السلام عليكم

نشرت في المختار الإسلامي عدد ربيع أول 1432

***

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

بسم الله الرحمن الرحيم

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير   26 آل عمران.

في العدد الأخير من المختار الإسلامي كنت قد أعلنت للقارئ أنني لن أكتب مرة أخرى فما جدوى الكتابة إذا كان الناس لا يستجيبون ولا يتحركون..

كنت قد كتبت كثيرا.. كثيرا جدا..

كان الناس لا يكفون عن صمتهم.. وكان النظام الغبي يعاند كل نصيحة فيتخذ القرارات المضادة تماما. وذات ليلة منذ أقل من شهر رحت أتمتم في ألم كظيم:

لقد هزم الإسلام..

هزمه الطاغوت ونخبته..

انتهى الإسلام في مصر إلا ما شاء الله وإلى ما شاء الله..

ربما يستخفى أبناؤنا بعد ذلك إن أرادوا أن يصلوا أو أن يصوموا.. بل إن ذلك يحدث الآن في بعض الأماكن والمنتجعات حيث يمنع الملتحي والمحجبة.. بل يحدث في –للكارثة- في بعض مؤسسات الجيش.. يحدث في قنواتنا.. يحدث في وزارة الثقافة..يحدث في المعتقلات..

وجدت نفسي أجهش في البكاء: انصر الإسلام يا رب..

...

بعد ساعات كنت في غيابات النوم أحلم:

ضباب غامض  وظلام لا يعمي ولا يبين وضجيج وعجيج وثمة صوت غاضب وكأنما يرد على دعائي يقول لي:

اقرأ سورة النور..قمت من نومي.. وقرأت.. وبكيت:

(بسم الله الرحمن الرحيم)

...

 اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)

...

رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)

...

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)

...

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)

...

 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)

...

 ثم وصلت إلى الآية الصاعقة:

 لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)

 ...

***

تأملت..

قلت لنفسي إذا كانت كل هذه السعادة لسقوط فاجر واحد..

فكيف تكون نشوتنا يوم القيامة.. يوم يسقط الفجار جميعا..

سبحانك..

***

لقد تحركت الأمة..

بل وبالذات بدأ التحرك بالشباب الذي لم أثق فيه أبدا..

شباب الفيس بوك والتويتر

أعترف أنني ذهلت..

ولما جاء يوم 25 يناير لم أعتن بالمتابعة.. فلما نبهني البعض لم أصدق.. جلست مشدوها أمام التلفاز أقفر من قناة الجزيرة إلى الجزيرة مباشر ومنها إلى المستقلة والحوار والرأي..

مصعوقا كنت.. ليس لحجم الاستجابة فقط..ولا لاستمرارها بعد اليوم الأول فقط..

ولكن لأن رهانا هائلا قد سقط..

رهانهم بالقدرة على اجتثاث وعي أبنائنا وتدمير وجدانهم وهويتهم..

من أهم كتبي كتاب:"الوعي ينزف من ثقوب الذاكرة" يتحدث عن الأمة التي تفقد وعيها وذاكرتها ودينها وهويتها.. لقد نجحت الأمة في إيقاف النزيف ومقاومته.

لقد نجح الطاغوت في تكوين نماذج  ساقطة نصبها كقيادات للحركة السياسية والفكرية والثقافية ونجح في توزير شخصيات شاذة-فكريا- كذلك الوضيع الذي يشكو متوجعا من ضياع جهوده لأن ما يبنيه في ألف مؤسسة للثقافة يمحوه تماما ما يقال في 42000 مسجد. مؤسسات ثقافته كانت مواخير تخرج قوادين لا قوادا .. ولصوصا وشواذا وملاحدة وليس شبابا أسوياء. إنهم الوجه الآخر لبلطجية ميدان التحرير. بل لخيله وبغاله وحميره.

هل تتخيلون أن يعين مستشار سكير تكاد الخمر تنسكب من عينيه رئسا لهيئة كبرى؟

هل تتخيلون أن مصائب فتحي سرور-الأستاذ الجامعي الكبير- تقل عن مصائب أحمد عز..

هل تنتظرون من عضو نجح بالتزوير أو رشا المسئول الكبير بالملايين كي يتمتع بالحصانة إلا أن يخون ويحاول استبقاء النظام الميت المتعفن بالبلطجية.

هل كنتم تنتظرون خيرا من مسئول شاذ في الثقافة أو داعر في الإعلام.

كانوا يأملون أن تقوم هذه النخبة المدنسة بإفساد الأجيال الجديدة كما يريدون.

لقد كان رهانهم بأن تكون الأجيال الجديدة كالسائمة.. كالقطيع تنقاد حيثما تُقاد.

قطيع ينسلخ من دينه ويكره أمته ويتبرأ من وطنه..

قطيع على استعداد لبيع أمته بالتجزئة كما باعها حكامها بالجملة.

هذا هو رهانهم الذي سقط..

أعترف:

لقد كنت واحدا ممن فقدوا الثقة في جيل الفيس بوك..

لم أكن أدينه بقدر ما كنت أدين جيلنا الذي فشل أن يربيه وأن يحميه من التغريب ومن تزييف الوعي..

الآن..

الآن يثبت هذا الجيل المذهل ليس أنه نجح في تربية نفسه فقط..

ولا أنه نجا من التخريب والتغريب فقط..

ولا أنه فعل ما عجز جيلنا المنفوش بالكبرياء الزائف وعبادة الذات وتضخيم الأنا عن فعله فقط..

ذلك كله مهم..لكن الأهم.. أنه وقد فعل هذا كله:

أثبت أن هذه الأمة عصية على التخريب والتغريب وأن الشيطان قد يئس أن يعبد فيها ورضي بما دون ذلك..

لن يعبدوا الشيطان..لن يعبدوا النموذج الغربي..الأمة باقية..وهذه هي المفاجأة المذهلة..

إن الأمر يشبه بالنسبة لأعدائنا أنهم ظنوا أنهم أبادوا جيوشنا وشتتوا أفرادنا ولم يعد لنا أي قدرة على المواجهة والمقاومة وإذا بهم يفاجئون بجيش جديد فتي يخرج إليهم من حيث لا يحتسبون. جيش لا يعرفون صفاته ولم يشكلوا طباعه ولم يجرعوه كأس الهزائم.

جيش جديد سيواجه وسيحارب وسيبتكر وسيعيش إن شاء الله..

سيواجهك يا إسرائيل.. وسيهزمك..

سيواجهك..

فأيقني بالخراب والدمار والزوال يا إسرائيل..

ثأر الله قادم.

والجيل الذي حسبناه عقيما كشف عن قوته..

كان عميقا لا عقيما..

أعمق من قدرتنا على سبر غوره..

وهذا وحده يقلب الموازين كلها..

يغير الحسابات كلها..

يغيرها فأهتف كما هتف أخي التونسي:

اتحررنا.. الشعب المصري حر.. الشعب المصري عظيم.. تحيا مصر الحرة.. المجد للشهداء..

يا مصريين يا اللي عذبوكوا.. يا مصريين يا اللي قهروكوا.. يا مصريين يا اللي سرقوكوا..

الشعب المصري حر.. يا مصريين ما عادش خوف.. المجرم هرب.. مبارك هرب..جمال مبارك    هرب.. الطاغوت هرب من الشعب المصري..المجرم هرب..اللص هرب.. المجد لمصر..

المجد للشهداء ..يا مصر يا كبيرة..  يا مصر يا عظيمة..خلاص المجرم هرب..مصر من غير المجرم.. يحيا الشعب العظيم..

المجد للشهداء[1]..

***

لكم  ظلمنا الآخرون وظُلمنا أنفسنا بأكثر من معنى..

كان العالم وكان بعضنا يظن أننا شعب بلا قدرة على المقاومة والاعتراض..

لا..

بل سُلّط علينا أبشع حكم في التاريخ وأكثرها قسوة وبطشا ودموية..

إنني أريد أن أقول للعالم أن ما ينكشف أمامه الآن من حماقة وإجرام وعناد ليس جديدا ولا حادثا.. كان موجودا على الدوام.. لكنه كان يدور خلف الجدران والأبواب المغلقة. وهذا وحده يكشف كم الظلم الوحشي الذي وقع علينا في مصر.. كان الطاغوت في النهار دكتور جيكل وفي الليل مستر هايد.. ولم يكتشف العالم مدي جبروته وطغيانه وإجرامه.. وحتى عندما حاولنا أن نكشف ذلك كان هناك الكثيرون لا يصدقوننا.. أو على الأقل زعموا أنهم لا يصدقوننا..

الآن..

هذا هو العالم يرى الحقيقة فاضحة..

فادحة ذابحة فاضحة..

لقد تعرض الشعب في مصر إلى ضغط هائل وحشي مجنون طيلة عقود.. ضغط أصبح الآن رمزه ودليله وعلامته المذبحة التي حدثت يوم وليلة الأربعاء 2 فبراير.. فاللهم احشر من بات يجاهد في سبيلك في ميدان التحرير تلك الليلة مع أهل بدر..

***

ليس ثمة وقت ولا مجال للحديث عن الفرح.. لأن الفرح ليس خاليا من العظة والتدبر والتأمل والخشية ممن يضل الظالمين.. ولأن ثمة شوائب ومزالق.. وثمة مخاطر لسرقة الثورة ممن يزعمون أنهم من نسيج شباب الثورة لكن الحقيقة أنهم هم الوجه الآخر لبلطجية النظام السابق.. ولأن ثمة مهام عاجلة وخطيرة علينا أن نقوم بها. ولأن المجال لا يتسع في هذا العدد من المجلة لكتابة ألف صفحة بل عشرة آلاف صفحة(!!) لذلك كله فإننا نتناول رؤوس الموضوعات على أن نعود إليها فيما بعد.. لكننا قبل ذلك نوجه عتابا إلى إخوتنا السلفيين وهم-أعترف- أساتذتي وشيوخي.. إلا أن رأيهم  وموقفهم في الأحداث الماضية خطأ.. خطأ .. خطأ.. وأخشى ألا يكون رأي من اجتهد فأخطأ.. وإنما رأي من غسلت له عصابات الأمن المجرمة مخه.. ولو استمروا في مثل آرائهم تلك  لقضوا على الحركة السلفية في مصر.

أما البعض ممن كانت أخطاؤهم فادحة جدا فإنني أدعو لهم بالمغفرة والهداية وعلى رأسهم الشيخ محمود المصري والشيخ على الجفري وأيضا-رغم سابق التقدير الكبير له- الشيخ محمد حسان.

***

وثمة عتاب آخر أوجهه إلى المفتي وشيخ الأزهر وإلى بعض كبار شيوخنا:

لقد وصل الابتلاء ببعضكم أن تصرف كما لو كان يملك صكوك الغفران ليقول أن من مات حتى 10 فبراير فهو شهيد أما من مات بعدها فهو غير شهيد.. ولم يكن المقياس عند الشيخ طاعة الله بل طاعة الطاغوت في معصية الله..

أخزى الله كل من لم ينصر الأمة..

أخزى الله عالما نصر الطاغوت الظالم وتجنى على الأمة المظلومة..

أخزى الله من لم يتق الله.

***

وثمة شكر أيضا إلى الإخوة النصارى في وقفتهم ضد الطاغوت بعد أن انبلجت الحقيقة كنور الصبح.. وحمى المسلمون الكنائس وحمى النصارى ظهور المسلمين إذ يصلون من بلطجية النظام. انبلجت الحقيقة أن طاغوتنا وطاغوتهم كانا السبب في الفتنة الطائفية.

***

والآن لنعد إلى قائمة مهامنا العاجلة:

1-       يجب أن يعود النظام إلى الشارع وألا نتخلى عما اكتشفناه في بعضنا البعض من قوة ونبل وسمو وأن نحتفظ بقوتنا وبأخلاقنا،وأن نزيد عليها رفض الظلم أيا كان مصدره، وإذا كان:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" فإنها يجب أن تكون أيضا :"ولا طاعة لضابط بمخالفة القانون". إنني أقصد الأمور كلها. لكن أمرا منها يدمي قلبي. وعلى الثورة أن ترد بشكل صاعق على كل من يعذب مواطنا. بل وأقترح تشكيل لجان شعبية لمنع التعذيب، لا بمجرد التنديد والاحتجاج، بل بكل الأساليب الممكنة حتى لو تصاعد الأمر إلى الاعتصام بميدان الشهداء مرة أخرى.. ولو من أجل مواطن واحد في أعماق الصعيد أو في الوادي الجديد. وفي هذا الصدد فإنني أقترح تكرار تجربة المغرب في تخصيص قناة فضائية أو أحد برامجها للاستماع لشهادات الضحايا ورد الجلادين ثم محاكمتهم علنيا والحكم عليهم.

2-       إياكم وغوايات المغانم أو هواجس الهزيمة.. إياكم وفقهاء المباحث!!.. وكتاب المباحث.. ورؤساء نيابة المباحث.. وقضاة المباحث. إياكم وداخلكم.. إياكم وداخلكم..إياكم وداخلكم..ولأكن صريحا..إنني أرى داخلكم صورة المرآة لبلطجية السلطة لكن في الاتجاه المضاد.

3-       إياكم والحناجر العالية أو الانفعال الطائش .. فأعلى الأصوات سيكون في النهاية مباحث أمن دولة!. أو مباحث أمن دولة أمريكا.. ودولة إسرائيل!! إنني لا أخشى عليكم من أعدائكم.. بل أخشى عليكم ممن يزعمون أنهم أتباعكم.. من رابطة عبدة الشيطان وصناع الطواغيت الذين سيبدءون على الفور في التمجيد فيكم .. سيفعلون معكم ما فعلوه مع ضباط انقلاب يوليو.. ومع السادات.. ومع حسني مبارك.. وما كانوا سيفعلونه مع جمال مبارك. أولئك الخونة السفهاء.. منافقي كل جيل ومفسدي كل حاكم.. إياكم أن تميلوا إليهم..

4-       إن الطاغوت المجرم الذي تخلى لم يكن يريد أن يبقى من أجل الدستور أو الفوضى، وإنما من أجل أن يرتب الأمور بعده بحيث لا تكتشف جرائمه ، فإذا اكتشفت لا يعاقب عليها. كان يريد أن يأتينا بطاغوت آخر يواصل الخيانة والقهر والجبروت والنهب والولاء للعدو والبراء من الشقيق. يفعل ذلك انتقاما من وطن يكن له الكراهية، وليمد يدا لأعداء بلاده تكون له عندهم. يجب علينا أن نحاكمه لا لكي نتشفى فيه، بل ليكون عبرة تمنع أي طاغوت مجرم من خيانة الأمة مرة أخرى..أطالب بمحاكمته وكل أفراد عصابته.. وأيضا محاكمة كل المجرمين الذين يسروا له الأمر وعلى رأسهم ضباط مباحث أمن الدولة وأيضا كتاب أمن الدولة ومذيعو أمن الدولة و"توك شو" أمن الدولة..

5-       الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون في التنظير هو أنهم تعاملوا مع نظام الحكم السابق كنظام من النظم السياسية الواردة في كتب علم السياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ.. كل هذا خطأ . أنتم لا تتعاملون مع نظام حكم ديكتاتوري تبحثون عن كيفية التعامل معه في الكتب .. بل مع عصابة مجرمة.. كعصابة عزت حنفي على سبيل المثال.. بل إن عزت حنفي لم يكن ليتورط في دناياهم وخستهم.  وهنا لابد أن نلاحظ أن الغرب نصب علينا بلطجيا تحت مسمى رئيس جمهورية..وأن هذا استوظف بلطجية آخرين شكلوا دولاب الدولة، بالمعنى الحرفي لا المجازي. والتعامل مع آخر يختلف معك في الرأي لابد أن يختلف جذريا عن التعامل مع بلطجي.

6-       إنني أحذر من أن يلمس الغرور شخصيات الشباب ليكرروا كوارث وهزائم ضباط يوليو. وحتى على مستوى علوم الإدارة فإن القرار الأسوأ أحيانا هو أن تقوم بإدارة العمل بنفسك متجاهلا خبرات الآخرين. إن أي واحد منا يمكن أن يعرف أين يريد أن يذهب، لكن، لا يشترط أن يقود بنفسه السيارة أو القطار أو الطائرة أو السفينة إلى وجهته، بل قد يكون هذا بالذات طريق هلاك أكيد.

7-       احذروا الشيوعيين.. احذروا الشيوعيين.. احذروا الشيوعيين.. إنهم هم الهجامون ونشالو الثورات وخبراء تصفيتها ودفعها للانحراف.. وهم النخاسون الذين سيبيعونكم لتجار الرقيق..

احذروهم .. لكن دعوا لهم الحرية كاملة كي يلفظهم الشعب.

احذروا .. واعلموا أن من أخطر ما يمكن أن يقال لكم أن الثورة ثورتكم وأن من حقكم اقتطاف ثمارها.. فأنتم لستم مماليك ومصر ليست غنيمة. إن الثورة ثورة مصر كلها والثأر ثأر الله. ثأر الحق والعدل والإنسانية والضمير. ثأر الجغرافيا. ثأر عدل مهدور ومواطن مقهور وناشط مأسور. ثأر أشقاء. ثأر أشلاء. ثأر أطفال ماتوا جوعا. وآخرين ظلوا أياما بين جثث أهليهم. ثأر الجوع والسرطان والفشل الكلوي والكبدي. أنتم لستم مجموعة من المغامرين- كما سماكم أبو الغيط –الذي أرجو من المسئولين أن يربطوه(!).. إن البعض يتناولكم كما لو كنتم عصابة استولت على كنز فليس من حق أحد أن ينازعها حق ملكه. والأمر ليس كذلك. بل إنها حتى لو كانت حربا دارت منذ أكثر من ألف عام فليس من حق أي واحد أن يستأثر لنفسه بغنيمة. لقد كان للشباب دور رائع ورائد في الثورة. لكنه كان أحد الأدوار وليس الأدوار كلها. بل إن من بدءوا الثورة بدءوها دون أن يعرفوا أنها ثورة. ولم يفطن مفجروها إلى أنها أصبحت ثورة إلا في اليوم الرابع.. فما رميتم إذ رميتم ولكن الله رمى.. ولو أن مبارك كان أقل غباء وجهلا.. أو أن العادلي كان يختلف عن البلطجية والدواب التي استعملها لما نجحت الثورة. حتى أنني أقول –ساخرا وجادا في الوقت نفسه- أن مبارك والعادلي وسليمان هم من أنجحوا الثورة ولولاهم لما نجحت. كان يمكن لمحاولتكم أن تفشل كما فشلت مئات المحاولات. وكان يمكن للأمر كله أن ينتهي لولا أن تداركتكم رحمة ربكم بأناس صمدوا وقاوموا أرجوا أن يحشرهم الله مع أهل بدر. ولولاهم لما نجحت الثورة. ثم بعد ذلك كله: لولا الملايين التي أتتكم زمرا مستعدة للشهادة لكنتم الآن فريسة لجلادي أمن الدولة المجرمين يسومونكم سوء العذاب. ولكن أيضا.. هذه الملايين لم تكن تهرع  لكم لولا دعاة إلى الله والحقيقة ظلوا ينفخون في الصحوة ويروون بدمائهم شجرتها عقودا إثر عقود  بل وقرونا إثر قرون. من يجرؤ على القول أن سيد قطب ومحمود شاكر  ومحمد محمد حسين ومصطفى صبرى بل وجلال كشك وشوقي وحافظ والمتنبي ليس لهم دور في هذه الثورة. ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك للبعض كي لا تشمئز قلوبهم.

نعم.. إنني أتهم  أولئك المتشنجين الذين يمجدون الثوار بأنهم كذابون أصحاب مطامع. إنهم كالنشال الذي يأتي إلى جوارك ليحذرك من النشالين. إنه يريد أن يشغلك حتى يسرقك هو. إن تفسيراتهم للأمور تفسيرات مريضة منحطة تقولها نخبة سافلة منحطة.. نخبة هي الابنة الشرعية لنظام المافيا واللصوص والبلطجية والبغال.  لا تصدقوهم إذن. فأنت أيها الشباب جزء من حركة التاريخ تفسرها كتب السياسة والاجتماع والاقتصاد والجريمة. كما تفسرها السنن الإلهية. النخبة السافلة تريد أن تمجدكم لكي تحولكم إلى طواغيت لأنهم تمرسوا على الحياة كديدان البلهارسيا والإنكلستوما على فتات موائد الطواغيت وفي حظائرهم. إنهم يعلمون أنكم لو كنتم صالحين فسوف تتخلصون منهم. لذلك فهم حريصون على فسادكم وإفسادكم. وأيضا على عزلكم عن بيئتكم الطبيعية الحاضنة التي تشكل المصدر الرئيسي لقوتكم. إنهم يودون في النهاية بعد أن يمتصوا مصداقيتكم عند الناس أن يصيحوا فرحين:

-         هاهم الشباب أيضا قد فشلوا.

 فإياكم والنوايا الساذجة التي تفرش الطريق إلى الهزيمة. الجئوا إلى الآخرين لالتماس النصيحة والعون والمشاركة والتخطيط.. إن ثورتكم ليست عشوائية ولا هي نبت شيطاني.. إنها ابنة نضال أجيال وشهداء وأبطال وكتاب ومفكرين وشيوخ لا أول لهم ولا آخر.. إنهم أصحابها كما أنكم أصحابها ومسئولون عنها كمثلكم تماما. إنها جزء من حركة راسخة متجذرة في التاريخ وليست مجرد ورقة يانصيب رابحة بالصدفة.

8-       إن مجتمعنا ونخبتنا يفسدان منذ قرون.. ويتعفنان منذ ستين عاما.. وثمة أجهزة كاملة ربيت على شر وفساد لا يمكن تصوره.. وعلى سبيل المثال فإن تهمة الخيانة العظمى الموجهة إلى وزير الداخلية الآن لا تقتصر عليه.. بل تنسحب على أجهزة وزارته كلها. وأولها جهاز مباحث أمن الدولة. ذلك الجهاز الشيطاني الذي أعتبره أكثر جهاز أساء للوطن والأمة بعد مؤسسة الرئاسة. هذا الجهاز يجب أن يفكك. وأن يحاسب كل فرد فيه على جرائمه. من أول التعذيب والتزوير وإفساد الأمة كلها عبر تدخله في كل شأن من شئون الناس. وليس جهاز مباحث أمن الدولة وحده هو الذي فسد وخان. إن جهاز الشرطة كله في حاجة إلى إعادة تأهيله لكي يتحول من جهاز شيطاني يتحكم فيه البلطجية إلى مؤسسة مدنية في خدمة الوطن. وأول خطوة في إعادة التأهيل هي مضاعفة مرتبات الجنود: العساكر قبل الضباط. ولن تتكلف الدولة مليما واحدا. إذ يكفي توزيع الملايين التي يستولى عليها الكبار إلى العساكر. لو أننا وزعنا ثروة العادلي فقط على عساكر الأمن لحصل كل جندي على عشرين ألف جنيه!.. ناهيك عن المجرمين الأصغر. ومن المحتم الآن أن نعرف مرتبات مديري الأمن وضباط أمن الدولة وثرواتهم.

9-                إن النخبة المثقفة لا تقل فسادا وعفونة.

10-     إن الجهاز القضائي لم يسلم .. وكيف كان له أن يسلم .. وبعض وزراء العدل يشرفون على التزوير والتبرير والتغطية على الجرائم. ولكم كنت أتمنى على سبيل المثال لو أن السيد النائب العام أوقف وزير الداخلية وبلطجيته ومجرميه رغما عن النظام لا بأمره. وكم كنت أتمنى أن تكون نيابة امن الدولة جهازا مستقلا عن الشرطة لا يأتمر بأمره. وتلك كلها قضايا يجب أن تخضع للبحث وللكشف وللعقاب ولمصادرة المال الحرام.

11-     إن ثمة مظالم لا يجب أن تستمر.. وجرائم لم يحاسب عليها.. لا ينبغي أن نحاسب على استشهاد سيد بلال فقط..ولا على عقاب المجرم الزنيم الذي قتله ثم توجه إلى أهله قائلا لهم: ادفنوا الرمة دي!!.. ثمة آلاف المعتقلين يجب الإفراج عنهم فورا وأن تلغى أحكام المحاكم الاستثنائية كلها وليس العسكريين فقط. ويجب أن يعاقب كل من تورط فيها في الظلم بسوء نية وفساد قصد سواء كان عسكريا أو مدنيا.

12-      لست بصدد المطالب التي طلبها الثوار.. وإنما أوافق عليها جميعا.. وأكتفي بهذا الآن.. على أنني قبل أن أختم هذا المقال لابد أن أحذركم من صنفين هما مجوس هذه الأمة وخونتها:

أحذركم من الشيوعيين .. لأنهم هم الحلقة النجسة الوسيطة التي يستخدمها الأمريكيون للقضاء على الإسلاميين قبل أن يباشروا السيطرة بأنفسهم.. فاحذروهم..

احذروهم.. فقد ينهار النظام.. ويستولي الشيوعيون على الحكم فنكون قد استبدلنا سيدا بسيد  وعميلا بعميل وخائن بخائن .. ونظل نحن نفس العبد.

الفئة الأخرى هي أقباط المهجر وأذنابهم في الداخل. إنهم ذراع أمريكا وإسرائيل للقضاء على الأمة.

13-         اللهم انصرهم.. وبصرهم بعيوبهم.. ولا تفتنهم بمن في الفتنة سقطوا.

 

 



[1] - أعتذر عن الكتابة بالعامية، ذلك أن المحامي التونسي الذي أبكى الملايين بانفجاره العفوي عند هروب الطاغية التونسي قد قالها كذلك.