمانيين خططوا بعبقرية ففكوا الأسطول في بورسعيد ونقلوه على الجمال إلى السويس حيث أعادوا تركيبه. وفوجئ البرتغاليون بالعثمانيين الذين هزموهم هزيمة ساحقة وأجلوهم عن البحر الأحمر كله ومنعوا لمدة ثلاثة قرون عبور أي سفينة صليبية من دخول البحر الأحمر. وكان من تأثير ذلك إفشال مخطط قطع نهر النيل عن مصر.

هذا الجزء من التاريخ لا يذكره علماني أبدا.. ولا تعلمه وزارة التربية والتعليم لأبنائنا أبدا!.

***  

لقد كان التركيز منذ خمسمائة عام على تنصير شعوب دول منابع (أثيوبيا ,أوغندا,كينيا,تنزانيا,الكنغو الديمقراطية,رواندا وبورندى) وقد عانى المسلمون  في هذه البلاد من حصار وقتل وتهجير أدى إلى تراجع عدد المسلمين إلى 24% في أوغندا  وفي  كينيا 35% وفي  تنزانيا 75% وفي  الكنغو 40% وفي  رواندا 15% وفي  بورندى 6%. ويجب ألا ننسى  العصابات الغربية المجرمة لاختطاف الأفريقيين واستعبادهم في الغرب. لقد وصل إلى الولايات المتحدة فقط عشرة ملايين إفريقي. ومقابل كل أفريقي وصل مات ثمانية أثناء الرحلة. أي أن أفريقيا خسرت تسعين مليونا من خيرة شبابها وكان معظمهم مسلمين. ولو أنهم ظلوا في بلادهم لشاركوا في نهضتها وبنائها ولتجاوز عددهم الآن مليارا من البشر. ولقد كان هذا سببا رئيسيا في تراجع الإسلام في الدول الإفريقية وفي خرابها وتخلفها.

لاحظوا أن المسلمين في تنزانيا ونيجيريا أكثر من 75% ومع ذلك فإن الرئيس هناك مسيحي متعصب، والأمر متكرر في كثير من الدول الأفريقية مثلما حدث في تشاد والسنغال، وربما يفسر هذا إصرار العلمانيين والنصارى على جواز أن يحكم مصر مسيحي!.

لقد كان إهمال المسلمين والعرب لدعم المسلمين في تلك البلاد أثرا كارثيا دون أي وعي بأن هذه البلاد ستستغل لتشكيل حلقة حصار عليها. ولم يتعلم حكامنا الدرس فواصلوا تخليهم عن الإسلام في إفريقيا وتركوا عمليات التنصير تستشري حتى لقد نظم الفاتيكان مؤتمر روما التنصيري في 19 فبراير1993 تحت شعار "تنصير إفريقيا عام 2000"، ثم أجل مشروعه لتنصير إفريقيا عام 200، إلى عام 2010، ثم إلى عام 2015، بل إن كثيرًا من المنظمات الكاثوليكية العاملة في إفريقيا دعت إلى مشروع "لأفرقة منصب بابا الفاتيكان"، وذلك بهدف إنجاح جهود التنصير في القارة، وبالفعل رشحت تلك المؤسسات القس النيجيري "فرنسيس آرينز" لخلافة بابا الفاتيكان عقب وفاته، وذلك في سابقة تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

وعندما حدثت الكارثة لم نلجأ إلى الأزهر الذي دمرناه وقضينا على تأثيره بل لجأنا إلى الأستاذ شنودة دون أن ندرك أنه إحدى حلقات الحصار!.. وأن أبناءه من أقباط المهجر شركاء لأمريكا وإسرائيل ودول منابع النيل.

لم يكن أمامهم إلا أن يلجئوا إليه بعد أن دمروا كل روابطهم بالإسلام.. بل ووافقوا على اتهام أهلهم بالإرهاب.

أقول: كل من اتهم المسلمين أو الإسلام بالإرهاب خائن على مستوى الدين والوطن والدولة .. ذلك أنهم عمموا أحداثا فردية توجد في كل دولة وكل مجتمع ليدمغوا الإسلام بها.. وليعطوا صكا مفتوحا لأعدائنا أن يبيدونا بحجة أننا منبع الإرهاب.

***  

شئنا أم أبينا ووافقنا أم لم نوافق فإنها حرب صليبية. إن إغماض أعيننا عن هذه الحقيقة خيانة عظمى. كما أن ما تورط فيه حكامنا من الموافقة على دمغ المسلمين بالإرهاب أعطى تصريحا مفتوحا للغرب الصليبي اليهودي بحصار الإسلام والمسلمين في كل مكان.

لقد نشرت دورية «سيكور ميموقاد» العبرية المتخصصة في الشؤون السياسية والإستراتيجية مؤخرا دراسة أعدها الباحثان الون ليفين ويوفال بستان ترسم ملامح حرب بين الدول الإفريقية المسلمة وكتلة الدول المسيحية الإفريقية في منطقة القرن الإفريقي. وقد أكدت الدراسة أن الصراع بين التكتلات في إفريقيا على شفا الاندلاع بين تكتل الدول المسيحية الموالية للغرب وبين الدول الداعمة للإرهاب وهي الدول الإسلامية بصفة أساسية. (وفقا لما ورد في الدراسة). وبالنسبة للدول المسيحية فإنهاّ لن تسمح بخسارتها هذه المعركة. وأشارت الدراسة إلى أن  استئناف الحرب بين الشمال والجنوب سيتميز هذه المرة بمستوى عال من العنف أكثر من أي وقت مضى.

***  

الأمر ليس أمر منابع النيل فقط.. بل هو حرب شاملة على الإسلام يساهم فيها كل من يضعف الإسلام ويحرم الجهاد وينشر الفحشاء داخل الوطن وكل من يفقد الأمة هويتها. الأمر صراع مروع بيننا من ناحية وبين إسرائيل وأمريكا من ناحية أخرى. وكل من يستظل بالرعاية الأمريكية أو الود الأمريكي أو يتفق مع أمريكا وإسرائيل في توجهاتهما أو يتحالف معهما هو خائن على كافة المستويات: الدين والقانون والأمة.

***  

ينبهنا احمد يوسف القرعي الخبير والمحلل السياسي بجريدة الأهرام  : " إننا نواجه مخططا لإعادة ترسيم الحدود بين الدول الإفريقية بل والعالم وفق خريطة كونية جديدة تكون الهيمنة عليها لأمريكا وحليفتها إسرائيل ". ونبه إلي أن نموذج وسيناريو مخطط التقسيم يتم تطبيقه حاليا علي ارض السودان وفي العراق لافتا إلي إننا لا نتحرك لإنقاذ أنفسنا مما يدبر لنا إلا متأخرين ونظل في سبات عميق إلي أن تقع الواقعة .

وأضاف السيد فليفل  بأن  إسرائيل ستمارس ضغوطا علي دول المنبع لدفع مصر لإعطاء إسرائيل جزءا من مياه النيل .أما الدكتور يحيي عبد الله الأستاذ بجامعة المنصورة فقد حذر آن السياسة الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا تحقق نجاحات متتالية علي حساب مصالحنا الجوهرية ومنها المياه في حين نقف نحن متفرجين ولانفعل شيئا.

***  

الحرب لا توشك أن تبدأ فقط.. فلقد بدأت فعلا.. يظهر هذا المعنى في إجابات الأب ماتياس عن أسئلة عمر عبدالرازق، في الفيلم الوثائقي «متنصرون»، الذي عُرض على «بى. بى. سى» العربية عندما سُئل الأب ماتياس- مصري-  مباشرة عما إذا كان الانطلاق في عمليات التنصير قد يؤدى إلى اشتعال «حرب تبشير» بين الجانبين، فأجاب: «الحرب موجودة من سنوات».

***   

أقول: منذ خمسمائة عام بدأ الحصار علينا من ملقا في الملايو.. الآن ضاقت حلقة الحصار علينا فيبدأ الحصار من الحبشة.. غدا-في ظل نخبتنا- سيبدأ الحصار من أسيوط وربما من الجيزة.

***  

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

الإسلام ليس في حاجة إلينا لنحميه بل نحن في حاجة إليه ليحمينا..

ولو أننا أجدنا استغلال علاقاتنا وحافظنا على إخوتنا المسلمين ومنعنا تهميشهم لكانوا اليوم ظهيرا لنا ولساهموا في حمايتنا دون أن نضطر إلى خوض أي حرب..

لكننا فعلنا العكس..

نزعنا بأيدينا كل أسرار قوتنا..

وكانت  جل نخبنا ضدنا.. الحكام والجيوش والشرطة  والعلمانيون والإعلام والتعليم..و..و..و..

كانوا ضد الدين فكانوا ضد الأمة..

إن الحرب الموشكة في منابع النيل قد استعرت منذ حقب في عواصمنا.. ضد الدين وضد الدولة وضد الأمة.

حرب تشارك فيها كل القوى الفاعلة في الأمة تحت رعاية وحماية أمريكية إسرائيلية وتحاصر فيها كل القوى التي يمكن أن تقاوم.. ويلعب العلمانيون دور المحلل الديوث الذي ينكر طول الوقت أنها حرب على الإسلام. بينما هم أشد على الإسلام من النصارى واليهود.

لقد قرأنا عن تدريب كلاب شرسة  في أمريكا وإسرائيل تنطلق على الفور إذا سمعت جملة "الله أكبر" لتمزق قائلها..( إذا كانت توكلت على الله دليل انتحار الطيار المصري الذي أسقطت أمريكا طائرته فمن المؤكد أن الله أكبر شعار إرهاب!!)

لست أدرى إلى أي حد نجحوا مع الكلاب.. لكنني واثق أنهم نجحوا مع البشر.

***  

**

*

 

 


يطلقون الرصاص علينا

فانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟

 

كنت واثقا أن الرد لن يتأخر..

وأن الله سينتقم للمسلمين وللشيخ سيد عسكر..

وكنت أراهم.. ليس في جنتهم مع طواغيتهم  في مجلس الشعب .. وإنما في عالم آخر بعين أخرى..

كنت أراهم وقد أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ.

كنت أراهم بعد فوات الأوان يقولون :  يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ.

وكنت أسمع الصيحة تزلزلني وتزلزلهم:  أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.

وكانت جنبات الكون تردد الصدى:

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.. أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.. أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ.

وكانت الصيحة تنطلق كالإعصار تفتح أبواب الجنة للأولين يساقون إليها زمرا وتفتح أبوب جهنم يحشرون فيها.

وكانت هذه الصيحة دائما ترتق جرحي فيتوقف نزفي ويتلاشى قهري كله وذلّيَ كله وألمي كله وهواني كله وما حاق بي –بنا بالأمة- من ظلم وينفك الحصار عنى وتحل محل مرارة الصبار في حلقي حلاوة الشهد..

وكنت أرى بعين الخيال مجرمينا الذين فسقوا فينا وقد أوشك أن يحق علينا القول فأدعو:

ربنا لا تدمرنا ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا..

كنت أراهم بعين الخيال..  يؤتى بالواحد منهم  من حاشية الطاغوت  الذي عاش جنته في الدنيا فيغمس في النار غمسة ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول : لا والله يا رب .. كنت أراهم بعين الخيال حكاما وقوادا ووزراء ونخبة.. وجل أعضاء مجلس الشعب!..

لكنني كنت أرانا بعين الخيال أيضا وقد أُتِيَ بأشد الناس منا بؤسا كان في الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا والله يا رب. وكنت أدعو أن أكون منهم.

نعم..

أفنجعل سيد قطب كجمال عبد الناصر؟..

أفنجعل المختار كالفجر أو كروز اليوسف؟..

أفنجعل الشيخ سيد عسكر كنشأت القصاص؟!..

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ..

***  

كان نشأت القصاص قد وجه سبابا قبيحا للشيخ الجليل حيث نشرت تفاصيله في هذا الباب من المجلة (عدد غرة صفر)..وكتبت أقول:

كان الجدار العازل موضوع شجار لا حوار في مجلس الشعب.. بدأت المشاجرات بمبادرة من النائب حازم حمادي عضو الحزب الوطني، الذي حاول التشويش على نواب الإخوان أثناء عرض طلبات إحاطتهم حول الجدار العازل. وتطور الموقف عقب محاولة نواب الوطني، وهم بدر القاضي وجمالات رافع وحسن نشأت القصاص مؤازرة زميلهم حمادي في عملية التشويش، وما أن حاول الشيخ سيد عسكر عضو كتلة الإخوان الاستشهاد بأحد الأحاديث النبوية حتى قامت الدنيا ولم تقعد فصرخ القصاص في الشيخ الجليل "أنا أشرف منك يا خاين يا ابن الكلب يا بتاع حماس".

ثم استكمل سبابه قائلا: "دى وساخة وقلة أدب" ثم أخذ النائب بدر القاضي عضو الحزب الوطني يكيل السباب إلى نواب الإخوان، وقال لهم لو مسكتوش هاضربكم بالجزمة".

وقال القاضي: " ولاد الوسخة.."، مشيراً إلى حركة حماس في غزة، فقاطعه نواب "الإخوان" احتجاجاً على سب الحركة، فسارع النائب إلى سب الدين للنواب.

وعقب اعتراض النواب وجه حديثه إليهم قائلا: "يا أولاد دين(...) هنطلع دين(...) يا إخوان يا كفرة إحنا هنبني الجدار واللي هيتكلم هنطلع(...) أمه" وهنعمل الجدار وهنكهربه.

تذكرت أن معظم المعتدين رجال شرطة سابقين..

ووجدتني أهتف:

-         اللهم أحصهم عددا ومزقهم بددا.. اللهم عاقبهم بعكس ما قصدوا إليه.. اللهم اجعلهم عبرة . واللهم سلط كلابك على كلابك واحم أولياءك. اللهم إنا نعلم أن بعضهم نكل بأوليائك كي لا تلاحق السلطة جرائم سرقاته فنكل بهم يا رب.

***   

أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟!

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ..

كنت واثقا أن الله يدافع عن الذين آمنوا..

وأن كرامة الشيخ الجليل سوف تصان.. بالكرامة..

وأن الانتقام الإلهي موشك!.

ورحت أنتظر الكرامة..

وأنا يا قراء حريص جدا وحازم جدا فيما يتعلق بالكرامات والمعجزات.. وقد تعلمت من أساتذتي ومن الكتب ومن التجربة أن أكثر من تسعة أعشار ما يروى أكاذيب وأساطير.. بل أكثر بكثير من تسعة أعشار.. لكن اليقين الذي لم يتزلزل أبدا هو أن الباقي صحيح.. وأن المعجزة موجودة وكذلك الكرامة.. بل إنني مقتنع تماما بمقولة الإمام  أبي حامد الغزالي رضي الله عنه أن:" جميع المعجزات طبيعية وان الطبيعة كلها معجزة".. إن المعجزة أو الكرامة لا تتعلق بطبيعة الفعل بل بطبيعة التعود!.. فمن المؤكد أن الطائرة أو الصاروخ أو التلفاز أو حتى الهاتف المحمول كانت ستشكل معجزات خارقة أو كرامات مذهلة منذ قرنين فقط بينما هي الآن طبيعية تماما.. تماما كما لو أننا عزلنا أي ظاهرة عن تعودنا عليها لبدت معجزة.. الولادة والموت والتنفس والسمع والبصر والإنبات والزهر والنخل والنحل.. فلو تصورنا أننا نراها للمرة الأولى والوحيدة لكانت كلها معجزة. التكرار إذن هو الذي يجعل من المعجزة أمرا طبيعيا والتفرد هو ما يجعل الطبيعي معجزة.

وفي هذا الإطار أفهم كيف يخرق الله السنن ليدافع عن الذين آمنوا.

وفي نفس الإطار كنت واثقا من أن من يمهل ولا يهمل سوف يأخذ بناصية نشأت القصاص –وكل نشأت قصاص-  أخذة رابية.

لقد كان القصاص وعصابته يستهدفون النيل من هيبة الشيخ الجليل فإذا بالله يسلط عليهم من لا يرحمهم ومن يذلهم ويرغم في التراب أنوفهم ويدمر مستقبلهم السياسي ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ويمزق كرامتهم وسمعتهم تمزيقا.. بل واكتشف الناس أيضا سرقاتهم .. وانقلب عليهم أهلوهم وتقطعت بهم الأسباب..

سبحانك!.

ولعل القارئ يذكر ما كتبته في مقالي عن"فقه الجهاد" عن كرامة مماثلة للشيخ يوسف القرضاوي.. وكيف نكل الله بمن أساء إليه.

ولعله يذكر ما حدث للسادات بعد وصفه للشيخ المحلاوي أنه مرمي في السجن كالكلب..

ولعله أيضا يسترجع التاريخ ليدرك كيف انتقم الله ممن نكل بالإخوان المسلمين عام 48 عندما هزمنا في حرب 48.. وفي 54 عندما جاءت هزيمة 56 التي حولها مسيلمة الكذاب إلى نصر فكانت النتيجة هزيمة أكبر في 67 بعد التنكيل بالإخوان عامي 65 و66.

ولقد اقشعر بدني  وأنا أستمع لحوار مع  الدكتور محمد بديع فإذا به يقول في بساطة آسرة وثقة مبهرة أن من أسباب عدم انتقام الإخوان المسلمين ممن عذبوهم أنهم اكتشفوا أن الله لم يغادر منهم أحدا دون أن ينتقم منه انتقاما شديدا في الدنيا.

إن بطش ربك لشديد..

وإن الله يدافع عن الذين آمنوا.

يذكرني طفح أفواه  ضباط الشرطة الذين أصبحوا أعضاء في مجلس الشعب على رؤوس المؤمنين بالروث الذي أُلقيَ على ظهر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

ولقد أحصى الله أصحاب الروث فتمزقوا في بدر..

فاللهم مزق من يلقي الروث الآن على عبادك.. واللهم أجر على أيدي عبادك من الكرامات ما يذهل الكافرين..

***  

لست بحاجة هنا لأن أنبه وأحذر -عندما نتناول الكرامات والمعجزات- من فساد التأويل ووضع الوضاعين وأكاذيب الكاذبين.

لكنني في الوقت نفسه أنبه إلى دور المعجزات والكرامات ليس في تثبيت القلوب فقط.. وإنما عن دورها الكبير في أن تجعل بني الإنسان يستوعبون ما لا يستطيع العقل أن يحيط به .. وأن يدركوا أيضا محدودية العقل.

كما يكون دور الكرامات – في محنة كالتي نعايشها الآن- عندما تشي مفردات الواقع بيأس مطبق أسود لا يرى بعده ثمة بصيص ضوء.. حين يخرب حكامنا بيوتنا بأيدينا .. حين يكونون رحماء بالكفار  أشداء علينا.. أذلاء أمامهم أعزة علينا ..عبيد لهم ويستعبدوننا..  حينما نكون لا منهج يقودنا .. ولا نبراس يضئ الطريق لنا..عندما يحارب المسلمون الإسلام.. وتحارب الحكومة الدولة وتحارب الدولة الأمة ويتشتت الأفراد كقطيع من الخراف تتلقفه الذئاب. نخرب بيوتنا بأيدينا.. ولو نظرنا إلى كل الفئات لوجدنا أن أكثر ما أساء ولوث بالعار كل فئة لم يكن الأعداء ولا الإخوة أو الأصدقاء، بل أبناء الفئة نفسها..فمن أساء إلى هيبة الحكم هم الحكام أنفسهم ..ومن أساء إلى الدين رجال الدين..ومن أساء إلى الأزهر شيخ الأزهر .. ومن أساء إلى الجيش –عام 67 مثلا- هم قياداته..ومن أساء إلى الشرطة هم ضباطها ..ومن أساء إلى القضاء قضاة .. ومن أساء إلى أعضاء مجلس الشعب هم أعضاء مجلس الشعب..ومن أساء إلى رجال النيابة رجال نيابة ومن أساء إلى المثقفين مثقفون، وإلى الصحفيين صحفيون، وإلى الكتاب كتاب، وإلى أحزاب الأغلبية أحزاب الأغلبية  وإلى أحزاب المعارضة أحزاب معارضة وإلى الأمة سكوتها عن كل هذا..

لقد افتقدنا المنهج..

لقد كانت طريقة إدارتنا لكل شئوننا تفتقد إلى منهج، لذلك كان الفشل هائلا والكوارث فادحة..

***  

لقد كذّب نشأت القصاص نفسه بنفسه و أنكر ما كان قد قاله عندما وجد الدنيا تنقلب عليه والحزب يتنكر له والإهانات تأتيه من كل جانب..

كذب وأنكر..

وأساء إلى حزبه ومجلسه ووطنه.

لكن التساؤل ينبثق انبثاق الدم من شريان قطع: في أي المرتين كذب: حين طالب بإطلاق الرصاص على المتظاهرين أم حين أنكر ذلك.

والحق أنني أظنه صدق في الأولى وكذب في الثانية وأن جريمته عند حزبه لم تكن أنه أتى أمرا فريا بل لأنه كشف سرا خفيا. لأنه هو وأمثاله لا يكفون عن إطلاق الرصاص علينا: واقعا ومجازا.. بل إنه لم يحرض الشرطة على الناس إلا بعد أن رضع هذا التحريض من قيادات حزبه في الخفاء بل وربما تدرب عليه في أوكار المباحث وأقبية الأمن..  وكان عقابه ليس لأنه ارتكب الخطيئة بل لأنه كشف اللثام عنها فهتك عورة سيده وثلم عرض مولاه.

***  

لقد ثاروا عليه عندما اعترف بالحقيقة وسكتوا عنه عندما كذب!.

لكن المؤكد والمتيقن أن الرجل عندما طالب بإطلاق الرصاص على الناس كان يعبر عن سياسة واقعة ومنهج قديم. المنهج الذي يحتقر الشعب وينكل بالناس وينسى أسراه ويرحب بقاتليهم وساحقيهم بالدبابات وهم عزّل وبمن دفنوهم أحياء ويسحل القضاة ويزور الانتخابات ويدوس القانون بالنعال  ويهتك عرض النساء  ويحالف الأعداء ويعادي الأشقاء ويحاصر الأبناء ويبني الجدران ويدمر الأنفاق وينفث فيها الغازات السامة.

والمؤكد والمتيقن أن إطلاق الرصاص لا يقتصر على المسدسات والبنادق..  ذلك أن الرصاص الأخطر قد يطلق من صحيفة أو شاشة تلفاز. بل إن التركيبة الحالية لمجلس الشعب هي بمثابة استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الناس.

كما أن إطلاق الرصاص أو استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الناس لا يستتبعه الموت الجسدي فقط.. فقد يكون الموت موتا من الجوع أو من القهر أو من الفساد وقد يكون موتا للنخوة والعزة والكرامة وسلبا للروح  حتى يكون الناس جثثا تتحرك وتتصايح وتتناسل لكن دونما حياة.

إن مجلس الشعب الذي أفرز نشأت  القصاص هو مجلس الشعب الذي ترعرع تحت ظلاله الفساد.

والقصّاص ليس أسوأ من في المجلس بل ربما كان أكثرهم سطحية وأقلهم خطرا وأدناهم ذكاء لذلك كشف المستور فوقع في المحظور.

***  

سوف نخطئ كثيرا لو اقتصر حديثنا على نشأت القصاص.. أو حتى لو توقفنا مجرد التوقف عنده..

فالأمر أخطر بكثير وأشمل بكثير..

فلم يكن هذا النائب أو ذاك إلا بثرة الصديد الطافحة والتي لا تحمل هي بذاتها الخطورة إلا بقدر كونها علامة على الطاعون الذي يسري في الجسد ويكاد يقضي عليه.. أو كقطرة البول التي تحمل خلايا للسرطان لا خطورة لها في ذاتها ولكن لما تدل عليه من سرطان داخلي مميت.

المشكلة ليست في هذا العضو أو ذاك..

المشكلة في الآلية التي اختارت مثل هؤلاء النواب وصاغتهم وشكلتهم وأفسدتهم. فالمشكلة أن من اختارهم لم يفاجأ بعد اختيارهم بفسادهم.. بل هو اختارهم منذ البداية لأنهم فاسدون..اختار نواب الرصاص وسب الدين والمخدرات ونهب المال العام ونواب سميحة ولصوص القطاع العام والصناديق الخاصة والمتدرعين بالحصانة.

ونحن لا نملك مراجع كثيرة في هذا الصدد لكننا نملك الواقع الذي تراه أعيننا  وصفحات الحوادث في الصحف وما يتناقله الناس من فضائح.

لا نملك مراجع .. ولكن حلقات أخيرة من برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة كشفت فجأة وبشكل مخيف ومروع ليس فقط كيف يفسد عضو مجلس الشعب بل كيف يتم إفساده. فقد  فجر أحمد منصور مفاجآت مذهلة عن حجم الفساد والإفساد  في بلادنا مدعمة بالمستندات العلمية الدقيقة التي أوردها الدكتور عبد الخالق فاروق (وهو مرجع رئيسي لهذا المقال) الباحث بمركز الدارسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام وبمكتب رئيس الوزراء المصري الخبير الاقتصادي  بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ". والرجل ليس إنسانا عاديا بل هو عالم متخصص أصدر أكثر من عشرين كتابا من أبرزها "ظهور الفساد الإداري في مصر"، أزمة الانتماء في مصر"، "اختراق الأمن الوطني المصري"، "الفساد في مصر، دراسة اقتصادية تحليلية"، "عريضة اتهام ضد الرئيس". وكان من المفاجآت المذهلة التي تناولها الرجل فمزق الأستار عنها كارثة الصناديق الخاصة القائمة خارج الميزانية الرسمية للدولة والتي تزيد عن ألف صندوق، وقد بلغت أرصدة هذه الصناديق ترليون و273 مليار جنيه مصري وهي تعادل 446% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة وتصرف بعيدا عن الرقابة وأن عددا ممن شرع لهذا الفساد وتساقطت ثماره عليه أعضاء في مجلس الشعب..

نترك الدكتور عبد الخالق  فاروق قليلا ونتوجه إلى عضو مجلس الشعب  أشرف بدر الدين والذي فجر مشكلة الصناديق الخاصة بتفاصيل أكثر مؤكدا أن الحكومة المصرية تخدع الشعب والبرلمان والمؤسسات الدولية وتعطي صورة غير حقيقية للوضع المالي المصري، ذلك أن الموازنة في مصر تشمل 20% فقط من الإيرادات عبارة عن الضرائب وعوائد البترول وقناة السويس والهيئات الاقتصادية بإجمالي 285 مليار جنيه، إما 80% من الإيرادات فلا تدخل ضمن الموازنة وتذهب إلى الصناديق الخاصة التي وصلت أرصدتها إلى 1272 مليار جنيه، هذه المبالغ تؤخذ من جيوب المواطنين البسطاء، تذكرة دخول مستشفى، غرامات، رسوم طريق، رسوم استخراج أوراق رسمية وغيره، عدد الصناديق يزيد على عشرة آلاف صندوق كل منها له لائحة خاصة ومجلس إدارة يحصل على نسبة إيرادات الصندوق، جهاز المحاسبات رصد مخالفات خلال العام الماضي وصلت إلى 3995 مليون جنيه بخلاف ما يحصل عليه أعضاء مجالس الإدارات وغيرهم من المسئولين –وبينهم أعضاء مجلس الشعب الذين تم إفسادهم- من أموال تزيد على مائة مليار جنيه من جيوب الفقراء.

يا للكارثة..

إن العض يحصل على مكافآت تتجاوز المليون جنيه شهريا من هذه الصناديق.. بل إن رئيس البنك الأهلى-وهو للصدفة البحتة- ابن المشير عبد الحكيم عامر الذي يحصل على أكثر من خمسة ملايين جنيه شهريا!

للصدفة البحتة هو ابن المشير..

لا تكونوا سيئين حقودين حاسدين يا قراء.. ولا يذكرنا أحدكم بأبناء محمد نجيب الذي قٌتل منهم اثنان لم يسمح له أن يسير في جنازتهما وعمل الثالث سائق تاكسي وأعطي مع أبيه رئيس الجمهورية الأسبق وبقايا أسرته شقة سكنية في المساكن الشعبية في حي شعبي طردوا منها فور موته وقبل دفنه... أتحدث عن رئيس جمهورية ولا أتحدث عن أبناء الشهداء والمجاهدين  ولا حتى أبناء الناس العاديين أمثالنا.

نعم.. مكافآت تجاوز المليون جنيه شهريا.. يحصل عليها وزراء وضباط ومحافظون ورؤساء جامعات ومديرو أمن وأعضاء مجلس شعب..

هل هالتكم الأرقام يا قراء؟

فماذا ستفعلون عندما تعرفون أن واحدا من هؤلاء- وهو من ذوي الحصانة- كان يحصل على مليون جنيه..يوميا.. ولقد حاول الأستاذ مصطفى بكري مواجهته بآلاف المستندات الموثقة فعجز.

نعم..

مليون جنيه يوميا..

والكثيرون يموتون من أجل دواء لا يزيد ثمنه عن مائة جنيه..

...

إن 20% فقط من إيرادات الدولة هي التي تنفق على الشعب..

لكن لدينا من الواقع والوقائع ما يؤكد أن نصف هذا المبلغ يتسرب في شقوق الفساد وفي صورة إهدار للمال العام (انظروا مثلا إلى توشكي  ومشروع فوسفات أبو طرطور) وأن أكثر من  ثلث المبلغ المتبقي ينفق على أمن النظام(35% بالتحديد)  وأن ما ينفق على الناس فعلا  ويصل إليهم لا يتجاوز 6% من الميزانية الحقيقية لا المزورة..

فيا للكارثة..

***  

يصرخ العضو المحترم أشرف بدر الدين  في مجلس الشعب  قائلا أنه لو تم قمع الفساد فإننا نستطيع سداد ديوننا  ومضاعفة الرواتب والمعاشات والارتقاء بمستوى خدمات التعليم والصحة والإسكان والنقل والمواصلات لتصل إلى المستويات العالمية.  ويواصل العضو صراخه:

-   نعم، لكن الحكومة تتعمد إفقار الشعب لصالح قلة من المسئولين الذين يحصلون على الملايين من الجنيهات شهريا من جيوب الفقراء لهذا يتم تزوير الانتخابات ومحاربة دعوات التغيير والإصلاح واعتقال الشرفاء وتشويههم وحصارهم ومحاولة إهانتهم-كما حدث مع الشيخ سيد عسكر- . .  إن الحكومة تشتكي من عدم وجود موارد  بينما الصناديق بها مئات المليارات وهناك أراض منحت لكبار رجال الأعمال مجانا-تحت بصر وبتشريعات مجلس الشعب-  تزيد قيمتها عن خمسمائة مليار جنيه، هناك غاز طبيعي يصدر لإسرائيل وغيرها من الدول بأسعار أقل من سعر التكلفة يضيع على مصر أكثر من مائة مليار جنيه، البترول المصري يصدر منذ ثلاثين عاما منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد لإسرائيل بسعر ثابت قدره 6,8 دولار للبرميل، هناك متأخرات ضريبية على كبار رجال الأعمال والصحف القومية تصل إلى ستين مليار جنيه، هذه يعني أكبر قضية فساد في تاريخ مصر وأكبر جريمة لنهب المال العام في مصر وأن هذه السياسات مقصودة لإفساد الأجهزة التنفيذية والسلطة التشريعية وسياسات لإبقاء الشعب المصري في دائرة الفقر دون أن يخرج منها.

إن كل هذا يتم بالمشاركة الإيجابية أو السلبية لمجلس الشعب.

نعم..

يتضافر الفساد مع الفساد في كل مكان.. ولو صلح ضلع من الأضلاع لصلحت الأضلاع الباقية.. ولو صلح مجلس الشعب لما كان هناك إحصاء حكومي  عن سبعين ألف قضية فساد حكومي في مصر كل عام.

نعم.. هكذا يتخلق أعضاء مجلس الشعب وهكذا يتم تفريخهم واستنباتهم فلماذا نندهش عندما يطالبون  بإطلاق الرصاص علينا..

يقول  الدكتور عبد الخالق فاروق أن ما يحدث في بلادنا ليس مجرد أخطاء أفراد بل هي مجموعة من السياسات تستهدف بوضوح إفساد أعضاء المؤسسات الرئيسية في الدولة..كأعضاء مجلس الشعب ومجلس الشورى المنظمات النقابية الكبرى، بل و أيضا- مع الفجيعة- المؤسسة القضائية. ولم يقتصر الأمر على ذلك.. بل تعداه إلى إفساد المؤسسات المنوط بها كشف الفساد مثل جهاز مباحث الأموال العامة، جهاز الرقابة الإدارة، جهاز المحاسبات.

ثم يعطي الدكتور عبد الخالق فاروق خارطة لإفساد مجلس الشعب، في ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى :  تتعلق باختيار أعضاء مجلس الشعب على قوائم حزب الأغلبية،  لأن الأعضاء الذين يتم اختيارهم يضمنون النجاح بالتزوير وبغيره وليس بأصوات الناس. وأن العلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة هي المعيار الرئيسي لاختيار أعضاء الحزب الحاكم. وقد ثبت في كثير من الحالات أن كثيرا منهم كانوا إما تجار مخدرات، أو متهربين من الخدمة العسكرية أو ضابط أمن سابق  أو جاسوسا في مجاله بمعنى أنه كأستاذ جامعي-مثلا-  فلابد أن يكون متعاونا مع جهاز الأمن.

ولا ننسى بالطبع أن الكثيرين منهم قصدوا عمدا نيل الحظوة بالترشيح والعضوية تدرعا بالحصانة لحمايتهم من جرائم ارتكبوها وهذا سيء. لكن الأسوأ أنهم تدرعوا بالحصانة لحمايتهم من جرائم لم يرتكبوها بعد لكنهم  يخططون لارتكابها بعد أن حصلوا على الحصانة!..

المرحلة الثانية :  هي إفساد أعضاء مجلس الشعب بما يترسخ في ذهن الواحد منهم من أن ولاءه يجب أن يكون لمن زور له النتيجة.

المرحلة الثالثة :  هي إفساد عضو مجلس الشعب بالإغراء والإغواء أو الخنق، الإغواء أو الإغراء من خلال الكسب الحرام .. كأراضي تمنح لعضو المجلس بأسعار رمزية ويبيعها بعدها بعدة أيام فيصبح مليونيرا، أما من يستمسك بالنزاهة والشرف فيتم خنقه فلا تلبى له أي طلبات، ولا خدمات لأبناء دائرته من أجل حرقه جماهيريا وبالتالي  يفقد أي  فرصة للنجاح مرة ثانية. أما من يوالي ويطيع فيتم تعيينهم كأعضاء مجلس إدارة أو منتدبين بمكافآت خرافية من الصناديق الخاصة التي شرعوا لوجودها أو صمتوا عنها..

 أما رجال الأعمال من النخبة وأعضاء مجلس الشعب فثمة آليات أخرى يمارسونها -ضمن منظومة الفساد والإفساد-  ليس عن طريق الحصانة فقط –وهي هامة جدا- ولكن أيضا  من خلال شراء ذمم وضمائر كثير من كبار المسئولين.  ذلك أنهم من خلال عضويتهم لمجلس الشعب  يستطيعون أن يوجهوا  السياسات التشريعية لمصالحهم، حتى بلغ الأمر إلى حد إصدار قوانين تمنع أجهزة الرقابة من الرقابة. وتجعل الوزير هو الرقيب الوحيد. وفي حالات كثيرة كان الوزير هو المرتشي والرقيب. الفاسد والمسئول عن كشف الفساد معا!.  هذا يعني أن التشريعات  التي يصدرها أعضاء مجلس الشعب الذين تم إفسادهم  تنمي الفساد وتغذيه وتربيه. إن التدرع بالحصانة جزء يسير من الفساد وهو يتعلق بحماية العضو نفسه من عواقب فساده. أما الأخطر فهو قيام هذا العضو-محميا بالحصانة- بإفساد غيره من السلطة التنفيذية  بل والسلطة القضائية أيضا. ذلك أن إفساد أعضاء مجلس الشعب لم يكن له أن ينجح دون محاولات إفساد القضاء التي تمت بآليات مختلفة منها  محاولة اختراق المؤسسة والسيطرة عليها وإفساد أعضاءها بتجاوزها أو بتخريبها من الداخل. فسمحوا لضباط الشرطة بالالتحاق والتقدم إلى مسابقات معاوني النيابة كأعضاء في النيابة ليصلوا بعد ذلك  إلى منصة القضاء.. وهناك.. يعزفون نغما مشتركا مع زملائهم من ضباط الشرطة أعضاء مجلس الشعب!..ومع زملائهم ضباط الشرطة المحافظين ورؤساء مجالس المدن والأحياء..  وقد نجحت تلك المحاولة نجاحا مذهلا حتى أن  ثلث القضاة الآن من أصول شرطية.  كانوا ضباط شرطة. ولنا أن نتصور موقف  ضباط الشرطة الذين مارس الكثيرون منهم التعذيب أو التزوير أو الفساد والإفساد عندما تعرض أمامهم قضايا متهم فيها ضباط شرطة بالتعذيب أو التزوير، كيف سيكون ضمير هذا القاضي وعقله .وهكذا تم إفساد الكثيرين من أعضاء مجلس الشعب ثم القضاء .. وكانت السلطة التنفيذية فاسدة منذ البداية.

***  

ولقد أدت هذه الخطة الشيطانية للإفساد إلى أكبر عملية نصب واحتيال وإهدار للمال العام تتم في مصر منذ عهد الخديوي إسماعيل.. وعلى سبيل المثال فقد بيعت شركات القطاع العام في مصر بمبالغ زهيدة جدا حتى أن بعض الشركات بيعت بمبالغ أقل من موجودات هذه الشركات في البنوك غير الشركات نفسها وأراضيها وقيمتها.. لقد كان ما حدث بتشريعات أعضاء مجلس الشعب وتحت رعايتهم جرائم مروعة من نوع  ما حدث في  الشركة المصرية للاتصالات وما جرى عقد الوليد بن طلال في توشكا ،  وكذلك ما جرى في مشروع أجريوم الكندية في رأس البر، ثم شركة للبذور الزراعية وشركة عمر أفندي. لقد تورطت الدولة في  إهدار مليار ومائتي مليون جنيه لبعض كبار رجال المال والأعمال وأحدهم صهر لأحد الشخصيات الكبيرة المتنفذة في الدولة. ناهيكم عن الجريمة المروعة  لقبول قرارات التحكيم لبعض رجال المال والأعمال سواء كانوا مصريين أو عرب أو أجانب وينص فيها على فكرة التحكيم التي أدت إلى أن واحدا مثل  وجيه سياج دفع حوالي تسعمائة ألف جنيه في آلاف الأمتار في طابا وبعد قليل بسبب النص خلسة على موضوع التحكيم تتحمل الموازنة العامة المصرية حوالي ثلاثمائة أو أربعمائة مليون دولار:"2 مليار جنيه تعويضا عن تسعمائة ألف جنيه!"  نعم .. تتحمل الدولة 2 مليار جنيه تعويضا عن تسعمائة ألف جنيه.. فيا للكارثة..!!..ولكن.. هل اتسع جوف سياج وحده لهذا المبلغ الهائل؟ ومن وراءه؟ ومن شاركه فيه؟.

من شاركه فيه؟..

من شاركه فيه؟.

***  

مجلس الشعب الفاسد كان وسيلة ونتيجة.. ولقد تم إفساد جل أعضائه فأُفسد وأَفسد.

ذلك أن الكبار حينما يفسدون يريدون أن يفسدوا المجتمع كله حتى يسكتوا عنهم ويكونوا شركاء. فالفاسد للفاسد بنيان مرصوص يشد أزر بعضه البعض.

إن حجم الفساد الذي شارك فيه أعضاء مجلس الشعب لا يكاد يصدق. و لقد أعطى السيد إبراهيم سليمان لمن لا يستحق وبدون ثمن تقريبا  حوالي أربعمائة مليون متر .. وعلى سبيل المثال، هشام طلعت مصطفى أخذ أرض مدينتي 32 مليون متر سعر المتر بخمسين جنيه والدفع حين ميسرة أي بـ 1,2 مليار، لو.. هذه المساحة لو قدرنا سعر المتر في حدود سبعمائة وخمسين جنيها يكون إهدار المال العام  حوالي 25 مليار جنيه، 25 مليار جنيه في عملية واحدة وقس على هذا آخرون أخذوا ملايين الأمتار، محمد فريد خميس، أحمد عز في مشروع التفريعة في بور سعيد..كما حصل وزير داخلية سابق في طريق بلبيس أخذ 29,4 مليون متر مربع على سعر مائتي جنيه 5,8 مليار( ربما كمكافأة على فساده وإفساده.. وكأجر له عمن قتلهم ومن اعتقلهم ومن زور التهم ضدهم وعن الانتخابات التي زورها).. ولقد حصل مجدي راسخ في مدينة زايد 2200 فدان في سبعمائة جنيه للمتر بـ 6,46 مليار، أحمد عز خمسة آلاف فدان على سعر مائة جنيه للمتر –كما حسبها عز بنفسه- بـ 2,1 مليار، محمد أبو العنين في مرسى علم أخذ 1500 فدان على مائتي جنيه للمتر 1,26 مليار، محمد فريد خميس 3,3 مليار، ساويرس 2,1 مليار، إبراهيم نافع وحسن حمدي 1,26 مليار، الفطيم 11 مليار"، وثمة  قائمة  طويلة تشمل أسماء كبيرة أيضا،  مثل شهاب مظهر وعلى ياسين منصور وعلى مجدي راضي، قائمة طويلة قدمت إلى مجلس الشعب ولم يفتح الملف!.

نعم..

صمت لأن الكثيرين جدا من المستفيدين أعضاء فيه.. أما غير الأعضاء فتصل بركاتهم إلى الأعضاء..

ولنلاحظ أن كل الأسماء المذكورة تشمل لصوص الصف الثاني.. أما لصوص الصف الأول فلا يجرؤ أحد على ذكر أسمائهم.

إن هناك تواطئا مروعا وتشابك المصالح ما بين هذه المجموعات حيث درة العقد فيها والزوج المحلل بعض أعضاء مجلس الشعب، هذه المجموعات تدير شؤون الدولة والمجتمع بمعزل تماما عن المصلحة العامة، هي مصلحة خاصة كل من يستطيع أن يخطف شيئا من هذه البلد يخطفه بدون تردد.  إن معظم هذه الجرائم يتم إبلاغ مجلس الشعب بها لكنهم يرفضون نقاشها، رئيس المجلس يرفض نقاشها.

 وليت الأمر يقتصر على النهب المباشر.. بل هو النهب الفاحش الفاجر كالفاحشة التي تتم تحت ظل ديوث.  فالشركات المباعة تقدر بأقل من قيمتها الحقيقية ثم تأتي الخطوة التالية لتمويل شراء هذه الشركات.. فمعظمه يتم من خلال البنوك الحكومية، يدفع المشتري المحظوظ  ملاليم  ليحصل على قرض بالمليارات أو مئات الملايين. وبهذا فإن الأمة المصرية هي التي تمول عمليات نهبها. فهل رأيتم أحدا ينفق على لصوص يسرقونه؟..  إنهم يركزون على الشركات ذات المساحات الشاسعة فيبخسوا ثمنها ويهدموها بعد "تسقيع"أرضها ليكسبوا آلاف أضعاف ما أنفقوه.

لقد ذكرنا ما حدث مع وجيه سياج. وفي قصة مماثلة هي حالة شركة بريطانية هي شركة مليكور التي دخلت-أو أدخلت- في مناقصة متعلقة ببناء مطار في رأس سدر ثم تبين بعد ذلك أن الشركة متعثرة وأن من وقع معهم العقد كان شخصا مرتشيا في هيئة المطارات والموانئ فوضع في نص العقد اللجوء للتحكيم في باريس وليس في مصر وقد تم الاختلاف- كما هو مخطط-  وحكم على مصر بمبلغ ضخم يصل إلى مائتي مليون دولار(أكثر من مليار جنيه)  ثم تبين أن هذه الشركة رأسمالها مسجل في لندن بعشرة جنيه استرليني..

نعم..

تعويض مليار جنيه لشركة كل رأسمالها أقل من مائة جنيه!..

هو الطوفان إذن..

طوفان بلا سفينة نوح صلى الله عليه وسلم.

وهي الردة..

ردة ولا أبو بكر رضي الله عنه لها..

وصليبيون بلا صلاح الدين.. وتتار بلا قطز..

***  

 كان الفساد في النماذج السابقة فاحشا ..

 أما موضوع أجريوم  فقد كان فيه الفحش أنكى والفجور أفدح.. ولولا شجاعة شعب دمياط ووعيه لاكتملت المأساة..

في أجريوم كان.. وكان.. وكان ..وكان..

وكان.. وكان.. وكان.. وكان..

...

ولكن.. هل تتسع صفحات المجلة؟

وهل يكفي لو أتيح لي ألف مجلة؟..

هل يكفي؟.

هل يكفي؟!.

هل يكفي؟.

وإن خصصت ذلك كله للحديث عن الفساد الذي سببه وشارك فيه ونتج عنه مجلس شعبنا.. فمتى أكتب عن الأشياء الأخرى التي لا أكاد أطيق ألا أكتب عنها..

***  

متى أكتب مرثية قلبي في المستشار يحيى الرفاعي الذي لا أدري كيف أصفه؟

 هل أقول أبي؟ هل أقول أخي؟ هل أقول صديقي؟ هل أقول أستاذي؟ هل أقول ابني وفلذة كبدي؟ هل أقول يا ليتني كنت مكانه؟ هل أقول له أنني أحسده وأغبطه لأنه مات قبل أن يسمع ما سمعت من أن قيادتنا تهنئ إسرائيل بعيد الاستقلال.. استقلالها! ومعنى هذا أن قيادتنا  توافق التصور الإسرائيلي المجرم من أنها حررت فلسطين من العرب المسلمين الغزاة..

وأن هذه القيادات لن تمانع إذا أزفت الآزفة أن تهنئ النصارى وأقباط المهجر بتحرير مصر  من العرب والمسلمين الغزاة !! وربما يهنئونهم بعيد استقلال مصر كما هنئوا إسرائيل باستقلالها..

ماذا كان يمكن أن يحدث للمستشار يحيى الرفاعي لو سمع ذلك أو قرأه..

 فاحمد الله يا سيادة المستشار أنك متّ !!.

لكن:

هل أهنئك؟ هل أقول بخٍ لك ومرحى.. استراح الشياطين منك واسترحت منهم..

...

هل أفرح له؟!..

لكن.. كيف أنسى مواقفه معي؟ كيف أنسى طوفان دموعه وهو يحكي لي عن طوفان دموعه وهو يتوسل إلى الرئيس مبارك ألا يجدد قانون الطوارئ قبل مؤتمر العدالة الأول والأخير؟

وكيف أنسى طوفان دموعه  ونحيبه يوم مات عادل حسين..؟

لم يكن فيما أظن وأعلم منتميا إلى أي تيار سياسي. كان العدل محرابه وميدان جهاده الوحيد. ولم يكن تعاطفه مع عادل حسين تعاطفا مع سياسة أو منهج ولكن مع العدل.

فكيف أنسى..

 وكيف أنسى يوم كنا معا في المحكمة وكان ثالثنا مجدي حسين.

كنا نحاكم لأننا دافعنا عن لا إله إلا الله محمد رسول الله في قضية وليمة لأعشاب البحر.. وكان هو حاضرا متطوعا  للدفاع عنا..وكلمة متطوع لا تكفي.. فلقد احتاج إلى مذكرتين قانونيتين من متخصصين للدفاع عنا في نقاط معينة في القضية.. وكان كبرياؤه ونزاهته وعفته  تمنعه من أن يأخذ شيئا بما يشتبه أن يكون زمالة أو صداقة أو سيف الحياء.. سمعت من مصادر بعيدة تماما عنه أنه دفع في كل مذكرة عشرة آلاف جنيه من حر ماله.. وعندما حاولت أن أسدد ديني غضب بشدة.. وكان غضبه مني لا يقل عن غضبه ممن أخبرني. في ذلك اليوم.. في المحكمة.. كان مجدي حسين سجينا في قضية يوسف والي وجاء ليحاكم في قضية فاروق حسني. كان القيد الحديدي يربط يده بيد ضابط.. وكان القيد لفرط ضيقه قد جرح معصم مجدي حسين.. وكان القيد يحتك بالجرح فينزف..(نوع من القيود-الكلابشات- الأمريكية يضيق أكثر كلما حرك المقيد يده من الألم).. ورجا مجدي المستشار يحيى الرفاعي أن يرجو الضابط  أن يوسع القيد قليلا.. نظر الضابط إليه نظرة حيوان أعجم إلى قصيدة شعر.. وفي لامبالاة واستهتار قال:

-      لا..

لا ذابحة قاطعة نابحة عاوية نائحة..

لا..  كزمجرة وحش أو فحيح أفعى أو خوار ثور..

..

كنت جالسا بجوار المستشار الجليل في قاعة المحكمة  أسمع وجيب قلبه وصوت شهيقه وزفيره. أمر القاضي بتأجيل القضية أربعة أسابيع.  بعد القضية قال لي أنه يشعر بألم في منطقة القلب.. رجوته أن أصطحبه إلى البيت أو المستشفى. أبى. في المساء اتصلت كي أطمئن عليه. قالوا لي أنه انتقل إلى مستشفى دار الفؤاد بعد أن أصيب بأزمة قلبية حادة.. في الصباح كنت أنوي الذهاب إليه. لكنهم أخبروني أن الزيارة ممنوعة وأنهم مشغولون جدا  بالتجهيز لسفره العاجل إلى الولايات المتحدة لإجراء جراحة قلب مفتوح. واصلت الاطمئنان عليه. علمت أنهم سيستبقونه هناك لمدة ستة أسابيع بعد إجراء جراحة القلب المفتوح. اتصلت بالمحامين الآخرين الذين كانوا يحضرون للدفاع عنا وعلى رأسهم المستشار الجليل عادل عيد والمستشار الجليل عبد الحليم مندور-عليهما رحمة الله- والمستشار الجليل محفوظ عزام-أطال الله عمره- لأخبرهم أن المستشار يحيى الرفاعي لن يكون موجودا. قبل القضية بيومين..فوجئت بصوته على الهاتف.. ظننته يكلمني من الولايات المتحدة.. لكنني فوجئت به في مصر..دهشت.. سألته كيف جاء وما زال في فترة النقاهة.. ويبقى له فيها أسبوعان أو ثلاثة.. قال لي أن الأطباء الأمريكيين كانوا يصرون على بقائه ولكنه أصرّ على العودة.. وسـألته في ذهول:

-      ولكن لماذا.. لماذا لم تبق حتى تطمئن ونطمئن ويطمئنوا..

وجاءني صوته:

-   لكنني مسئول عن الدفاع عن مجدي حسين وعنك.. فكيف أتخلى عن واجبي.. كان لا بد أن أعود برغم أي شيء وأي مخاطر حتى أحضر جلسة بعد غد.

وكنت أسمع عبر الهاتف وجيب قلبه وصوت تنفسه..

وكنت أبكي..

فكيف أنسى؟..

كنت أريد أن أكتب كثيرا عن المستشار يحيى الرفاعي الذي توحد مع مفهوم العدالة وكان يراها كل يوم تُذبح أمامه  فكان يذبح معها كل يوم.

الآن ترتاح يا حبيبنا عند مليك مقتدر.

كنت أريد أن أتحدث عن ذلك..

كنت أريد..

ولكن.. هل تتسع صفحات المجلة؟

وهل يكفي لو أتيح لي ألف مجلة؟..

هل يكفي؟.

هل يكفي؟!.

***  

كنت أريد أن أكتب عن فضائح أخرى لأعضاء مجلس الشعب..

وعن فضائح ومخازي لأقباط المهجر وبعض نصارى الداخل.. وكيف أن بعض العلمانيين من الأعداء التقليديين للإسلام والمسلمين-كالأستاذ حلمي النمنم- قد استفزهم مدي فجور وكذب بعض النصارى فانبروا لمهاجمتهم  كما حدث في مقال النمنم عن أن  قضية الدكتور عصام عبد الله محض سرقة بامتياز وليست طائفية كما يروج وكما يروج شياطين المهجر وأنه لص وأن الأستاذ الدكتور مراد وهبة القبطي أكد واقعة السرقة. وأنه برغم أن السرقة افتضحت على العالمين كحمل سفاح فما تزال صحف الدستور والمصري اليوم واليوم السابع تدافع السرقة وعن العفة والشرف!..

وكنت أريد أن أكتب عن الدكتور الشيخ  وجدي غنيم وعن القضية الجديدة التي اتهموه فيها..

وكنت أريد أن أكتب عن أحمد زكي بدر وفضيلة المفتى وعلى لبن وتنصير المناهج وعلمنة الأخلاق  ودور أمريكا واليهود  والسحاقية ليز تشيني في ذلك..  وكنت أريد أن أطلب من وزير التعليم أن يصدر كتابا في الأخلاق ليس لتلميذ المدارس بل للوزراء والقادة ورؤساء الجامعات وأعضاء مجلس الشعب.. وكنت أتمنى أن يكون من بنود هذا الكتاب تجريم استعانة رؤساء الجامعات بالبلطجية لضرب الطلبة (ترى بمن سيستعين وزير التربية الآن؟ إن البلطجية قد يقتلون التلاميذ الصغار لو سلطوا عليهم.. فلعله سيستعين بالأحداث.. ولعله يضمن كتابه عن الأخلاق هذا).. ولعله يعلم أعضاء مجلس الشعب ألا يسبوا الدين وألا يطالبوا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين!..

وكنت أريد أن أكتب عن تحالف الأقباط والعلمانيين والشيوعيين والليبراليين  وانضمامهما لإسرائيل وأمريكا ضد مصر والإسلام والعروبة.

وكنت أريد أن أكتب عن جدار الخيانة وغازات الأنفاق..

وكنت أريد أن أكتب بازدراء عن النخبة المثقفة العفنة التي انبرت للدفاع عن حيدر حيدر وللهجوم علينا  عندما كانت القضية تتعلق بالإسلام ثم نكوصها  عن الدفاع عن يوسف زيدان رغم أن قضيته تتعلق فعلا بالإبداع لكن من يهاجمونه نصارى.. وهم الذين يبذلون الرشاوى للنخبة العفنة.

وكنت أريد أن أكتب عن أنَّ الهدف الأسمى للأمن المصري في الفترة الأخيرة ليس القضاء على تجارة المخدرات في مصر أو إغلاق بيوت الدعارة أو وقف عمليات السرقة والإجرام التي كثرت في الشارع المصري إنما أصبح تجفيف بيوت الله (عز وجل) من روادها والقضاء على خلق حسن أو إنسان طاهر عفيف في المجتمع.

وكنت أريد أن أكتب عن الشيخ عمر عبد الرحمن.. وجوانتانامو..

وكنت أريد

ولكن.. هل تتسع صفحات المجلة؟

وهل يكفي لو أتيح لي ألف مجلة؟..

هل يكفي؟.

هل يكفي؟!.

***  

كنت أريد أن أكتب أكثر عن نشأت القصاص..

ولكن هل بقيت له أي قيمة بعد كل ما ذكرت.. أم أن قيمته لا تعدو قيمة كبش الفداء الذي يذبح فداء لمولاه.. أو الرداء الأحمر الذي يلفت نظر العامة عن المجرم الحقيقي.. أو الصبي الذي "يشيلوه" قضية المخدرات بدلا من "المعلم"..

يا مسكين قد خدعوك وضحكوا عليك فلم تظفر من  الكعكة الحرام إلا بستمائة ألف جنيه ثمن شقق اشتريتها ورفضت دفع الثمن.

يا مسكين!!.. ستمائة ألف جنيه من ألف وثلاثمائة مليار!. أهذه قيمتك عندهم؟!.. بالنسبة والتناسب فإن الأمر يشبه عصابة سرقت مائة وثلاثين مليون جنيه كان نصيب القصاص منها ستة جنيهات!!.

...

وكنت أريد أن أتحدث عن شكوى الدكتور جابر عصفور من وعاظ الأزهر الظلاميين  وخطباء مساجد الأوقاف الجاهلي الذين يضيعون في يوم الجهد الذي يبذله عصفور مع  برامج التلفاز في شهور.. كنت أريد أن أقول له أن ما يفعله تعهير لا تنوير.. وأنه هذا الجهد المسكوب الذي يبكي عليه  يحتاج إلى قواد لا إلى مفكر..

وكنت أريد أن أتحدث عن فضيحة ساويرس في الجزائر.. فمنذ شهور توجد مشكلة له مع  ضرائب الجزائر.. ويبدو انه ظن انه سيتصرف مع الضرائب هناك كما يفعل هنا.. كان قد تجمع عليه أكثر من مليار جنيه واجبة السداد.. وجاءت فتنة الكرة فاهتبلها وأراد أن يورط الدولة المصرية كلها في قضية تهربه من الضرائب بادعاء العدوان على عماله وموظفيه.. تمما كما يبتز أقباط المهجر مصر.. ولست أدري لماذا لم يكمل المهزلة ليتهم الشعب والأمن الجزائريين باختطاف موظفات شركاته هناك واغتصابهن ثم إرغامهم على الإسلام.. المهم.. افتضح الأمر ولم ترضخ الحكومة الجزائرية للابتزاز فقرر بيع شركاته هناك.. لكنهم يطالبونه الآن بسداد الضرائب أولا.. فهل رأيتم إلى أي حد وصل الإرهاب الجزائري.. إنهم يريدون من نصراني أن يدفع الضرائب!!..ألا يعلمون كيف يُعامل في مصر!!

كنت أريد..

...

وكنت أريد أن أنهي هذا المقال بنكتة(والنكتة هي الطعنة ) كي أخفف عن القراء جحيم العذاب الذي يحتوي عليه المقال..

أما النكتة فقد حدثت فعلا لشرطي-عضو مجلس شعب- تورط في سب الدين لأحد الأعضاء من الإخوان المسلمين.. ولما خشي الشرطي العقاب استدرك قائلا:

-      لا والله.. أنا لا أسب الدين للعضو.. ولكني أسب دين حماس!!

يا أحمق.. يا مطية الشيطان يا حطب النار  يا كلب جهنم..

فهل  دين حماس إلا الإسلام؟!.. إنه ديننا يا أحمق..

***  

كنت أريد..

ولكن.. هل تتسع صفحات المجلة؟

وهل يكفي لو أتيح لي ألف مجلة؟..

هل يكفي؟.

هل يكفي؟!.

هل يكفي؟!.