ملك مقهور

احذروا الحزب الذي يتحدث كثيرا عن الوطنية

 

شعار العامية يكشف الاتجاهات الحقيقية للحزب الوطني

 

بقلم د محمد عباس

 

أحسست نيابة عن الأمة وممثلا لها بإحساس الملك المقهور فاروق، وهو ملك لم أحبه أبدا، ولا حتى بعد المسلسل المشهور عنه، وهو مسلسل لم يقلل من حجم إدانتي له ولأسرته، و إن كان ضاعف حجم إدانتي لجرائم الثورة غير المباركة و أكاذيب آلتها الإعلامية الجبارة، لكنني بالرغم من عدم تعاطفي معه أحسست بإحساسه وبغضبه وبمهانته وذله وعجزه إزاء أهله، إزاء أمه  وبعض أخواته اللائي ارتضين العار سبيلا، فأسأن إلى الملك –بضم الميم وبفتحها- كما لم يسئ إليه أحد، وارتكبن الفاحشة وجاهرن بها وفخرن، ثم هجرن ملة أمتهن و أهلهن وخرجن من الإسلام وتنصرن.

أي ألم فادح  قد عاناه  ذلك الملك؟!ّ..

أي ألم سحق مشاعره  وأنهى ملكه و دمر حياته ..

شعرت به.. أحسست به..  بل وانتقل إلىّ غضبه وشعوره وألمه ودهشته وعجزه..

كنت أنا - وقد احتويت داخل قلبي وعقلي وروحي الأمة والتاريخ - الملك المقهور، أما الأم والأخوات فكن الحزب الوطني الديمقراطي ونخبته التي تفخر بالخطيئة وتجاهر بالفحشاء..

لا أدعي أنني تابعت مؤخرا برامج الحزب ولا قرأت قراراته، فالكتاب يعرف من عنوانه، ولقد أدركت منذ زمان طويل أن الحزب الوطني هو هيئة التحرير هو الاتحاد القومي هو الاتحاد الاشتراكي هو حزب مصر، أقول أنني لم أتابع هذه البرامج، فذلك عبث لا يليق وقت الجد، كما أن الواحد منا ليس مرغما على أن يأكل البيضة كلها حتى يدرك أنها فاسدة.. و أنها منتنة..

كان التدهور يسير بنا من السيئ  للأسوأ.  حتى أنني أزعم أن هيئة التحرير كانت أفضل من الاتحاد القومي وأن هذا كان أفضل من الاتحاد الاشتراكي الذي كان بدوره أفضل من حزب مصر، الذي لا يقارن في سوئه وسوءاته بالحزب الوطني الآن.. ذلك الحزب الذي اتخذ مؤتمره الأخير شعارا باللغة العامية يقول:

" مصر بتتقدم بينا "..

دعنا الآن من رد الفعل الشعبي المباشر وقد كان صحيحا حين قال على لسانهم بل:

" مصر بتتنيل بينا"..

لا ينبغي أبدا أن نتناول اختيار اللغة العامية في الشعار الرئيسي ببساطة أو باستهانة  فالأمر أجل والخطب أطم.. وهو أمر لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم الرموز والإشارات ووظيفتها في مختلف أنماط الحياة البشرية ، ليس ابتداء بالفلسفة والفن ولا انتهاء بطقوس حياتنا اليومية. إن رفع السبابة مثلا علامة على التوحيد تغني عن عشرات الكتب.. كما أن الإشارات السرية المتبادلة بين أعضاء الجمعيات الماسونية وعلى رأسها الروتاري تقوم بنفس الغرض. أما في إطار الواقع والحياة اليومية فإن غمزة عين من فتاة تظنها عفيفة تخبرك بالأمر وتكشف لك حقيقتها وعهرها. إننا لا ندين الغمزة في حد ذاتها، ولا هي  تحتوي على أي قيمة منفصلة عما ترمز إليه، و إنما ندين ما ترمز إليه، ما وراءها، ومن هنا، كان فزعي ورعبي من استعمال شعار بالعامية للحزب الحاكم، فقد كان يحمل نفس المعنى لغمزة الفتاة اللعوب: أنا لست عفيفة، أنا مطروحة لمن يدفع الثمن، لا قيمة عندي إلا للمال والسعادة، أما المال فهو القوة و أما السعادة فهي اللذة. وربما لا تستحق غمزة الفتاة اللعوب عقابا ولا تستدعي إقامة حد، لكن ما يتلوها وتداعياته إذا ما تم، يستحق الرجم على مستوى الأفراد أما على مستوي الأمم فربما يجب الرجم سابقا لا لاحقا..

***

نعم.. كان استعمال شعار بالعامية للحزب رمزا يغوص في التاريخ فيحدد انحيازا واضحا لأعداء الفصحى و أنصار العامية، ليس في هذه القضية وحدها، ولكن في قضايا أخرى كالحجاب والتعليم والثقافة والانتماء والهوية والمرجعية. فكل هذه تتعلق بحزمة واحدة تحدد اختيار الناس وانتماءاتهم: إما الانتماء الإسلامي و إما الانتماء الغربي.

يقوم الرمز في الفن والواقع معا بكسر الرتابة و توليد الطفرة في المعنى بإنشاء  الدلالات والإشارات الفنية ليخلق معنى تعجز عشرات الكتب عن تقديمه، ثم أنه في إطار الرمز تستطيع أن تعلن فكرك ورأيك ما دام الأمر مأمونا، فإن حاق الخطر أمكنك التملص من المعنى كله للنجاة، وترى الكاتبة السعودية أسماء صالح الزهراني  أنه يمكن تناول وظائف اللغة عبر ثنائية الرمز والإشارة ، وهما كما عرضهما الدكتور مصطفى ناصف في كتابه (خصام مع النقاد) وظيفتان تعتمدان على علاقة اللغة بالأشياء ، وهي علاقة مباشرة بسيطة في حالة الإشارة ، وعلاقة مكثفة معقدة في حالة الرمز ، فالكلمة من حيث هي إشارة مستقلة عن موضوعها وتشير إليه بوضوح ، بينما في الرمز نحن نتحدث عن تداعيات ذهنية وانفعالية تثيرها الكلمة وتتداخل فيها سياقات متعددة .. وكل كلمة يمكن أن تؤدي الوظيفتين بحسب وضعها في الموقف التواصلي ، فالأسد مثلا هو ذلك الحيوان المفترس حين يشير إليه طفل في حديقة حيوان ، وهو رمز الشجاعة والكبرياء حين تستعمل المفردة في سياق وصف رجل بالشجاعة . الرمز إذن دائم التحول، وقابل لعشرات التفسيرات، إنه كالشفرة، مشحون بالدلالات، لكن لمن يفهمها. وهذا العلم واسع جدا واسمه في الغرب السيميولوجيا وقد ابتدعه الفيلسوف جون لوك وطوره الفيلسوف الأمريكي بيرس و أنضجه السويسري  سوسير ويقابل هذا العلم في العربية علم الدلالة الذي ابتدعه الجرجاني، ولكن ذلك كله مبحث يتجاوز أهداف هذا المقال نستعيض عنه ونكتفي منه بدلالات غمزة الفتاة اللعوب !.

***

استعمل الحزب الوطني الحاكم إذن لأول مرة في تاريخ كل الأحزاب الحاكمة في العالم العربي شعارا بالعامية، وهو أمر لم تجرؤ عليه حكومات حكمت تحت الاحتلال كانت تدرك خطورة هذا الرمز ، وليسمح لنا القارئ أن نصطحبه في جولة طويلة نناقش فيها دلالات هذا الرمز وإشاراته ومراميه ومقاصده.

يقول العلامة محمد قطب في سفره الجليل " واقعنا المعاصر" أن لمطلوب  في مجال الفكر والأدب كان قطع الصلة بين "الأجيال الحديثة" وبين تراثها الفكري والأدبي المستمد من الإسلام بالدعوة اللغة العامية، لعل هذه اللغة أن تنمو وتترعرع – حين تصير لغة الفكر والأدب – فتقتل اللغة العربية، كما قتلت الفرنسية والإيطالية وغيرهما اللغة اللاتينية التي تفرعت عنها في صورة لغات عامية في مبدأ الأمر، ثم تحولت إلى لغات "حية" وقتلت اللغة الأم!

***

وفي ملحمته الرائعة " أباطيل وأسمار" يوضح  العلامة محمود شاكر الأمر مشيرا إلى كتاب الدكتورة نفوسة زكريا "تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية و أثرها في مصر"  وهو كما يقول العلامة كتاب ينبغي لكل عربي ولكل مسلم أن يقرأه من ألف إلى يائه( والكتابان من المصادر الرئيسية لهذا البحث) .

كتاب الدكتورة نفوسة زكريا، واستعراض الأستاذ محمود شاكر يضعان قضية اللغة العامية في إطارها الصحيح الخطير، إنها ليست قضية هوى أو اختيار أو رأي. إنه موقف. والقضية  هي معركة كبرى، بل أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، معركة البناء والهدم، والحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي الفصحى أو تفرقهم أشتاتا بلغات متنابذة هي اللغات العامية، ثم إن هذه المعركة قاسية  وخبيثة، إذا وقانا الله من شرها باليقظة فقد نجونا من المحنة الساحقة، وإن أسأنا فابتلينا بتمام الغفلة فذلك ذل الأبد. ولو وقعنا فيه فقد ينتهي الأمر بعد قرن أو قرنين بترجمة القرآن إلى اللغة العامية كما حدث للإنجيل أن ترجم من اللاتينية إلى اللغات الأوروبية الحديثة.

يقول الأمير مصطفى الشهابي: "إن اللهجات العربية العامية تعد بالعشرات بل بالمئات وكلها اليوم لا ضابط لها من نطاق أو صرف أو نحو أو اشتقاق أو تحديد لمعنى الألفاظ؛ فهي كلام العامة يستعمل في الأغراض المعاشية وفي علاقات الناس بعضهم ببعض .. وهذا الكلام وقتي لا يثبت على مرور الأيام، وموضعي لا يتجول من قطر عربي إلى قطر عربي آخر .. ومعناه أن اللهجات العامية لا يمكن أن تكون لغات علم وأدب وثقافة وليس في مقدورها أن تعيش طويلاً وأن يعم بعضها أو كلها، الأقطار العربية كافة، وكل ما يكتب بلهجة عامية يظل محصوراً في قطره وقلما يفهمه غير أبناء ذلك القطر أو غير طائفة من أبناء ذلك القطر، فإذا تدارسنا حقائق هذه اللهجات ووضعنا لكل منها قواعد رجراجة، فماذا تكون مغبة هذا العمل .

استعمال العامية إذن دعوة لتفتيت الأمة، وهو استجابة وتنفيذ للمخطط الصهيوني الصليبي لتفتيت الأمة بل والدولة أيضا.

يذكر مصطفى صادق الرافعي أنه بعدما دخل المسلمون الأندلس، لم تمض ثلاثون سنة حتى أصبح الناس يخطون الكتب اللاتينية بأحرف عربية، كما كان يفعل اليهود بكتبهم العبرية. وما انقضى عمر رجل واحد حتى ألجأتهم الحاجة إلى ترجمة التوراة وقوانين الكنيسة إلى العربية، ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. وذلك يعني أن إلغاء الكتابة بأبجدية لغة معينة يجعل ما كان قد كتب بها غير ذي معنى في غضون جيل واحد فقط.

إن   اللغة كما يقول أحمد محمد جمال - مجلة البحوث الإسلامية العدد الأول - لسان وكيان، وهي –كما يرى علماء الاجتماع- التي تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً يخضع لقانون واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان، ثم أنها ترتبط برباط وثيق  مع الإسلام، وكل محاولة لمحاربة الفصحى هي في الواقع محاربة للإسلام. ولقد عمل الاستعمار الغربي وعملاؤه  دائما وما يزال  لهدم اللغة العربية بحسبانها لسان الدين الإسلامي بالدعوة إلى استخدام اللهجات العامية لغة للتأليف والكتابة كما فعل اللورد ((دفرين)) السياسي البريطاني حين طالب بتدوين العلوم باللغة العامية المصرية. وكما حاول المستعمرون الفرنسيون في الجزائر.

***

لا نبالغ حين نؤكد أن اللغة العربية هي لسان الإسلام.. وأن قطعها إنما هو –حاش لله- قطع للسان الإسلام..

يقول الإمام ابن تيمية:"إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

إن اختيار الحزب الحاكم لشعار بالعامية يعني أنه مع مجمل توجهات دفرين وكرومر وضد مجمل توجهات ابن تيمية ومصطفى كامل!..

ويعني أنه مع الحضارة الغربية ضد الحضارة الإسلامية..

وليته كان يحتل موقع الند، لا، إنه لا يحتل موقعا أكثر من موقع قرد مقلد يلبس حلة ورباط عنق ويضع عوينات على عينيه فيهتف له العلوج يا له من قرد ظريف!.

***

يقول الأستاذ سيد قطب في كتابه ((المستقبل لهذا الدين)): "إن انتصار الصليبيين في الأندلس وانتصار اليهود في فلسطين.. أعظم مشاهد على أنه حين يُطرد الإسلام من أرض، فإنه لا تبقى لغته ولا قوميته بعد اقتلاع الجذر الأصيل".ويقول أيضاً: "إن المماليك – وهم من جنس التتار – حموا من التتار بلاد العرب، مع أنهم ليسوا من جنس العرب، فصمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين دفاعاً عن الإسلام، لأنهم كانوا مسلمين.. صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية، وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم (ابن تيمية) الذي قاد التعبئة الروحية، وقاتل في مقدمة الصفوف.. وكذلك حمى صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة من اندثار العروبة والعرب واللغة العربية وهو كردي لا عربي.. وهو إنما حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين، لقد كان الإسلام في ضمير صلاح الدين هو الذي كافح الصليبيين، كما كان الإسلام في ضمير المظفر قطز والظاهر بيبرس والملك الناصر هو الذي كافح التتار المتبربرين".

وفي كتاب ((اللغات السامية)) لارنست رينان تأكيد آخر لأثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، فهو يقول: "إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية.. حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة. ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى".

إنني أرجو من القارئ أن يستطرد في ضرب الأمثلة ليذكر ما لم أذكر وليتذكر ما لم أتذكر. وعلى سبيل المثال فقد كانت هذه الخلفية متأججة في وجداني و أنا أندد بكل قوة بما ذهب إليه بعض من شيوخ أمن الدولة من تفسير للقرآن الكريم باللغة العامية، بل ووصل الأمر إلى أن أصبح هذا التفسير متاحا بالهاتف المحمول. وكان ماثلا في وجداني أيضا، أن الهدف الوحيد من محاربة الفصحى لحساب العامية هو الحرب على الإسلام، ومحاولة قطع اتصال المسلمين به، حين ينجحون في جعل لغته مهجورة ليكون القرآن مهجورا.

إنني أحذركم يا ناس، و أنبهكم إلى منابع هذا الهجوم ومقاصده، منابعه من دوائر المخابرات في الغرب، يساعدهم خليط من نخبتنا ، بعضهم مغفل وبعضهم جاهل وبعضهم لا يبغض في الوجود شيئا مثلما يبغض الإسلام. وجلهم يحصلون على الذهب النضار ثمنا لمواقفهم ، وليس مهماً أن يكون الاستعمار هو الذي استخدمهم لذلك بالعمالة المباشرة والخيانة العظمى، فوضع على ألسنتهم وأقلامهم هذه المذاهب والآراء، أو أن تكون هذه الآراء قد نشأت بعيدة عن حضانته ورعايته، ثم رآها نافعةً له، فاستغلها وعمل على ترويجها. المهم في الأمر هو أن الاستعمار وعملائه المحليين يمنحون هؤلاء الجهلة والمغفلين والمارقين المجد والشهرة والمال،  أما المجد الذي ينسب لهؤلاء الأفراد فليس من صنعهم ولا لنصاعة فكرهم ولا لتميزهم في أي شيء إلا الخيانة،  ولا هو من صنع  الشعوب التي عاشوا فيها، ولكنه من صنع القوى التي استخدمتهم أو التي تريد أن تستغلهم، سواء كانت هذه القوى هي الاستعمار أو هي الصهيونية العالمية بمختلف وسائلها وأجهزتها. وخطة الاستعمار والصهيونية العالمية في ذلك كانت تقوم -ولا تزال- على السيطرة على أجهزة الإعلام، وإلقاء الأضواء من طريقها على كتاب ومفكرين من نوع خاص، يُبْنَون ويُنَشَّؤن بالطريقة التي يُبْنى بها نجوم التمثيل والرقص والغناء، بل بنفس الطريقة التي يروج بها الراقصات وبائعات الهوى لأنفسهن، بالمداومة على الإعلان عنهم، والإشادة بهم، وإسباغ الألقاب عليهم، ونشر أخبارهم وصورهم. وذلك في الوقت الذي يُهمل فيه الكتاب والمفكرون الذين يصورون وجهات النظر المعارضة، أو تشوَّه آراؤهم وتُسفَّه، ويُشهَّر بهم. ثم هي تقـوم على تكرار آرائهم آناً بعد آن لا يملـون من التكرار؛ لأنهم يعلمون أنهم يخاطبون في كل مرة جيلاً جديداً، أو هم يخاطبون الجيل نفسه، فيتعهدون بالسقي البذور التي ألقوها من قبل.

آخر هذه الأجيال هو جيل الحزب الذي اتخذ شعاره:

" مصر بتتقدم بينا "..

***

ولقد تصدى للحملة على الفصحى لصالح العامية صناديد كثيرون كان من أبرزهم و أقواهم العلامة محمود شاكر الذي يقول عنه الدكتور محمود الطناحي: "إن محمود شاكر قد رزق عقل الشافعي، وعبقرية الخليل، ولسان ابن حزم، وشجاعة ابن تيمية، وبهذه الأمور الأربعة مجتمعة حصَّل من المعارف والعلوم العربية ما لم يحصله أحد من أبناء جيله، ثم خاض تلك المعارك الحامية: فحارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابه اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية، والعبث بها بحجة التطور اللغوي.

يشرح العلامة محمود شاكر الحكاية من مبتداها فيقول أن ما صدم أوروبا حين استفاقت من غفلتها أنها رأت من حولها عجبا، رأت أمما مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين إلى الهند، إلى جزر الهند إلى فارس إلى تركيا، إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقية إلى قلب القارة الأفريقية إلى سواحلها، بل إلى قلب أوروبا نفسها، تتلو كتابا واحدا يجمعها، يقرأه من لسانه العربية ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، ومن لم يحفظه جميعه حفظ بعضه ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات، وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، فكان عجبا أن لا  يكون في الأرض كتاب كانت  له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق، قوة خارقة عجزت أوروبا عن قهرها بالحرب ، فراحت بالاستشراق الذي أنشأته لمواجهة الإسلام تبحث عن سلاح غير أسلحة القتال لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة وجعلها أمة واحدة، وسقطت أمة التوحيد في الغفلة والضعف فبدأ الانكسار وتم الغزو العسكري والاستشراق تحت رايته، وكان الهجوم الرئيسي على اللغة، فالشعوب التي تتحدث غير العربية يتم قهرها على التحدث بلغة الغازي، أما الشعوب العربية فقد وضعت الخطة لإبعادها عن لغتها تنفيذا لمخطط خبيث يلخصها وليم جيفورد بلجراف بقوله:

" متى توارى القرآن ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة (يعني المسيحية) التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه"..

***

لنا الحق إذن أن نتوجس شرا من استخدام الحزب الوطني الحاكم للغة العامية في صك شعاراته، ذلك أن اللغة هي العروة الوثقى التي تجمع الأمة العربية ، ومن يحاول فصم الفصحى وترويج العامية ليس سوى عميل للمخطط الغربي.

يقول الدكتور حامد عمار : بكل وضوح وصراحة يسعى البرنامج – يقصد البرنامج الغربي لترويج العامية- إلى تنشئة أجيال عربية جديدة متأمركة عقلاً ووجداناً وسلوكاً وقيماً؛ استلاباً واغتصاباً لكل ما هو وطني أو قومي أو إسلامي.( د. حامد عمار , الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتداعياته التربوية والثقافية في العالم العربي , الدار المصرية اللبنانية )

يجب أن نلاحظ ونتابع ونتأكد من أن  محاربة اللغة العربية الفصيحة ومحاولات نشر اللغة العامية قد ارتبطت دائما بمحاربة الإسلام ، وارتباط ذلك كله بالمراحل التي مرَّ بها العالم الإسلامي ، حين أحاطت به القوى الغربية النصرانية من جميع جهاته : من جنوب شرق آسيا إلى الخليج العربي إلى بلاد الشام ، إلى شمال أفريقيا، حتى وجّهت الضربة الأخيرة في تقسيم العالم الإسلامي ، وعزل العالم العربي عن العالم الإسلامي ، ثمَّ بإسقاط الخلافة الإسلامية في لحظة أصبحت معظم الشعوب الإسلامية واهية مستسلمة أو مخدّرة !

***

يقول الأستاذ الدكتور محمد حسن عبد العزيز رئيس قسم اللغة العربية- دار العلوم- القاهرة أن الدكتور (ولهلم سبيتا) هو الرائد لكل ما كتب عن العامية المصرية من الأجانب ففي سنة 1880م ألف كتابا بالألمانية عن (قواعد العربية العامية في مصر). من هذا الكتاب خرجت الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة أدبية, والشكوى من صعوبة العربية الفصحى, واتخاذ الحروف اللاتينية لكتابة العامية, تلك الحروف التي نودي باستخدامها فيما بعد لكتابة العربية الفصحى.

ولنلاحظ التاريخ هنا، فأولئك القوم لا يعبثون، إن التاريخ هو 1880، قبل احتلال مصر بعامين، وسنلاحظ دائما أن الدعوة للعامية تمهد لهزيمة أو تتلوها. وسوف نرى في هذا العلج الأجنبي كل ما في المستشرقين من جهل وغرور وكذب وادعاء لامتلاك الحقيقة المطلقة.

يرى العلج  (سبيتا) أن الاختلاف الواسع بين لغة الحديث والكتابة لا يمكن معه مطلقا التفكير في ثقافة شعبية, إذ كيف يمكن في فترة التعليم الابتدائي القصير أن يحصل المرء على حتى نصف معرفة بلغة صعبة جدا كاللغة العربية الفصحى ! بينما يعاني الشباب في المدارس الثانوية عذاب دراستها خلال سنوات عدة دون أن يصلوا إلى شيء اللهم إلا نتائج لا ترضي بتاتا ... أضف إلى ذلك طريقة الكتابة العقيمة؛ أي بحروف الهجاء المعقدة التي يقع عليها أكبر قسط من اللوم في كل هذا .

وفي مدي الخلاف بين الفصحى والعامية يقول : وحال المصريين اليوم ليس غريبا عن حال الإيطاليين واليونانيين في عصر النهضة؛ ولهذا يعجب من إجبار الطالب على الكتابة بلغة هي من الغرابة بالنسبة إلى الجيل الحالي من المصريين مثل غرابة اللغة اللاتينية بالنسبة إلى الإيطاليين.

تخيلوا يا قراء، أن مثل هذا العلج الجاهل و أشباهه هو من يكاد يسجد لهم العلمانيون والتغريبيون في بلادنا تقديسا وانبهارا..

فهل الفرق بين العامية والفصحى كالفرق بين الإيطالية واللاتينية؟ أم أن الفصحى غريبة على الأمة كاللغة الهيروغليفية؟.. ولو جاز – لمجرد الجدل- أن يقول بهذا علج جاهل أو عميل، فهل يجوز أن يقول به مواطنونا؟ هل يجوز أن يقول به أمي يحضر خطبة الجمعة كل أسبوع فيفهمها، ويسمع القرآن فيبكي، ويسمع الأحاديث النبوية الشريفة فيعمل بها.

هل هذه هي اللاتينية؟

هل هذه هي الهيروغليفية؟

لكن هذا المنهج الشيطاني الذي لا يخجل من الكذب أبدا هو منهج من يدعون إلى العامية..

وربما يكون منهج من يستعملون شعارات بالعامية مثل:

"مصر بتتقدم بينا"..

***

علج آخر اسمه ولمور لاحظ -بحق- أن كل منطقة في مصر لها لغتها العامية الخاصة بها، فليس هناك لغة عامية واحدة بل عشرات اللغات أو اللهجات، وربما مئات اللغات. ويقترح العلج أن يتم فرض عامية القاهرة على بقية اللغات العامية، ولم يجب العلج أبدا عن سؤال بسيط وبديهي يقول :ولماذا نختار لهجة القاهرة دون باقي اللهجات؟ ثم..إذا كنا سنفرض العامية الخاصة بالقاهرة ونعلمها وننصرها على باقي اللهجات جميعا  فلماذا لا نفرض الفصحى بدلا منها.

***  

المحزن، بل المثير للاشمئزاز والقرف، هو حال النخبة التي اصطنعتها السلطة في بلادنا، نخبة العلمانيين والمنافقين والشيوعيين و أعداء الدين، إنهم يزعمون أنهم يقدمون فكرا جديدا ابتدعته قرائحهم، وما من أحد منهم، بلا استثناء سوى  لص خسيس يردد آراء مستشرق هنا أو هناك، فتتلقفه الدوائر الغربية وتحتفي به، ويكون الضيف الرئيسي على الفضائيات العربية، وتستمر الدائرة الجهنمية.

إنهم يتحدثون دائما عن القومية والوطنية، بينما لا يقصدون إلا التحلل من الإسلام والالتحاق بالغرب، وهم يدركون أنهم رغم شعاراتهم العالية عن القومية والوطنية إنما يسحقون القومية والوطنية، إن القوميين كانوا أمضى الأسلحة ضد القومية كما أن الوطنين هم أمضى الأسلحة ضد الوطنية. على أنهم في حديثهم ذاك يشبهون غانية تتشدق بالشرف، مقدمين مثالا عمليا للمثل الفرنسي الذي يقول:

"احذروا المرأة التي تتحدث كثيرا عن الشرف".

من هؤلاء وأمثالهم انبثق النبت الشيطاني لشعار:

"مصر بتتقدم بينا"..!!

من العلوج الذين دعوا للعامية مهندس الري الإنجليزي (ويليم ولكوكس) و كان يعمل بمصر محاضرة عام 1893م بعنوان (لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن ؟) ، وفي هذه المحاضرة زعم (ولكوكس) أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى, وأنهم لو ألفوا وكتبوا بالعامية لأعان ذلك على إيجاد ملكة الابتكار وتنميتها .

وفي عام 1926 نشر (ولكوكس) رسالة بعنوان (سوريا ومصر وشمال أفريقيا ومالطة تتكلم اللغة البونية لا العربية) زعم فيها أن اللغة التي يتكلمها الناس في هذه الأقطار هي اللغة الكنعانية أو الفينيقية أو البونية, وزعم أن اللغة البونية التي هي أساس لغة الحديث عندنا لا صلة لها بالعربية الفصحى, وأنها انحدرت إلينا من الهكسوس الذين أقاموا في مصر نحو خمسمائة سنة.

انظروا إلى حجم الوقاحة في الكذب..

انظروا إلى مدى الجرأة والإجرام..

وكأنه يتحدث عن قطيع من الخراف لا يمكن أن يعترض عليه أو يخطئه أو أن يصرخ في وجهه : أنت كذاب وخسيس وجاهل..

وليم كوكس هذا هو الوحي الذي يلجأ إليه علمانيونا الأشرار كي يستلهموا فكره و آراءه ويقدمونها للناس كحقائق مطلقة.

ويهاجم (ولكوكس) المصريين المتمسكين بالعربية الفصحى: وعلى ذلك فمصر تدفع غالبا بتبديد ثروتها القومية لقاء ما يقدمه المغرورون المتظاهرون بغزارة العلم والأساتذة من ثمن, وهو خدمة لغة معينة ( يعني الفصحى) يعملون لصالحها وحدها رغم أنها لغة مصطنعة يتعلمها المصري كلغة أجنبية ثقيلة في كل شيء, إن وصلت إلى الرأس لاتصل أبدا إلى القلب, تقف عقبة في سبيل تقدم المصريين, دراستها نوع من السخرة العقلية حالت بين المصريين وبين الابتكار ... دراستها مضيعة للوقت, وموتها محقق كما ماتت اللاتينية.

هل تشمون الرائحة النتنة التي أشمها..

هل يصيبكم العفن الذي أراه كما يصيبني بالغثيان..

ألا يذكركم هذا بمنهج شامل متكامل للحضارة الغربية التي تفعل الشيء وتنظّر لعكسه، إنهم يملئون الدنيا صراخا وعجيجا عن حقوق الإنسان وهم أكثر العالمين انتهاكا لها ، ينادون بالديمقراطية في الوقت الذي يستعبدون فيه الدول قبل الأفراد، وبالأمانة وهم يسرقون العالم، بنفس المنهج الذي يتحدث به المستشرقون.

يقول الكذاب الجاهل وليم كوكس:

عشت في مصر أربعين سنة فلم أجد فيها مصريا يفكر تفكير حرا, فإن قوة المصريين الذهنية يستنفدها على الدوام جهدهم في أن يترجموا ما يقرأونه باللغة الفصحى إلى اللغة المصرية المألوفة, ثم هم عند الكتابة يترجمون ما فهموه بهذه اللغة إلى اللغة الفصحى.

ولو أن هذا المجرم كان يملك بقايا صدق أو بقايا شجاعة لاعترف قائلا:

" أنا جاسوس عميل، وقد كلفت بمهمة، وها أنذا أقوم بها، إن النار المستعرة في قلب الحضارة الغربية لم يخب أوارها أبدا منذ كنا نحتل هذه البقعة الشاسعة من الأرض ثم جاء الإسلام فحرر أهلها و أخرجنا منها، ولم يكتف بذلك بل ناوأنا في أرضنا و أغرقنا في قروننا الوسطى المظلمة وراح هو يتألق  في قرونه الوضاءة الذهبية أكثر من ألف عام، والآن، قد جاء الأوان لنعود ولننتقم، ولكي نفعل ذلك علينا أن نخدعهم، أن نحطم وحدتهم، وليس من سبيل لتحطيم وحدتهم إلا بفصل علاقتهم بالقرآن، لقد ضاعت سدى كل مجهوداتنا لتشكيكهم فيه، فعلينا أن نلجأ إلى طريق غير مباشر، وهو أن نحطم علاقتهم باللغة التي تربطهم بالقرآن، أن نهاجم الفصحى باستمرار، أن نجعلها قرينة الإرهاب والتخلف، أن نجعل من يتحدث بها مجالا للسخرية والتنديد، أن نتركها ونتحول إلى العامية، والأفضل إلى لغة أجنبية بالكامل، وعلينا ألا نيأس من تكرار الفشل، فلقد نجحنا في النهاية في بلاد عديدة، وانظروا إلى تركيا على سبيل المثال."

في هذا الإطار يا قراء ينبغي أن نفهم شعار الحزب الوطني:

"مصر بتتقدم بينا"..

وبنفس الروح الصليبية اليهودية الخسيسة التي تكلم بها ( ويلكوكس) عن العربية الفصحى تكلم عن العرب فهم في نظره كسالى قتلة لصوص , قطاع طرق جبناء ... فانظر أيها القارئ إلى التماثل المذهل بين ما يقوله هذا الرجل وبين ما يقوله الليبراليون المصريون الآن، نفس الأفكار، وبنفس الكلمات، فما هم إلا عبيد إحسانات الغرب و أبواق مستشرقيه، يطفون كالسمك الفاسد ويطفحون كبثور الصديد..

يؤكد الدكتور عدنان علي رضا النحوي أن الحرب على اللغة العربيّة لم تنشأ بسبب اللغة العربية نفسها ، وليست هي المقصودة أساساً بالحرب . إنها جزء من مشروع متكامل عمل عليه أعداء الإسلام طويلاً ، مستفيدين من تجاربهم الطويلة مع الإسلام والمسلمين . إنها الحرب الممتدّة على الإسلام وما يمتُّ له بصلة .

***

لا..

مصر لا تتقدم بكم أبدا..

مصر لا تتقدم بمن يستعمل شعارات العامية عنوانا على فكره ورمزا على توجهه وغمزة عين تضمن التواعد على البغاء، لا تتقدم بذلك بل تتخلف وتنهار، وتصبح دولة عميلة بل وقوادة تزين الفحشاء والاستسلام لسواها.

يواصل الدكتور عدنان علي رضا النحوي تساؤلاته عن سبب هذه الحرب و سبب هذا الإصرار، ويجيب: أعتقد أن السبب الرئيس شعور هؤلاء أنَّ الإسلام الذي أُنْزِلَ على محمد صلى الله عليه وسلم يحرمهم من سلطانهم الباغي ، وعدوانهم الظالم ، وأكسبتهم التجربة خبرة في أنه يتعذّر الوصول إلى حل وسط مع هذا الإسلام الذي جاء بالحق المطلق ، يرفض المساومة على أسسه ونهجه ، فلم  يكن أمام هؤلاء المجرمين الممتدين في الزمن والأرض إلا محاولة اجتثاث الإسلام والمسلمين ليخلو لهم الجوّ فيمارسوا الظلم والعدوان ونهب الثروات . ومن أجل ذلك كانوا يضعون الخطط ويجدِّدون الوسائل والأساليب . إنّما كلّ ذلك كان ينحصر في قضايا محددة. ومن خلال خبرة هؤلاء المجرمين وطول تجاربهم مع الإسلام والمسلمين وجدوا أنَّ من أهمِّ مصادر قوّة المسلمين تمسّكهم بكتاب الله وسنَّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وتدبرهما وممارستهما في واقع الحياة . ووجدوا أنَّ مصدر هذا التمسّك بالكتاب والسنَّة عاملان رئيسان :

 أولهما :  صدق الإيمان بالله واليوم الآخر .

 وثانيهما : اللغة العربيَّة التي نزل بها الوحي الكريم قرآناً على محمّداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين .

إذن فليوهنوا إيمان المسلمين بشتى الوسائل ، وليوهنوا صلتهم باللغة العربية التي بها وحدها يتلى كتاب الله ويتدبّر . ومن هنا بدأت الحرب على اللغة العربية حرباً شرساً يخطط لها شياطين الإنس والجنّ ببراعة وصبر، كما يخططون في الوقت نفسه لتوهين إيمان الناس بالله واليوم الآخر . وهذا المسعى يعين في تحقيق المسعى الآخر ، فتوهين إيمان الناس يساعد على توهين اللغة العربية وتوهين اللغة العربية يساعد على توهين الإيمان والتوحيد في النفوس . بل كان الأمر أخطر من ذلك ، فإنَّ توهين صلة المسلم باللغة العربية وتجهيله بها يعزله كليّة عن الكتاب والسنَّة عزل تلاوة وتدبّر وممارسة . وعزل المسلم عن الكتاب والسنَّة يوهن إيمانه بالله واليوم الآخر . فأصبحت قضية اللغة العربية بالنسبة للإسلام والمسلمين قضيّة أساسية ، قضية حياة أو موت .

قضية اللغة العربية إذن ليست قضية هامشية.. إنها قضية حياة أو موت.. فمن يختار العربية الفصحى يختار الحياة لدينه ولأمته..

ومن يزْوَرُّ عن هذا الاختيار إلى العامية أو سواها ليس سوى عميل للصليبيين والصهاينة مهما ادعى وتستر وأخفى.

***

لقد استغرقت المعركة على اللغة وعلى القرآن قروناً طويلة جداً ، حتى أفلح المجرمون في الأرض في تجهيل بعض المسلمين وعزلهم عن لغة القرآن والسنَّة ، وفي إضعاف إيمانهم بالله واليوم الآخر من خلال جهد دؤوب وإصرار وعزم ، وتخطيط ودراسات ، واشتراك قوى كثيرة جداً في تحقيق ذلك.

كم منكم يا قراء  يستطيع الآن  قراءة معلقة من المعلقات السبع وكم منكم يستطيع فهمها، كم منكم يستطيع الرجوع إلى تراثنا في أمهات الكتب.

 أحذركم يا ناس، إن الهجوم الآن يتركز على حصننا الأخير، على اللغة ظاهرا وعلى القرآن باطنا، فأفيقوا!.

تاريخ المعركة طويل ، ولكنّه جليٌّ واضحٌ إلا في قلوب الذين فُتِنوا بحضارة الغرب ورأوا أنَّ هذه الحضارة المادية أهمُّ من الإيمان والإسلام . فانتشرت النظرة المادية للحياة معزولة عن الدار الآخرة والموت وما بعد الموت من بعث وحساب وجنَّة ونار . وانتشرت هذه النظرة المادية القاتلة انتشاراً واسعاً. ولم يكن ذلك بسبب مهارة المجرمين في الأرض وحدهم ، ولكنها بسبب وهن المسلمين وضعفهم الذي أخذ يزداد وينمو مع الأيام ، حتى تفرّقوا شيعاً وأحزاباً وأقطاراً ، وأهواءً ومصالح تتصارع ، وحتى وصلوا إلى ما هم عليه اليوم ، من تمزّق وهزائم متلاحقة وضياع  أوطان ، وتدمير ديار وتدفّق دماء المجازر والفواجع والنكبات.

فلا عجب بعد ذلك أن ترى اللغة العربية اليوم قد ضعفت ضعفاً مذهلاً بين أبنائها ، فعجمت ألسنة الكثيرين وغلب الجهل بها، حتى أن النخبة جلها، تكاد تموت خجلا لو أخطأت في نطق كلمة بالإنجليزية أو جهلت قاعدة من قواعدها، وفي نفس الوقت، تتيه فخرا حين تخطئ في العربية، وكأنها وصمة عار أو مرض معد يدل لحنهم فيها على براءتهم منه!.

والظاهرة الواضحة العجيبة هي أنَّه مع اشتداد الدعوة إلى القوميّة العربيّة والعروبة وجميع مصطلحاتها ، مع هذه الدعوة ضُرِبَت اللغة العربية وضعفت وبلغت أشد درجات الضعف . ادَّعوا أنَّ اللغة العربية هي التي تجمعنا وليس الدين، فكانت النتيجة أن فقدنا العاملين نسبياً ومرحليّاً . ذلك لأنه لا بدَّ أن ينتصر الإسلام ولا بدَّ أن تنتصر اللغة العربية ، وإنَّما هي مرحلة ابتلاء وتمحيص على سنن لله ثابتة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

***

عجز العلوج فتقدم العجول!!

نعم.. عجز الأجانب الذين أرادوا الترويج للعامية على حساب الفصحى فتقدم من أبناء جلدتنا من يقوم بالمهمة. تقدم عبد العزيز فهمي باشا بمشروعه الذي  قوبل بالسخط والنكير من جميع حماة اللغة العربية والذائدين عنها، وإن كان أتباع التغريب من أمثال لطفي السيد وطه حسين قد مالئوه. ذلك أن لطفي السيد نفسه كان من أوائل المصريين الذين حملوا لواء الدعوة إلى العامية بعد أن مهد لها: (ويلكوكس – ويلمور – دنلوب).

***

إنني أنبه القراء إلى عادة خبيثة جدا يمارسها الكتاب اليساريون والعلمانيون والمستغربون، إنهم يفعلون كالنصاب والمحتال، لا يعلنون عن خبيئة أنفسهم أبدا، بل يزينون المصائد كي يقع فيها القراء. سوف يمتدحون مثلا عبد العزيز فهمي، دون أي ذكر لخطيئته في الدعوة للعامية، ومع كثرة المديح يحيط بالشخصية قدر من القداسة والتبجيل، فإذا وقعت عين القارئ بعد ذلك على آرائه في الفصحى والعامية تلقاها على خلفية تبجيله والإعجاب به، فيكون اتباعه أسهل ورفضه أقل. نفس الأمر حدث مع أحمد لطفي السيد، الذي سموه أستاذا للجيل دون أن يقولوا أستاذا لأي مادة أو منهج، كما سموه فيلسوفا ولا علاقة له بالفلسفة، وليس له من إنجاز في الحياة إلا أنه عمّر طويلا عمرا قضاه جله مع الاستعمار والأقليات ضد الأمة. وليراجع القارئ موقف محمد حسنين هيكل الذي صرح أن لطفي السيد هذا  كان أكثر من يعجب به في نهاية الأربعينيات، إعجاب هيكل به يعني إعجابه بفكره، دون أن يفصح عن نوع هذا الفكر الذي أعجب به، شرك خداعي آخر، لا يجرؤ هيكل على أن يفصح عن إعجابه بالرجل الذي حارب الخلافة والإسلام والعربية وأيد فصل السودان عن مصر بل وتقسيمه وأيد الجامعة العبرية، لكنه يحيطه بآيات القداسة والتبجيل، ولآيات القداسة والتبجيل تلك سحر عجيب، إنها تماما كالغشاء الذي تفرزه الجراثيم ليحيط بها مخفيا حقيقتها، كي لا تكتشفها الأجسام المضادة في الجسم فتحاربها. تفعل ذلك حتى تتمكن من الدخول في أمان في غفلة من الجسد الذي تغزوه حتى تتمكن منه دون مقاومة فتهلكه.

 ثم أن هيكل، عندا يعلن عن إعجابه بلطفي السيد، يتبنى آراءه دون أن يحمل وزرها، بل ويستطيع إنكارها أو استنكارها في أي وقت.

نفس الشيء حدث مع طه حسين، الذي أطلقوا عليه عميد الأدب العربي، وكذلك أسبغوا الصفات والألقاب على العميل الجاهل سلامة موسى وعلى لويس عوض، وجابر عصفور وفرج فودة  وخليل عبد الكريم والقمني وجمال البنا، وعلى عشرات ومئات وربما للأسف ألوف.

لعن الله اليساريين أينما كانوا.. ما امتدحوا أحدا إلا وكان عميلا.. وما أطلقوا على أحد لقب المفكر الإسلامي إلا وهو أقرب للكفر منه للإيمان.. وقد كانوا ومن يعبدون من دون الله حربا عوانا على الفصحى وسندا لا يكل للعامية.

***

أرأيتم كيف تعامل حزب  "مصر بتتقدم بينا" مع قضية توريث الحكم في مصر، حيث يسير الكلام كله في اتجاه ويسير الفعل في اتجاه عكسي تماما، هكذا كان يتم الأمر بالنسبة لبقية مؤامراتهم في القضايا الأخرى، خداع مستمر، على طول الخط، وذلك ما يسلم الأمة إلى الحيرة القاتلة، فالأمة، خاصة الأمة المسلمة، تحتاج إلى يقين كي تتحرك، وقد أدرك الطواغيت هذه الحقيقة، فأزمعوا منذ زمان طويل ألا يمنحوها اليقين أبدا، وهذا الذي يرونه عيبا في الأمة، وفتورا في همتها، وخورا في عزيمتها، إنما هي صفة نبيلة من حقها أن تتيه بها على العالمين، ذلك أنها خشية أن تظلم لا تتصرف حتى يأتيها اليقين، ولولا خيانة النخبة، السافلة العميلة الخائنة، لتمكنت الأمة من أن تمسك بتلابيب اليقين فتأخذ أمرها في يدها، ابتداء من شئون الحكم وتوريثه، وانتهاء بالدفاع عن الأمة وعقيدتها، ولبنتها الأساسية: الأسرة ولغتها و أمنها ووحدتها وهيبتها في العالمين.

يتحدث  الدكتور محمد محمد حسين عن هؤلاء العتاة الذين يخدعون الأمة ويضللونها في مختلف القضايا فيقول: : "ليس الخطر في الدعوة إلى العامية، ولا في الدعوة إلى الحروف اللاتينية ولا إلى إبطال النحو وقواعد الإعراب أو إسقاطها؛ وإنما الخطر في هؤلاء العتاة الذين يعرفون كيف يخدعون الصيد بإخفاء الشراك .. إن الخطر الحقيقي هو في الدعوات التي يتولاها خبثاً الهدامون مِمَن يخفون أغراضهم الخطيرة ويضعونها في أحب الصور إلى الناس ولا يطمعون في كسب عاجل، ولا يطلبون انقلاباً كاملاً سريعاً .. إن الخطر الحقيقي هو قبول (مبدأ التطوير) نفسه؛ لأن التسليم به والأخذ فيه لا ينتهي إلى حد معين أو مدى معروف يقف عنده المتطورون، ولا ريب أن التزحزح عن الحق كالتفريط في العرض.

ولذلك فمن الخطر فصل اللغة العربية عَن مستوى بيان القرآن، وذلك هو هدف التغريب الذي يعرفه جيداً جميع المستشرقين.

يقول بول كراوس: "لا لغة عربية بدون قرآن".

ويقول سيديو: أن "اللغة العربية حافظت على وجودها وصفاتها بفضل القرآن".

ومن ثم فإن كل هذه المحاولات لإفساد جوهرها هي بمثابة هجوم على الإسلام يتخفى وراء عبارات كاذبة مضللة.

***

طيلة ألف عام عجز عباد العجل والصليب عن إلحاق الهزيمة العسكرية بالمسلمين، فخططوا لأن  يلحقوا بهم هزيمة من نوع آخر ، فكانت تلك المؤامرات على هذا الدين وكانت تدور في أربعة مجالات: المجال الأول: هدم العقيدة الإسلامية. والمجال الثاني: هو تحطيم الشريعة الإسلامية وإبعادها عن مجال الحكم. والمجال الثالث: خططوا فيه لإفساد المرأة المسلمة، والمجال الرابع: هو تحطيم وهدم اللغة العربية، والأدب العربي وما يتعلق به، وبذلك يتوصلون إلى قطع صلة المسلمين بالقرآن وبفهم كتب السلف الصالح وما في تراثهم من خير وهدىً وبركة.

***

يقول سليمان بن صالح الخراشي (العصرانية قنطرة العلمانية).لقد اتبع الإنجليز في مصر بقيادة الثعلب كرومر خطة ماكرة في سبيل صناعة الطائفة العلمانية  وتقديمها لأبناء المجتمع المصري المسلم كممثل للصوت الإسلامي، وهي في حقيقتها مجرد وسيط ناقل للأفكار العلمانية التغريبية التي ترسخ الوجود الأجنبي والثقافة الغربية.

كانت عملية صناعة الطائفة العلمانية  تتم من خلال الصالونات التي انتشرت بعد الاحتلال الإنجليزي، لا سيما صالون الأميرة (نازلي فاضل) التي  كانت -كما يقول الشيخ محمد بن إسماعيل- المرأة "الوحيدة التي تختلط

بالرجال وتجالسهم في صالونها الذي افتتحته آنذاك ليكون مركزاً تُبث منه الدعوة إلى التغريب.." فكان صالونها شبكة صيد لكل طامح نابه مؤهل لتأدية الدور "العلماني" الذي سيقوم به ! وكانت هذه الصناعة تتم تحت نظر المندوب  الإنجليزي في مصر (اللورد كرومر) الذي كان من خلال هذا الصالون يعايش الصفوة المختارة من المصريين ويتحسس طريقه نحو اختيار أكثرهم صلاحية" ، وقد وجد بغيته وصيده في الشيخ محمد عبده وتلاميذه المتأثرين به. .(انظر إلى حجم التبجيل والتقديس المحيطان به).

يقول الدكتور فهمي الشناوي عن الثعلب كرومر: "ابتداء من 1905م بدأ أخطر وأخبث حيلة؛ حيث ابتدأ في اصطياد نبهاء الأمة الإسلامية في شبابهم، ليلتقطهم ويسند إليهم مناصب كبيرة تخدم خط تكوين قومي على حساب الأمة:  التقط سعد زغلول وأسند إليه وزارة المعارف 1906م أهم الوزارات. والتقط الشيخ محمد عبده وجعله مفتي للديار، وبذلك ضمن أولاً تفريغ صفوف الأمة الإسلامية من رجالها ونقلهم إلى صف التفاهم مع الغرب، والتفاوض مع الغرب، واتخاذ الغرب نموذجاً ولو جزئياً ولو ثقافياً. وأنشأ لنفسه مكاتب وصالونات تروج لفكرة اصطياد نبهاء الأمة -مثل صالون الأميرة ناظلي فاضل، حفيدة إبراهيم باشا،ابن محمد على،  وتم اصطياد لطفي السيد الذي اندفع اندفاعا أعمى ضد الأمة بمقولة "مصر للمصريين" أي ليست للإسلاميين حتى لو صارت للقبط ما داموا مصريين! . واصطاد عبد العزيز فهمي حتى أصبح قاضي قضاة مصر، ولكن بالقانون النابليوني لا بالشريعة ! واصطاد قاسم أمين الذي روج بدعوى مساواة المرأة إلى خلخلة تقاليد وأعراف المجتمع الإسلامي . واصطاد عبد الرحيم باشا الدمرداش ليجعل للصوفية على الوعي السياسي الإسلامي قدحا معلى. واصطاد خلفاؤه من بعد نبهاء؛ أمثال عبد الخالق ثروت وطه حسين، وعناصر قبطية؛ مثل البروتستانتي مكرم عبيد سكرتير المستشار القضائي، الذي وصل لقمة الحركة الوطنية، وفتحي زغلول شقيق سعد زغلول و أحد قضاة محكمة دنشواي، واليهودي رينيه قطاوي الذي وصلوا به إلى وزير مالية لسعد زغلول وزوجته وصيفة للسراي، ومئات غير هؤلاء. وهذا كله لصياغة مجتمع جديد من عجينة جديد" .

والعجيب – بل ربما ليس عجيبا- أن جل هؤلاء كانوا من دعاة العامية.

العجيب أيضا، أن أولئك العلمانيين الأشرار، بوق الشيطان وخدم السلطان، قد تحدثوا كثيرا جدا عن رائدة التحرير ناظلي فاضل، ولم يتحدثوا أبدا عن تبرجها وتصرفاتها المشينة ولا عن غرامياتها وفضائحها، خاصة مع الضباط الإنجليز ، خاصة بعد فشل محاولاتها في اقتناص سعد زغلول زوجا، فاكتفت به وكيلا لأعمالها وصديقا حميما. تحدثوا كثيرا جدا عن كل شيء، إلا شيئا واحدا أسدلوا ستارا كثيفا من الصمت عليه، و هو أن ناظلي فاضل، رائدة التحرير، والداعية إلى العامية، وأستاذة الأساتذة وربيبة كرومر، قد انتهت النهاية الطبيعية المتوقعة، خرجت من الإسلام غير مأسوف عليها وتنصرت، ويعيش أحفادها النصارى في استراليا الآن.

يتجنب العلمانيون الأشرار تسليط الضوء على هذه الواقعة، لأنها تهدم بنيانهم، ولأنها تثبت أن المآل الطبيعي لفكرهم، هو المروق من الإسلام، وهو الكفر بعينه.

***

يقول الأستاذ أنور الجندي رحمه الله: "لقد كان الاستعمار حريصاً على صنع  طبقة خاصة من المثقفين، عمل كرومر على إعدادها ووعدها بأن تتسلم قيادة الأمة بعد خروج الإنجليز" لعلمه بأن المجتمع المسلم قد يتقبل من هذه الطائفة المتدثرة باللباس الإسلامي ما لا يتقبله من الاحتلال أو من العلمانية.  ويؤكد أن المؤامرة على اللغة العربية الفصحى ما تزال مستمرة لم تتوقف .. لها خيوطها المرتبطة بالاستعمار والاستشراق والتبشير والتغريب .. ثم تضاعفت الدعوة إليها وتنوعت مرتبطة بالصهيونية والماركسية .. وهي مؤامرة تلبس في بعض حلقاتها ومراحلها ثوب البحث العلمي، وتحاول أن تدعي أنها تستهدف الخير والتقدم .. والصورة المعروضة اليوم تخدع الكثيرين. وربما تجد لها من بعض الشباب الذي لم يلم إلماماً كافيا بخطوات المؤامرة، استجابة ساذجة.

والذين ينظرون في مشروع العربية الأساسية الذي تقدمت به بعض الهيئات الأجنبية في حزيران-يونيو 1973 في مؤتمر برمانا، ومنذ أن ارتفعت صيحة الدكتور عمر فروخ بالكشف عنه وإذاعته واهتمام الجهات المختصة به حتى أصدرت إحدى الهيئات الإسلامية وهي: مجمع البحوث بالأزهر تحذيرها الخطير بتوقيع الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر -أقول إن الذين ينظرون في هذا المشروع اليوم يجدونه مرتبطاً كل الارتباط بما أعلنه اللورد دوفرين في تقريره الذي وضعه عام 1882 بعد الاحتلال البريطاني لمصر حين دعا إلى معارضة اللغة الفصحى، لغة القرآن، وتشجيع لهجة مصر العامية واعتبارها حجر الزاوية في بناء منهج الثقافة والتعليم والتربية في مصر .. وحين قال في تقريره بالحرف الواحد "إن أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامة تتعلم اللغة الفصحى العربية -لغة القرآن- كما هي في الوقت الحاضر" ..

بل إن نوال السعداوي نفسها، عليها من الله ما تستحق بعد أن انكشف أمرها، وافتضح سترها، وانتهك فكرها ما لبثت أن صرخت أنها ترفض ذلك التطابق بين ما يطالبن به، وبين ما طالب به كرومر قديما وكولن باول حديثا، فالمؤامرة واحدة والكفر ملة واحدة.

كما أن المؤامرة مستمرة، وكما تسير خطة توريث صاحب شعار "مصر بتتقدم بينا" في الخفاء وتخت السطح وبدون أن يدرك الناس، فإن خطة القضاء على اللغة العربية تسير في نفس الاتجاه. 

***

لقد وصل الحال أن صرخ فهمي هويدي:

لنعترف بأن اللغة العربية هزمت في بلادها وأنها تتلقى كل ضربة موجعة ومهينة (...)  وفي بعض دول الخليج أصبحت الأردية اللغة الثانية بعد العربية. وعن مصر قال: شيء محزن حقًّا أن يصل تراجع العربية في أكبر دولة عربية حيث أصبح تعلم الأجنبية هدفًا قوميًّا، وأصبح الدخول إلى المدارس الأجنبية هدفًا، وأن الرطانة هي المعتمدة في أواسط كثيرة.

إن وسائل الإعلام بصورة عامة تخرب اللغة العربية ، فقد نشرت جريدة الأهرام في الملحق قصة باللغة العامية  . إن التناحر السياسي وحب الذات والإقليمية والبلدانية فرضت على الإعلام لتكون هناك لغات متعددة ولهجات متباينة وأخذ بعض الكتاب العرب ينخرون في جسمها فكثرت الأشعار النبطية في الجرائد وأخذ بعض المسؤولين وقادة السياسة ينظمون باللغة النبطية أو العامية التي سميت الشعبية وكثرت دقات الطبول والزلفى لها، فهل يحس هؤلاء بمقدار الضرر الـذي يعـود علـى أمتهم المسلمة بفعلهم هذا؟ وهل يدرك ذلك الدعاة إلى الشعر الحر، والشعر المرسل.. المنتقدون لقواعد القصيد العربي، ونظام الوزن والقافية – ليسوا بعيدين عن ميدان التآمر على اللغة العربية وبلاغتها المؤثرة، وأدبها الممتع.

***

يؤكد الدكتور أحمد بن نعمان أن  اللغة من الناحية الشعورية والوجدانية تمثل روح الأمة، ومن الناحية الثقافية تمثل الوعاء والوسيلة الناقلة للأفكار والتقاليد والخبرات عبر الأجيال المتعاقبة على تاريخ الأمة، وكانت من الناحية السياسية هي معالم الحدود الحقيقية للرقعة الجغرافية الوطنية والقومية، ومن الناحية السيادية هي أهم أسس الهوية ومكونات الشخصية والوحدة الوطنية، لأية مجموعة بشرية، تعيش في انسجام على وجه الكرة الأرضية.

***

من كل هذا تأتي خطورة شعار الحزب الوطني :

"مصر بتتقدم بينا"..

انتكأ جرح القلب فكأنما أرى بعيني رأسي اللورد دفرين وسبتيا  وولمور وويلكوكس ودنلوب  والمتنصرة ناظلي فاضل وتلاميذها وعبيد إحساناتها كقاسم أمين ولطفي السيد ولويس عوض وجميع من يدعون الاستنارة بنور نازلي فاضل والتقدم على سنة كرومر، أقول كأنني رأيتهم جميعا أعضاء في لجنة السياسات وقد جاءوا ليحققوا نصرهم الأخير الذي عجزوا عن تحقيقه طيلة مائة عام رغم الحكم المباشر للانجليز والسيطرة الفعلية لليهود.

نعم رأيتهم كذلك..

لكنني رأيت في نفس اللحظة، وربما في نفس الحقل البصري نازلي الأخرى، كريمة عبد الرحيم باشا صبري وزوجة الملك فؤاد و أم الملك فاروق، ورأيت ابنتيها وكنت شاهدا على تنصرهن، وزواج فتحية من المسيحي رياض غالي، وكانت الملكة الأم تتزين بقطعة من الألماس قيمتها بعملة الخمسينيات مليون دولار، ثم شهدت تقلب الزمان وضياع الثروة الحرام، وانقلاب رياض غالي الذي راح  - بعد أن خسر الثروة كلها في المضاربة- يسكر ويضرب الأميرة سليلة الملوك، والتي كان يمكن أن تُوَرث الملك، يضربها بوحشية وعنف، فما أن تتدخل أمها الملكة، و أختها الأميرة، حتى ينهال بالضرب الوحشي  عليهن جميعا، أبناء الملوك والرؤساء إذن يمكن أن يفلسوا ذات يوم و أن يحيق بهم سوء عملهم فيضربون بالأحذية.

في بداية السبعينيات، قتل رياض غالي زوجته وانتحر، أما الملكة وابنها الباقية فلم يجدن حتى يقمن أودهن إلا الخدمة في البيوت!!

كنت أرى ذلك التطابق المذهل في الصور التي راحت تعبث بي فإذا بالملكة و أسرتها المتنصرة أعضاء في لجنة السياسات يرفعن شعار:

"مصر بتتقدم بينا"..

كنت أراهم و أراهن، فأسأل نفسي في وجوم: من من لجنة السياسات سينتصر؟ ومن سينكسر؟ ومن سينتحر؟ ومن سيتوسل؟ ومن سيتسول؟..وأين سيكونون بعد عشرين عاما؟!.

أما أنا فقد كنت في خلفية الصورة المأساوية مع ذات  الأحاسيس والغضب والمهانة والذل والعجز  التي أحس بها الملك المقهور.

لكنني سرعان ما انفصلت عن تلك الصورة ببركة القرآن فرحت أرتل:

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) إبراهيم

******

***

حاشية 1

وجدي غنيم

قلبي معك أيها الأخ الكريم والداعية العظيم، أشكو إلى الله قوما آذوك، خصمهم يوم القيامة فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاللهم  عاقبهم في الدنيا والآخرة، واجعلهم للمؤمنين عبرة، واجعل ما يعانيه الداعية في ميزان حسناته يوم القيامة، وفرج عنه الكرب يا رب العالمين وبدله منزلا خيرا مما كان فيه..

***

حاشية 2

سيد القمني  وعبد الرحيم على

هَــرِمَ  القلب فتوقفت عن الضحك منذ زمان طويل، حتى لقد ظننت أنه غرق في بحار الحزن،  لكن لحظات خاطفة تنطلق كل فترة بعيدة وكأنها امتدادات من الزمن القديم. آخر مرة ابتسمت فيها كانت بمناسبة الضجيج الذي أثاره سيد القمني (بالمناسبة لا يحمل الدكتوراه من أي جامعة، لكن من المحتمل أن يكون قد حصل عليها من جامعة مباحث أمن الدولة) بمناسبة تهديد الجماعات الإرهابية له بالقتل. لكن هذه الابتسامة تحولت إلى قهقهة عندما  أعلن الأخير أن القاعدة تهدده بالقتل، لم أتمالك نفسي، صرخت: أسامة بن لادن شخصيا، و إذن، لابد أن نخطر بوش شخصيا بهذا الأمر، فربما يذكر قسم المؤلفة قلوبهم في الخزانة الأمريكية أو في سفارتهم في مصر فهو من من أنشط الأقسام..

إلا أنني أحذر القاعدة والجماعات من المساس بهم، و إلا فقدنا ينبوع الضحك الأخير.