أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

 

ما يحدث في بلادنا وأمتنا ليس فتنة محددة نستطيع أن نشير إليها لنقول: هنا تكمن المشكلة.

إنما هي تلك الفتنة التي حذرنا منها القرآن:

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.

لم يعد البكاء على ما وصلنا إليه من حال يكفي ولا يشفي  ..

يقول الشاعر أبو المظفر الأبيوردي:

وشـر سـلاح المرء دمـع يريقـه  ...  اذا الحرب شبت نارها بالصوارم

أرى أمتي لا يشرعون إلى العـدا  ...   رمـاحهـم والـدين واهـي الدعـائـم

ويجتنبون النار خوفا من الردى  ...   ولا يحـسـبون العار ضـربة لازم

ما يحدث في بلادنا يمكن أن نطلق عليه : "أم الفتن"..

الفتن التي تجعل الحليم حيران وتجعل الرجل يمر بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه..

الفتن التي لا يرى فيها الإنسان بصيص ضوء.. فلا يبقى إلا جذوة  يراها القلب ولا تراها العين تبشر بالنصر الموعود..

فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ‏ ‏ويمسي كافرا ‏ ‏ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم ‏ ‏بعرض ‏ ‏من الدنيا.

أما أخطر ما في الفتنة التي نعانيها ونكابدها ونعايشها الآن فهو ذلك الشيء المذهل الذي كنا نراهن عليه دائما لكننا الآن نكتشف أننا نخسر الرهان.. ولا أقول خسرناه.. كنا نراهن على وعي الناس.. وأنه لا يصح إلا الصحيح.. وأن الحق أبلج والباطل لجلج.. وأن الناس يعرفون الحقيقة ويميزون بين الخطأ والصواب.. وبين الحلال والحرام .. وبين البر والفاجر.. وأنهم معذورون فيما يقولون أو حتى حين يصمتون لأنهم حين يفعلون فإنهم يستكرهون ولكن قلوبهم بالإيمان مطمئنة.. وهم معذورون لأنهم خائفون من كل جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم موال لأعداء الله بريء منا ونحن برءاء منه.. لكننا فجأة.. والألم أقسى من الذبح ويكوي أكثر مما تكوي النار نكتشف أن الأمة تغيرت فكأنما لم تعد أمتنا  فيالغربتنا  ويالفجيعتنا ويا لأحزاننا فكأنما عادت أمتنا تعبد الأوثان في جاهلية هي أكثر شرا من الجاهلية الأولى.

وإن كنتم تريدون مثالا واحدا فانظروا إلى مدي اهتمام الناس بانتصارنا في الكرة على الجزائر ومدي اهتمامهم بقضايا الأمة التي قد تسفر عن فنائها وتلاشيها.

ولكن.. ثمة عزاء في كلمة حصيفة قالها جمال عبد الناصر ذات يوم وهو يزري بشأن أمة استخفها فأطاعته.. كان بسبيله إلى إصدار قرار ما فحذره من حوله من ردود الفعل فقال لهم: لا تخافوا من ذلك.. فعندنا نصف في المائة من الشعب يسار ونصف في المائة يمين أما الـ99% الباقية فهي مع من يغلب ويحكم..

لا يغلبننا اليأس إذن.. فهذا القطيع الذي يندفع إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان سرعان ما يفيق إذا تغير الحاكم أو صلح أمره.

ولكن احذروا .. فإن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده..

***

نعم .. اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..

الفتن التي جعلت فقيها دستوريا كبيرا  مثل الدكتور ثروت بدوي أستاذ القانون العام – كليه الحقوق – جامعة القاهرة يجيب عندما سئل كيف ترى المستقبل؟

- مظلم مظلم مظلم...

ثم يضيف:

لقد فقد المصري انتماءه تماما لأنه لم يشعر إطلاقا بأن له دور في شئون البلد. وهناك قوي خارجية تلعب دوراً مؤثراً في مصر منها أمريكا وإسرائيل وهناك قوي منتفعين بفساد النظام الحالي الذين جمعوا بين السلطة والتعتيم والتضليل علي كل ما يجري في مصر.

عندما قال الدكتور بدوي ذلك لم يكن الدكتور مصطفى الفقي-الفائز في الانتخابات  بالتزوير الفادح الفاضح المشين – قد أدلى بتصريحه الخطير عن ضرورة موافقة أمريكا وعدم ممانعة إسرائيل على أي رئيس مصري.

وربما لم يكن استمع إلى محمد حسنين هيكل في برنامجه على قناة الجزيرة"مع هيكل" حيث كان يتحدث عن إصرار إسرائيل على قتل عبد الناصر بالمرض أو بالسم ولكن أمريكا كانت تعترض.. أما سبب اعتراض أمريكا فهو غريب ومذهل.. كانت إسرائيل مصرة على القضاء عليه لكن أمريكا كانت حريصة على استمراره.. ولنستعمل كلمات هيكل بل حروفها وهو يتحدث عن تسجيل لاجتماع داخل السفارة الأمريكية:

بعد ناصر إذا خلصنا من ناصر اليمين جمعية تشريعية حيطلب جمعية تشريعية واليمين الجديد حيحرض الجيش على أخذ السلطة لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.

نقف عند الجملة المروعة الرهيبة:

لكن الأميركان بيروا أن عبد الناصر ضروري في هذه المرحلة.

فهل هناك فرق حقيقي بينها وبين تلك الجملة التي اقتنصها هيكل ليشنق بها مصطفي الفقي عن ضرورة موافقة أمريكا وإسرائيل على أي رئيس مصري؟!

هل كان هناك فرق حقيقي؟.

لماذا نندهش إذن مما وصلنا إليه.

أمرنا طغاتها وجلاديها ففسقوا فيها..

أمرنا صحافييها ففسقوا فيها..

***

يتحدث الفقيه الدستوري إبراهيم درويش عن الدستور المصري كاشفا أوجه الخلل فيه، ومؤكداً على أن الدستور الحالي لا يصلح للتعديل أو الترقيع. الدستور الحالي يتكون من ٢١١ مادة أكثر من ١٥٠ مادة منها خارج الإطار الدستوري ولا علاقة لها بالدستور أو الدستورية.

ثم يواصل الدكتور إبراهيم درويش معبرا عن يأسه من أي محاولة شعبية للتغيير بقوله:

- بالتأكيد إن أي تحرك سيقابله الأمن بالاعتقال والمنع والتشريد، فالناس همهم الرئيسي الآن أن يصلوا بيوتهم آمنين، و٩٠% من النخبة في مصر تم استئناسهم، و٥% تنتظر الموت في سلام والـ٥% الباقون مازالوا ينادون ويسعون للتغيير والإصلاح.

أمرنا لواءاتها ومباحثها ففسقوا فيها..

***

نعم.. هي فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة..

فتنة لا نراها بل نرى أعراضها..

كالسرطان..

وتتعدد الأعراض فنحسب تعددها تعددا للأمراض بينما الأمر في الحقيقة سرطان يؤدي للضعف والهزال والنزيف وفقر الدم وشحوب الوجه وسقوط الشعر وتكسر الأظافر وعشرات الأعراض التي تعود في الأصل إلى سبب أول فإذا انصرفنا عن ذلك السبب إلى باقي الأعراض فإن كل ما نفعله أننا نترك الفرصة للسرطان الوحش كي يلتهم الجسد ويقضي عليه. أما علاجنا للأعراض فلن يجدينا شيئا.

فتنة لا نواجهها حقا بل نواجه أعراضها.

فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة..

يقول صاحب الظلال –رضي الله عنه- : إن إرادة الله قد جعلت للحياة البشرية نواميس لا تتخلف ، وسنناً لا تتبدل ، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج فتنفذ إرادة الله وتحق كلمته . ويكشف الشهيد عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها ، وفاقاً لسنة الله وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سبباً لهلاكها وتدميرها .

كذلك تمضي سنة الله في إهلاك القرى وأخذ أهلها في الدنيا ، مرتبطة بذلك الناموس الكوني الذي يصرف الليل والنهار :

{ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً } .

والمترفون في كل أمة هم طبقة الكبراء الناعمين الذين ينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة ، حتى تترهل نفوسهم وتأسن ، وترتع في الفسق والمجانة ، وهم إذا لم يجدوا من يضرب على أيديهم عاثوا في الأرض فساداً ، ونشروا الفاحشة في الأمة وأشاعوها ، وأرخصوا القيم العليا التي لا تعيش الشعوب إلا بها ولها . ومن ثم تتحلل الأمة وتسترخي ، وتفقد حيويتها وعناصر قوتها وأسباب بقائها، فتهلك وتطوى صفحتها. فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك ، فكثر فيها المترفون ، فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم ، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها ، فعم فيها الفسق ، فتحللت وترهلت ، فحقت عليها سنة الله ، وأصابها الدمار والهلاك .

وهنا تبرز تبعة الجماعة في ترك النظم الفاسدة تنشئ آثارها التي لا مفر منها . وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها فيحق عليها القول فيدمرها تدميراً .

***

كان الوزير إبراهيم سليمان -الذي قالت عنه صحيفة الفجر أنه ضيع على الدولة مائتي مليار جنيه بسبب الأرض التي وزعها على المحاسيب-  كان يتشكى من الحكم الصادر بفصله من وظيفته الجديدة ومرتبها مليون وربع مليون جنيه في الشهر.. وكان يقول :كل المديرين مثلي يحصلون على مرتبات مماثلة..

أمرنا وزراءها  ففسقوا فيها..

وكانت الدكتورة ميرفت التلاوي الوزيرة السابقة تروي كيف استولت وزارة المالية ظلما وعدوانا على مائتي مليار أخرى هي أموال المعاشات حيث يشك في أنها ستفقد كلها..

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

رؤساء تحرير الصحف القومية أقلعوا من فئة المليونيرات إلى فئة المليارديرات.. لا لشيء إلا لأنهم يساعدون الطغاة على استخفاف أمتهم ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويكذبون ويكذبون ويكذبون..

أمرنا كذابيها ففسقوا فيها..

أذناب السلطة والمزورون والمعذبون والقتلة واللصوص والبلطجية الذين يعتمد عليهم الطاغوت لتوطيد أركان ملكه..

أمرنا مجرميها ففسقوا فيها..

***

منذ أعوام سمعت مسئولا كبيرا يصرح أننا على الحياد بين الإسرائيليين والفلسطينيين..

كدت أجن..

الآن.. أقصى ما أتمناه أن نظل على هذا الحياد فعلا!..

أمرنا كبار مسئوليها ففسقوا فيها..

***

الجدار الفولاذي.. أمرنا بناة ذلك الجدار ففسقوا فيها..

***

حفر الباطن..أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..كامب ديفيد.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. هزيمة 67 .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. إعدام الشهيد سيد قطب ورفاقه.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. القوانين الاشتراكية.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. تمثيلية المنشية .. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. اغتيال الشهيد حسن البنا.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..حرب 48.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. سعد زغلول.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها.. الأميرة نازلي وصبيانها وتلاميذها الذين ما يزالون يسيطرون على ثقافتنا وجلهم أبناء فكر سفاح للورد كرومر-صديق نازلي وسعد وقاسم ومحمد عبده.. أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

...

***

هل ضل الجميع؟!.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين.. ويضل الله الظالمين..

لشد ما أفزعتني هستيريا الجماهير بعد انتصار مصر على الجزائر في مباراة الكرة الأخيرة..

الجماهير التي لم يخرج معشار معشارها من أجل فلسطين أو العراق.. أو مصر.. أو أي من أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله.

جميل جدا أن نفرح..

لكن بشرط أن نكون تخلصنا من المستنقع الذي نعوم فيه والذي وصف بعضه  الدكتور محمود عمارة الذي كتب يطالب بإنقاذ مصر من نظام دمرته الشيخوخة وأصبحت البلاد ومصالح العباد مهددة بصورة لم يسبق لها مثيل مؤكدا أن المستقبل يكتنفه الغموض والظلامية .. " جسد «كالمارد» في حالة غيبوبة، فقدان وعي، إفلاس، مناخ عام من التشاؤم والإحباط والاكتئاب، خوف علي الحاضر، قلق من المستقبل الغامض لكثرة وغرابة ما نسمعه ونعايشه ونراه من: فساد - بلطجة - فوضي - إهمال - مؤامرات - عصابات - محارق - مغارق - غوغائية - ديكتاتورية - بطش - إذلال - طغيان - امتهان - انتهازية - دعارة فكرية وسياسية - نفاق - تملق - تدليس - توريث - تمييع - تزوير - دسائس - مقالب - قذارة - عفونة - تطرف - تخلف - شائعات - خرافات... عادت بنا إلي مثلث الفقر والجهل والمرض، لنتراجع إلي ذيل قائمة الدول الأكثر فقراً وتخلفاً وتراجعاً، لتتفوق علينا دويلات، وتهزمنا حضاريا إمارات، وتسبقنا بمسافات «أمم» كنا نتندر عليها بالنكات والقفشات! مصر الآن «تغرق» في مستنقع «يأس جماعي» بعد أن ترهل النظام السياسي وشاخ، وأصيب بحالة من الرعب والتردد والتصلب والارتعاش، وعدم الحسم، والتوقف والتراجع عن الإصلاحات الجادة والحقيقية والشاملة.

و نضيف لما قاله الدكتور عمارة ممارسات ترقيع الدستور وتزويره حتى اهترأ وأصبح مثارا للسخرية والاستهزاء. كما نضيف المصائب التي يبتلينا بها العلمانيون.. أولئك الأشرار الذين يضحون بالوطن وبالأمة كلها مقابل القضاء على الإسلام.. شلت أيديهم وألسنتهم.. ولكن تذكروا دائما أنهم نجس وأنهم الأكثر خطرا على الأمة من كل أعدائها..

أما في الفتنة الأخيرة التي زعم العلمانيون أنها طائفية واعتذروا نيابة عن المسلمين رغم أن العلمانية كفر وهم لا علاقة لهم بالمسلمين لكنهم أرادوا إلصاق التهمة بالإسلام..  

إن القائمة يمكن أن تطول حتى تلتهم صفحات المجلة كلها دون أن تنتهي.

لكن المؤلم حتى الموت أننا عشنا أعمارنا نحاول تبرئة الأمة فإذا بها مدانة حتى النخاع وكأنها تستحضر قول الشاعر:

وما أنا إلا من غزيه إن غوت ...  غويت وان ترشد غزيه ارشد

غوي حكامها فغوت.. ضل حكامها فضلت.. الناس بملوكهم أشبه منهم بأبنائهم..

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

***

كانت أمواج الانفعال الطاغي تحملها وتدوخها وهي تهاتف صاحب البيت على الهواء وقد استخفها الفرح بالانتصار علي فريق الجزائر في الكرة فراحت تصرخ :

-      يا رب .. يا رب.. يا رب.. يا رب..

لكن السياق جعل الكلمات تترجم  في المسافة ما بين أذنيّ وعقلي إلى:

-      يا إبليس .. يا إبليس.. يا إبليس .. يا إبليس..!!..

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

كان وراء المرأة حشد هائل اندغمت حروف هتافاته فما عدت أسمه منها شيئا.. كانت الهتافات في التلفاز .. وخلفه.. وحولي في الشوارع.. كانوا يحتفلون بانتصار.. ليس بانتصار الإسلام ولا بانتصار مصر على إسرائيل.. ولا باسترداد الأقصى ولا حتى بتحرير سيناء تحريرا حقيقيا ولا حتى بنسف الجدار الفولاذي .. كانوا يحتفلون بانتصار مصر على الجزائر. كان كل هتاف من تلك الهتافات يعني إعلاء للعصبية المنتنة  والقطرية وتكريسا للانقسام ومحوا من الأذهان للحقيقة التي تبهت كل يوم.. حقيقة أن الأمة العربية الإسلامية أمة واحدة.. وما انتصار فريق مصر على فريق الجزائر إلا كانتصار الأهلي على الزمالك.. فهل كان انتصار هذا على ذاك يستحق كل هذا الشحن والبغضاء؟!

كانوا ألوفا بل ملايين..

كانوا كبعث النار.. من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين..

***

قبل المباراة سألني سائل:

-      هل تتمنى فوز مصر أم الجزائر..

ووجدتني أجيب السائل الذي أدهشته إجابتي:

-      أتمنى أن يُهزم الفريقان معا!!

وقد كان ذلك إحساسي الحقيقي.. فقد كنت أدرك أن انتصار أي فريق منهما سيجني ثماره جبار هنا أو جبار هناك.. ظالم هنا أو ظالم هناك.. مسيلمة هنا أو مسيلمة هناك .. سفاح هنا أو سفاح هناك.. ابن هنا أو أخ هناك.. مترف هنا ومترف هناك..

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

***

كانت الهتافات تصم الآذان..

وليس عندي أي اعتراض على لعب الكرة وعلى الفرح بالانتصار في مبارياتها.. ولكن شرط ألا تتجاوز حجمها الحقيقي.

كنت أظن أن مائة ضعف هذا الحماس- على الأقل- يكون من أجل غزة.. من أجل فلسطين.. من أجل العراق.. من أجل منع التزوير والتعذيب..

تساءلت وتنين الألم الوحشي ينهش قلبي:

-      أكل هؤلاء أفرغوا من آدميتهم وإنسانيتهم وبشريتهم وتحولوا إلى مسوخ؟..

-   أكل هؤلاء مغفلون لا يفهمون ما يصنعون..جهلوا الدين  وجهلوا التاريخ وجهلوا حتى الإستراتيجية والسياسة.. لقد جهلوا أن تعصبهم لمصر سيضيعهم ويضيع مصر فهاهم أولئك رعاع المهجر  وذيولهم في الداخل-أيا كانت مناصبهم- يطالبون بطرد 94.5%% من أهل مصر لأنهم غزاة!!.. إن قوة مصر في انتمائها العربي والإسلامي.. وبدونهما تتفكك ليتسلط عليها الرعاع الهمج الهامج من أقباط المهجر.. يتسلطون عليها ليطردوا أولئك الدهماء الذين يملئون الشوارع.

-   أكل هؤلاء نهش التنين عقولهم – لا قلوبهم- ليبدلوا كلمات الله من :" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) الحجرات  فغيروا كلمة "إلا ليعبدون" إلى " إلا "إلا ليعبثون""إلا ليزنون""إلا ليهرجون""إلا ليفسقون""إلا ليظلمون""إلا ليكذبون""إلا ليحاصرون""إلا ليخونون""إلا ليكفرون""إلا....""إلا..." ""إلا....""إلا...""إلا ليترفون"..

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

***

قتلني الألم وأنا أتمتم:

-   انتصر الغرب علينا.. هزمنا.. تركت جيوشه بعض أوطاننا واحتلت عقيدته جل قلوب معظم شعوبنا.. حولنا إلى حيوانات محنطة لا نملك إلا الرسم والاسم.. أفئدتنا هواء..

***

وكنت على الجانب الآخر والتنين الوحشي ما يزال ينهشني أستعيد بكاء المترجم وهو يترجم كلمات جورج جالاوي في قافلة الإغاثة الأخيرة إلى أهلنا في غزة.. كانوا ما يزالون في الأردن.. وكان مترفينا الذين يفسقون يمنعون عن أهلنا الطعام والدواء.. وكان جورج جالاوي يناشد الرئيس مبارك قبل وصولِهم إلى نويبع بعد تكريمهم في العقبة واحتفاءِ أهلها بهم كانت المناشدة دامعة دامية:

 سيدي الرئيس أرجوك.. أناشدك.. أتوسل إليك.. دع القافلة تَمرّ.. إننا لا نريد إلا إغاثة أطفال غزة، ولا نريد أن نواجه إلا إرهابيي إسرائيل، نحن نحبّ مصر، لا نريد أن توجه لها أي إشارات تصرف النظر عن إسرائيل وجرائمها، أرجوك سيدي الرئيس.. اسمح لنا بالعبور.

هل تبكي أيها القارئ؟.. أم جفت دموعك؟..

لقد انهار مترجم قناة الجزيرة التي كانت تذيع النداء وبكى..

أما  جورج جالاوي فقد استمر يقول:

لقد تقدّم بِي العمر وإنني لن أبلغ عهد تحرير فلسطين، وكل ما أؤمله وأرجو أن يدخل معكم ابنِي عز الدين لفلسطين وهي مُحَرّرة، ثم تربتون على كَتِفه مبتسمين تقولون: يا عز الدين قد كان أبوك جورج بيننا كان معنا في نفس الطريق، ولقد وصلنا يا عز الدين...

ثم تنهَّد واستأنف..وقال:

لكنني حين يكبر ابنِي وأنا لا أزال حيًّا، ثم يقرأ التاريخ وإذا به يصدم من قصة شريط من الأرض اسمه غزة تواطأ العالَمُ عليه حتى خُنق وسُحق أطفاله، فإذا التَفَت إليَّ عز الدين وقال: يا أبي، هل أدركتَ هذا الزمن، كيف تركتم غزة؟! ألا يخجل العالم ...؟

هنا قال جورج كلمته التي علمها الناس وشهدت بها الأرض ودمعت معه العيون... قال جورج: سأقول له: الله يعلم يا بني أنني لم أترك نَفَسًا أملكه لأجلهم إلا بذلته.. لعلّ عز الدين أن يغفر لي...

***

فهل يغفر الله لنا؟. نحن الذين سكتنا عن مترفيها الذين فسقوا فيها..هل يغفر الله  لنا؟!

***

في الجانب الآخر.. الآخر جدا .. وفي 30 يناير 2010 كانت المصري اليوم تنشر:

علاء مبارك: الرئيس كان يحتضن حفيده بعد كل هدف.

وقال علاء: «شاهدنا المباراة في منزل الوالد، والرئيس فرح فرحة غير عادية، وكان يأخذ حفيده عمر بالأحضان مع كل هدف وجميعنا تبادل الأحضان»

***

أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

***

قلت لنفسي رحم الله الدكتور أحمد مستجير..

أظن نهايتي ستكون مثله..

فقد كانت نهايته إثر نزيف في المخ أصابه وهو يشاهد على شاشة التلفاز مذبحة لفلسطين.. للحبيبة فلسطين.. للجريحة فلسطين.. للأسيرة فلسطين.. لليتيمة فلسطين.

***  

صدقت يا فاروق رضي الله عنك!!

سئل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

-       أتوشك القري أن تخرب و هي عامرة ؟

قال :

-       إذا علا فجارها علي أبرارها

صدقت.. إذا علا فجارها على أبرارها..

***

وبعد أن أجهدت نفسي الجهد كله وجدت الأمر كله مكنون في آيتين:

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال.

وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16)الإسراء..

ولله الأمر من قبل ومن بعد..

د محمد عباس