إخطار  واعتذار ومقالات:

 

بقلب واجف أذهب إلى فلسطين –غزة- في زيارة تمتد من الإثنين 24/1 حتى السبت القادم 29/1..

و

........

والحق أن الموعد حدد منذ أسابيع وقبل أن تجهر الثورة المضادة بأنها ستخرب القاهرة يوم 25 يناير.. والحق أنني كنت أتمنى أن أكون موجودا كي أقطع اليد التي تحاول حرق مصر أو الخروج عن شرعية مجلس الشعب المنتخب أو المحاولة الخائبة الحمقاء التي يسعى إليها البعض بازدواج السلطة بين ميدان التحرير وجل من فيه الآن بلاطجة وبين مجلس الشعب المنتخب..

كنت أريد.. ولكن الله فعال لما يريد..

.......

*************

اعتذار

 

أعتذر للقراء لانشغالي الشديد في الفترة الماضية مما دفعني لإهمال موقعي، لكنني لم أنشغل عنهم إلا بهم، وسيجد القارئ في هذا الملف آية ذلك: 13 مقالا كتبتها لصحيفة الفتح التي تصدر كل يوم جمعة، ومقال لصحيفة الأسبوع التي تصدر كل يوم اثنين وأكتب فيها إن شاء الله بالإضافة للفتح مقالا أسبوعيا. ولم يقتصر الأمر على هذا.. فثمة لقاء على قناة الحكمة العاشرة مساء كل أربعاء، وحوارات متقطعة على شاشات قناة الناس والحكمة.. وفوق ذلك انشغالي بمراجعة كتبي التي ستعرض في معرض الكتاب هذا العام إن شاء الله.

سبحان الله..

لا أحصي ثناء عليه..

بوجدان مبلل بالدموع أقول لكم يا قراء أنني كنت محاصر حصارا شديدا منذ أحداث "وليمة لأعشاب البحر" .. صدرت أوامر للناشرين بعدم النشر لي.. وعندما تحدى مدبولي- رحمه الله وغفر له- هذه الأوامر  ونشر آخر كتاب لي هاجمه الليبراليون هجوما شديدا بعضه منشور-مثل يوسف القعيد- وسبحان الله.. هذا العام وبدون أي مجهود أو حتى سعي مني ينشر لي هذا العام أحد عشر كتابا.

سبحانك..

جل وعلا شانك..

بعدد الأعوام التي حوصرت فيها.. حيث أنني تعودت قبلها أن أنشر كل عام كتابا..

سبحانك..

لا أحصي ثناء عليك..

يا اللـــــــــــــه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقالات

 

 

 

 

 

****************************

 

 

 

 

 


الشــــــيوعي!!..

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

قلت له وقد جاشت مشاعرى وأخذ منى الانفعال كل مأخذ:

- لو أن أحدا فقأ عينيك ووضع مكانهما جوهرتين..

تُرى :هل تَرى؟!..

أم أن ما منحناه الله من نعم لا تشترى..

وطفقت أرجوه رجاء بلغ حد التوسل هاتفا به : ويلك آمن.. إن وعد الله حق.. لقد أضعتم الكنز وأخذتم الوباء،  لو أننى كنت أتحدث مع غيرك لوضعت احتمالات كثيرة،  معك أنت يختلف الأمر،  فلقد غرروا بك، وأنت أيها الزاهد المخلص المسكين لم يخطر ببالك أبدا أن زعماءكم وقادتكم يمكن أن يخفوا خلف أقنعتهم البراقة مسوخا للقيم ومسوحا للشياطين.

***

كان ذلك منذ عشرين عاما..

كنت جالسا فى مكتبى مرهقا ومحبطا .. كنت مجروحا بقسوة عالم لم يكف أبدا عن جرحى ولم أكن أرغب فى شىء إلا فى أن أتباعد وأنأى لعلى أستطيع أن أفهم.

انطويت على نفسى مسلما إياها للحظة من لحظات الصمت المطبق.

وخدش ذلك الصمت من جاء يخبرنى بوجود الأستاذ (م.م) وبرغبته فى لقائى.

كان الأستاذ (م. م) واحدا ممن أحترمهم احتراما حقيقيا رغم أنه كان شيوعيا.

فزعت.

قلت لنفسى هؤلاء الشيوعيون لا يكفون عن الكلام والجدل أبدا وأنا فى لحظة ضعف و ألم لا أحتمل فيها أى مزيد .. لا أحتمل النطق بكلمة ولا الاستماع لحرف.

أقسى من وحشة الصمت اضطرارك لاصطناع الحديث.

عزمت على ألا أفتح أى موضوع للجدل معه وألا أستجيب له إذا فتح أى موضوع.

ودخل الرجل وأخرج أوراقا كانت معه. قال لى أنهم ينشئون حزبا شيوعيا جديدا و أنه يعرف أننى فى الطرف الآخر منهم، المناقض لهم، لكن رأيهم اتفق على أن يعرضوا برنامجهم الجديد على مختلف التيارات الفكرية للأمة.

رحت أذكّر نفسى بألا أفتح أى مجال للحوار والنقاش..

وأحس الرجل بعزوفى فبادر قائلا أنه يلمح على وجهى ملامح الإرهاق لذلك فإنه سيعود بعد أسبوع أكون قد قرأت فيه مسودة مشروع الحزب الجديد لأبدى رأيى فيها..

حمدت الله على الخلاص..

لكن شعورا دهمنى فجأة، شعور كالطوفان الذى تنهار إزاء جموحه كل الاستحكامات و تنهار أمامه كل السدود.. اجتاح هذا الشعور صمتى فانفجر الكلام..

قلت للرجل أننى أحترمه لكننى أشفق عليه.. لقد انهارت الشيوعية فى أرجاء العالم وهاهو ذا يحاول إحياءها وهيهات أن يحيى الموتى..

اندفعت فى حديث متواصل من التوسل والرجاء لا أستطيع كبح جماح نفسى..

صارحته بما دار فى دخيلة نفسى قبيل دخوله وقلت له أننى أنكص عما عزمت عليه لأننى أحترمه..

قلت له أنه مأساوى جدا أن أصارحه  أن أقول له بعد أن تجاوز الخامسة والستين من عمره أن كل كفاحه وكل نضاله وكل عذابه كان خطأ فى خطأ،  مأساوى جدا أن يكتشف بعد كل هذه السنين أنه سار فى الطريق الخطأ و أنه ضل بداية الطريق،  لكن المأساوى أكثر منه أن يواصل نفس الخطأ ولو ليوم واحد آخر..

قلت له:لو كان الموت هو النهاية لناشدتك أن تواصل الخطأ فالإقلاع عن فكرة سرت من الإنسان مسرى الدم لأكثر من نصف قرن أشد إيلاما من السلخ..

وقلت له ليتك كنت فاجرا أو عربيدا أو خائنا وليتك استمتعت بدنياك حتى يكون فى ذلك بعض عزاء عن خسران آخرتك..  لكنك عشت فى الدنيا كزاهد..  ثم تذهب إلى الآخرة وقد انتثرت كل تضحياتك هباء منثورا.. لقد قضيت فى السجون ربع قرن، كنت زميلا لشهدى عطية الذى قتله الجلادون.. لماذا مات شهدى عطية؟! أى جنون يقبع فى أن تفقد الحياة نفسها وأنت تدافع عن الحياة؟.. لماذا إن لم يكن الدافع شيئا أرقى من الحياة و أسمى و أعظم.. وبدون هذا الشىء فالإنسان مجرد حيوان لا يسير على أربع.. هل يعقل أن تدفع حياتك  من أجل إعلاء كلمات ماركس.. سوف أخاطبك بمنطق قد تفهمه وتتعاطف معه سوف أخاطبك بصرخة دستويفسكى فى الأخوة كارمازوف:  "إذا لم يكن الله موجودا فكل شئ مباح"!!..

ماذا تريدون أن تنشئوا على الأرض؟..  جنة؟.. لن توجد على الأرض جنان أبدا.. أبدا..  ..  إننى أناشدك أن تتأمل الأشياء حولك.. الأشياء الصغيرة العادية التى تحدث كل يوم وليس فى قضايا الوجود الكبرى..  أى بؤس للجنس البشرى إن كان الفناء مآله؟.. أى ضياع لكل قيمة؟.. و أى باطل أى تحقير للإنسان أن ينتهى حين يموت؟..

القيمة الوحيدة للجنس البشرى لا يمكن أن تتحقق إلا فى وجود الله وبالله .. والقيمة الوحيدة لكل هذا الألم الهائل الذى نكابده والعناء المر الذى نلاقيه لا يمكن أن تحتمل إلا لأن هناك آخرة سوف نحاسب فيها.. الشىء الوحيد الذى يعوض كل هذا الضنى وكل هذا العذاب ليس إلا الخلد..

 صرخت فيه: هل يهون عليك أن يستوى الأمين والخائن والطاغوت و البطل والشهيد والجلاد؟..

 هل استمتعت بدنياك ؟ أى أباطيل بررت بها كل تعاساتك ؟! ولماذا أنجبت أبناء يتعذبون كما تعذبت عذابا بلا مبرر فى حياة بلا معنى؟..

بدا الرجل مترددا وهو يبتسم ابتسامة المحرج الذى فاجأه الأمر فراح يدافع عن الشيوعية والمساواة والعدالة.. قلت له بل هي وباء فانظر إلى نتائجها في بلادها..

لقد أعطى الإسلام للبشرية شهادة نضجها أعطاها كنزا فلماذا تتخلى عنه وتأخذ بدلا منه وباء..

ولقد قدم التصور الوحيد الممكن للدنيا والآخرة ولقد كان دوركم طيلة الحقب الماضية أن تنثروا الرماد على هذه الحقيقة الساطعة كى تطفئوا بهاءها..

بماذا تريد أن تجادلنى؟

 أتقول أنك لا تستطيع أن تخطط لمجتمع بناء على غيبيات؟

 أليست الروح غيبا والنفس غيبا وما أنت بدونهما سوى جيفة..  الكهرباء أيضا غيب.. أنت لا تراها امدد يدك الآن وضعها على هذا السلك المكشوف.. ستكون لحظة الإدراك ذاتها هى لحظة الموت.. أنكر إن شئت أن هذا الهواء الذى يحيطنا يحمل فى طياتة ملايين الموجات ولكن إنكارك لن يلغى هذه الموجات.. بل سوف يلغى إمكانية نجاتك بها كتائه فى الفلاة لا وسيلة لنجاته سوى جهاز اللاسلكى الذى ينكر جدواه ما دام لا يرى موجاته..

إن العلم المادى الذى ظننتم يوما أنه كفيل بفك طلاسم مغاليق أسرار الوجود يعود اليوم إلى النقطة التى علّمناها الدين منذ عشرات القرون.. هاهى ذى الإرادة الإنسانية تتلاشى وتحكّم الإنسان فى مصيره يضمحل ليثبت أن كل شئ مخطوط بالشفرة على جزيئيات الجينات.. و أن المرض مكتوب والميلاد مكتوب والسعادة مكتوبة والشقاء مكتوب و أن موعد موتك لا يعلمه إلا الله..

انظر إلى تداول الأيام بين الناس ما من قوة تستمر وما من ثروة تستقر وما من حكم يدوم..

انظر إلى التاريخ..

 انظر إلى مكر الإنسان ومكر الشيطان إزاء مكر خير الماكرين.. انظر إلى البدايات والنهايات.. وكيف تسجل سجلا حافلا لخيبة العقل البشرى..

لقد خُلِقَ الإنسان عبدا وهو إما أن يتشرف بالعبودية لله أو أن يسقط عبدا لشهواته وللشيطان..

تقول أنك لست عبدا ؟! أنصت إذن إلى دقات قلبك وتحكم فى كهرباء مخك ويا أيها المسكين العاجز عن التحكم فى عضلات معيِّه كيف تدعى القدرة على تغيير الكون أو حتى على فهمه ..

إن الدنيا امتحان، وفى الامتحان لا يتعين أن يحدد الطالب الأسئلة سلفا أو أن يختارها.

انظر إلى الرموز المكنونة فى هذا الوجود ولا تنس أبدا أن الله قد خلق جدنا على صورته وأن الذرة.. الذرة الصغيرة التى لا ترى هى رمز للمجموعة الشمسية كلها..

لماذا لم تفكر فى اتجاه دوران الإليكترون حول النواة واتجاه دوران الأرض حول الشمس وعلاقة ذلك بالطواف حول الكعبة..

إننى لا أنكر دور الإرادة البشرية والعقل البشرى لكن فى إطارهما الصحيح..  تماما كما أن لكل خلية فى جسدك وظيفة لكنها تمارس هذه الوظيفة فى حدود جسدك.. لا تكن كذلك البحار الأحمق على ظهر حاملة طائرات ضخمة يحسب أنه بيديه الكليلتين قادر على التحكم فى مسارها ومصيرها..

 العقل البشرى محدود فى وظيفته كأى عضو آخر..

هل تستطيع أن ترى بعينيك ما يحدث الآن فى أسوان أو أن تسمع بأذنيك ما يقال فى الإسكندرية..

هل يمكنك أن ترى من خلال الراديو صورة تليفزيونية، وهل تستطيع أن تفك مسمارا.. مجرد مسمار.. دون المفك المناسب له.. العقل البشرى كحقيبة الآلات الجراحية التى يحملها طبيب.. فهل يستطيع بآلات عملية اللوز أن يستأصل الزائدة الدودية أو سرطانا ؟! العقل البشرى خلق لغرض معين محدود إذا استعملته فى غيره أفسدت كل شىء دون أن تصل إلى شئ أبدا كمن يحاول الطيران بسيارة أو الوصول إلى القمر بطائرة فكلاهما لا محالة هالك ..

إنها الأمانة الفادحة التى أبت السماوات والجبال أن يحملنها فحملناها.

ثم من يحكم بأن الخير خير والشر شر؟!..

إنك لا يمكن أن تقول فوق وتحت ويمين ويسار دون أن تحدد ما تقيس عليه، لا بد أن توجد قيمة مطلقة تنسب إليها كل الأشياء.. هذه القيمة هى الكنز الوحيد فى وجودنا إن فقدناه ضعنا.. خسرنا الدنيا والآخرة..  لا تستطيع أيضا أن تقول أن الله موجود وأنك تؤمن به ثم تحكم بعزله عن تدبير شئون العالم لأنك بهذا يا أحمق تعزل نفسك وتضيع.. تفقد الدليل الوحيد الذى يمكن أن يهديك.. ليس هناك نصف إيمان ولا يصح إيمان لم يسلم لله أمره..  يا مسكين.. إن ما تظنه تقدما وتحضرا ليس سوى الجهل والغباء والتخلف..  إنك بهذا تشبه طفلا غبيا يمد يديه كى يمسك الشمس بأصابعه.. وهو رغم فشله فى كل مرة لا يكف أبدا عن المحاولة دون أن يفكر أن المحاولات كلها خطأ وجنون..

هل تعرف متى كشفت العلوم الحديثة الاتساع الهائل للكون ؟ لم يتم ذلك سوى منذ بضعة عشرات من السنين بعد اكتشاف نظريات النسبية والكم ثم نظرية انعدام اليقين، فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان الكون مقتصرا على بعض القارات القديمة والسماء والشمس والقمر والنجوم..  اكتشفوا بعد مئات السنين المجموعة الشمسية ثم اكتشفوا أن المجموعة الشمسية مجرد مجموعة هزيلة تتبع نجما متوسطا هو الشمس وأنها تحتل مكانا هزيلا فى مجرة درب التبانة وأن مجرة درب التبانة تحتوى على ألف مليون شمس وأنه يوجد فى الكون المرصود ألف مليون مجرة كدرب التبانة وأكبر وأن الكون منذ خمسة عشر مليار عام يتمدد بسرعة الضوء و أننا لا نعرف ما يوجد خلف الكون المرصود.. وقد تكون هناك أكوان عديدة مثله أو أكبر منه.

هل تريد حديثا نبويا ينبئك بكل هذا ؟!

 

 

« ... و ما السّموات السبع في الكرسي إلاّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» [ رواه النسائي و ذكر الشّيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصّحيحة رقم:109 و جملة القول أنّ الحديث بهذه الطرق صحيح]

هل يعجز مدبر كل هذا يا إنسان عن تدبير أمرك؟..

أى حماقة ؟. أى جهل ؟. أى جنون ؟..

هل أدركت الآن متى فقدنا الكنز ومتى أخذنا الوباء؟..

منذ تلك اللحظات التى تجرأ فيها الحمقى  وتخلوا عن تقديس الله ثم منحوا هذه القداسة لكسرى وقيصر وماركس ولينين وللحضارة الغربية أو الشرقية بل لأى حاكم يملك الحديد والقهر والسجن والنار..

غفلنا عما لم يكن يجب أن نغفل عنه أبدا ففقدنا كنزنا ولم يفقد الكنز شيئا..

لماذا تظن أننا خلقنا؟..

هل لنأكل ونشرب ونتناسل كالبهائم؟..

هب أنكم وصلتم إلى ما تريدون.. هب أنكم قضيتم على الجوع والفقر فهل هذا هو مبتغانا من الوجود وهل تستحق الحياة ساعتها أن تعاش؟!..

أى عبث؟؟!!

لكن الإنسان لم يخلق سدى ولا عبثا.

يخيل لك الوهم والحماقة أنك قادر.

فهل كان يمكن لمسار التاريخ البشرى أن يتغير لو تغيرت أحداثه؟ ..

هل كان يمكن للتاريخ أن يكون تاريخا آخر لو لم يكن هناك كسرى وقيصر ونابليون وهتلر وهرتزل و أى واحد من هؤلاء الذين تعبدونهم أو ترجمونهم.. 

هل كل هذا العذاب البشرى جاء صدفة؟ 

هل نقول مثلا أنه لو لم يولد ماركس لما كان للشيوعية أن تولد؟

أو أنه لولا وجود هرتزل ما كان لإسرائيل أن توجد؟

لو لم يوجد الإسكندر أو جمال عبد الناصر هل كان مجرى التاريخ يتغير؟

 هل يمكن أن تؤمن بهذا العبث؟.. إنك لو آمنت به لأصبح الوجود البشرى عبثا لا يطاق..

مقامرة تتحكم فيها الصدفة.. صدفة أن ماركس لم ينزلق على قشرة موز ولم تصدم سيارة لينين أو هرتزل.. وأن ثعبانا لم يلدغ الإسكندر أو حتى آدم ليتكفل بوقف هذه السلسلة الرهيبة من الأحداث التى أسفرت عن كل هذا التاريخ وكل هذا العذاب.. لأننا لو قلنا أن شخصا ما هو المسئول عن مسار التاريخ وأحداثه لكانت مسئولة أيضا ملايين التفاصيل التى تضافرت وتجمعت لكى تصل إلى أى حدث..

لا ..

بل كل شئ بقدر..

لو جاز أن الصدفة والعبث و تاريخ الأفراد هى التى تحدد لنا مسار التاريخ لجاز أن انفجارا فى مطبعة أدى إلى اختلاط الحبر بالأوراق فأسفر انتثار الحبر على الورق إلى طباعة بالصدفة لملايين القواميس ودواوين الشعر ليس فى بيت منها وزن مكسور، كل منها مرصوص فى مكان مختلف..

إن منتهى نضج العقل البشرى أن يعرف أنه لا يعرف.. مأساة الإنسان ليس فى أنه يموت بل فى أنه محكوم عليه بالخلد..

لقد وجدنا قبل حياتنا تلك وسنبعث بعد الموت ثم لا نموت أبدا..

انظر إلى دودة القز إلى حياتها كدودة تمثل طور الحياة البشرية ثم انظر إليها تتشرنق فتدفن نفسها ملخصة طور الموت ومن قبرها ذلك يخرج أجمل أطوارها:الفراشة.. لو قيض لهذه الدودة أن تفكر وأن تتخيل أن طور الدودة هو الطور الوحيد وأن التشرنق هو الموت الذى لا حياة بعده .. ثم راحت تحاول الطيران كالفراشة وهى دودة كى تقيم جنتها بماذا يمكن أن تحكم عليها.. لا تحكم عليها احكم على نفسك فأنت تفعل نفس الشىء..

أنت وأنتم ساهمتم فى تضييع الكنز وجلب الوباء..

ودون وخز من ضمير ساهمتم فى الوصول بنا إلى وضع رضيتم فيه باستبعاد العقيدة عن مجالات تطبيقها فى الحياة.

شرذمتم الأمة..

انظر إلى الوطن الصغير وتشرذمه ما بين شيوعيين ورأسماليين وناصريين وساداتيين ومباركيين ووفديين و.. و.. و.. انظر إلى وطننا الكبير تجد نفس الشىء..  لكن ما هى مرجعيتنا فى الحكم على أى واحد من هؤلاء..

مرجعية الله والحق والعدل أم مرجعية الشيطان والهوى..

كيف نحكم عليهم فنؤيدهم أو نعارضهم ؟ما هو المقياس وما هو الدليل؟..

رضيتم بعزل العقيدة.. فانهار كل شئ حين أصبح لكل واحد مقياسه الخاص..

أضعنا الكنز و أخذنا الوباء..

فدعك إذن مما أنت فيه..

عد إلى الله وتب واعمل صالحا علّ ذلك يشفع لك أمام الله يوم القيامة..

***

كنت قد واصلت لساعتين كاملتين الحديث الصادر من أعماق القلب بحماس وحزن لا حد له وكان الرجل ينظر إلىّ بذهول..

بدا أنه محرج لأنه لا يستطيع مشاركتى فى انفعالى ولا يستطيع في نفس الوقت تجاهل جيشان عواطفي تجاهه  وحماسي من أجله...

وعدنى أنه سيفكر فيما قلت مؤكدا لى أنه مؤمن و إن كان على طريقة غير طريقتى..

قام يشد على يدى منصرفا وهو يوصينى ألا أنسى قراءة برنامج الحزب الشيوعى الجديد..  كنت قد نسيت ذلك البرنامج  تماما وعندما وجدته ما زال يذكره انهد فى داخلى شىء وخاب أمل وانطفأ توهج.. قلت له بصورة آلية تماما :إن شاء الله ..

وكنت ما أزال أقاوم الدموع..

***

مر الأسبوع التالى ولم يحضر الرجل فحمدت الله..

***

بعد ستة أسابيع كنت أتصفح صحيفة الأهالى كنت ما أزال حتى ذلك الحين أقرأها فانفجر من بين الصفحات بركان وقفَّ شعر رأسى ارتياعا وهولا.

كان ثمة مانشيت فرعى يقول:

ذكرى الأربعين للأستاذ (م.م.)..

وراحت الصحيفة تشيد بنضاله وتاريخه..

هرعت إلى أسرته..  لم يكونوا يعرفون أننى آخر من لقيه،انصرف من مكتبى فى السادسة مساء وصل إلى منزله في السادسة والربع .. سقط فاقد الوعى.. مات فى اليوم التالى..  ولم أعلم..

***

كان صديقى الدكتور جمال بلال استشارى فى علم النفس - يتابع الحكاية من بدايتها.. نظر نحوى فى رعب وذهول صرخ فى وجهى:

- لم تكن أنت الذى تتحدث.. لم تكن سوى قلم وبوق يسطر بهما القدر سطوره وألحانه وإنذاره الأخير..

وواصل قائلا:

- كان هناك شىء فيك شىء لا تعرفه ولا أعرفه لكنه موجود .. هذا الشىء كان يرى ملك الموت يرفرف على رأسه وكان يعرف أنه يوشك أن يموت.. ومن هنا كان انفعالك ولهفتك ورغبتك في الإجهاش بالبكاء..

وشملنى الرعب من الله ومن نفسى ورحت أردد فى ذهول:

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا..

سبحانك إنى كنت من الظالمين..

 


 

 

 

 

*****************************************

 

 


 

أنا لست أقرئك السلام.. فلا سلمت!!

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

هل هو يحيى الجمل..؟

هل هو علي السلمي..؟

هل هو جمال مباراك؟؟أم الشيطان ذاته..

لا يهم أيهم كتب تلك الوثيقة.. وثيقة التعديل الدستوري..

لا يهم..

لكن المؤكد الذي لا شك فيه أن من كتبها لا يمكن أن يكون عربيا ولا مسلما ولا نصرانيا يحب وطنه.. هذه الوثيقة مكتوبة خارج مصر.. في أوكار المخابرات التي تريد تفتيت مصر والقضاء على الإسلام..

هل تذكرون قرارات مؤتمر القمة التعيس إبان غزو العراق للكويت..

حين جاءت قرارات القمة مكتوبة من أمريكا ولم يكن أمام جلالة الجلالات ولا فخامة الفخامات إلا أن يمهروها بتوقيعاتهم وأختامهم.

أظن أن الوثيقة الدستورية أعدت بنفس الطريقة.

نعم.. ليس لدي أي شك في أن تلك الوثيقة الملعونة أعدها ملعون في مكان ملعون بنفس الطريقة..

***

يعبث بنا أولئك الذين لسانهم كألسنتنا لكن قلوبهم قلوب ذئاب..

يناورون.. توجد عشرون نسخة على الأقل من هذه الوثيقة على الشبكة العنكبوتية.. كل نسخة منها مختلفة عن الأخرى.. وبهذه الطريقة يستطيعون التملص من أي صياغة إذا ما جوبهت بمعارضة قوية. لكن كل النسخ المطروحة تورد المواد العشرين أو الإثنين وعشرين الأولى..أما المواد الأخيرة فلا يذكرونها. ومرة بعد مرة تلو مرة يفقد الناس الاهتمام بالأمر.. يظنون أنه انتهى.. وأن الشيطان قد يئس من تمرير تلك الوثيقة.. ويطمئن من همه الأمر..على حين غرة..  فجأة .. بعد فتنة أو حادث مروع.. يفاجأ الناس بالوثيقة وقد أقرها مجلس الوزراء والمجلس العسكري..

كان جل الناس قد حسبوا أن الأمر انتهى خاصة عندما صرح المجلس العسكري أنه لا يمكن أن يبرم هذه الوثيقة ما لم يحدث توافق عليها.. ولما كان 80% على الأقل من الشارع السياسي يرفضها  فقد وقر في القلوب أن الأمر أصبح في خبر كان.. ثم جاء اجتماع الفريق سامي عنان بالأحزاب في أول أكتوبر لنفاجأ بأحد المدعوين(مصطفى النجار) يصرح قائلا  أن المشاركين سيدرسون  وثيقة المبادئ الدستورية التي وضعها على السلمي لاعتمادها نهائيا.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..

عدت إلى الوثيقة الملعونة في أضابيري..

دعنا من أنها لا تبدأ بالبسملة(بسم الله الرحمن الرحيم) ولا تذكر الإسلام إلا مرتين (من تحت الضرس).

ودعنا من المقدمات البلاغية الركيكة.

ودعنا من الإطالة في الجزء الأعظم من الوثيقة ..

المجرم الذي أعد هذه الوثيقة درس علم النفس جيدا.. في علم النفس عندما يتكرر الخلو من الخطأ يقع ذلك الخطأ فلا تدركه العين. لقد تطبعت على أنه ليس هناك ما يريب!.. إن الأمر يبدو كطريق يبدوا ممهدا لكن الألغام مدسوسة فيه ومستورة.

***

تقول الوثيقة الملعونة.. وثيقة إعلان المبادئ الأساسية للدولة المصرية الحديثة:

نحن جماهير شعب مصر الحر، على هذه الأرض الطيبة منذ فجر التاريخ، اعتزازا بنضال هذا الشعب المصري عبر تاريخه العريق من اجل الحرية وسلام البشرية، وما قدمه للحضارة الإنسانية، مدركين التحديات التي تواجهنا على طريق بناء دولة القانون بمقوماتها المدنية الديمقراطية الحديثة القائمة على المواطنة، ومؤمنين بقيمة المواطن وحماية حقوقه في المساواة والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وضمانا لتحقيق أهداف الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير 2011، واستلهاما لروحها، واحتراما ووفاء لأرواح الشهداء وتضحيات ونضال الشعب المصري العظيم، نعلن وثيقة المبادئ الأساسية الحاكمة للدولة المصرية الحديثة

( تعليق: هذه المقدمة الفخمة الموحية بالثقة والاطمئنان والأمان والسلامة  بمثابة محقن طبيب التخدير.. إنه يبث المخدر في عروقك كي لا تشعر بالتالي: بتقطيع جلدك وسفك دمك.. وربما لن يلفت نظرك إغفال : بسم الله الرحمن الرحيم).

 

والآن: لترفعوا درجة التوجس ولتقرءوا:

أولا – المبادئ الحاكمة

1. جمهورية مصر العربية دولة مدنية ديمقراطية موحدة غير قابلة للتجزئة، شعارها “الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية”، نظام الحكم فيها جمهوري يقوم على أساس المواطنة وحكم القانون، يحترم التعددية السياسية والثقافية، ويكفل المساواة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون أي تمييز أو تفرقة بينهم.

والآن لنعد إلى هذا اللغم:

دولة مدنية ديمقراطية موحدة غير قابلة للتجزئة

أولا : "مدنية" وهو يقصد علمانية ولقد سبق أن كررنا أنه في كل نظم العالم ودساتيرها وعلوم السياسة والاجتماع لا يوجد مصطلح الدولة المدنية. يوجد تجاوزا :حكومة مدنية.. والمعاني المطروحة لها أنها نقيضة الحكومة العسكرية أو البوليسية . لكن من وضعوا الوثيقة يتوسلون من أجل بقاء الجيش في الحكم، ولما كانت الثيوقراطية مقتصرة على اليهودية وعلى الكنيسة-دون المسيحية) فإنه في حالتنا اسم على غير مسمى وصفة لغير موجود. لكنها في الحقيقة عملية نصب واحتيال على الأمة. يعلمون أن الأمة  ترفض العلمانية وتراها كفرا بواحا فيتجنبوها ويضعوا كلمة المدنية كبديل.

أول القصيدة كفر إذن.. وكذلك أول الوثيقة!

ثم نأتي للديمقراطية.. وهذه أداة نصب!! لأن هذه الوثيقة نفسها تقييد للديمقراطية.. إنهم يضعونها لكي يمنعوا الديمقراطية.. فهل رأيتم أفحش من هذا؟!..

ثم نأتي للكارثة التالية:

موحدة غير قابلة للتجزئة

إن كاتب الوثيقة لا يقصد الحرص على الوحدة وتجنب التجزئة بل يعني التهديد. تهديد لا يمكن فهمه إلا في ضوء ما يقوله بعض الضالين والضالين من النصارى والعلمانيين من أن السماح للمسلمين بدخول ساحة السياسة سيؤدي إلى أن يطالب النصارى بتقسيم مصر.. بتهديد وحدتها.. بتجزئتها.. ذلك أن هؤلاء الضالين والمضلين.. قد تعودوا منذ زمن نابليون على تصفير وجود المسلمين فكأنهم صفر أو مليون صفر أو ثمانون مليون صفر!.. المهم هو المعادلة الصفرية فإذا جمعوا على غيرهم لم يزيدوه وإذا طرحوا منه لم ينقصوه.

سوف نعبر النقاط الباقية سريعا رغم أن فيها الكثير مما يستحق التعليق لكننا نريد أن نصل إلى النقاط الأخيرة. وسوف أكتفي بوضع تعليقات موجزة بين قوسين.

تواصل الوثيقة العورة فتقول:

2- . الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.(مبادئ؟ ولماذا لا تحذف هذه الكلمة أصلا؟ ولماذا لا تكون الشريعة هي المصدر الوحيد؟ تذكروا كذبة هيكل عندما ادعى أنها في الدستور 71 : المصدر الوحيد).

ومبادئ شرائع غير المسلمين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المتعلقة بأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية.( ولماذا هذا الجزء أصلا؟ إنه متضمن في الإسلام.. لكنه الحقد الشيطاني.. فمع عجزهم يريدون أن يقولوا لنا: بالرغم من كل شيء فقد عبثنا ببند المادة الثانية).

3-     السيادة للشعب وحده (!!!).. .(سنعبر هذه)

4-     (...) وعلى أساس تعدد الأحزاب السياسية (...) بشرط عدم استنادها إلى أي أساس ديني أو جغرافي أو عرقي أو أي مرجعية تتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذه الوثيقة، كما يحظر ممارستها لأي نشاط ذي طابع عسكري.

تعليق:  (من هذه المادة يبزغ الشيطان.. إن كلمة أساس ديني.. خاصة عندما تجيء بعد كلمة : أي إنما تعني إمكانية التنكيل بأي حزب ذي مرجعية إسلامية في أي وقت.. ثم أنهم يقولون: عرقي.. وهم الذين يجزئون الوطن فيتكلمون عن حقوق النوبيين وكوتة النصارى.. ثم نأتي للجملة الأخيرة .. وهي تعني نفي الإسلام كله كما سيتضح في مناقشة البنود الأخيرة).

5-    ....  .(سنعبر هذه.. ولكن.. كيف ستقررون بعض الميزات لبعض الفئات كما في البند 2 من الفقرة :"ثانيا؟!)

6-     ....  .

7-    ..... .

8-   ......

9-   القوات المسلحة ملك للشعب،.....(موافقون)

10-   يتمسك الشعب المصري بانتمائه العربي والأفريقي، ويعتز بتاريخه الفرعوني والقبطي والإسلامي، وببنية ثقافية وحضارية غنية بتنوعها وتعددها وتراكم معارفها، باعتبارها جزءا أصيلا من الحضارة الإنسانية. ويسهم بايجابية في تحقيق السلام العالمي وتعزيز مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والشراكة بين الدول والشعوب.(لاحظوا أن الانتماء للعروبة والأفرقة وليس الإسلام الذي يحظى فقط بالاعتزاز!) ثم أن فكرة التاريخ القبطي هذه مغلوطة تماما.. فليس لمصر تاريخ قبطي!!. إلا إذا كان لها تاريخ هكسوسي و حبشي وفارسي وليبي!! النصارى لم يحكموا مصر أبدا.. كانت هناك فترة الاحتلال الروماني والذي كان –للغرابة- يضطهد النصارى أشد اضطهاد حتى بعد اعتراف روما بالمسيحية).

ثانيا – الحقوق والحريات الأساسية

11-   (...).

12-   جميع المواطنين أحرار ومتساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات والحريات. ويحظر التمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الثروة أو المكانة الاجتماعية أو الآراء السياسية أو الإعاقة. ويجوز تقرير بعض المزايا للفئات التي تستحق الحماية  من المواطنين. (هذه المادة سيطعن عليها بعدم الدستورية على الفور.. إنها تخفي قدرا هائلا من سوء النية في بعض هذه الصياغات تم تحديد الفئات التي ستحظى بالمزايا وشملت النصارى والنوبيين وأهل سيناء في بداية صريحة لتجزئة الوطن.. وعندما اشتدت الانتقادات غيروا الصياغة إلى صورتها الحالية. عندما نشرت المصري اليوم هذه الوثيقة فقد تدخلت بالتدليس لتغير : فئات تستحق الحماية وتضع بدلا منها :المعاقين.. ولست أشك أنها ستعود إلى النص الأصلي بعد إبرامها).

13-   تكفل الدولة لجميع المواطنين حرية العقيدة وتضمن حرية ممارسة العبادات والشعائر الدينية ، وتحمى دور العبادة( هل يشمل ذلك البهائية والبوذية؟).

14-   تكفل الدولة تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنين، رجالا ونساء، دون أي تمييز.(لابأس.. مع أن ذكر المعلوم بالضرورة يشي بسوء النية..مع أن التمييز هنا قد يمتد للميراث مثلا).

15-   لكل مواطن الحق في حرية الإقامة والتنقل، ولا يجوز القبض على أي مواطن أو تفتيشه أو احتجازه أو حبسه أو تقييد حريته الشخصية إلا بموجب أمر قضائي استنادا للقانون....( وهل تشمل تلك المادة وفاء قسطنطين وأخواتها؟)

16-    الحق في الملكية الخاصة مكفول...( هل يشمل ذلك منع بناء الكنائس على أراض مغتصبة؟ أو بها آثار؟ كما أصر بعض الرهبان)

17-   (...)..

18-   لكل مواطن حق تولى الوظائف العامة، إذا توافرت فيه شروط توليها وذلك دون أي تمييز.(وماذا عن دستور البلدان التي تنص على دين وطائفة رئيس للجمهورية. أخشى أن يأتي وقت  يشترط فيه أن يكون الرئيس مسيحيا إرثوزكسيا).

19-   (...)..

20-   لكل مواطن الحق في التعليم(...) .(لا بأس.. فقط نذكر بما طالب به بعض النصارى من حقهم في الالتحاق بالأزهر).

21-  لكل مواطن حق المشاركة في الحياة الثقافية بمختلف أشكالها وتنوع صورها. ويتضمن ذلك الحق في حرية الاختيار وحرية الرأي .....(وحرية الردة والكفر أيضا؟).

22-    (...)

23- للمواطنين حق إنشاء النقابات والإتحادات لحماية حقوقهم ومصالحهم المشروعة، ولهم الحق في إنشاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية والتجمع والتظاهر السلمي دون إخلال بحقوق الغير أو بالمبادئ والحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذه الوثيقة.(المواد التي يريدون إعلاءها على القرآن والسنة والشرع، شلت أيديهم).

24-   (...)..

ثالثا – الضمانات الدستورية للمبادئ والحقوق والحريات الأساسية .

( وهنا يبدأ القصف المركز على الأمة وعلى الوطن وعلى الدين)..:

25- المبادئ والحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذه الوثيقة ملزمة وغير قابلة للإلغاء أو التنازل أو التعديل أو التقييد. (مصادرة حق الأمة والأجيال وسيطرة عصابة على أمة في حاضرها ومستقبلها).

(هنا تبدأ الكوارث ويبدأ التسلط ويبدأ الكفر).

26- يشكل انتهاك أي من هذه المبادئ أو الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذه الوثيقة أو محاولة تغييرها أو التحريض على شيء من ذلك انتهاكا للدستور. ويحق لأي مواطن كما يحق لأي من الأحزاب السياسية أو النقابات أو الجمعيات أو المؤسسات الأهلية اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا بطلب وقف هذا الانتهاك أو وتقرير انعدام أثره.( هذه المبادئ التي يتحدث عنها لن تضعها الأمة ولا مجلس شعب منتخب ولا هيئة ينتخبها مجلس شعب بل تضعها مجموعة من النخبة المنحرفة مشكوك في كل شيء فيها: أمانتها وصدقها وعقلها ووفاؤها للوطن.. وحتى دينها مشكوك فيه).

27-   تعتبر المبادئ والأحكام التي تتضمنها اتفاقات ومعاهدات حقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر في مرتبة أعلى من التشريع العادي ( العميل  الذي وضع هذه المادة يسلم في استقلالنا القانوني ثم السياسي).

28-  يحظر تأويل أو تفسير أي نص في هذه الوثيقة على نحو يجيز لأي من سلطات أو مؤسسات الدولة أو لأي جماعات أو أفراد القيام بأي فعل يهدف أو يؤدى إلى إهدار أي من المبادئ أو الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في هذه الوثيقة أو الانتقاص من أي منها أو الإخلال بها. (هذه المجموعة التي لا أشك في خيانتها وعمالتها وضعت هذه الوثيقة أو على الأحرى جاءتها هذه الوثيقة من أوكار الموساد والسي آي إيه، وبهذا النص لا تعود للمادة الثانية من الدستور أي أهمية ولا قيمه، بل ستحكم أي محكمة بعدم دستوريتها بحكم هيمنة المواد فوق الدستورية..ثم أن قيام أي فرد أو حزب بالجرأة على أن يقول ما قاله الأنبا شنودة سيتعرض للسجن(قال شنودة أنه إذا ما خير بين الإنجيل والدستور لاختار الإنجيل على الفور).. أما الدولة فستتعرض للحصار وربما الغزو بسبب مخالفتها للقانون الدولي. إن الحظر الذي تتحدث عنه المادة الملعونة لا بد أن يستوجب العقاب والسجن لكل الدعاة المسلمين!)

29-  يكون اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية المائة التي تتولى إعداد مشروع الدستور الجديد من غير أعضاء مجلسي الشعب أو الشورى، وأن يضمن تنوع خبراتهم في المجالات القانونية والسياسية والعلمية والثقافية، وعدالة التمثيل لكافة أطياف الشعب المصري. وفى جميع الأحوال، تلتزم هذه الجمعية التأسيسية في أدائها لمهمتها، بالمبادئ والحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذه الوثيقة.

.( وهذه مادة فاجرة أخرى كتبها من لم يستح ففعل ما شاء وكتب ما شاء.. إنه إصرار على البعد عن صناديق الانتخاب.. إصرار على البعد عمن تختارهم الأمة.. وممن.. من الذي يضع هذه المواد.. من الذي يبرم هذه الوثيقة.. كما سبق وقلت: جلهم علمانيون أو ملحدون أو نصارى أو شواذ أو سكارى أو معتوهون أو مسلمون مخدوعون.. هذه الفئة الضالة هي التي تريد لرأيها العميل أن يعلو على صوت الأمة كلها.. أن يعلو حتى على القرآن والسنة.. بل إذا خالف القرآن أو خالفت السنة مواد وثيقتهم كان علينا اتباع وثيقتهم  وإلا تدخلت ضدنا الأمم المتحدة.. فأحكام وثيقتهم تمتد لتشمل الاعتراف بمواثيق دولية لم يجرؤ بن على ومبارك على إبرامها.. وتذكروا على سبيل المثال تلك المظاهرات التي خرجت في تونس تطالب بالمساواة في الميراث.. والمطالبات التي يرعاها وترعاها دعاة تعهير المرأة وحقها في نصف أملاك الرجل عند الطلاق- أما في التطبيق العملي فإن الكنيسة ستمثل بثلاثة لكل طائفة ممثل أما الإسلام فيمثل بشخص واحد فقط هو شيخ الأزهر.. ولما وجدوا  أن الوقاحة تجاوزت حد الفجور أضافوا المفتي ليكون اليهود ممثلون بواحد والمسلمون بممثلين والكنيسة بثلاثة).

 

***

هذه هي الوثيقة المنسوبة لعلي السلمي وينسبها البعض ليحيى الجمل أما أنا فأنسبها للشيطان والموساد والسي آي إيه..

أنسبها لمن ذكرني بقصيدة عبد الرحمن الشرقاوي وأهديها إلى واضعي الواثيقة وإلى من قبل بها أو رضي عنها..

تلك القصيدة  التي جاء فيها:

 

أنا لست أقرؤك السلام

فلا سلمت

ولأنت أقسى لعنة كتبت على قدر السلام

ولأنت وصمة عصرنا الوضاء .. وصمته الزرية

يا عار دنيانا تخلف من عصور بربرية

من أي أغوار الجحيم أتيت .. ويحك لم أتيت ؟!

من أية الليلات في سادوم قد شكلت

يا ملك السفاح

يا إمبراطور الزراية والمهانة والذنوب

لم عدت من قاع المغيب ؟

كم قطعة فضية تعطى لتسليم المسيح ؟

ولمن تبيح

دم الصباح ؟

ولمن من الأحبار بعت الكبرياء

وبكم تبيع من الجراح

أو الدماء

منذ جئت أنت

والذعر ينتهك الأنام

والقاذفات الموت قد دمرن أسراب الحمام

هل عدت أنت

بكل أهوال الحريق ، وكل غاشية الظلام

فلا سلمت

أنا لست أقرؤك السلام

فلا سلمت

***

حاشية

الدكتور علي السلمي..

 

حمدا لله على السلامة..

ذكرت الصحف نبأ عودتك من الخارج بعد إجراء جراحة  لتفريغ تجمع دموي تحت عظام الجمجمة نتج عن اصطدام رأسك بباب سيارتك.

فحمدا لله على السلامة..

لكنني أعقب أن هذه العملية أسهل من عمليات استئصال اللوزتين.. إنها ليست كما يتبادر للعامة عملية في المخ.. في مستشفياتنا يجريها طبيب حديث التخرج حتى قبل حصوله على درجة التخصص (نائب)

وتعقيبي ينحصر في سؤالين:

أولهما: على افتراض أنك أجريت هذه العملية من جيبك الخاص..ألا يشكل ذلك فضيحة وعارا ودليلا على عدم ثقتك في الطب في مصر..

وإن كنت قد أجريتها على حساب الدولة فلماذا تحاكمون مبارك إذن.

***

حاشية 2

 

         احد كبار الجراحين في مصر أخبرني بهذه الواقعة منذ سنوات.. ذهب إليه أحد كبار المسئولين: درجته أعلى من وزير. كان يعاني من حالة شائعة وهي دخول الإظفر في اللحم.  حالة شائعة تعالج بجراحة بسيطة جدا أو حتى بدون جراحة بالحرص على عدم تقصير الأظافر حتى اللحم.

طلب المسئول من الطبيب الكبير أن يعطيه شهادة بأن حالته معقدة وتحتاج إلى جراحة ذات مهارات خاصة لا تتوفر في مصر. اعتذر الأستاذ لأن هذه الشهادة ستكون عارا على الطب في مصر.

غضب المسئول..

لكنه وجد طبيبا آخر وقع له عما أراد.. وسافر إلى سويسرا.. وأجرى العملية بتكلفة قدرها ثلاثة أرباع مليون جنيه!

و.. و.. و.. حسبنا الله ونعم الوكيل..

 

 

 

 

***************************************** 

 

 

 

 


الغرفة المهجورة

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

 

 

الأفكار بالنسبة لي موجات هائمة في الأثير. الأفكار قضايا . كل فكرة قضية. وكل قضية كائن حي. كأنه يغرق أمامي. يتشبث بي كي أنقذه وأنقله إلى شاطئ الأمان. نعم: كل فكرة كائن حي، مخلوق حي يستغيث ويتألم ويصرخ. كائن حي، عاجز،  مسكين الآن، مظلوم الآن، مقموع الآن، مسحوق الآن، مطموس الآن، وقد يموت الآن، وإن لم أبادر بإنقاذه فقد لايبادر بإنقاذه سواي فيغوص ويضمحل ويتلاشى ويموت. لكن الموت لا ينهي حكايته بل يبدأ هلاكي أنا، لأنني واثق أن هذه الأفكار-الكائنات الحية- وإن غاصت واضمحلت وتلاشت وحتى ماتت فإنها سوف تبعث يوم القيامة حية من جديد لتختصمني أمام الله سبحانه وتعالي.

أتساءل في رعب، أتخيل الأمر وقد انقلب، حين تدفعني فكرة أهملتها من فوق الصراط لأغرق في النار ورحت أغوص وأغوص وأغوص فأفاجأ بها تتحلق حول الصراط تنظر إليّ في شماتة الانتقام والقصاص وكلما حاولت الهروب من الجحيم أعادت دفعي إليها فأصرخ مستنقذا ومستغيثا فيدوي صوتها تردده نفثات الجحيم:

- أهملتنا في الدنيا والآن نهملك، تركتنا نموت وهنا نتركك لا تموت أبدا، نسيتنا، وكذلك اليوم تُنسى.

*** 

كل مقال محنة..

وكل محنة احتمال كارثة.. كارثة شخصية تصيبني.. تصيبني أنا..

وكلما ازدادت الخطوب، وتهاطلت المصائب، وتكاثرت الفتن، تدهمني الحيرة، وينقض السؤال ظهري، سؤال يقول: في أي الشئون أكتب، ولأي الفتن أتصدى، وعن أي الخطوب أدافع، أتقلب على الجمر و أقبض عليه إذ أتساءل: أي الكوارث أولى بالمواجهة، و أي المصائب لا يجوز التواني عن الحديث عنها، أيهها ستهلكني يوم القيامة؟ أيها تدفعني إلى النار؟ أيها تعرقلني حين أحاول الهرب؟.

 كلما حدث ذلك تتغير أولوياتي، فأنصرف عما نويت التصدي له، وأتحول عما أردت الخوض فيه، ليس انصرافا عن المهم، بل اتجاها للأهم، فأكون كالأب الذي ينصرف عن ابنه الذي تصرعه الحمى، إلى ابنه الآخر الذي يكاد النزيف أن يقتله، وما أكثر ما انتويت أن أكتب حاشية في أمر ما، حاشية من بضعة سطور، فإذا بالحاشية تتحول إلى مقال، وكم من مرة انتويت أن أكتب مقالا واحدا أعود بعده إلى ما كنت فيه، لكن المقال يستدعي أجزاء و أجزاء و أنا أدرك أنني لم أكمله، و أن هناك نقاطا في غاية الأهمية لم أذكرها..

وكلما حدث ذلك ينساب إلىّ خيال حزين، ربما كان رؤيا، وربما كان من خلال أستار الزمن رؤية، عن فارس، ربما كان في الأندلس أو في العراق أو في فلسطين أو في سيناء أو في البوسنة والهرسك أو الفلبين أو كوسوفا أو في بخارى أو في سمرقند، أو الشيشان أو كشمير أو في دمشق أوبيروت أوالرياض أو دارفور أو صنعاء أوالقاهرة، فارس يحاول الدفاع عن قلعة تهدمت حصونها ونقبت ثغورها، وانشغل ولاتها الخونة، و أمراؤها اللصوص، انشغلوا عن الدفاع عنها بجمع ما سرقوه منها والهرب، ويقف الفارس حيرانا، هذا الثقب أولى بالدفاع أم تلك الثغرة، تلك الثلة من فرسان العدو أم تلك القلة، هل يندفع إلى اليسار أم اليمين أولى، إلى الأمام أم الخلف أخطر، كلما اتجه إلى مكان اكتشف أن الخطر في المكان الآخر أشد، وكلما عزم على أمر وجد أن فرصة تنفيذه قد ولت، تجيئه النداءات من كل صوب، والاستغاثات من كل جهة، اختلطت الأصوات فما عاد يعلم إن كان الصوت صوت أخيه أم صوت عدوه، وما إذا كانت الاستغاثة صادرة لتحذيره أم لتضليله كي يندفع إلى المكان الخطأ في الزمان الخطأ، اشتبكت الأصوات واختلطت الملامح، الأعداء يلبسون زى قومه وقومه يلبسون زى الأعداء، لم يعد يعرف، لم يعد يفهم، عيناه تكذبان وأذناه تكذبان وفكره يختل، إلى من يستجيب؟ من يُنجد وبمن يستنجد؟؟ تدور عيناه، تنسعر عيناه، يجرى لكن في نفس النقطة من المكان، يلهث، يدور حول نفسه، يظل يدور، ويدور ويدور..

***

يتساءل الفارس وأتساءل معه:

لماذا خاننا الربان؟ لماذا تحالف مع الأعداء؟ لماذا تآمر لماذا يتباطأ؟ لماذا يتواطأ؟..

وأتساءل:

لماذا خدعنا مثقفونا؟..

لماذا اتشحوا بأردية الأعداء؟..

     لقد انهزموا فلماذا حين انهزموا لم يذهبوا إلى بلاد الأعداء ليعيشوا فيها؟..

لماذا ما داموا لم يذهبوا لم يصمتوا حتى يموتوا؟..

لماذا روجوا بيننا فكر الهزيمة؟..

لماذا زيفوا التاريخ ولماذا يزيفونه؟ لماذا يدفعوننا للفخر بما ينبغي أن نخجل منه وللخجل مما ينبغي أن نفخر به.

لماذا لماذا؟؟ ..

وكيف أواجههم؟ هل بالإهمال؟ هل بالتصدي؟ هل بالقوة التي نرهب بها عدو الله وعدونا؟ هل باللين الذي نأتلف به قلوبهم؟ وهل يمكن تأليف قلوب كالحجارة بل أشد قسوة..

كيف نواجه.. وماذا نواجه.. وبأيهم نبدأ؟ وبأي أفكارهم نهتم ونهدم..

ليس أمامنا إلا العقل وترتيب الأولويات..

لكن العقل لا يسعفنا دائما.. بل.. كثيرا ما يخذلنا.. ذقت مرارة ذلك..

كان ذلك منذ ما يقرب من أربعين عاما ..

وعلى الرغم من كل هذا الزمن فما زالت تفاصيل ما حدث تكوى قلبى ومرارة ملح دموعه فى حلقى..

كنا فى موسم الحج .. وكنت قد انتدبت للعمل طبيبا فى مستشفى عرفات.. وكنت أحج..

كانت العادة أن تغلق المستشفى أبوابها مع النفرة.. وأن يُحوّل من فيها من المرضى إلى مكة.. لكن اكتشاف انتشار وباءى الالتهاب السحائى والكوليرا بين الحجاج فى ذلك العام غيّر من ذلك النظام فصدرت الأوامر ببقائنا فى المستشفى لرعاية المرضى..

واستفتينا شيخ الحرم فأفتى لنا بأنه ينطبق علينا ما ينطبق على السقاة والرعاة وألا نبيت فى منى بل نؤدى المناسك ثم نعود لنبيت فى عرفة.. على أن نحتفظ بإحرامنا حتى طواف الإفاضة..

وإزاء الظرف المفاجئ لم تكن هناك مستلزمات إعاشتنا .. لم يكن ثمة طعام ولا شراب بينما كانت هناك كميات هائلة من الأدوية والعقاقير.. رحنا نتوضأ للصلاة بمحلول الملح بديلا عن الماء ونشرب محلول الجلوكوز بديلا عن الطعام .. يتهددنا بين الجوع والعطش وانعدام الماء للتنظيف - انتقال الأمراض إلينا.. وكنت أؤدى مناسك الحج للمرة الأولى وكنت أتخبط فى ملابس الإحرام..

كنت أجيش بالمشاعر بعد المزدلفة ومنى ورمى جمرة العقبة الكبرى..

وكنت مجهدا من عمل متواصل طيلة الأيام السابقة ..

وكنت جائعا وعطشانا ونصف عار..

كان المستشفى مكدسا بالمرضى وكان الموت يتجول بيننا حتى كدنا أن نراه..

كان الأمر هائلا وغريبا وبدا أنه لا ينتمى لحياتنا الدنيا .. ربما ينتمى إلى دنيا الأحلام والرؤى.. أو بدا أنه مشهد من مشاهد الآخرة.. كان الموت حاضرا .. وكان مسيطرا .. الموت الذى نقابله فى حياتنا العادية مرة أو مرتين فى العام.. وربما كأطباء نراه مرة فى الشهر أو حتى فى الأسبوع .. هذا الموت نقابله الآن فى الساعة الواحدة مرات ومرات بل وأحيانا يتكرر فى الدقيقة الواحدة.. استطعنا بجهد جهيد التعامل مع الوضع الطارئ وسط أحزان فاجعة لموت العشرات من الحجاج .. ذلك الحزن الثقيل الخانق الذى لا يتيح لك أى وقت تتأمله فيه.. لم أكن أحسب أن الموت يمكن أن يأتى بمثل هذه السهولة.. بمثل هذه التكرارية .. وخيم علىّ الشعور بأن ملك الموت يدير المستشفى إدارة مباشرة..وأنه لا يمكن أبدا مقاومته..لو استمرت الوفيات بهذا المعدل فسنفنى جميعا فى أيام قليلة.. بل ستبيد البشرية كلها فى بضعة أسابيع..

أحسست بجبروت الله فملأ الرعب قلبى..

كنا قد قضينا 24 ساعة دون نوم .. أديت مناسك الحج ثم عدت إلى المستشفى قبل فجر النحر فهرع زملائى جميعا وبقيت وحدى ..كان لي ميزة السبق وكان من المحتمل ألا أستطيع العودة إليهم في الوقت المناسب مما يترتب عليه ألا يحجوا..  وكان علىّ أن أدفع الميزة التي أخذتها بأن يذهبوا جميعا لأبقى وحدي.. رحت أحقن المرضى بالمحاليل وأراقب الضغط والنبض وأعطى مخفضات الحرارة والمضادات الحيوية وأغمض عيون الموتى و أتلو الشهادتين وأحرر شهادات الوفاة ..

هل يعرف ذووهم أنهم يموتون الآن؟؟..

ولم يكن هناك أى وقت للإجابة على السؤال أو التأمل فيه..

كنت جائعا عطشانا نصف عار أكاد أسقط من الإعياء والإرهاق مترقبا وصول زملائى حتى أركن لبعض راحة..

لم يأت الزملاء .. ساعات وساعات ولم يحضروا..وليس ثمة هنيهة أريح فيها جسدى المكدود.. ومضى نهار يوم النحر كله ولم يحضروا .. بل حضر فى المساء قول من سيارات الإسعاف يحمل المصابين فى حوادث الطرق..

نظرت ذاهلا .. كنت أتخيل أننى سأسقط فى أى لحظة من الإعياء بسبب المجهود المضنى الذى بذلته .. لم أكن أتخيل أننى أستطيع أن أواصل .. الآن علىّ لا أن أواصل فقط بل وأن أتعامل مع الوضع الجديد أيضا ..

أدركت على الفور أننى يجب أن أتعامل مع هذا الوضع كما يتعامل الأطباء فى ميدان المعركة .. فأجريت حصرا سريعا للمصابين .. كانوا أربعة عشر مصابا يلبسون جميعا ملابس الإحرام.. وزعهم رجال الإسعاف على حجرات الاستقبال.. وضعوا المصاب الأول كيفما اتفق - وحده فى غرفة .. كانت الغرفة صغيرة جدا بحيث لا تكاد تتسع لكلينا.. لم أعرف أبدا طيلة الأيام السابقة لماذا صمموا هذه الغرفة بهذا الصغر.. كانت مهجورة ولم تستعمل ولم أر من يدخلها من قبل أبدا .. بل إننى فوجئت بوجودها.. فحصت المريض.. كان شابا .. ربما كان فى الخامسة والعشرين من عمره.. لم تكن به إصابات ظاهرة.. حاولت بالعربية والإنجليزية التفاهم معه وسؤاله مم يشكو .. كان مكتمل الوعى لكنه لم يفهم لغتى.. كنت أحاول التفاهم معه.. كنت أتحدث إليه.. لم يقدم على مجرد المحاولة كما كان الآخرون يفعلون عادة حين كانوا يحاولون فيفشلون فيهتفون بعربية صحيحة: الله أكبر.. محمد رسول الله .. ثم يصمتون وكأنهم قد قدموا أوراقهم وهويتهم ودليل قرابتهم .. قدّموا الأهم أما الباقى فتفاصيل مكررة متشابهة لا معنى لها ولا قيمة .. لم يفعل هذا المريض ذلك.. فحصت الضغط والنبض.. كانا فى حدود الطبيعى.. فحصت باقى الأعضاء.. لم يكن هناك سوى بقايا دم متجلط إثر رعاف.. كانت حالته جيدة وكان غيره أحوج لى .. فحصت الباقين و أنا ألقى تعليمات حاسمة وسريعة لهيئة التمريض تتضمن الإسعافات السريعة والعلاج والدم والبلازما والأكسيجين وطلب سيارات إسعاف لتحويل من يحتاج لمستشفيات متخصصة.. طلبت من هيئة التمريض متابعة النبض والضغط وإبلاغى على الفور بما يستجد .. أكملت الفحص الأولى للمرضى .. حاولت مواجهة ما يتهدد الحياة بصورة عاجلة كنزيف حاد أو اختناق .. وضعت الجبائر للكسور وحقنت المسكنات و أعطيت التعليمات اللازمة لحالات النزيف الداخلى.. وصلت أخيرا إلى مصاب مصرى.. كانت ضلوعه مهشمة .. كل ضلوعه تقريبا بدرجة أذهلتنى كيف وقع الحادث وما هو كنهه.. كان ضغط الدم صفرا والنبض لا يحس لكنه كان مكتمل الوعى.. وكان الدم يفور كالزبد من فمه.. كنت أضخ المحاليل والدم فى عروقه و أشفط السوائل من فمه وأستعمل الأدوات الجراحية للبحث عن وريد أكبر أحقن فيه مزيدا من الدم.. كنت منفعلا تماما ومستغرقا بدرجة لا يمكن وصفها.. وكان هو يحدثنى بضعف فى صفاء واستسلام الرضى لا استسلام اليأس: لا تتعب نفسك يا دكتور فإننى أحس بالموت .. أشعر بروحى تطلع الآن.. أحس بها تطلع فعلا.. ربما لا تصدقنى لكننى أقول لك الحقيقة .. لن أمكث طويلا .. رحت أشجعه.. أكذب عليه و أشجعه.. قال فى استسلام كامل: أنا من المنصورة .. أعول ثلاثة عشر منهم أبى وأمى.. ليس لهم سواى .. حملق .. بدا أنه ينظر إلى مالا أراه وهمس: لهم الله .. لهم الله .. وكان كل ما فى الوجود يبكى إلا عينى.. رحت أواصل طمأنته.. كان علىّ أن أقوم بواجبى الأخير.. قلت له بإذن الله ستشفى لكن إن كنت تريد إبلاغ أهلك بشىء أو أن توصى بشىء أعطنى رقم هاتف أتصل به أو عنوانا أكتب إليه ..حملق فىّ لكنه لم يكن يرانى .. همس .. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. ودون حتى رجفة أسلم الروح .. مات .. لم يكن لدى أى متسع من الوقت كى أمارس فيه رفاهية التفريج عن الألم أو التعبير عنه .. انطلقت إلى سواه .. حاجز اللغة سكين يذبح التواصل..أرتب الحالات طبقا لخطورتها .. لكن هل أنا مصيب فى تقديرى لدرجة الخطورة.. أى خطأ أو سوء فى التقدير لا عاقبة له سوى الموت .. ولم يكن هناك أى وقت للإجابة عن السؤال.. كل آن و آخر كان أحد الممرضين يأتى ليطلب نجدتى لمريض من مرضى الكوليرا أو الالتهاب السحائى.. وكنت أترك المصابين وأجرى.. أصف الممكن من العلاج .. ويأتى المسعف بعد قليل ليخبرنى: هذا تحسن وذاك مات .. كنت أسمعه بأذن أما الأذن الأخرى فمع المصاب الذى أتابعه .. أحدق فى عيون الأحياء كى أقدر حالتهم وفى حدقات الموتى كى أتيقن من موتهم.. كانت العيون الميتة تبدو بلا غور.. امتزجت باللانهاية.. لم تكن العيون الميتة ميتة.. بدت تحمل إنذارا رهيبا وتحذيرا مروعا.. بدا لى أنها تحسد الأحياء جميعا فما تزال أمامهم الفرصة لاستدراك ما فاتهم واستدبار أمرهم..فرص للتوبة بينما هى قد عبرت الفرصة الأخيرة..بدا أنها رأت ما لا عين رأت.. وأنها تريد لولا الموت أن تطلق صيحة تحذير هائلة .. عرفنا الحقيقة.. تبا لكم عرفنا الحقيقة.. ذلك ما كنا عنه نحيد .. كنت أحملق في الأحداق .. كانت واسعة جدا .. وكانت تشبه فوهة بئر بلا قرار يكاد يجذبنى بقوة جاذبية الأفلاك فأوشك أن أسقط فيه..لو أن بصرى أحد لرأيت ما رأت .. ماذا رأيت أيتها العيون الميتة عند العتبة الفاصلة بين الحياة والموت.. وهذا الانطفاء فى اللمعة هل يعنى كشف غطائك وأن بصرك الآن حديد.. لا يبدو فى الأجساد الميتة أى تغير فلماذا لا تنهض واقفة؟! .. لماذا لا تنهض واقفة يا معشر الماديين والعلمانيين ولم ينقص من مادتها أى شئ.. كل ما تعترفون به لم ينقص منه شئ فماذا حدث إذن.. وهل غير المحسوس الذى ذهب أهم أم الملموس الذى بقى؟!..

أجيبوا .. قولوا

لم تتطور أجسادكم من القرود لكنكم أضل ..

 اعترفوا بأن الروح من أمر ربى

***

 بعد ستة ساعات كان الوضع قد استقر قليلا ..

كان الصباح الجديد يشقشق وكان الشاهد الأبيض فوق جبل الرحمة يخطف القلب ويلوح فى الأفق تهب منه نسمات تهفو لها الروح ..

 أمكن إنقاذ عشرة من المصابين ومات ثلاثة.. كدت أتجه إلى مقعد استجابة لعظام تئن ومفاصل تتفكك وعضلات ترتجف .. لكننى تذكرت على الفور فاستدركت حائرا: لكنهم كانوا أربعة عشر.. انسدل غشاء من الغباء على عقلى فلم أجد تفسيرا لذلك اللّغز الغريب لبضع ثوان لكننى سرعان ما هتفت فى لوعة وارتياع: مريض الغرفة المهجورة.. لم أتذكره ولم يذكرنى به أحد ..

جريت إليه ..

وكان راقدا بالحالة التى تركته عليها ..

لكنه كان ميتا ..

غام الأفق بل انفجر فانهرت تماما ورحت أجهش بالبكاء ..

***

لعلك تتساءل أيها القارئ لماذا أنزف هذه الذكريات وأستعيدها من تلافيف الزمان  لأكتبها لك..

أقول لك ..

ذلك أن شعورى إذ أكتب هذه المقالات شبيه بشعورى فى ذلك اليوم الذى مر منذ ما يقرب من أربعين عاما فى عرفات ..

إننى أتناول فيما أكتب ما أظن أنه الأخطر.. ما أعتقد أنه لم يعد يحتمل الانتظار.. أما تتابع الأحداث فتجلدنى بسياط من نار.. هل أتكلم عن أعداء الخارج أم الداخل.. عن مؤامرات الداخل أم الخارج.. عن الطواغيت ووكلاء الغرب المتسلطين على كافة أرجاء عالمنا الإسلامى أم عن الأمة.. عن سايكس بيكو الثانية أم خيانة مؤتمن وتآمر وليّ..  أم أكتب عن تلك الحروب التي تحاول أمريكا المجرمة إشعالها بين دول العالم الإسلامي.. ثم يصرخ صوت يغطى على جميع ما سبقه : لا تنس مصر.. لا تجعلها كمصاب الغرفة المهجورة.. تحسب ظلما أن حالها أفضل من غيرها بينما هي تستنجد بك وتناديك فلا تغفل عنها كما غفلت عن مريض الغرفة المهجورة... فمصر هى القادرة على لمّ الشتات الذى تمزق .. ورأب البناء الذي تصدع..

فاكتب عنها..

اكتب عنها ودافع عنها واحمها من  كمال أتاتورك  يبحثون عنه بين علمانييها وعملائها كي يقودها إلى الهلاك.. وابحث بين كل من يتقدمون لقيادتها..

ابحث معي أيها القارئ بين كل المرشحين للرئاسة أو لما هو دونها عن كمال أتاتورك..

ابحث عنه بين الصحافيين والمذيعات.. ابحث عنه في الشوارع وعلى الفضائيات..

ابحث معى أيها القارئ عن الشيطان.. فجهدى قاصر..

ابحث عنه حيث لا تتوقعه أبدا ..

لقد علمتنى الغرفة المهجورة أن الحريص حين يؤتى يؤتى من مأمن..

وعلمنى كمال أتاتورك أن الحية الرقطاء -حين تلدغ- تخرج من مكمن..

وتعلمت أن الخطر حين يأتى لا يأتى مواجهة ولا فجأة.. بل يتسلل وئيدا وئيدا حتى تكون لحظة الإدراك نفسها هى لحظة الغرق.. وأن الشيطان حين يدعونا لايأتينا بقرونه بل يتقلد أبهى الحلل  أو يتشح بوشاح رجل قانون أو يلبس عباءة ملك أو رئيس .. وأنه فقط فى اللحظات الأخيرة.. حين نكون قد فقدنا كل فرصة للفهم أو للمواجهة يسفر عن وجه الشيطان.. لتكون صورته تلك.. هى التى تتسع لها أحداقنا من الهول عند الموت!!..

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 


 

فعال لما يريد!..

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

قلت لصاحبي وهو يحاورني:

-                  ارتفع قليلا.. ارتق.. ابتعد قليلا كي يتسع الأفق.. فكلما اتسعت الرؤية اتضح المشهد وضاقت العبارة..

وواصلت قائلا:

-       على السطح وبين الناس  فإن مفردات الواقع قد تشى  بيأس مطبق أسود لا يرى ثمة بصيص ضوء..  لن أخدعك.. ولن  أدعى أن جموع الأمة بخير، بل أعترف أنها -جميعها - بشرّ، الحكام والمحكومين، النخبة والعامة، المجنسين والـبدون، الصفوة والحثالة والقضاء والجيش والشرطة والاقتصاد والصناعة والزراعة، والأزهر والحرم والأقصى، ليس ثمة عندنا ما لم يلحق به البوار.. نخرب بيوتنا بأيدينا لا منهج يقودنا .. ولو نظرنا إلى كل الفئات لوجدنا أن أكثر ما أساء ولوث بالعار كل فئة لم يكن الأعداء ولا الاخوة أو الأصدقاء، بل أبناء الفئة نفسها..فمن أساء إلى هيبة الحكم هم الحكام أنفسهم ..ومن أساء إلى النصارى   هم النصارى.. ومن أساء إلى علماء المسلمين علماء مسلمون.. ومن أساء إلى الأزهر بعض شيوخه .. ومن أساء إلى الجيش هم قياداته..ومن أساء إلى الشرطة هم ضباطها وأمناء شرطتها وعساكرها وقبلهم جميعا وزراء داخليتها..ومن أساء إلى القضاء قضاة .. ومن أساء إلى المثقفين مثقفون، و إلى الصحفيين صحفيون، وإلى الكتاب كتاب..و..و.. وإلى الأمة سكوتها عن كل هذا..

***

ورحت أنفث زفراتي دون صوت:

لقد افتقدنا المنهج..

 لقد كانت طريقة إدارتنا لكل شئوننا تفتقد إلى منهج، لذلك كان الفشل هائلا والكوارث فادحة..

لن أخدعك ولن أخدع الناس لذلك أعترف منذ البداية بأنني لا أملك تفاصيل حل  بل أملك منهجا ..

لست أملك وصفة سحرية نتجرعها فى المساء فإذا بالصباح يأتى وقد انقشعت الغيوم ورحلت الهموم وانتهت الكوارث وتحولت الهزائم إلى انتصارات..

 لا أملك ذلك الحل، لكن ما لا أملكه أنا قد يملكه 85 مليون مصرى و أغلب الظن يملكه 300 مليون عربى ويقينا يملكه 1700 مليون مسلم ..

الحل فى تبنى منهج الحضارة الإسلامية فى مواجهة قضايانا ..

المنهج الشامل الكامل الذى هو أوسع من أى جماعة أو حزب لأنه يستوعب الجميع ..

المنهج الذى نسيناه، والذى يثير عليه الليبراليون والعلمانيون الغبار ويقذفونه بالأوحال.. المنهج الذى يعيد إلينا الثقة بديننا.. والذى يجعل هذا الدين حتما لا مناص منه.. ليس لأن الإسلام هو الحل لمشاكل دنيانا.. بل لو لم يحل الإسلام لنا أى مشكلة من مشاكل دنيانا وهذا افتراض غير صحيح فليس أمامنا سواه .. وليس لنا اختيار.. المنهج الذى يجعلنا نشعر بأننا الأعلون..

إن جهد الأمة الآن يجب أن يكرس لا لإصلاح شامل جذرى يستحيل حدوثه، بل لتحقيق توازن مبنى على قانون إلهى ربما يشبه قانون الكتلة الحرجة فى الفيزياء، وهو قانون لا يتحكم فيه الكمبيوتر ولا يجرى حساباته العقل بل القلب، قانون لا يخطئ، ويقضى بأننا لو استطعنا أن نربى أمام كل ألف خائن مخلص واحد لانتصرنا..

قلت لصاحبي وأقول لك أيها القارئ استخلص العبر من التاريخ منذ مؤتة وتبوك واليرموك وكربلاء حتى جماعة  المصريين الأحرار أو الماسون الأحرار، استخلص العبر من شرفاء تدنوا، و أطهار تدنسوا، ومجاهدين بلغ بهم الانحراف بعد أن رفعوا لواء الثأر لآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم أن ادعوا النبوة- لماذا يفسد الكل ويتعفن؟­ لماذا.. الإجابة واضحة وجلية : افتقاد المنهج ..

قلت له وأقول لك أيها القارئ:  تسألنى عن الحل؟.. الحل أراه بقلبى بعد أن كلت عينى.. ببصيرتى بعد أن زاغ بصرى.. الحل أمل فى الله ويقين به ورجاء أن تسبق رحمته بنا عدله فينا .. وأننا مساقون سوقا إلى منهجه و إن أبينا ..

وبهذا المنهج أقول لك أيها القارئ أننا برغم كل هذا الانهيار سننهض لننتصر ..

 بهذا المنهج أقرر أننا أنا و أنت نحن الأقل لكننا الأعز، وأننا نحن الضعفاء، المحاصرون، المعتقلون، المعذبون، الشهداء، نحن الذين ننتصر فى النهاية دائما رغم كل عناء، و أن التاريخ يلقى بالآخرين فى مزابله، و أن الله يفصل بيننا يوم القيامة..

إن المستقبل غير كل تصوراتنا له، و الإعجاز الإلهى فى الخليقة يأبى إلا أن يكون معجزا ..

إن منهج الحضارة الغربية يعتمد على المادى المجرب المحسوس، فهو أشبه بجسد بلا روح، أما جوهر الحضارة الإسلامية فإنه يعتمد على كل ذلك مضيفا إليه قوة ودعما لا نهائيا هو قوة الروح، وهنا إذن يكمن جوهر نملكه لا يمكن أن يتمتع أعداؤنا بمثله، جوهر الإيمان بأن وعد الله حق، جوهر الإيمان، لا بالله فقط، بل بنواميس الله التى خلقها والتى تحتم دائما و أبدا انتصار الحق واندحار الشر مهما بعد المدى، ومن هذا المنظور وبهذا المنهج يجب علينا أن نقرأ التاريخ وأن نتأمل عبرته، إن خيانة الحكام والنخبة ليست بحادث طارئ، فعبر التاريخ كله كان حكامنا يخونون قضية أمتهم، تاريخ الحكام والجيوش هو تاريخ الخيانة والبطش والجبروت والتزوير والكذب، إننا نقع فى خطأ تفسير المستشرقين بما يكتنفه من نوايا السوء، حين نطالع تاريخ الحكام مفترضين أنه تاريخ الحقيقة، بينما هو سلسلة من الأكاذيب لإخفاء الحقيقة، نعم كان الحكام يخونون، لكن الناس كانوا فى نفس الوقت يصوغون حضارة شاملة ورائعة فى كافة فروع العلم والدين و الأدب والمعرفة والحرب، تلك الحضارة هى التى بقيت لنا وللعالم، أما الحكام فقد ذهبوا فى مزابل التاريخ . انظروا فى تاريخ البشرية منذ آدم، وتعلموا أن الشر جزء من منظومة الوجود، وأن الله هو الذى خلقه ليبلونا به، ليمتحننا، لكنه لا يدعه ينتصر مهما بلغت قوته ومهما بلغ ضعف الخير. علينا إذن أن ندرك الحقيقة المعجزة فى بساطتها، فى بهائها، فى سطوعها الذى يعمى الأبصار عن رؤيتها، أن الله فعال لما يريد فى هذا الكون، لا تتجاهلوا أهم عنصر فى أى صراع فى هذه الدنيا، أن الله فعال لما يريد. . المادى المجرب المحسوس موجود وعلينا أن نتلمس به الأسباب لكن الله فعال لما يريد. . حسابات الحاسبات الضخمة موجودة ويجب أن تحترمها ولكن الله فعال لما يريد. إن المؤمن ليس مطالبا بالقوة كلها بل بما يستطيع منها، و أنه حين يتجرد ويخلص، فثمة قانون أشبه بقانون الفيزياء الذى يتحكم بالكتلة الحرجة التى يتحقق بعدها الانفجار النووى، حين يتجرد فإنه  يطبق القانون الذى يقضى بأنه حينما يكتمل قدر معين من التجرد والإخلاص، يأتى نصر الله الموعود ليقلب كل موازين القوى. انظروا إلى بدر، انظروا إلى غزوة الخندق، انظروا إلى تسلسل المعارك منذ مؤتة حتى البرموك والقادسية وأجنادين وذات السلاسل..انظروا إلى الحروب الصليبية، انظروا إلى الحرب العالمية فى حطين حين خرج صلاح الدين من مصر بجيش قوامه اثنا عشر ألفا ليواجه مئات الآلاف من جيوش الصليبيين، ولينتصر، بالقانون الإلهى الذى نعرف نتائجه وإن لم ندرك كنهه، انظروا إلى ما حدث أيامها عندما جند ملك الألمان جيشا جرارا من ثلاثمائة ألف مقاتل لينجد به الصليبيين وليقضى على المشكلة من جذورها باحتلال مكة والمدينة، وبدأ الجيش الجرار زحفه، تخيلوا لو أن هذا الجيش وصل إلى ساحة الحرب ماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟..كيف كان يمكن أن يكون تأثيره على الجغرافيا والتاريخ ؟ هل تعرفون ماذا حدث لهذا الجيش؟ حدث أن الله فعال لما يريد، أن الله غالب على أمره، لقد نشبت الصراعات بين الجيش واستحر القتل، ثم غرق الإمبراطور وهو يستحم فى ترعة صغيرة فخلفه ابنه، ثم فشت الأوبئة فمات الابن أيضا، فهل تعلمون كم وصل من الجيش الجرار إلى ساحة الحرب فى فلسطين؟ ألف ­­ ألف فقط ­­ منهكين متعبين مهزومين، الله فعال لما يريد، انظروا إلى صراع الخير والشر منذ آدم، لو اتبعنا قواعد التفكير العلمى بمنطق أهل الأرض ، بالمادى المجرب المحسوس وبأدق و أضخم الحاسبات، لانتهى الخير بالهزيمة الماحقة بعد بضع عشرات أو مئات من السنين من بداية البشرية، لكن الله فعال لما يريد، ألق البذرة فى الأرض كيفما شئت لكنها ستنبت فى اتجاه الشمس، اقلبها، سيستدير الساق نحو الشمس، الله فعال لما يريد.. انظروا إلى تلك النسبة المعجزة فى الإنسان والحيوان والنبات بين الذكور والإناث وملاءمة ذلك لكل جنس منها، وانظروا إلى زيادة نسبة المواليد الذكور بعد الحروب الكبرى حين يهلك كثير من الرجال، الله فعال لما يريد، وثمة قوة لا ندريها ولا ندرك كنهها لكننا نؤمن بها هى التى تحدد النهايات والمصائر، لكن خطيئتنا الكبرى أننا - خاصة بمفهوم الحضارة الغربية - نعطى العقل أكثر مما يستحق، لقد خلقنا الله ثم أعطانا من العقل ما نحتاج فعلا إليه، ما ندرك به النسبى لا المطلق، الناقص لا الكامل، فإذا كنا نؤمن بكل ذلك فلماذا نستبدل المنهج الأرضى بالمنهج الإلهى؟.. وكيف بعد ذلك ننتظر الفلاح والنجاح؟.. الله فعال لما يريد، انظروا إلى صراع الخير والشر من الأزل إلى الأبد، لقد كان المدافعون عن الخير دائما هم الأقلون، هم المستضعفون فى الأرض، كان عددهم فى كل بقعة من بقاع الأرض لا يتجاوز العشرات إزاء الآلاف، أو الآلاف إزاء الملايين، لكنهم هم الذين انتصروا دائما، لو أخضعتم التاريخ لمقاييس العقل الأرضى لما بقى فى الأرض خير، واحد فى الألف هم الذين رفعوا الراية دائما عبر التاريخ وسلموها من جيل إلى جيل، واحد فى الألف أظهر الله دائما على أيديهم وقلوبهم نوره، واحد فى الألف هم الذين أصروا دائما على ألا يستسلموا، ولقد كان الحكام دائما فى الجانب الآخر، عدا استثناءات نادرة سجلها التاريخ واحتفى بها أيما احتفاء، واحد فى الألف، هم الذين أدركوا أنهم جند الله فى الأرض و أنهم هم الوارثون، ليست خيانة الحكام والجيوش والنخبة اكتشافا جديدا، ومع ذلك، هم الذين يذهبون ملعونين - فى أغلب الأحوال - حتى نهاية الزمان ونحن الذين نبقى، نحن المستضعفين، ولست أدعى أننا كنا على الحق دائما، لكننا حاولنا طول الوقت فكنا الخطائين التوابين، نحن الذين بقينا، نحن الذين ذُبحنا وقُتلنا وعذبنا وحرّقنا وصلبنا وسجنا وهزمنا وتُقُوُّلِت علينا الأقاويل وزُيِّف ضدنا التاريخ، هم ذهبوا ونحن بقينا، لأنهم أطفأوا نور الله فيهم فلم يبق فيهم إلا الوجود الحيوانى الذى لا يترك خلفه بعد الموت إلا نتن الجيف، نحن، نحن المستضعفين منّ الله علينا فأدركنا أننا حملة راية نور تنتقل من جيل إلى جيل، أدركنا أننا نحملها كأمانة تعهدنا بها قبل أن نولد بملايين السنين لنوصلها إلى بعد أن نموت بملايين السنين، كى نقف أمام الله يوم الحساب يباهى بنا نبينا عليه الصلاة والسلام الأمم، نقف منتصرين خالدين لا نموت، ليس يضيرنا إذن أن يسقط منا فرد أو مليون فرد، فنحن نحارب من أجل قضية خلق ووجود وكون لا يحده زمن ولا وطن ولا جيل ولا فرد، قضيتنا مستمرة استمرار الوجود، ولأننا واثقون أن رايتنا هى التى تصل، فلا محل عندنا لليأس ولا انتظار للنصر، لأننا منتصرون ونحن محاصرون، منتصرون ونحن نقصف بالصواريخ أو نعدم بالرصاص، منصرون في ميدان التحرير وفي جوانتانامو وأبي غريب، منتصرون معلقين على المشانق، منتصرون مصلوبين، منتصرون لحظة اتخاذ الموقف لا لحظة النتيجة الأرضية، منتصرون حين انتصرنا فى الجهاد الأكبر على نفوسنا فتوقفت ذواتنا عن التضخم، توقف كل واحد منا عن اعتبار نفسه مركز الكون و أن موته هو نهاية الدنيا، توقفنا عن انتظار جنى ثمار جهادنا فى حياتنا، نحن نحارب اليوم كى ننتصر بعد ألف عام، تماما كما حارب الحسين كى ينفى الشرعية عمن اغتصب الحكم رغما عن المسلمين، ولو أنه استسلم لحل لكل غاصب غصيبته، قولوا لى من انتصر، يزيد أم الحسين، انظروا، لتدركوا أن جهادنا نحن هو الذى يبقى فى قلوب الناس و أن كلامهم زبد يذهب فى الأرض جفاء. نحن خسرنا دنيا، لم تبهرنا ولم تغرنا ولم تغونا  فلا نطيق أن نفقد من الآخرة شيئا وهم فقدوا الآخرة فلا يطيقون أن يخسروا من الدنيا شيئا، وما خسرنا الدنيا لقلة حيلة لكننا أدركنا أنها لهو ومتاع الغرور، أنها جيفة، ولولا هوانها إلى الله ما رزق فيها كافر بشربة ماء، لذلك استعصت قلوبنا عليها، لا لزهدنا، بل لطمعنا فيما هو خير و أبقى. فإذا كانت الدنيا جيفة فما موقع التاريخ الكذوب من الجيفة وما قدر حكام خانوا فيها. انظروا إلى سر الإعجاز الإلهى فى خلقه .. إن الواحد فى الألف هو الذى يحدد مسار التاريخ، وهو برغم الأغلبية الكاسحة يتطور باستمرار إلى أمام، إنهم دائما يعرقلون الانتصار، يؤخرونه، لكن مشيئة الله هى التى تنفذ على أيدينا فى النهاية، هذا الواحد فى الألف لم يخبرنا به حساب ولا تجربة ولا جهاز كمبيوتر بل أنبأنا به العزيز الجبار الرحمن الرحيم حين أخبرنا أنه يأمر آدم يوم القيامة أن يأتيه بحصاد جهنم فيأتيه من كل ألف بتسعمائة وتسعة وتسعين، الواحد فى الألف إذن هى الكتلة الحرجة التى يحدث بعدها الانتصار، فهل نعجز كأمة أن نربى من كل ألف واحدا و أن يثبت هذا الواحد وهو على يقين من نصر الله..

 إننا  الآن فى الزمن الذى أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم، الزمن الذى يخرج فيه الناس من دين الله أفواجا، زمن الليبرالية والعلمانية و الحداثة والعولمة، فهل تعجزين يا أمة الإسلام أن تعطى من كل ألف واحدا فقط ؟ أجل، فليثبت منا من كل ألف واحد، وسيكون لنا النصر

أرأيت أيها القارئ كيف يمكن أن يغير المنهج من نظرتنا للأمر، لسنا مطالبين إذن بالمستحيل، ولا مطالبين بما قد يؤدى إلى مجازر الشعوب والحروب الأهلية، مطالبون فقط بما نقدر ونستطيع، بحق وإخلاص وتجرد. فليكن فى كل مكان وهيئة صالح واحد بين ألف طالح، وسينتصر الواحد الصالح لكن هذا الصالح عليه ألا يخشى إلا الله، أن يعبد الله حقا ويعرفه حقا ويجاهد فى سبيله حقا.. إن الآخرين يعرفون عن قوانا الكامنة أكثر بكثير مما نعرف، لكن الجهل والخيانة يحاصرانا، وعلى سبيل المثال فما أكثر ما كتب عن كتاب صدام الحضارات و إعادة صنع النظام العالمى، ما أكثر ما كتب عنه، لقد قدمه البعض للقارئ كما لو كان كتابا لا يأتيه باطل، ومع ذلك لم يذكر أحد أن رأي المؤلف : " صمويل هنتنجتون " فينا أفضل من رأينا فى أنفسنا، يقول الكاتب : " طالما أن الإسلام يظل - وسيظل - كما هو الإسلام، والغرب يظل -وهذا غير مؤكد - كما هو الغرب، فإن الصراع الكبير بين الحضارتين الكبيرتين و أساليب كل منهما فى الحياة سوف يستمر "..

 أجل .. مهما كانت كثافة الظلام فى الحاضر، ومهما كانت حسابات العقل متشائمة، فإنه لا ينبغى أن نيأس من المستقبل فثمة وجه آخر للأمر علينا ألا نغفله، ذلك أن التطور البشرى كله مبنى على اكتشاف خطأ جل ما ظنناه حقائق راسخة لا يتطرق الشك إليها، لقد كانت حساباتهم قبل الثورة أننا نحتضر ..و أن هزيمتنا أمام جحافلهم المدعومة بالصليبيين واليهود وشنودة محتومة.. وجاءت الثورات فقلبت حساباتهم.. ثم بدأت الثورة المضادة.. فهل نستيئس؟!..

لا .. لا يحق لنا نحن مهما صادفنا من إحباط أو نكران أو فشل أن نيأس، مهما خاننا حاكم أو جيش أو مجلس عسكري أو فرد أو جماعة، فنحن لا نجاهد من أجل قضية شخصية ولا من أجل مجد أرضى، قضيتنا هى إعلاء كلمة الله، وهى قضية محسومة، نحن على الحق، من يسقط منا فاز، ومن يستمر يفوز والقضية فى كل الأحوال مستمرة. حتى الأخطاء والهزائم، يوظفها الله لنا كى تكون جنودا لنا، وانظروا فى عصرنا الحديث إلى تصرفات بعض دولنا، لقد كان تصرفها ضد مصلحة الأمة كى تثور فى الضمائر تساؤلات عن شرعية وجودها، هذه التساؤلات انفجرت بالأمس وتنفجر اليوم سوف تنفجر غدا، وسوف تغير الجغرافيا والتاريخ، انظروا مثلا إلى الأزهر عندما نسى دوره ليدعم السلطان، لقد انصرفت الأمة عنه، عزلته كى توقف تأثيره الضار على وجدانها، و حل محل الأزهر خطباء مساجد نصف ما يقولونه من أحاديث هى أحاديث موضوعة، وبرغم ذلك فبجهل الجهلاء لا بعلم العلماء احتفظت الأمة بتوجهها الصحيح، تماما كما يحافظ الصدأ على تماسك هيكل معدنى ضخم لو أزلت منه الصدأ لانهار، فانظروا فيوض الكرم حين ينصرنا بضعفنا ويحفظ عقلنا بجهلنا، انظروا أيضا إلى البوسنة، لقد كانت محاولة استئصال شأفة الإسلام هى نفسها الطريق إلى انبثاق أول دولة إسلامية فى أوروبا الحديثة. أيقنوا بالنصر، واعلموا أن مأساة البشرية ليست فى الموت بل فى الخلد، وما الموت سوى عرض عابر، لقد كنا أحياء قبل أن نولد، وسنحيا بعد أن نموت ثم نبعث ثم لا نموت أبدا، وإننا عندما نبدأ الطريق ندرك أن اخوة و أبناء لنا سوف يكملون ما بدأنا، ما لراية ترفع مشيئة الله أن تسقط،  فأبدا لا تستيئسوا، بعون الله سوف ننجح، وسوف ننتصر على ذواتنا وعلى خونتنا  وسنحارب إسرائيل كافة كما أمرنا الله  - لا لكى نعيدها إلى حدود 67 بل حتى نزيلها من الوجود- ..

 لو أن إنسانا شريفا وعدك وعدا فإن وعد الحر دين عليه ولو أن جلالة ملك أو فخامة رئيس أو سمو أمير أو معالى شيخ وعد وعدا فإن وعده أمر.. أما إذا وعدنا الله نفسه فإن وعده قضاء لا رد له..

مهما بدت بوادر الفشل  سننجح .. سنحافظ بإذن الله على اليقين فى قلوبنا كى نمنحه لمن يأتى بعدنا ، نحن جيش الله، وعلى كل فرد منا أن يدرك أنه يحارب وحده و أنه جيش وحده و أن وعد الله حق ونصره قريب وأنه سيبعث يوم القيامة ليحاسب وحده ..

 علينا أن نحافظ على أنفسنا، على ديننا ومنهجنا كى لا يصيبنا البوار والعفن الذى أصاب الذين من حولنا من ليبراليين وعلمانيين وآخرين لا تعلمهم ولكن الله يعلمهم..

 علينا أن نناضل ونكافح و أن نستعد للاستشهاد فى كل لحظة، فما أقل عددنا وما أكثر أعداءنا ..

 علينا أن نفعل كل ذلك بحب وبثقة ويقين بأن الله فعال لما يريد، أما نحن فجنود، أوصانا قائدنا بمهمة، وعلينا القيام بها، حتى لو متنا فى الطريق، فالقائد يعلم، وقد كان قادرا على أن ينفذ مهمته بقدرته دون تكليف لنا، لكن التكليف امتحان لنا، ليس من حقنا نحن الجنود أن نسأل القائد لماذا يفعل ما يفعل، فكوننا لا نقرأ إلا صفحة من كتاب الوجود ثم نذهب يحتم علينا بعدم اكتمال المعرفة. يحتم علينا ألا نسأل أو نعجب أو نعترض، ثم أنه سبحانه ما ضنّ علينا بوعد النصر، إن الإيمان الأكمل كان يقتضى منا أن ننفذ ما كلفنا به حتى دون وعد، لكنه سبحانه رحم الضعفاء فينا، نحن لا نصل إلى الغايات بل نتبع الوسائل، وفى وسائلنا ينبغى أن نكون دائما كما أمرنا، ولا عذر لنا، تحت أى ظرف من الظروف، فى أن نتخلى عن نبلنا وشرفنا، ولا أن ننسى أبدا أننا خير أمة أخرجت للناس..


 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 

 

استمرار الاشتباكات في الميدان يهدم الوطن

 

 

أنا حزين إلى ما غير حد..

لماذا سارت الأمور هذا المسار..

كانت الحقائق واضحة.. فلماذا غشيت بصائرنا..

كان الكثيرون جدا يرون.. وكنت أرى.. فلماذا لم تتفق الأمة على رأي..

كنت أرى حتى أنني كتبت منذ شهرين نصا أدبيا أعبير فيه عن هواجسي ورعبي وظنوني..

كتبت:

***

كـــابـــوس

 

يطاردني كابوس مزعج.. كأنه واقع متجسد يتسلل للأحلام .. أو حلم يقظة يخلط الحقائق بالأوهام.. يطاردني في صحوي ويكاد يفعل في منامي.. فيكون آخر ما أغادره بين الصحو والمنام .. وأول ما يداهمني قبيل الاستيقاظ في لحيظات الخلط بين الواقع والأحلام.. حيث أصحو كل يوم.. متوجسا مستريبا.. أفتح التلفاز وخفقات قلبي تكاد تحجب صوته..مهموما ومرعوبا أنني ذات يوم سأفاجأ بحسني مبارك وولديه.. في كامل الأبهة والسؤدد تطفح نشوة النصر من أعينهم..وأرى الحاشية بجوارهم مكتملة.. يقف مبارك في أكمل صحة وأزهى حلة.. يوزع أنواط الامتياز على كل المسئولين الحاليين.. ويهنئهم بأدائهم البارع المتميز.. حيث استطاعوا ببراعة منقطعة النظير احتواء أخطر ثورة في التاريخ.. ثورة 25 يناير.. بل واستطاعوا أن يخدعوا الأمة حين أوهموها أنهم يتحركون بينما كانوا ثابتين في المكان. فحافظوا على الأمور جامدة على الوضع الذي تركها عليه مبارك وبنوه.. حافظوا على كل شيء كما هو حتى عاد ليستلمها من جديد.. كما كانت أول مرة.

 

يتكرر الكابوس.. ويختلف طوله تبعا لنوع الأخبار.. فأحيانا يقتصر على ما أسلفت.. وأحيانا يتمدد ليشمل اليوم كله.. فأرى شياطين أمن الدولة يعودون للانتقام.. لكنهم لا يعودون في صورتهم البشرية.. بل يعودون في صورة مسوخ كمسخ كافكا.. فأصرخ فيهم: عودوا إلى أشكالكم الحقيقية فيجيبون لكن تلك كانت أشكالنا الحقيقية دائما لكننا كنا نلبس الأقنعة.. فأصرخ فيهم كي أصرفهم فأفاجأ بحبيب العادلي يهرع لحمايتهم.. كان جسده كله يقطر دما وكان يقول: لقد اغتسلت بالدم كي أتطهر من نجاستي.. ثم أشار إلى المسوخ صارخا فيهم: هلموا اغتسلوا بدماء الشهداء كي تتطهروا.. فصرخت فيه: لكنكم بهذا تزدادون دنسا وإثما فنظر نحوي نظرة لم أفسر مغزاها هل ينكر أم يسخر.

...

وأحيانا أخرى يذهب الكابوس في اتجاه آخر.. فأرى جمال مبارك وقد نجحت خطته بإطلاق حيوانات حديقة الحيوانات لتبطش بالناس.. لكن قوة غريبة حولت الحيوانات إلى الشكل البشري.. فإذا بالحمار وزيرا وإذا بوحيد القرن نائبا لرئيس الوزراء وإذا بالذئب رئيس تحرير صحيفة وإذا بالحية الرقطاء مذيعة في قناة فضائية لا تتوقف عن هز كتفيها والغمز بعينيها. وأنظر إلى حيث تغمز وتبتسم وتسخر.. فأرى أجساد أحبابي وشيوخي وإخواني تتأرجح على المشانق.

لكنني في صباح آخر أرى رئيسا غير مبارك يحتل عرش القيصر رومولوس العظيم في رائعة فريدريش درينمات.. يقولون له أن الأعداء على حدود البلاد فيطمئنهم أن لديه خطة جهنمية لا يمكن لأحد أن يكتشف عبقريتها وأنه سيتصرف في الوقت المناسب.. ويقولون له أن الأعداء يحاصرون روما فيكرر نفس الإجابة.. وبعد أيام يأتونه صارخين: الأعداء حول القصر .. فيلقي عليهم خطبته الأخيرة.. وأن تلك بالضبط خطته الجهنمية.. فقد أدرك منذ زمان طويل أن الفساد والعفن في روما قد وصل إلى حد لم يعد يجدي فيه العلاج.. وأنه لذلك ترك الأعداء يدخلون ليحرقوا كل شيء ويدمروا كل شيء.. وبعد حرق هذا الفساد كله وتدمير هذا العفن كله وانهيار كل شيء.. يمكن للبناء أن ينهض من جديد..

هل قلت قيصر؟.. هل قلت روما..

أظنني أخطأت.. كان اسم القيصر عربيا !! وكانت الملامح أليفة وكانت البلدة هي القاهرة..

الملامح أليفة.. أراها على شاشة التلفاز كل يوم..

 

ليس قيصر روما بل قيصر مصر..

أخطأت.. لذلك أهز رأسي.. لأنفض الكابوس القديم.. وأبدأ في الكابوس الجديد.. كل يوم.. كل يوم.. كل يوم..

***

انتهى النص الأدبي..

ويا له من خيال مريع..

لكن الواقع الآن أكثر ترويعا..

***

أستعيد ما حدث..

أتذكر دامعا صديقي الحبيب الأستاذ الدكتور عاصم نبوي.. هذا الرجل الذي يمثل قمة شامخة ومظهرا صلبا كمسلة من الجرانيت تخفي قلب أم وروح شاعر وعلم فقيه .. كان قد عاد من الغربة بعد عشرين عام .. وكنت قد نصحته ألا يعود.. لكنه برا بأمه أصر على العودة.. قلت له خذها معك إلى هناك.. لكنه أبى أن يعقها باقتلاعها من تربتها  التي تعودت عليها وائتنست بها.. ثم أنه إذا اصطحبها برا بها فقد حرمها من بقية أبنائها وحرمها منهم.. كنت أعرف قلبه.. وعلى عكس ما يوحي به ظاهره من صلابة  فقد كان حنونا إلى ما غير حد عاطفيا إلى ما غير حد.. في اليوم الثالث عشر كان في الساحل الشمالي لأداء واجب عائلي.. كان أحب أبنائه "صلاح الدين" معه.. حذرهم من نزول البحر..

بالغ في تحذيره..

بالغ..

لكنه نزل..

دون السادسة عشرة كان..

ذكيا.. عبقريا  بارا..

ولكنه غرق!

***

أنا أيضا بالغت في تحذيرك أيها الجيش..

بالغت..

صرخت..

نصحت..

أحببتك كما أحب الدكتور عاصم ابنه.. حبيبه.. سويداء قلبه وفلذة كبده..

أنت أيضا كنت حبيبي.. سويداء قلبي وفلذة كبدي..

من أعمق أعماقي أحببتك  وحذرتك ورسمت لك طريق الخروج من الطوفان فما أطعت نصيحتي ولا استجبت لتحذيري..

لم أكف أبدا عن النصح والتحذير..

لكنك الآن تغرق..!!

***

لم أكف أبدا عن النصح والتحذير..

يوم 26 يناير.. ثاني أيام الثورة كتبت:

الجيش..

 

أحبك..

والله أحبك..

وتحبك الأمة..

لكنك تقع في خطأ فادح..

إننا نعرف أنه بقدر إجرام جهاز الشرطة فإن الجيش نبيل نبيل نبيل..

لكنكم لستم معصومين من الخطأ..

لقد أخطأتم قبل ذلك كثيرا..

أخطأتم حين أسلمتم قيادكم لحشاش دفع بكم إلى أبشع هزيمة في التاريخ..

قائدكم الأعلى الآن أسوأ من عبد الحكيم عامر..

أسوأ بكثير..

وقد دفعكم وورطكم في الحرب ضد أمتنا في العراق.. رحم الله اللواء محمد بلال حيا وميتا..

فلا تحموا الطاغوت المجرم..واحموا شعبكم..

***

وصباح يوم الجمعة 11 فبراير.. جمعة الرحيل.. كان البعض يتوقع مذبحة هائلة خاصة عندما يتوجه الثوار إلى القصر الجمهوري..

وكتبت يومها إلى الجيش:

أما الجيش فإنني أناشده:

يا جيش مصر: أمامك خزي التاريخ وعاره..أو مجده وفخاره..

لقد جربت ما يحيق بك عندما أطعت المخلوق في معصية الخالق..

جربت عار الهزيمة في 1967م..

فلا تخذل الأمة التي تعاطفت معك بل وغفرت لك هزيمتك آنذاك وفهمت أن قياداتك الخائنة المجرمة كانت السبب..

هل تخذل اليوم دينك وأمتك وأهلك..

يا جيش مصر: سوف يورطك المجرمون اليوم في مذبحة وسوف تجرى الدماء أنهارا وسوف تكون أيها الجيش مسئولا عنها ولو لم يسفكها رصاصك.

يا أيها الجيش: لقد حصرت الأمة أملها فيك بعد أن خانت الشرطة أمانتها فانهارت وهانت..

فماذا تنتظر اليوم:

أن تقتل أهلك..

أو أن يقتلك أهلك..

وفي الحالين تهلك..

***

لم أكف أبدا عن النصح..

أبدا..

وفي يوم 21 فبراير كتبت أقول:

قبل الانفجار:

يا أيها الجيش..احقن الدماء واعزل أحمد شفيق..

 

أعتقد أن الوقت ليس في صالح الجميع، وأننا إن لم تتداركنا رحمة الله مقبلون على انفجار إذا-لا قدر الله حدث- لن يبقى ولن يذر. سوف ننزلق إلى معركة طحن عظام ليس فيها فائز، إن الجيش لم يختر الوضع الذي وجد نفسه فيه، ولا هو بادر من تلقاء نفسه إليه، إنه وضع فُرض عليه، بل إن المتوقع، أن تكون القيادات العليا متعاطفة مع مبارك، وأن تكون القيادات المتوسطة وصغار الضباط متعاطفة مع الأمة. وهنا نقطة لابد من التركيز عليها، وهي أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعقله الجمعي، الذي لا يساوي مجموع عقول أفراده (!) قد فضل –في لحظة حاسمة- مصلحة الوطن على مصلحة فرد. حتى وإن كان هذا الفرد هو قائدهم الأعلى.  ولكن المتوقع بعد هذا التصرف النبيل، أن يبدأ شيطان التفاصيل في التسلل، مزينا الغواية، مستعظما التضحية، مغلبا المصالح المباشرة. عندما تتدخل عقول الأفراد، مضيعة تناسق العقل الجمعي. فاتحة الطريق أمام الغوايات والهوى والمطامع، التي يخجل الفرد عادة من الكشف عنها أمام المجموع، وذلك لسببين، أولهما أن الكشف عنها مخجل، وثانيهما أن الكشف عنها يمكن أن يفجر صراعات مع من يتنافسون معه عليها أو ينكرون حقه فيها.

لابد أن نعترف الآن أن الكثيرين يشعرون بعدم ارتياح لموقف الجيش، وتتزايد الشكوك يوما بعد يوم، في أنه يضع الثوار –بالتعبير العسكري- في أرض قتل، وليس أمامهم إلا القتل في الميدان أو القتل في المعتقلات، وهذا الوضع نذير سوء لجميع الأطراف. لقد فتح الشباب والثوار ثغرة، وبغض النظر عن الحق والعدل والخير والصواب، فإن القرار في الجيش كان في الجانب الآخر، جانب الرئيس مبارك، وأنه قد يفكر، أو يفكر بعض أفراده، في كيفية استيعاب هذه الثغرة، بمزيج من الاستيعاب والخداع الاستراتيجي حتى يمكن الإعداد لتصفيتها بأقل قدر من الخسائر.

الكثيرون يشعرون أن الجيش يسوف في تنفيذ قرارات جوهرية ليس لديه عذر في تأجيلها،  بل ويشعرون بتعاطف خفي-وأستعمل لفظ التعاطف تأدبا- من الجيش للرئيس المخلوع، وأنه يترك لأنصاره الفرصة متعمدا  كي يرمموا صفوفهم ويرسخوا مواقعهم ، حتى بلغ الأمر يبعضهم إلى تشكيل حزب – بديل عن الحزب الوطني- باسم 25 يناير! وهذا يعني تزوير انتخابات واحد حتى يأتي جمال مبارك! ليس برسمه واسمه ولكن بمضمونه.(...)

 وفي نفس المقال واصلت قائلا:

وأخشى ما أخشاه، أن يدفع الشك الجمهور من ناحية، وأن تدفع وسوسات شياطين الإنس في الحزب الوطني الجيش من ناحية أخرى، إلى نقطة انفجار يعقبها صدام تضيع فيه البلاد. الأمر خطير .. وبالأسلوب العسكري، فإننا نحتاج إلى وقفة تعبوية، وتقدير موقف، وهو كما يصفه العسكريون: عملية ذهنية يتم فيها تقييم موقف الأطراف جميعا غير مغفلين أي عامل من العوامل التي يمكن أن تؤثر في الأحداث ، كي نقيم ما فاتنا ، وما علينا أن ندركه، وذاك لكي نتجنب انفجارا غير محسوب العواقب الكارثية التي ستحيق بالجيش والشعب والدولة والأمة.

 لقد حقق الجيش لنفسه عند نزوله إلى الشوارع في جمعة الغضب مجدا بقدرته الفائقة على التعامل مع وضع استثنائي شديد الصعوبة بكفاءة ومرونة رغم أنه لم يكن في موقعه الطبيعي: الحدود أو الثكنات، وهو ليس مؤهلا للتعامل مع مدنيين عامة، ومع مدنيين في حالة ثورة عارمة، بعد أن واجهوا خيانة من أبشع الخيانات في التاريخ، خيانة الأمن  والشرطة ومباحث أمن الدولة، الذين تصرفوا كأبشع العصابات الإجرامية في التاريخ. اشتعلت مشاعر الحب بين الشعب وجيشه، وقد رأيت مشهدا لن أنساه أبدا، كان الشباب، الذين توجسوا الخطر بعد الخيانة الإجرامية للشرطة، يخافون أن تتحرك الدبابات لتضيّق عليهم، فاتخذوا وضعا لا أظن أن التاريخ يحتوي على شبيه له. لقد استلقى الشباب على عجلات الدبابة بين الجنازير الضخمة. ولو أن الدبابة تحركت خطوة واحدة لفرمت لحمهم وهرست عظامهم، كانوا واثقين أن الدبابات لن تتحرك, بدا المشهد غريبا مهيبا مفعما بالحنان والشجن. بدا الشباب وكأنهم أجنة، وبدت الدبابة الضخمة كأنها بطون أمهاتهم، وبدت العجلات الضخمة والجنازير الرهيبة كأنه رحم أم يحتويهم في حنان، وأنه لا يمكن أن يؤذيهم أبدا. ولذلك كانت الصدمة الهائلة لصمت الجيش يوم الأربعاء الدامي، يوم المولوتوف والبغال والحمير .

***

كل من أضير بالثورة  سيحاول غواية الجيش أو دفعه إلى الفشل، وأولئك سيحاولون دفع الجيش إما لاستنساخ حكم مبارك أو للاستيلاء على السلطة كما فعل ضباط انقلاب يوليو. كما أن الجيش إن لم يتدرع بنبله سيكون أيسر عليه أن يتعامل مع عملاء يرضون بالفتات بدلا من أن يتعامل أغلبية صاحبة حق في تولي الحكم تجعل الجيش يتفرغ لحماية الدولة بعيدا عن التدخل في السياسة.

أخشى أن أقول أن الصدام وشيك..

وهو صدام على الجيش أن يتجنبه وإلا وقع فيما وقعت فيه الشرطة.

قد يعود الناس إلى النزول إلى الشوارع بالملايين..

وسيتكرر العناد الذي حدث بين الشعب وبين مبارك..

هذا وضع لا بد أن نتجنبه..

إن الكثيرين يراقبون الآن في قلق شديد بطء أداء الجيش ويقارنونه ببطء مبارك وعناده..

ويتوجسون شرا..

إن كرامة الجيش لا يجب أن تخدش..

ولكن ماذا سيحدث إن اتخذ الجيش  قرارا باستمرار أحمد شفيق ثم بدأت المظاهرات المليونية مصرة على إقالته..

ماذا سيفعل الجيش عندئذ؟ هل يعاند؟ هي الكارثة إذن.. هل يستسلم وينكسر؟ لا نرضى له ذلك.

أرجوك يا جيش..

احقن الدماء..

لا تناور في التغيير..

لا تضع الثورة في أرض قتل..

غيّرْ فعلا..

إياكم وعناد مبارك.. وإياكم وغباء نظامه..

حافظ على نبلك وهيبتك وكرامة الأمة ودماءها..

احقن الدماء..

احقن الدماء .. ابدأ

***

لم أكف عن التحذير والنصح أبدا..

ويوم 10 مارس كتبت:

يا قوم ..

عقرنا الذئب .. فمن واجبنا أن نخشى من كل الكلاب.

هل وضعنا الآن مريح ومطمئن؟ أسأل مثقفي الحظيرة هل وضعنا الآن مريح وآمن حتى نطلب من الجيش أن يطيل المدة .. الجيش يقول لنا ستة شهور ثم أسلمكم زمام أنفسكم فتصرخون قائلين: نرجوك اجعلها عامين ..

أوجه الكلام لكل واحد منكم يا قراء ..

أنت في السجن وقد فُتحت لك ثغرة ومدوا لك سلما من الحبال ..

هل ترفض الخروج لأنك مصر على أن يكون السلم من الرخام ..

اهرب من المباءة حيث الخطر أقل وحيث الراحة أوفر وفرص القرارات الهادئة المدروسة طويل المدى أكثر ..

اهرب ..

اهرب ..اهرب قبل ألا تستطيع الهرب ..

اهرب ..

فما أكثر الذئاب التي تريد أن تعقرك والكلاب التي تنبح عليك والأفاعي التي تريد أن تلدغك والضباع التي تريد أن تنهشك ووحوش الفلاة التي في حياتك موتها وفي موتك حياتها ..

اهرب من المكان ..

ابتعد ..

سوف ألزمكم الحجة وأوافق على كل ما تريدون .. لكن بشرط واحد ..

هو أن تضمنوا ألا تتغير الأحوال ..

الأمر خطير وقد حشدت الثورة المضادة حشودها لتخوض معركة تراها هي معركتها الأخيرة .. ذلك أن الاحتكام لصندوق الانتخاب يعني الحكم عليها بالإعدام ..

إنهم لا يطالبون كما يزعمون بديمقراطية أكثر أو بدستور أكمل .. إنهم يدّعون ذلك .. ويعلمون أنهم يكذبون وأننا نعلم أنهم يكذبون .. كما أنهم يطلبون مطالب مستحيلة .. لا بأمل تحقيقها .. ولكن من أجل نشر الفوضى.

إنهم باختصار شديد ضد الديمقراطية على طول الخط كما وصفهم المستشار طارق البشري .. وهم يريدون نظاما آخر كنظام مبارك تماما يكونون هم فيه عبيده وأغواته  ووزراءه وحاشيته وخصيانه.

***

دعونا نكن أكثر صراحة ..

الجيش في مكان القلب منا .. لكنه أبدا ليس مكان العقل ولا محل التفكير ..

هل أمنتم ألا يفتن الله أحد ضباط الجيش؟

أو أن ينتقل إلى جوار الله أحد قياداته فيحل محله مفتون؟

أو أن ينجح انقلاب مدني أو عسكري ..

أو أن تنجح الثورة المضادة المدعمة بكلاب الداخل وخنازير الخارج ..

أو أن تفرض القوى الخارجية وضعا لا نتوقعه ..

أو أن يحدث انهيار اقتصادي يجعل مواصلة الطريق نحو الديمقراطية مستحيلا ..

أو أن تزيد معدلات الفوضى ..

المطلوب فوضى يستطيعون النجاة فيها من كارثة مواجهة صندوق الانتخاب ..

الأرض التي نحن فيها الآن أرض قتل .. فاهربوا منها بأقصى سرعة ..

فإن لم تفعلوا فلا تلومُنَّ إلا أنفسكم ..

وثمة سؤال يوجعني أوجهه لمن أحبهم وأحترمهم ..

للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ..

لماذا تستعينون بأعدائكم .. ؟!

لماذا تصرون على استبقاء الطابور الخامس في مؤخرات صفوفكم ..؟

لماذا لم تقيلوا المحافظين والمجالس المحلية ورؤساء الجامعات ..؟

لماذا لم تحلوا الحزب الوثني؟ ..

لماذا أمّنتم القلب وتركتم حشود الأعداء تحتل كل ما حول القلب فلا تكف عن قصفه وبلبلته وتوجيه الصواريخ والسهام إليه ..

لماذا تركتم - وما زلتم تتركون – البغال والحمير تواجه الثوار وتحاول سرقة ثورتهم.

لماذا تتركون خطوط الثورة المضادة مفتوحة تنال منكم طول الوقت؟

لماذا؟

لماذا أتيتم بلجنة عظيمة لتعديل بعض مواد الدستور ثم تركتم الإعلام بهيكله القديم الخائن يمزقها ككلاب مسعورة دون أن يتاح لها حق الرد المتكافئ؟

لماذا ..

***

لم أكف عن النصح أبدا.. وربما أكمل هذا الموضوع في مقالات قادمة..ليس إبراء لذمة ولا إثباتا لموقف.. فما لكم أكتب.. وهو يسمع ويرى..

لكنني قد أكتبها لاستخلاص العبر.

***

عندما غرق صلاح الدين  تدرع الدكتور عاصم بصلابته الخارجية ومارس قدرا هائلا من الضغط على نفسه ، بمنتهى القسوة، حتى أنه منع نفسه من البكاء، وظل على هذا عاما ونصف عام.. بعدها.. انهار سده العالي أمام طوفان دموعه..

أنا لست مثله..

الآن.. وأنا أكتب هذا.. صبيحة الأربعاء 23 نوفمبر.. أتأمل الجيش.. ابني وإن عصاني.. وحبيبي وإن جفاني .. وأخي وإن قلاني.. وهو فلذة الكبد وسويداء القلب..

لماذا خذلتني.. لماذا لم تُطِعْنِي..

أتمنى أن يتوقف طوفان المظاهرات.. أن يعود الناس إلى بيوتهم لتبدأ الانتخابات..

أتمنى ذلك.. لكنه يبدو أملا عزيز المنال.. إن ثقتي في الجماهير هائلة.. لكن الجنون هو الذي يمسك الآن بخطام الناقة.. يدفعها إلى الهاوية.. نعم.. المجلس الأعلى للقوات المسلحة أخطأ.. لكن.. هل نعاقبه بهدم مصر..؟.. بتفكيكها.. بتسليمها لقمة سائغة للشواذ والزناة والعراة.. لأمريكا وإسرائيل..

 لقد حققت الموجة الثانية من الثورة نجاحا هائلا بتحديد موعد لتسليم الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة قبل نهاية يونيو القادم .. ولولا موقف الجماهير في جمعة 18/11 ثم ما حدث بعدها لاستولى الجيش على السلطة في نهاية الأمر..

وجود الجماهير في ميدان التحرير منع هذه الكارثة..

لكن استمرار وجود الجماهير بعد خطبة المشير سيدفعنا إلى كارثة أشد.. إلى انهيار الدولة..إلى حرب أهلية سيستشهد فيها البسطاء لتفاجأوا بعد عام بممدوح حمزة أو عمرو حمزاوي أو بسمة أو علاء الأسواني أو ريم ماجد ألفريد أو حتى ساويرس رئيسا للجمهورية.. سيتولون الرئاسة على أكوام من جماجمنا.. وعلى أشلاء الوطن..

أصرخ في الناس:

هذا يكفي.. الطريق بعد ذلك طريق تيه وضياع فلا تندفعوا فيه.. الطريق بعد الآن يدفعكم إليه عملاء مبارك وأمريكا وإسرائيل..

أصرخ في الناس:

أي طريق غير طريق الانتخابات ضياع وخراب ودمار..

مجلس الرئاسة المدني ضياع وخراب ودمار.. وحرب أهلية..

مجيء البرادعي رئيا للوزراء مدعوما بأمريكا وإسرائيل وعملائهما ضياع وخراب ودمار..

استمرار التواجد في ميدان التحرير ضياع وخراب ودمار..

أصرخ في الناس:

كانت المؤامرة منذ البداية منع الانتخابات.. وقد يكون المجلس الأعلى مشاركا في هذا ..  وقد يكون السلمي مخلب ذئب للخارج أو الداخل.. وقد.. وقد..استمراركم في ميدان التحرير سيكرس هذه الكارثة.. سيمنع الانتخابات.. ويهدم الوطن.. وقد يتولى الجيش الحكم  بعد حرب أهلية.. أو يحكم من خلف ستار.. أو يحكم عملاء أمريكا وإسرائيل مباشرة.

انصَرِفُوا .. كُفُّوا....

فهل تطيعونني؟!

***

أتساءل في حزن يجثم على قلبي كثيف كدم الشهداء ثقيل كالجبال..

لماذا لم يطع صلاح الدين أباه..؟؟

ولماذا لم تطعني يا جيش..؟؟

ولماذا لا تطيعوني يا ناس؟..

أتساءل..

أتساءل تساؤلات هائلة  تغرق في طوفان دموعي..

***

***

***

 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 


البرادعي أسوأ من مبارك

والأسواني أسوأ من فاروق حسني!"1"

 

 

***

عندما قرأت أن علاء الأسواني عين محمد البرادعي رئيسا للجمهورية انفجرت التذكرات فقفز إلى مخيلتي ذلك الماريشال الذي كان يلبس ملابس هتلر ويطلق شاربه ولا يكف عن التجوال في منطقة الأمريكين وتقطع شارع فؤاد وسليمان ( مازال الناس يسمونهما كذلك متجاهلين أسماء ثورة 23 يوليو).. كان الرجل يحمل عصا خشبية قصيرة. وكان يستعيض عن النياشين بأغطية البيبسي كولا والاسباتس والسيدر ( مشروبات ذلك الزمان)..

كان شبيه هتلر الهزلي لا يكف عن إطلاق الأوامر الضخمة.. وربما كان منها تعيين رئيس للجمهورية أو حتى أمين عام للأمم المتحدة!!..

***

قلت  لنفسي أن صحيفة الفتح وقورة جدا وعليّ أن أبحث عن تشبيه آخر تكون لياقته لها أكثر..

ارتحلت إلى تخوم الذاكرة  فتذكرت: "آن لأبي حنيفة أن يمد رجله".. إذ جاء في الأثر أن الإمام  رحمه الله كان يدرس لتلاميذه في الحلقة فجاء رجل له مظهر عالم ولم  يكن الإمام رحمه الله تعالى يعرفه.  وكان ماداً لرجليه فلما رأى هذا استحيا فكف رجليه حياء وكان يشرح ويدرس الناس وإذا بهذا الرجل يرفع إصبعه يسأل فقال: أرأيت إن جاء رمضان وقت الحج فما يفعل الناس فقال: أبو حنيفة آن لأبي حنيفة أن يمد رجله ً

...

سألت نفسي ضاحكا : أرأيت إن جاءت الانتخابات  وقت اعتصام التحرير فطمستها.. فماذا نصنع؟!

كانت الأمطار قد هطلت بغزارة على الميدان عشية الانتخابات.. فهتف واحد من الناس:

-         السماء تريد.. فض الاعتصام..

أخذت الأمر كطرفة.. لكنني علمت بعد ذلك أن كثيرين من الإسلاميين في الميدان قد اعتبروا الأمطار إشارة وعلامة وأمرا بالانصراف.

***

بعد انصراف المسلمين – لا أحب في الواقع مصطلح الإسلاميين.. فالله لم يسمنا كذلك.. هو سمانا المسلمين.. أما مباحث أمن الدولة ورفعت السعيد والموساد والليبراليين والسي آي إيه فقد أطلقوا علينا اسم الإسلاميين) أقول بعد انصراف المسلمين بدا الميدان خاويا بصورة مضحكة!! كأنما كان هناك بالون ضخم انفجر وتسرب منه ما كان فيه فلم يكد يبق من مادته المطاطية الرخيصة شيء يُذكر!

***

لم أستطع منع نفسي من الضحك متخيلا  حفل ترسيم البرادعي رئيسا للجمهورية ، وكيف كان الأسواني سيلبسه التاج؟ هل بطريقة ملكة انجلترا ..أم بطريقة نيرون.. أم بطريقة هتلر!!.. أم بطريقة آل كابوني!!..

داعبتني الذاكرة المدهشة التي تستعيد من الماضي تفاصيل مدهشة بينما تحرجني عندما تنسى اسم روايتي علاء الأسواني اللتين سينال عنهما جائزة نوبل!.. قفزت إلى ذاكرتي فجأة حكاية الضفدعة التي رأت ثورا ضخما فأكلتها الغيرة فقررت أن تعب الماء حتى تصبح  في حجم الثور  .. وراحت تعب وتعب وتعب.. وقبل أن يصل حجمها إلى حجم حافر الثور.. كانت قد انفجرت...

بحثت عن أشلائها..وجدت شيئا لم أتيقن إن كان جلد الضفدعة التي انفجرت أم بالونة التحرير التي تبخرت وتلاشت كما يتلاشى الظلام أمام النور وكما يأتي الفيضان فيكتسح الأدران ويطهر الأرض منها..

كنت محتارا..

واختفى من أمام ناظريّ منظر علاء الأسواني وهو ينصب البرادعي رئيسا!!

أصابني الفزع: هل يمكن أن يكونا قد انفجرا..

***

هتف بي هاتف:

-         احذر فقد اقترب زمان المسيخ الدجال..

أخذت أرقب الوجوه حولي.. لكنني لم أشهد ملامح الدجال فيها.. ولا حتى في ملامح الأسواني والبرادعي..

***

 همست لنفسي:

-         هل كانا الأسواني والبرادعي حقا  أم هو  الشيطان عاد ليعبث بنا من جديد..

تذكرت تلك الحكاية الخرافية التي كانت الجدات يحكينها للأحفاد.. ومن المؤكد أنني سمعتها ألف مرة..

هذه الحكاية خرافة من القصص الشعبي المفعم بحكمة الأجيال عبر الزمن، إذ يحكى أن رجلا كان يذهب لصلاة الصبح في المسجد كل صباح فأراد الشيطان أن يعطله عن صلاته فكمن له في الطريق إلى المسجد بعد أن تشكل في صورة أحد أصدقائه، وتصنع الشيطان في صورة الصديق أنه سيصحبه إلى المسجد للصلاة معه،  وفي الطريق صرخ الشيطان فجأة لأن شوكة دخلت في قدمه وطلب من صديقه أن يخرجها، وهرع الصديق لنجدة صديقه  الذي  مدّ قدمه ففوجئ الرجل أن القدم ذات حافر مشقوق، فأدرك والرعب يكاد يقتله أنه الشيطان يعبث به فصرخ عاليا، وانطلق لا يلوي علي شيء والشيطان يقهقه خلفه، كان يجري مبتعدا عن طريق المسجد، و ظل الرجل يجري حتى أدرك حيهم فقابل جاره في طريقه إلى المسجد، و حاول الجار أن يهدئ من روعه حتى هدأت نفسه، فسأله عما أفزعه كل هذا الفزع،  فأخذ الرجل  يحكي له الحكاية حتى وصل إلى الحافر المشقوق فتساءل الجار : مشقوق مثل هذا؟ ومد قدمه فإذا به هو الآخر مشقوق وأدرك الرجل أن الشيطان قد تجسد في صورة جاره، فولى منه فرارا بعد أن ملئ رعبا، واندفع يجري حتى أدرك شارعهم فوجد أخاه خارجا من بيته متوجها للمسجد، و حاول أخوه أن يهدئ من روعه حتى هدأت نفسه، فسأله عما أفزعه كل هذا الفزع،  فأخذ الرجل  يحكي له الحكاية حتى وصل إلى الحافر المشقوق فتساءل أخوه : مشقوق مثل هذا؟ ومد قدمه فإذا به هو الآخر مشقوق وأدرك الرجل أن الشيطان قد تجسد في صورة أخيه،  فانطلق يجري صائحا وهو من الرعب في غاية، إلى أن وصل إلى بيته فهرعت إليه زوجته وأخذت تهدئ من روعه متسائلة عما به، فأخذ يحكي لها عما ألم به حتى وصل إلى الحافر المشقوق فمدت زوجته قدمها صائحة به : مثل هذا ؟

لا تذكر القصة الشعبية تلك نهاية الحكاية ، أغلب الظن لأنها بلا نهاية.. وربما كانت بعض فصولها تحدث الآن على إحدى الفضائيات أو في ميدان التحرير!.

ورغم يقيني العقلي والديني أن الحديث حديث خرافة إلا أنني لا أنكر أن  الحكاية  متجذرة في وجداني وأنني كثيرا جدا ما أختلس النظر إلى أقدام الناس لأكتشف ذوي الحوافر المشقوقة..

لشد ما أريد أن  أختلس النظر إلى أقدامهم الآن علاء الأسواني.. ومخمد البرادعي!!(بالخاء لا بالحاء)..

***

عاود الشيطان معابثتي.. فرأيت الأسواني قد نجح في تنصيب البرادعي.. وبعد أربعة أعوام نجح البرادعي في تنصيب الأسواني رئيسا للجمهورية مثل بوتن وتابعه.. قلت لنفسي لابد أن أطالب لنفسي ساعتها بحق البشارة.. لقد تنبأت منذ ثمانية أعوام بنجومية علاء الأسواني.. وبجائزة نوبل.. ثم تنبأت منذ ثلاثة أعوام بأنه يترشح رئيسا للجمهورية.. اعتمدت في ذلك على الحدس وفراسة المؤمن دون أي وحي يتنزل من المخابرات الأمريكية أو الموساد!!

عاود الشيطان معابثتي  فرأيت البرادعي والأسواني بعد أن توليا أمرنا تحولا إلى سفاحين  أحدثا فينا مقتلة عظيمة  ثم أمرا بمائدة هائلة ومد السماط على أشلائنا.. وكنا ما نزال نتحرك ونتخبط في دمنا.. سمعت الأسواني يقول:

هذه أشهى مأدبة في حياتي.. وسمعت البرادعي يقول: وأنا كذلك..!!

وأنا في النزع الأخير سمعت منظمة حقوق الإنسان المصرية ( ماركة الجمل) تشيد بجهودهما في سبيل حقوق الإنسان!!

***

حاولت جاهدا أن أتخلص من تبعثر أفكاري.. من الضفدعة والبالون وماريشال الأمريكين بملابسة الممزقة وشاربه الهتلري وحافر الشيطان ومائدة السفاح ( وهي فرية نقلها الأسواني من الأغاني)...

***

أهز رأسي.. أعيد تركيز أفكاري.. أهتف في نفسي:

-         كف عن الهذر فالأمر جد لا هزل..

لكنني قلت لنفسي في مرارة:

-    وهل هناك هزل أقبح من اعتصام الفلول في التحرير وتعيين البرادعي رئيسا دون انتخاب.. هل هناك هزل أكثر من أن يقود البلطجية مصر كلها من ميدان التحرير.. هل من المنطقي أن يوجد ألف عميل يستأجرون عشرين ألف بلطجي يحضر معهم ثلاثون أو أربعون ألف من حسني النية .. ويتكفل هؤلاء –بقيادة البلطجية-  بقيادة مصر كلها ..  ( لكن .. هل قادها غير البلطجية في العقود الستة الأخيرة؟!) انقشعت الابتسامة وطفحت مرارة كالعلقم.

وعلى بحر العلقم رحت أطرح الأمر على نفسي من جديد..

***

قلت لنفسي أن البرادعي أسوأ حتى من مبارك.. ربما كان ما بطن من الفواحش عندهما واحدا.. لكن مبارك لم يفخر ولم يغازل اليهود ولم يتقرب إليهم بأن عشيقته كانت ذات يوم يهودية .. البرادعي فعل..  مبارك لم يقل لنا أنه كان يذهب للحانة للسكر كل أسبوع.. ومبارك لم يجاهر مثل البرادعي بأنه حاول المستحيل كي يرد أمه عن ضلالها عندما ارتدت الحجاب الذي لا يعترف به البرادعي كفريضة بل كتقليد.. ثم يعتذر البرادعي عن عدم إرغام أمه على ترك الحجاب.. فقد كانت مسكينة.. في الثانية والثمانين!!..(هل كان يريد التماس المعذرة لها باتهام عقلها).. ومبارك رغم فجوره لم يطالب كالبرادعي بزواج المسلمة من غير مسلم.

إن الأسواني – وهو صناعة أجنبية- يطالبنا بتنصيب البرادعي علينا وهو أيضا صناعة أجنبية!.

***

نعم.. حتى مبارك أفضل من البرادعي..

أما الأسواني فهو مقلوب فاروق حسني!..

وكلاهما لا يمثلاننا.. إنما يمثلان الغرب..

نعم.. البرادعي ليس من أهلنا ولا نحن من أهله..

فلنأت بشاهد من أهله..

يهاجم  أليكس جونز وهو معارض أمريكي شرس الدكتور البرادعي بشده و يقول بأنه دمية أمريكية و أنه على علاقة بجورج سوروس الملياردير الصهيوني الذي يمول أغلب الحركات الماسونية في العالم.  ويؤكد  أنه تدرب في المخابرات الأمريكية وأنه دمية للأمم المتحدة. بل إنه يقرر أن مبارك أفضل منه لشعبه.. لقد كان مبارك خادما مطيعا لأمريكا روع شعبه وقتله وعذبه لصالح المخابرات الأمريكية لكنه مع ذلك لم يكره شعبه بالقدر الكافي.. وقد جاء البرادعي ليقوم بما عجز مبارك عن القيام به.

ويواصل أليكس جونز أن ثورة مصر استنساخ لثورة جورجيا وهي ثورة لصالح سورس  الذي ينفق البلايين ليسيطر على أماكن معينة في العالم.

لقد ترك البرادعي منصبة السابق بضغوط أمريكية وبتخطيط مسبق معه شخصيا ً

حيث أكدوا له أنهم في احتياج له ولكن في منصب ارفع وأرقى كثيرا ً. صارحوه أنهم يريدونه علي عرش مصر ليكون رجلهم و خادمهم الوفي الذي لا يعصاهم(ربما لم يقولوا له حينها أن الأسواني هو الذي سينصبه رئيسا!).

***

كفى هذرا يا أسواني.. لن أنتخبه حتى لو ارتجفت أشلائي تحت سماطكما وأنتما تتناولان أشهى وجبة في حياتكما..

كفى هذرا..

***

نعم .. مبارك أفضل من البرادعي..

دعك من زيارته لإسرائيل ومن إغماض عينه عن أسلحتها للدمار الشامل.. دعك حتى من الوشاية بمصر في مفاعل أنشاص (أشبه بلعب الأطفال).

ولكن.. هل تستطيع نسيان إذلاله للعراق..

لقد  تم احتلال العراق بناء علي تقاريره التي كان كرئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي كان يغض الطرف فيها عن التقارير الفنية التي كانت تقدم له من المتخصصين , حيث كان يركز علي تحقيق رغبات أمريكا بإيجاد مبرر لغزو العراق  إضافة إلي التجسس علي كل منشئات العراق العسكرية لسحقها فيما بعد .

إن هذا البرادعي يدافع عن الولايات المتحدة في التعامل بمعايير مزدوجة مع العراق التي قصفت بملايين الأطنان من المتفجرات والمواد المشعة  وبين كوريا الشمالية التي لم تطلق عليها رصاصة واحدة..كان يتحدث دائما عن كوريا باحترام وغموض.. لكن.. مع العراق كان الخطاب الصليبي الصهيوني المليء بالغرور والازدراء الذي كان يحمله البرادعي وهو يذل شعبنا في العراق بأن العالم سئم إنكاره لوجود أسلحة الدمار الشامل وأن عليه الانصياع والإذعان والانقياد.

فمن أراد أن ينصاع ويذعن وينقاد كالسائمة فليوافق الأسواني على تعيين  البرادعي. رئيسا للجمهورية.

هل تذكرون ما ينكره الآن من إشادة بالضغط الدولي على العراق الذي ساعده كثيرا في إنجاز مهمته.

إن الرجل ينطق بعظمة لسانه ( هل يوجد في لسانه عظمة) وبالصوت والصورة أنه على علاقة وثيقة بالمخابرات الأمريكية وغيرها (أنقل من اليوتيوب في فيلم فيديو مصور له). إن الرجل كان  ينادي بزيادة حدة التعامل مع العراق. إنه يرفض اتهامات العراق للجانه بالتجسس

 ( وهو ما سيثبت بعد ذلك باستقالات المفتشين الذين أبت عليهم ضمائرهم الاستمرار.).

من أراد أن ينتخب رجلا جل أصدقائه ماسون ويهود وصليبيون فلينتخب البرادعي.

ومن يعتبر تقبيل إخوانه من الرجال عيبا  وعدم تقبيل النساء الأجنبيات عنه عيبا أكبر وعارا يستحق الخجل فليختر الدكتور محمد البرادعي ( هذه الصفة سائدة في الغرب: تقبيل الرجال عيب كبير وعدم تقبيل الأجنبيات فظاظة وانعدام في الذوق، ولعلكم تذكرون قبلة كارتر الشهيرة.. البردعي يفعل ذلك باستمرار)

من أراد أن ينتخب تلميذ جورج سورس وعضو لجنة الأزمات الدولية (بل وحكومة العالم الخفية)  التي سارع بالاستقالة منها يوم قيام الثورة: 25 يناير تأهبا للمنصب الجديد الذي ينتظره على يد الأسواني فليوافق على تعيينه رئيسا. .

***

يوم 3 فبراير 2011 كان جورج سورس يخطب مناشدا الرئيس الأمريكي أوباما التخلي عن مبارك وتحويل مصر إلى دولة ليبرالية وراح يمتدح البرادعي.

لقد دخل محمد البرادعي غمار السياسة مدفوعا من مجموعة الأزمات الدولية

***

ولقد كشفت وثائق أمريكية مصنفة تحت بند سرى للغاية عن الطابور الخامس أو عملاء أمريكا في مصر، و كان أبرز من في هذا الطابور هم البرادعي و عمرو حمزاوي و حركة 6 إبريل، و بعض منظمات المجتمع المدني الغربية التي تعمل في مصر مثل يو اس ايد، وهو برنامج المنحة الأمريكية و منظمة أنا ليندا السويدية ذات التمويل الماسونى. ويهدف هذا الطابور الخامس إلي تفتيت و تفكيك الوطن العربي التي تعد مصر مركز ثقله.

ويوضح  الباحث محمد قمرة  المخطط الصهيوني لاستخدام البرادعي و عمرو حمزاوي،  منذ احتلال العراق في  2003 .. وفي 2006 أعلنت  كونداليزا رايز مخطط الشرق الأوسط الجديد لنشر الديمقراطية،  وفشل المشروع فتم إرسال البرادعي من أمريكا سنة 2010 و بدأ ينشيء الجمعية الوطنية للتغير (برئاسة حسن نافعة!! ثم عبد الجليل مصطفى!!) و يعود أيضا عمرو حمزاوي العائد من ألمانيا الذي شارك في تأليف كتاب الشرق الوسط الجديد، وقرر فجأة الاستقرار بمصر، و بعد أن كان عضوا في لجنة السياسات بالحزب الوطني ينقلب فيصبح صاحب دعوى للتغير، يتلقى الدعم من وزارة الطاقة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات العسكرية ووكالة الأمن القومي كما صرحت كونداليزا رايز –احد ابرز أعضاء المنظمة – إلي وكالة الإعلام الدولية سنة 2010.. كان المطلوب ولا يزال  المطلوب هو تنفيذ مخطط تم صنعة منذ مؤتمر بازل سنة 1901و بدأ أولى حلقاته منذ إنشاء هذا الكيان الصهيوني على أرض فلسطين 1948م ،مخطط صاغته وأعلنته الصهيونية؛وتنفذه بأذرع صليبية لتفتيت العالم الإسلامي،ويكون الكيان الصهيوني هو الحاكم،و يأتي برنارد لويس ليختصر الطريق بمخطط الشرق الأوسط الجديد.

***

كان ذلك كله متضمنا في مفهوم الفكرة الماسونية "الفوضى الخلاقة" التي تحدثت عنها كونداليزا رايس وكذلك  دان براون، وهي تقضي بأن الشعوب تتقاتل إلي أن تصل إلي التفكيكية، و هي الرؤية الدينية عند اليهود. وهذا هو ما يفعله الليبراليون في مصر الآن.. تقاتل للتفكيك.. وهذا ما يؤجرون عليه..

يقول اليكس جونز : "تدرب البرادعي في السي آي إيه و هو الآن جاهز ليكون الدمية الجديدة لأمريكا،ولدى تقرير سرى من المخابرات يقول أن البرادعي هو رجلنا بمصر". و يضيف اليكس جونز : "سوروس أنفق الملايين ليسيطر على مناطق كثيرة في أوروبا الشرقية و منتصف آسيا و قلب روسيا و الآن جاءه البرادعي بمصر".

***

سوف يثور على الفور تساؤل:

- هل كانت الثورة كلها ثورة أمريكية؟؟ هل خدعنا.. ؟؟ هل كانت ثورة أمريكية أفلت العيار فيها بخروج الملايين لتحاول تحرير الوطن فبادر الأمريكيون بتحريض الجيش على الانقلاب؟.

الحقيقة أن التصورات كلها صحيحة. كانت ثورة أمريكية. ولم يكن 25 يناير موعدها بل إحدى محطاتها وكان الموعد لحظة التوريث. ولكن هب الشعب. قامت الأمة على قلب رجل واحد. ذهلت أمريكا. ها هي ذي الثمرة توشك أن تضيع. وكان ثمة علاقات وثيقة بين مستوى الصف الأول في الجيشين: المصري والأمريكي.

البقية في العدد القادم إن شاء الله

***

 

***

حاشية..1

انتخابات 1

في العرس.. يفرح الناس جميعا.. أما الأب فينزوي في مكان قصي يمسح دموعه.. وهكذا كنت أمام مهرجان الانتخابات المذهل.. وكل هذه الملايين تزحف نحو صناديق الانتخاب.. والأهرام تكذب فتقول أنها أول انتخابات نزيهة منذ  ثلاثين عاما.. بل أول انتخابات نزيهة منذ عمر مكرم! عدا استثناءات نادرة، لكن استثناء عهد عبد الناصر شكل جرأة وقحة على الصدق.

***

حاشية..2

انتخابات 2

هل جربت أن يأتي طاغوت مجرم جبار يحرم أهلك من الطعام فيتضورون جوعا ويدفعهم اليأس من العثور على طعام إلى الانزواء جائعين..

أهلك.. أبوك وأمك.. زوجك وزوجتك.. أبناؤك وبناتك.. يتضورون جوعا..

كان هذا هو الوجه الآخر لجحافل الملايين الزاحفة إلى صندوق الانتخابات..

برغم الفرح.. كان للمشهد وجهه الحزين..

تخيل أمك الطيبة العجوز الجائعة أعواما حين يعرض عليها الطعام الوفير فجأة فتقبل عليه بنهم يمزق قلبك..

ليست أمك.. بل أمتك.. وهي جائعة منذ ستين عاما.. بل منذ مائتي عام..

والله لو قٌتل الطواغيت الذين أجاعوها بكل ناخب قتلة ما كفانا..

***

حاشية 3

حسن نافعة

أما من أحد يهز الدكتور حسن نافعة أو يخبطه خبطة خفيفة على رأسه كي يعالج الخلل الذي جعل أفكاره تتجمد عند نقطة ما كما تتجمد الصورة على شاشة السينما أو الكمبيوتر بسبب خلل في جهاز العرض قد تعالجه مثل تلك الخبطة.

الدكتور حسن نافعة- وله احترامنا- تجمدت الفكرة في رأسه على فكرة (الدستور أولا).. يقول أنه يقولها كأمانة قبل أن يلقى الله.. لكنني أتخيله من أهل الجنة إن شاء الله لكنه يشترط قبل دخولها أن يكون الدستور أولا..!!

الطرفة التي تجعلك تجهش ضاحكا  أو تنتحب مقهقها أنه يعيد رسم العملية السياسية كلها ( مع إلغاء الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب) ونبدأ بمنهجه هو.. على أن يسلم الجيش السلطة لرئيس منتخب يوم 23 يوليو 2012..

يا مسكين..

23 يوليو عورة لا ثورة..

تاريخ اغتصاب أمة.. نعلن فيه الحداد ولا نحتفل به أبدا..

يا مسكين.. حالتك أخطر مما تصورت في البداية.. وخبطة خيفة لا تكفي!!..

***

حاشية 4

أختلف مع أصدقائي اختلافا حادا أرجو ألا يفضي إلى شجار: يصرون أن اسمه اللواء ممدوح شاهين.. وأصر أن اسمه ممدوح السلمي!!..فاحكموا بيننا..

***

حاشية 5

شيخنا.. حبيبنا.. أستاذنا.. علامتنا .. فقيهنا: يوسف القرضاوي: البرادعي؟! .. البرادعي؟!.. البرادعي؟!!!!!!!!!!

غفر الله لك

 

 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 

 

 


البرادعي أسوأ من مبارك

والأسواني أسوأ من فاروق حسني!"2"

 

 

إياك أن تضحك..!!

أحذرك..

إياك أن تضحك بعد قراءة ما تناقلته وكالات الأنباء على استحياء من أن مجلة أمريكية قد اختارت البرادعي والأسواني ( معا.. في نفس الوقت.. ولنفس العام ..!! يا للصدفة العجيبة: ولكن لا تضحك) من ضمن أهم مائة مفكر في العالم.

خبئ فمك بين كفيك أو ادفن وجهك بين طيات صحيفة إن غلب  الضحك عليك .. ادفنه خيرا من أن تُدفن أنت!

لا تضحك.. وإلا.......!!!!

هل تعرف كيف تقتنص المخابرات الأمريكية أعداءها وأعداء عملائها وأعداء أصدقائهم وأحبابهم والمعجبين بهم..

إنها تصطادهم  بالشباك كالحيوانات..

هل تريدون تفاصيل أكثر؟..

اسألوا اللواء عمر سليمان.. فقد كان شريكا في مثل هذا..

اسألوه.. واسألوا البرادعي والأسواني:

لماذا لم نر من ديمقراطيتهم سوى النابالم واليورانيوم المشع وشباك صيد الحيوانات والبرادعي وعلاء الأسواني؟

لماذا ننظر الآن فنرى رؤوس الناس على جثث الحيوانات ورؤوس الحيوانات على جثث الناس..

اسأله.. لكن لا تضحك على خبر اختيار البرادعي والأسواني من أهم الشخصيات في العالم!!

لا تضحك إذن.. بل ابك!!..

***  

أتساءل أحيانا والحزن سحابات سوداء هائلة وجبال تجثم فوق قلبي : لماذا يكن الليبراليون والعلمانيون لنا كل هذا العداء.. نحن لم نؤذهم أبدا.. وهم الذين آذونا دائما.. وتحالفوا دائما مع أعداء الأمة من محتل خارجي ومحتل داخلي وشهروا بنا وسامونا العذاب.. كان يجب أن تكون الكراهية منا لهم لا منهم لنا.. ونحن لا نكرههم بل نتمنى لهم الهداية.. فلماذا اتخذوا هذا الموقف منا؟  هل يدركون حجم جرائمهم (الجرائم الجنائية لا السياسية) ويعلمون أننا إن تولينا فسوف نكتشف وثائق خياناتهم وجرائمهم التي كانت أجهزة الدولة تخفيها عن الأمة مساومة مبتزة؟!

لماذا أنكرونا ونحن القاعدة وهم الاستثناء ..

لماذا تعوي الكلاب فلا ترى لنفسها حقا إلا الحرمان السياسي للإسلام كله.. حتى أمريكا وإسرائيل لا تجرآن على المطالبة بذلك  وإن أضمراه..

علمانيونا وليبراليونا يجرؤون.. يملكون من الوقاحة ما يجعلهم يجرءون..

لماذا؟! هل نحن الهكسوس؟ هل نحن أجانب غزاة؟ ..

هل نحن الرجل الأسود وهم الرجل الأبيض..

هل نحن السيخ المنبوذون وهم البراهمة والبوذيون؟

هل نحن "البدون" وهم المجنسون؟..

هل نحن في كفالتهم..؟!

هل نحن كما عوى أحد كلابهم الأربعون في المائة الجهلاء  وهم العلماء؟ ألا إنهم هم السفهاء..

هل نحن الأعداء؟..

أتساءل: أإلى هذا الحد بلغ التلوث الفكري؟

أإلى هذا الحد بلغ الغزو الفكري؟؟

أإلى هذا الحد بلغ التشويه..؟؟ أإلى هذا الحد بلغ انحراف الضمير والقدرة على التشويه؟!

أتساءل عن هؤلاء الليبراليين والعلمانيين.. بل أسائلهم: إذا – لا قدر الله – احتلتنا إسرائيل: هل سيقابلها أولئك الأوغاد بهذا العنف وهذه الكراهية وهذا التشهير وهذا الرفض الذي يقابلون به الإسلام.. ؟.. أتساءل ولا أنتظر الإجابة بل أجيب أنا: لا والله..

إن الأمر يشبه أمر عصابة استولت على منزل بالاتفاق مع بعض السكان المحليين من البلطجية والخونة.. تآمر هؤلاء وتعاون أولئك وصفحت الرشوة والمال المدنس حتى اكتملت الخطة أو كادت وإذا بصاحب البيت الحقيقي يعود فجأة..

يمكن لأفراد العصابة أن يتشاجروا.. لكنهم إزاء صاحب البيت الذي سيكشف جرائمهم ويسترد غنائمهم لابد أن يقتلوه.. لا بد أن يخفوا الجريمة بقتله.. إن وجوده سيكشف كل جرائمهم السابقة ليحاصرهم بين الموت وبين حياة أقسى من الموت.. هي معركتهم الأخيرة إذن.. معركة حياة أو موت.

يتحدث محمد عبد الحكم دياب وهو قومي متعصب  لا تقبل شهادته إلا إذا كانت ضد قومه!..وقد ظهرت عليه علامات الشجاعة فجأة فراح يهاجم القذافي بشجاعة منقطعة النظير.. ولكن بعد موته.. ولم نعرف أنه كان من رجاله إلا الآن.. نحن.. واجهنا الطواغيت أحياء فقتلونا وسجنونا وعذبونا.. لا ضير.. ليس هذا موضوعنا الآن..  يقول محمد عبد الحكيم دياب في القدس العربي معترفا عن أهله وأصحابه:

وغالبية هؤلاء الكاسحة؛ إن لم يكن كلهم يتهافتون على التمويل الأجنبي بروافده الأوروبية والأمريكية والصهيونية. ولم تتوان جهات التمويل عن الإعلان عما تضخه في قنوات الجماعات الحقوقية والسياسية المصرية، وقد صرفت الإدارة الأمريكية مبالغ طائلة في فترة ما بعد 25 يناير وحتى الآن، ومنها ما هو معلن وسبق نشره على هذه الصفحة من أسبوعين، وهو 40 مليون دولار أمريكي، غير اعتمادات أخرى مقررة؛ أسالت لعاب 600 شخص وجهة تقدموا للسفارة الأمريكية بطلبات للحصول على نصيب من هذه الأموال الحرام. وهذه جزرة تعطى للمنظمات الليبرالية الجديدة، حتى صارت رديفا للضغوط الخارجية الساعية لإجهاض الثورة وحرفها عن مسارها السليم. وإذا كان هذا حدث بفعل التمويل المعلن والمعروف، وهو لا يتعدى في تقديري واحد في المئة مما هو غير معروف تم ضخه خلال الشهور الستة الأخيرة.

*** 

هذه النخبة العفنة كانت هي القاعدة التي بنى عليها البرادعي خطته أو على الأحرى الخطة المملاة عليه والتي زعم أنها خطته..

بدءوا معركتهم الأولى تحت قيادة البرادعي بحكاية : "الدستور أولا"..

في البداية أحسنا الظن بهم.. ظننا أن الأمر اختلاف في الرأي والرؤى..

لم نكن ندري في ذلك الوقت أنها أوامر جورج سورس وأتباعه..

لذلك استماتوا خلفها.. ومهما حاورتهم لم يتخلوا عن موقفهم أبدا.. وحتى بعد أن أعطى الشعب ما يقرب من ثمانين في المائة من الأصوات ضد ما ذهبوا إليه.. ظلوا على مواقفهم.. البعض مخدوع.. والبعض عميل أجير.. لا فرق إلا في المستوى بينه وبين البلطجي الأجير في ميدان التحرير ( وقبل أن أُقذف بالأحجار فإن أهداف سويف وكفاية و6 أبريل هم الذين يقولون ذلك الآن) ولا فرق بينهم وبين بلطجية الفضائيات.. الفرق الوحيد أن أجرة –أو إيجار-  بلطجي التحرير خمسون جنيها وأن إيجار بلطجي الصحافة خمسة آلاف جنيه  أما إيجار مذيع الفضائيات فخمسون ألف جنيه في الحلقة.. بيد أن  بلطجية سورس المباشرين لهم مكافآت أخرى  من بينها  أن يعينوا رؤساء جمهوريات!!

*** 

البرادعي ... البرادعي الذي أتى به علاء الأسواني ليلبسه تاج الشوك .. هو صناعة أجنبية.. تماما كعلاء الأسواني..

البرادعي عضو في السياسة الخارجية الأمريكية عن طريق عمله في مجموعة الأزمات الدولية جنباً إلى جنب مع : الملياردير الصهيوني جورج سوروس ...يتساءل الناس في الشارع وعلى صفحات الإنترنت وفي المنازل وفي كل مكان إلا على صحافتنا الصفراء وقنواتنا الفضائحية : هل من الطبيعي التعامل مع أكبر أعداء الإسلام بل و المنفذين لمخططات التقسيم و التدمير في الشرق الأوسط و الوطن العربي بشكل خاص ؟؟ وليفعل  كيفما يشاء و لكن عندما يترشح للرئاسة يجب تفسير لماذا وافقوا على العمل في منظمات دولية مشبوهة بالاشتراك مع إسرائيليين صهاينه معاديين للعروبة و الإسلام؟

هل من المنطقي أن نختار شخصا بهذه المواصفات كي يكون رئيسا للجمهورية أو للوزراء..

لا أقول لك اتق الله يا علاء الأسواني..

وليتك تفعل..

*** 

الدستور أولا لم يكن اختيار الداخل إذن.. كان بضاعة من الخارج..

أما الموجودون بالداخل  فمجرد عرائس ماريونيت..

أنتم لا ترون الخيوط.. ولا ترون إشعاعات الريموت كنترول..

ريموت كنترول  الليبراليين والعلمانيين والثورة المضادة  في مصر هو جورج سوروس وهو مهندس الثورات الملونة و ممول منظمات المجتمع المدني المفتوح و كذلك ممول الصندوق الوطني للديمقراطية و كذلك هو المتسبب في أزمة النمور الآسيوية.  وقد قال فيه مهاتير محمد، ما قاله مالك في الخمر  مبينا  كيف تآمر على ماليزيا واندونيسيا لمجرد أنهما نمران مسلمان، ولماذا أسقطهما في الأزمة الاقتصادية الشهيرة في التسعينيات..

*** 

ولقد شكل سورس  و شارك في تمويل مجموعة الأزمات الدولية  التي تضم أسماء معروفة مثل أبراموفيتز ، وعدنان أبو عودة وشلومو بن عامي، وزير الخارجية "الإسرائيلي" السابق، ومحمد البرادعي والأخضر الإبراهيمي، و زبينغيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأسبق في إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (الذي تتبع فكرة برنارد لويس في مخطط تفكيك الدول العربية و الإسلامية)، وويزلي كلارك، رئيس سابق لقوات حلف الناتو في أوروبا، وليزلي غيلب صاحب مشروع تقسم العراق، وغيرهم ممن تجدون اسمه على موقع "مجموعة الأزمات".

http://www.crisisgroup.org/en/about/board/Mohamed%20ElBaradei.aspx

على أن جزءا  من تمويل "مجموعة الأزمات الدولية" يأتي من  معهد كارنيغي للسلام الدولي حيث كان يعمل "عمرو حمزاوي" مدير الأبحاث في كارنيجي، ومن كبار المنتسبين مع كوندليزا رايس و هذه منظمة مشبوهة  أخرى تشترك مع منظمات سورس المشبوهة.

http://en.wikipedia.org/wiki/International_Crisis_Group

*** 

عصابة بعضها من بعض..

نعم ..

عصابة بعضها من بعض..

عصابة لم تستطع أن تظل قومية بعد اكتشاف الأبعاد الكارثية للقومية.. ولا شيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واكتشاف المباذل الهائلة لحكامه .. ثم انهيار أوربا الشرقية..

الصادقون مع أنفسهم منهم أدركوا ذلك، أدركوا عبث ما يسعون خلفه، فانتقل بعضهم إلى جماعة المسلمين، وكان منهم أعز أبناء الحركة الإسلامية كعادل حسين وعبد الوهاب المسيري رحمهما الله وطارق البشري ومحمد عمارة أعزهما لله ..  أما العض الآخر، فكان كالعشيقة التي خدعها معشوقها  فاكتشفت في النهاية أنها مجرد بغي، وبواقع الصدمة راحت تبيع نفسها لمن يدفع الثمن. وفي حالات نادرة، لم يستطيعوا هذا أو ذاك، فأقدموا على الانتحار. وكان من هذا الصنف الأخير الكاتبة أروى صالح، والتي تنبأت في شفافية عالية بأن النهاية المنطقية للقومية واليىسار هي: أن تقع في حجر إسرائيل. ولكم روعتها بشاعة النهاية، ورغم أنها لم تكن تحمل للإسلام أي تعاطف فقد روعها تناقض النهاية مع البداية، تضاد الشعار والواقع، فرأت بشفافيتها الحلف الذي تنعقد أواصره بين القوميين وبين اليسار لمحاربة الإسلام، وأن الخطوة التالية لهذا الحزب هو أن يتحالف مع إسرائيل لمحاربة الإسلاميين .. ولم يكن لديها من الإسلام رصيد يحميها من الغرق، فكتبت كتابا ضمنته رؤاها، وذهبت إلى خالتها في حي الزمالك، في الدور الحادي عشر، وغافلتها، وقفزت من النافذة.

   في كتابها الذي تجاهله القوميون جميعا لأنه يفضحهم جميعا : ( المبتسرون ) تقول أروى صالح:

" لم يعد هناك حلم مشترك، بل خوف مشترك من الخواء الذي يحل بعد ضياع الأحلام، من عدم الأمان الاقتصادي، ومن الوحدة التي تكتسح مجتمعا يبدو الجميع فيه منشغلا بنفسه وقد فقد الموضوع مع ذلك، ليس لديه ما بتبادله مع بعضه البعض سوى الشكوك أحيانا والمنافع طول الوقت،الأفكار فيه ترف غريب فاقد المعنى، شأن الواقع نفسه الذي لم يعد أحد يحلم بالخلاص من سطوته.."

وتشرح أروى صالح كيف انهار البنيان الفكري لليسار المصري وللقوميين الناصريين ليسقطوا سقوطهم المدوي لأنهم لم ينضجوا أبدا ولم يكتمل نموهم.. كالأطفال المبتسرين)..

وتصل أروى صالح إلى تقاطع قمة مأساتها الشخصية مع مأساتها الفكرية، بعد أن تزوجت ثلاث مرات من ثلاثة ثوار قوميين، لتراهم من الداخل،  ولتكتشف في كل منهم شذوذا يختلف عن الآخر، وتكتشف بشفافيتها الفائقة سر دعاوى تحرير المرأة، فتحت هذه الدعاوى لا تكلف المرأة الرجل ليزني بها أكثر من ثمن كوبين من الشاي على مقهى " ريش" وقليل من المناقشات في السياسة ثم يتجهان للفراش، وهي بذلك أرخص من أي بغي.

لقد كانت إدانة أروى صالح للنخبة إدانة هائلة لكنهم  تجنبوا مواجهتها  تجنب من يعلمون أنها كشفت بصدقها عارهم وخواءهم  فأحاطوا كتابها بالصمت حتى انفجر ذلك الصمت بانتحارها..

*** 

كانت هذه شهادة شاهدة من أهلهم.

هذه النخبة التي يرتفع اليوم قباعها وضجيجها وعواؤها وزفيفها وصليلها ونهيقها تحولوا بعد انهيارهم العظيم وموت إلههم من  أعدى أعداء أمريكا فأصبحوا خدمها وعبيدها.. أعلى القوميين صوتا أصبحوا عملاء إسرائيل..كرهوا الإسلام بسبب دناءة في الخلق وخسة في الطبع فتكفلوا بحربه لصالح مبادئ مستوردة وتكفلوا بنشر المذاهب الهدامة كالفرويدية والداروينية والماركسية والقول بتطور الأخلاق (ليفي برويل) وبتطور المجتمع (دوركايم) والتركيز على الفكر الوجودي والعلماني والتحرري والدراسات عن التصوف الإسلامي والدعوة إلى القومية والإقليمية والوطنية والفصل بين الدين والمجتمع وحملة الانتقاص من الدين ومهاجمة القرآن والنبوة والوحي والتاريخ الإسلامي والتشكيك في القيم الإسلامية عن فكرة الجهاد وإشاعة فكرة أن سبب تأخر العرب والمسلمين إنما هو الإسلام . والترويج للليبرالية والعلمانية.

*** 

لاحظوا ازدواج المؤامرة..

من الداخل ومن الخارج تأتي..

من البرادعي والأسواني وأوباما ونتنياهو والموساد والسي آي إيه..

يلاحظ  المحلل السياسي توني كارتلوشي:  انكشاف حقيقة محمد البرادعي  الأمر الذي جعله  بلا فائدة بصورة أسرع من المتوقع. حتى أن  ممدوح حمزة من الجمعية الوطنية للتغيير بدأ يهاجمه مهاجما وكاشفا علاقاته مع منظمات صهيونية وقد  ظلت هذه الاتهامات (الحقيقية) تواجهه في الشهور الماضية من أعدائه لكن  يبدو أنه يواجه الآن هذه الاتهامات من أصدقائه.. من  أعضاء الجمعية الوطنية للتغيير نفسها. الطريف أن ممدوح حمزة تعاون مع البرادعي في زعزعة استقرار مصر الممنهج أمريكياً في يناير 2011 . ربما لإزاحة البرادعي من الصورة العامة أخيراً صرح ممدوح حمزة أن البرادعي عضو في مجموعة الأزمات الدولية لجورج سوروس و اتهمه بأن له علاقات قوية مع منظمات صهيونية، و لكن حمزة نفسه شبيه للبرادعي في علاقاته المشبوهة و ربما أكثر منه !!وعلاقات حمزة الأجنبية متشعبة ومريبة هي الأخرى. ففي 2003 بناء على دعوة من ملكة إنجلترا سافر حمزة إلى لندن للعشاء في قصر باكنجهام كأفضل مصري ضمن مائة شخصية عالمية بارزة وإذا بالمفاجأة "القبض عليه" بتهمة التحريض لاغتيال عدد 4 من كبار المسئولين في الحكومة المصرية. تبين لاحقاً أن عملية الاغتيال هذه كان سيقوم بها عميل للمخابرات البريطانية في “عملية اللدغة”. ربما في تلك المرحلة أصبح حمزة متعاونا خطر مع الأجانب.  مصادر الأخبار تؤكد دور حمزة في  الدعم المادي للثوار حيث قدم الدعم اللوجيستيكي للمتظاهرين بالإضافة لدوره القيادي في الثورة حيث شارك حركة 6 أبريل في ميدان التحرير في عدة احتجاجات و مناسبات و شارك في الأحداث مع وائل غنيم الذي يعمل في جوجل. هذا بالإضافة إلى ارتباطاته العميقة  بمصالح الحكومات البريطانية و كونه كذلك شريكا رئيسيا في جلب شركات وول ستريت و لندن و منظمات المجتمع المدني الغير حكومية - شبكة الإمبريالية اليومية الحديثة.

يقول كارتلوشي :على كل حال يبدو أن قيادة الجمعية الوطنية للتغيير بالكامل مدعومة من الغرب كل شخص فيهم أسوأ من الآخر. إلى جانب وجود و دعم الولايات المتحدة لحركة 6 أبريل فإنهم جميعاً مستعدون لقيادة مصر إلى مستقبل مؤسف. ويحذر كارتلوشي من الاحتلال المدني عن طريق منظمات المجتمع المدني.

*** 

يرى الدكتور هنري ماكو و المحلل أمريكي وليام انغدال  أن ثورة مصر هي ثورة ملونة أخرى لجورج سوروس فيتحدثان عن التدمير الخلاق لـ شرق أوسط كبير ويلاحظان التماثل في صناعة  الثورات الملونة  التي تحتوي على كثير من الأحداث المنقولة بالنص .. قص ولصق  إن صح التعبير في كل الدول بصورة مذهلة  وكأن الحكام لا يعلمون بما يحدث لبعضهم البعض ولا يتعظون به  وكأن الغباء ينتشر بين الحكام كالوباء.

*** 

لمصطفى بكري شهادة في ذات الاتجاه.. فيقول:

" سورس رجل الاقتصاد اليهودي الهنجاري الأصل الأمريكي الجنسية كان هو المسئول الأساسي الذي أشرف علي تدبير عملية الانقلاب السلمي في جورجيا فأطاح بشيفرنادزه وجاء بساكشفيلي، بعد أن أسس حركة شبابية قدم إليها ملايين الدولارات حملت شعار 'يكفي'، أنها شبيهة بحركة 'ابتور' الصربية التي أسقطت ميلوسيفتش في بلجراد سنة 2000، وهكذا تمكنت المئات من منظمات المجتمع المدني من أحداث الانقلاب في جورجيا".

إذن..

إن شعار كفاية نفسه شعار مشبوه.. وصناعة أمريكية..

وربما تحتاج شهادة مصطفى بكري إلى مزيد من التدعيم بما نشرته الوفد تحت عناوين ضخمة:

"أعرب خبراء الأمن والقانون ورجال السياسة عن دهشتهم البالغة من وجود أوكار للجاسوسية في قلب القاهرة والكائنة في السفارتين الأمريكية والإسرائيلية.وطالبوا بضرورة التخلص من هذه الأوكار فوراً وطرد جميع أجهزة التجسس واصطياد العملاء من مصر.أشار الخبراء في الملف المنشور »بالوفد« علي الصفحتين الثامنة والتاسعة إلي أن السفارة الأمريكية في قلب القاهرة، تحولت إلي أكبر وكر للتجسس علي جميع مؤسسات الدولة في مصر. ويتم ذلك عن طريق عملاء أمريكان، يقومون بالتنصت وتجنيد العملاء ويدفعون ملايين الدولارات (...).. وأعرب الخبراء عن أسفهم الشديد لقيام واشنطن بافتتاح مكتب تابع للمباحث الفيدرالية F.B.I داخل السفارة الأمريكية ليعمل مع جهاز مخابراتها. وأشار الخبراء إلى أن المباحث الفيدرالية جهاز يشبه مباحث أمن الدولة في مصر ولا يمتد نشاطه خارج أمريكا، ورغم ذلك له فرع في القاهرة مما يثير العديد من الشبهات. وأكد خبراء الأمن والقانون ورجال السياسة أن الأمن القومي في خطر.."..

وفي هذا الصدد نلاحظ في ألم مقالا حديثا للكاتب الكبير الأستاذ محمد يوسف عدس وهو كاتب عملاق تجاهلته النخبة الداعرة لأنه يسبح عكس تيارها ويدافع  في كتبه العديدة عن أمته ودينه .. يقول الأستاذ محمد يوسف عدس  في مقاله في :"المصريون" :

عجبت لخبر منشور يوم السبت ٣ ديسمبر ٢٠١١ يقول: "السفارة الأمريكية تدعو أصدقاءها بالقاهرة لاجتماع عاجل لبحث تداعيات فوز الإسلاميين" .. والمقصود طبعًا هو فوز التيار السياسي الإسلامي في انتخابات المرحلة الأولى.. (...)  أكبر الغرائب في هذا الخبر ثلاثة:  (...) .. لأنني أعلم أن أمريكا ليس لها في شعوب العالم أصدقاء.. وإنما لها عملاء وأتباع يعملون بصفة أساسية لخدمة المصالح والأهواء الأمريكية.. ولو كانت ضد مصالح أوطانهم.. كما أعلم أن عبارة "تناقش" لا تمثل المعنى الحقيقي للكلمة.. فالمقصود هو توصيل رأى أمريكا وإملاءاتها واستمرار دعمها وتشجيعها.. بل وتمويلها لأي نشاط سياسي يقوم به أصدقاؤها ضد أي توجّه أو نجاح يحققه التيار الإسلامي.. (...)  ثانيها: أن السفارة تدعو إلى اجتماع "عاجل" كأن الأمر لا يحتمل التأجيل.. وهذه العجلة تعزز الفكرة أن أمريكا تريد أن تتدخل في سير الانتخابات بحيث لا تستمر في نفس الاتجاه الذي كشف عن اختيارات الأغلبية المصرية.. (...)  ثالثها: السّم الزعاف لأمريكا وإسرائيل ولعملائها هم الإسلاميون..(...) .. ولا يتورعون عن استخدام أحقر الوسائل في هذه الحرب.. على سبيل المثال ساو يرس وكتلته دائبون على تحريض أمريكا والغرب للتدخل بقوة لوقف زحف الإسلاميين على الحكم..

*** 

نخلص من هذا كله إلى أن البرادعي ابن شرعي لجورج سورس.. وكفاية ابنة شرعية أو غير شرعية له.. وكذلك 6 أبريل.. لحقت بهما عشرات بل مئات الائتلافات من بنات السفاح!!

لاحظوا من فضلكم أن  كفاية تعني يكفي.. ولاحظوا من فضلكم  أنه عندما قامت الثورة  الوردية في نوفمبر 2003 في جورجيا اختارت المنظمات الغير حكومية الممولة من الولايات المتحدة كلمة "كمارال" من أجل التعريف بحركة تغيير النظام الشبابية . كمارا في اللغة الجورجية تعني أيضاً يكفي..

يا للصدف العجيبة!!

تماما كصدفة اختيار البرادعي والأسواني ضمن قائمة أفضل 100 مفكر في العالم لعام 2011 والتي أعلنتها مجلة "فورين بوليسي" الامريكية.

يا للصدف.. "كمارا"".. يكفي".. "كفاية".. الأسواني".. " البرادعي"..!!

وتماما مثل كفاية..  تم بناء حركة كمارا (يكفي)  في جورجيا أيضاً بواسطة مدربين تمولهم واشنطن بعناية كشبكة فضفاضة لا مركزية من الخلايا وتتجنب عمداً أن تكون منظمة مركزية يمكن تحطيمها  مما يؤدي إلى إيقاف الحركة . وتم تدريب الناشطين على تقنيات المقاومة بطريقة اللا عنف وكذلك مواجهة الشرطة ووسائلها لتفريق المظاهرات.

*** 

حذو القذة بالقذة  حدث هذا في مصر.. فالاسم الرسمي لحركة كفاية هو "الجمعية الوطنية للتغيير" .. جمعية البرادعي وحسن نافعة  ومصطفى عبد الجليل وعلاء الأسواني وممدوح حمزة وآخرين .. . وقد تم تأسيسها عام 2004 من قبل مثقفين مصريين في منزل "أبو العلا ماضي" قائد حزب الوسط ، الحزب الخارج والمتمرد على جماعة الإخوان المسلمين . ويعتبرها البعض  جزءا من حركة 6 ابريل التي دربت في عواصم العالم الغربي على وسائل  إسقاط الحكم. وفي مسيرة تعود إلى ديسمبر 2009 أعلنت كفاية الدعم لترشيح محمد البرادعي في انتخابات الرئاسة المصرية عام 2011

لكن.. برغم ذلك كله فإن اعتبار الثورة المصرية فعلا أمريكيا صرفا هو إخلال مهين وفكر مشين..

ونحن  نرفض هذا الفكر لنكرر أن أمريكا كانت تخطط لثورة أفسدها خروج الملايين.. ومنذ ذلك الحين وهي تحاول استيعاب الثورة وإجهادها وإجهاضها. نقول أنه كانت هناك ثلاث ثورات:

ثورة أمريكية اشتركت فيها النخبة الخائنة العميلة..

وانقلاب عسكري تم تحت  إشراف أمريكا..

وثورة شعبية أفسدت هذا وذاك!

*** 

وفي 26 نوفمبر 2011جاء علاء الأسواني بسلطات أسطورية كسلطات البابوات في العصور الوسطى  ليطرح اسم البرادعي  لرئاسة حكومة بديلة للحكومة التي كلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري بتشكيلها .

كان أنيقا.. ضخما.. (لايشبه بأي حال ماريشال الأمريكين)  وهو يزأر أمام  مئات من النشطاء الذين اعتبرهم بديلا عن الأمة كلها.. أو على الأحرى أركبهم فوق أعناق الأمة كلها  والذين هتفوا بسقوط الإدارة العسكرية للبلاد فقرر سيادته  اختيار البرادعي لقيادة حكومة إنقاذ وطني تنحي  المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الفور وتجبره على تسليم الحكم فورا للمدنيين!.( يا مسكين: لماذا لم تتعلم الدرس من الضفدعة التي انفجرت؟!)

ولم يكتف البابا علاء لأسواني بذلك فقد عين أيضا نائبين لرئيس  الوزراء هما أستاذ القانون الدولي حسام عيسى ورئيس حزب الوسط وهو حزب إسلامي معتدل أبو العلا ماضي . وأضاف الإمبراطور أن ما سمي مجلس أمناء الثورة تشكل من ساسة ونشطاء بينهم  المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة السابق وأحد رواد  تيار استقلال القضاء والمنسق العام للجمعية الوطنية للتغيير عبد  الجليل مصطفى والمنسق العام السابق للحركة المصرية للتغيير جورج  أسحق والأسواني نفسه.

والحقيقة أنه كان على عكس ماريشال الأمريكين المزيف.. ولكن لست أدري لماذا ذكرني به بشدة!!

والحقيقة أنه لا يوجد أي شبه بين علاء الأسواني وبين ذلك الماريشال.. الشبه القوي هو بين علاء الأسواني ومحمد البرادعي نفسه.. فموقفهما من مصر نفس الموقف المعادي والكاره والمزدري.. وموقفهما من الإسلام متشابه... ... ... ... ...


 

 

 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 

 

 

 

 

علاء الأسواني: من يدفع ثمن الخيمة!!

 

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

يا له من أسى يجتاحني حين أضطر للاستشهاد بكاتب لم أحبه أبدا، لأنني أعده واحدا من أهم أعمدة إفساد الحركة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي والإسلامي وهو الدكتور جابر عصفور، أضطر آسفا لاتخاذه شاهدا على علاء الأسواني، حيث  قال عصفور فيه باللفظ :

-  نظام مبارك صنع علاء الأسواني ليبرز أن هناك مساحة للحرية وأن لديه صدرا رحب لقبول النقد، و لكن نجوما مزيفة كعلاء هي حالة مصيرها الزوال دائما .

***

أعتذر عن الاستشهاد بجابر عصفور الذي لم يذكر أنني كنت أول من تكلم عن نجومية علاء الأسواني المصنوعة.. كنت قد اكتشفت ذلك منذ زمان طويل جدا، طويل حتى أنني نسيت ما حدث، حتى ذكرني به الصديق العزيز الأستاذ أحمد الوكيل رئيس مجلس إدارة هذه الصحيفة، المثقف الذكي الموسوعي الذي يحتفظ- فضلا عن ذلك-  بذاكرة كذاكرة الكمبيوتر لا تنسى أمرا ولا تغفل عن تفاصيله، حتى أنني عندما تخذلني ذاكرتي ثم الكمبيوتر ثم مكتبتي أهرع مستغيثا به ليغيثني في معظم الأحوال..

***

أعتذر للاستشهاد بالدكتور جابر عصفور.. لكن المضطر يركب الصعب..

فالقضية قضية ثقافية.. لذلك لا مناص من الاستشهاد بواحد من داخل الحركة الثقافية..

تماما كما حدث مع الكاتب العبقري محمد جلال كشك عندما كان يكشف قضية فساد أخلاقي  في الجهاز التابع  لصفوت الشريف، وانتقد البعض الكاتب لاستشهاده بامرأة سوء، ورد عليهم الأستاذ جلال كشك ساخرا أنه يتناول قضية إتيان فاحشة فمن أين يأتي بشهود لها؟ من رواد المساجد؟ أم لابد له أن يأتي بشهود من موقع الفاحشة ذاته، وهكذا، فتح لي جلال كشك لي الباب للاستشهاد بالدكتور جابر عصفور.

***

حتى قبل أن يترجم كتاب فرانسيس ستونز كتابها الشهير من يدفع   صناعة نجم وتصنيع كاتب كنت قد اكتشفت ذلك، كان أيامها محبطا تماما من تجاهله وكان يفكر في الهجرة.

وبعد ذلك بأعوام طويلة عندما اندلعت شهرته كالنار لم أنخدع، فأدركت أننا بإزاء عملية تصنيع نجم وصناعة كاتب، ولم أكن أقصد الأسواني وحده ولم أكن أقصده شخصيا إنما كنت أريد تناول طريقة الميديا الغربية في صناعة نجم سواء كانت موهبته تستحق أم لا، وذلك لاستغلاله أو استعماله بعد ذلك، لترويج فكرة بدفعه لتأييدها أو لدحض اتجاه ما بتكليفه بالهجوم عليه. ولم يكن علاء الأسواني سوى نموذج حالة.

***

كنت مدركا أن تناول شخص ما بالرعاية والتفخيم والجوائز وتسليط أجهزة الإعلام عليه لكي تصنع منه نجما.. يجعل من هذا الشخص بوعيه أو بدون وعيه أسيرا لمن صنعه.. فإذا أوعز الصانع لهذا النجم بعد عشرين عاما أن يزور إسرائيل مثلا أو يدعو لها أو أن يهاجم الإسلام أو أن يدافع عن البهائية فإنه سيفعل على الفور.. ليس بالضرورة لكونه مرتزقا أو خائنا أو عميلا.. بل في أغلب الأحوال لا يكون كذلك.. لكنه يكون أسيرا لأمرين: ضعف النفس أمام الغواية خاصة عندما تكون هناك مصلحة شخصية محققة في مواجهة ضرر غير محدد للوطن..

أما الأمر الثاني فهو أن الجهات التي ترعاه وتجعل منه نجما تحرص طول الوقت على إجراء غسيل مخ له.. على تغيير اقتناعاته وأفكاره.. واضعة في الاعتبار أنها كلما نجحت في إقناعه كلما قل الثمن الذي يجب أن تدفعه له.. والتغيير هنا يكون خطيرا جدا.. لأنه يزلزل قواعد البيت بينما تبقى الواجهة كما هي فتكون في الخداع أفعل.

كانت الفكرة في إطار اهتمامي الشديد كل الوقت حتى بدأت بالكتابة عنها منذ أعوام تنبأت في بدايتها بأن جائزة نوبل تنتظر علاء الأسواني، كانت نوبل بيت الغواية وكان الأسواني فريسة ربما لا تفطن للطعم، وربما لا تمانع في التهامه.

***

لقد ظل علاء الأسواني سنوات طويلة كاتبا مغمورا ومرفوضا لا يقر بأهميته أحد ( قارن ذلك مع ما في المقارنة من ظلم بنجيب محفوظ الذي اكتشفه النقاد من أعماله الأولى.. وعلى رأسهم الشهيد سيد قطب).. وفجأة انفجرت الإشادة به بعد حملة هستيرية من الترويج والإشادة بروايته "عمارة يعقوبيان" والتي يرى معظم النقاد المتخصصين أنها رواية متوسطة القيمة. بل إنني أرى أنها دون ذلك. فالرواية ليست سوي تقرير صحافي ركيك يخطئ في التفاصيل أخطاء فادحة مثل جهله بكيفية صلاة الجمعة.

هذه الحملة الهائلة من الترويج أثارت ريبتي على الفور.. إنها من نوع الحملة الهستيرية على عبد المنعم الشحات بعد حديثه عن نجيب محفوظ أو على الجزائر بعد المباراة المشئومة ( أولاد الأفاعي يكرمون من يسب الرسول صلى الله عليه وسلم ويعطونه جائزة الدولة التقديرية ويريدون رجم عبد المنعم الشحات لأنه أبدى رأيا في نجيب محفوظ بغض النظر عن مطابقته أو مجانبته للصواب) .. قنابل دخان تخفي أمرا يدبر بليل  وولادة سفاح!. ثم أنها حملة الأسواني  تنبني على عمل واحد وهذا أمر نادر جدا في عالم الأدب ويدل على نفاد صبر القائمين على عمليات تصنيع النجوم وصناعة الكتاب، فلو أننا نظرنا إلى منتجاتهم السابقة مع الكتاب العالميين لوجدنا الشهرة لا تحيط بالكاتب إلا بعد عشرات السنين والأعمال.

كنت أستطيع أن أفهم ذلك.. كانوا في أمس الحاجة إلى نجم جديد،  فلقد انكشفت النخبة القديمة كلها.. بدت سوأتها وأصبحت عارية نتنة مقززة.. ومن ثم اشتدت الحاجة إلى وجه أو وجوه جديدة يتم تصنيعها على عجل .. تماما كما يفعلون بطلاب الكلية الحربية وقت الحروب حيث ينتهون من تخريجهم بعد دراسة بضعة شهور بدلا من أربع سنوات.

من أجل ذلك كله أستطيع أن أفهم اختيار علاء الأسواني وإخضاعه لعملية صناعة نجم وتصنيع كاتب.

لكن ما فات المصنعين أن العمل الذي اعتمدوا عليه عمل رديء يكشفهم أكثر مما ينفعهم..

نعم.. من الناحية الأدبية فإن "عمارة يعقوبيان" عمل رديء.. شكلا ومضمونا..

لا أريد أن أغوص في بحور النقد وإن كنت سألمسها-عبر النقاد- لمسا سريعا.. لكنني أتناول بعض الأخطاء الفادحة في تفاصيل الرواية كانت كفيلة بالقضاء عليها لولا الحاجة الشديدة إلى كاتب جديد نجم.

من هذه الأخطاء الفادحة الفاضحة أن الكاتب لا يعرف كيفية أداء صلاة الجمعة ولا خطبتها.. ولو أن الروائي كان نصرانيا أو يهوديا أو حتى بهائيا لكان عليه أن يدقق في تفاصيل روايته حتى لا يقع في أخطاء فادحة..

هل يمكن تصور وجود مسلم - دعنا الآن من كونه مثقفا أو كاتبا مسلما أو غير مسلم- لا يعرف تفاصيل صلاة الجمعة وخطبتها؟!..

بعيدا عن الآراء الفقهية فإن لصلاة الجمعة وضعا خاصا في الوعي الجمعي للمسلمين.. حتى أننا نرى في أحيان كثيرة من لا يقربون من الصلوات إلا صلاة الجمعة.. كما أننا نرى هذه الصفة القبيحة في ملوك ورؤساء يتقربون إلى شعوبهم ويخدعونها بأداء صلاة الجمعة دون بقية الصلوات.

الذي يجهل هذه الصلاة إذن إما غير مسلم وإما بلغ من الجهل بالإسلام هاوية سحيقة لا تبيح له ولا تتيح أن يتكلم عن الإسلام ولو في رواية.

لذلك ذهلت وأنا أقرأ رواية علاء الأسواني:"عمارة يعقوبيان" خاصة في الصفحات 134-137..

ولقد انتظرت طويلا أن يستعرض أحد النقاد أو حتى الصحافيين هذا الخطأ الفاضح والفادح والمضحك في الرواية.. إذ يبدو أن الراوي لم يصل الجمعة أبدا..!! ( استعرضها مؤخرا الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض في عمل بديع)..

دعك من أخطاء فادحة كقوله على لسان خطيب الجمعة في المسجد في ص135:

"إن شريعة الحق جل وعلا لا تناقش ولا ينظر فيها بل تطاع وتنفذ فورا بالقوة ولو كره الكارهون"..."تعالت الهتافات والتكبيرات ترج أركان المكان"

(فهل سمع أحد منكم خطيب الجمعة يتفوه بمثل هذا؟.. وها حضر واحد منكم صلاة جمعة تتعالى فيها الهتافات التي ترج المكان.. فإن قال متنطع أن هذا كان يحدث في الأزهر لكانت الإجابة أنه كان يحدث بعد انتهاء الصلاة تماما ولا علاقة له بالصلاة.. ثم أنه لم يحدث إلا بعد طبع الرواية بأعوام)..

"دعكم الآن من أن الشيخ السلفي الوهابي الإرهابي يمتدح حزب الله الشيعي وحماس السنية!!"

( وتذكروا أن المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة ماكين كان عرضة للسخرية والتهكم الشديد لأنه اتهم إيران بمساعدة طالبان .. إذ يجهل-لأنه بروتستانتي متعصب- ما بين السنة والشيعة خاصة إيران وأفغانستان )..

لم يغفر الشعب الأمريكي لماكين خطأه وجهله لكن نقادنا العلمانيين كانوا على استعداد للصفح دون حدود عن علاء الأسواني مادام يتناول الإسلام بطريقة المستشرقين.. ( هناك احتمال آخر له وجاهته لا يجوز لي تجاهله.. وهو أن يكونوا هم أيضا لم يصلوا صلاة الجمعة أبدا!!)

ولم يكن الأمر خطأ مطبعيا أو زلة قلم.. لأن المسخرة تصل بالكاتب إلى حد لا يمكن تصوره.. وتذكروا أنه يتحدث عما يحدث أثناء خطبة صلاة الجمعة فيقول في ص 136:

"اشتد انفعال الطلاب ونهض أحدهم من الصف الأمامي واستدار نحو الحشد وهتف بصوت متقطع من فرط الحماس "إسلامية إسلامية ..لا شرقية ولا غربية.. ورددت الهتاف خلفه مئات الحناجر..ثم أخذ الطلاب جميعا ينشدون نشيد الجهاد.. بصوت واحد قوي هادر كالرعد.. "

مرة أخرى تذكروا أن هذا يحدث أثناء الخطبة التي حذر حبيبنا المصطفى كل واحد منا من همسة .. بل وصل الأمر إلى التحذير من أن تقول لمن بجوارك: أنصت!!

ثم يواصل علاء الأسواني في ص 137:

"ولعلعت عشرات الزغاريد من مقصورة الطالبات"..

( هل سمع أي مسلم في أي بقعة من الأرض المصليات يقاطعن الخطيب بالزغاريد؟!)

من أين جاء لعلاء الأسواني أن الرجال يهتفون والنساء يزغردن أثناء خطبة الجمعة..؟!

***

معظم النقاد الجادين لم يرحبوا بعلاء الأسواني ولا بروايته عمارة يعقوبيان .. لقد جاء الترحيب والإشادة من سياسيين .. ومع ذلك لم يقل لهم أحد أن للأدب شفرة لا يستطيع فكها سوى العلمانيين والشواذ!! قالوا لنا ذلك حين تحدثنا عن وليمة لأعشاب البحر..

في كتابه "شرفات ونوافذ" (2006) كتب الناقد –العلماني البارز- فاروق عبد القادر أن علاء الأسواني في "عمارة يعقوبيان" كاتب كاره للوطن والمواطنين, بل وكاره للبشر " وقد نال الناقد العقاب القاسي على تجرؤه على مهاجمة الأسواني فهوجم وشوه وشهر به. في نفس الصدد نشرت صافيناز كاظم (المصور 30 يونيو 2006) أنها تقززت من الرواية, وأنها من أقبح ما قرأت مكتوباً على ورق, وأن مؤلفها بذل جهداً في شرح الممارسات الشاذة والزانية, ولم يستطع لقصور قدراته الفنية أن يمررها من دون خدش حياء القارئ.

وكتب إبراهيم العشري أنها رواية مزيفة للوعي, معادية لثورة يوليو, اللوطي فيها هو صوت الوعي, وابن الباشا الوفدي هو صوت الانتماء. بينما نشر الناقد الفلسطيني فيصل دراج (الحياة 25 أبريل 2006) أن الرواية تشوه الواقع المصري, ولا تندد بالسلطة كما توحي ، وكتب الناقد الكويتي طالب الرفاعي (الحياة 18 مايو 2006) أن الرواية يسيطر عليها هاجس الجنس, وتقدم خلطة تقوم على الجنس والدين والسياسة بلغة عادية بعيدة عن أي ابتكار أو فنية، وربما لم يناصرها من مصر إلا الدكتور جلال أمين وهو أستاذ في الاقتصاد وفي العلوم الاجتماعية, وجمال الغيطاني وهو من الأدباء وليس من النقاد. واختار بعض نقاد الأدب تجاهلها تماماً.

 

إلا أن الدهشة تضاعفت حين نشر الكاتب المصري صبري العسكري(70 عاما)أحد أشهر القانونيين الأدباء ومحامي اتحاد الكتاب والأدباء المصريين دراسة نقدية أسماها "عمارة يعقوبيان بين الإبداع والاستنساخ" كشف فيها أن رواية "عمارة يعقوبيان" الشهيرة سرقها الكاتب والطبيب علاء الأسواني واستنسخها من مسرحيات الكاتب الراحل نعمان عاشور ، وقال العسكري إن أسرة صديقه نعمان عاشور لجأت إليه مشتكية مما قام به الأسواني لما اعتبرته سرقة لحق فكري وأدبي لوالدهم، موضحين أنه استغل علاقة والده الكاتب عباس الأسواني بوالدهم نعمان عاشور.

ولقد فجر الكاتب الفرنسي المعروف "ميشيل بوتور" "81 عاما" مفاجأة في ندوته بالمركز الثقافي الفرنسي حينما أكد علي انه قام في الثمانينيات بكتابة رواية بعنوان "العمارة" تحمل تفاصيلها نفس تفاصيل فيلم "عمارة يعقوبيان"!! بطولة عادل إمام ونور الشريف وهند صبري.

***

كان هاجس صناعة نجم وتصنيع كاتب يسيطر علىّ. كان العنوان جرحا لا يندمل في قلبي منذ استعمله  كلب من كلاب النار ليزعم أن الأنبياء لم يحملوا رسالة من السماء بل تم تصنيعهم. ولم يكن ذلك سوى افتراء شيطاني.. فالذين يُصنّعون هم هذا الكاتب وأمثاله. وذلك عمل أجهزة مخابرات لا أجهزة ثقافة، والشواهد على ذلك عديدة منها كتاب الحرب الباردة الثقافية: المخابرات الأميركية وعالم الفنون والآداب -المؤلف: فرانسيس ستونز، ترجمة: طلعت الشايب -عدد الصفحات: 510 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

ومؤلفة الكتاب فرانسيس ستونر سوندرز بريطانية من مواليد عام 1966 وتعيش في لندن، وتعمل باحثة ومخرجة أفلام تسجيلية، وقد تخرجت في مجال الأدب الإنجليزي بجامعة أكسفورد، وقد بدأ اهتمامها بالموضوع عام 1993 عندما قرأت مقالاً يصرح أن وكالة المخابرات الأميركية كانت وراء نجاح "مدرسة نيويورك" في الفن، وقدمت برنامجا متلفزا في تلفاز  بريطانيا بعنوان "الأيدي الخفية! الفن والمخابرات المركزية"، ثم تابعت بحثها في مادة أرشيفية هائلة وأجرت لقاءات مع مسئولين وعملاء سابقين لوكالة المخابرات المركزية لتكشف من خلال دراستها أن المخابرات المركزية C.I.A.   تولت تكوين واجهة ثقافية تحارب الشيوعية بالوسائل الثقافية وترويج الذوق الأميركي في الطعام واللباس والغناء والفن. وأنشئت فروعاً لها في 35 دولة، وأصدرت أكثر من 20 مجلة ذات تأثير كبير، وكان يكتب في هذه المجلات شخصيات فكرية مشهورة مثل المؤرخ أرنولد توينبي والفيلسوف برتراند راسل وهربرت سبنسر. لقد ضخت المخابرات الأميركية عشرات الملايين من الدولارات على مدى سنوات لمنظمة الحرية الثقافية، وأنشأت أيضا منظمة أوروبا الحرة التي كانت تدير إذاعة أوروبا الحرة ومقرها برلين وكانت موجهة إلى دول أوروبا الشرقية وتبث بست عشرة لغة، وتبث المحاضرات والكتابات المعادية للشيوعية. وكانت الهيئة ورجالها يتدخلون في مراحل الإعداد للأفلام والأعمال الفنية والمسرحية بالحذف والتغيير والإضافة وفق إستراتيجية محددة في أذهانهم قائمة على معاداة الشيوعية وترويج الثقافة الأميركية والتغاضي عن العيوب والأخطاء.

من أجل ذلك جندت المنظمة يساريين سابقين ، حيث كانت هناك مصلحة مشتركة حقيقية، وكان هناك اقتناع بين الوكالة وأولئك المثقفين الذين استؤجروا لكي يخوضوا الحرب الثقافية، والذين تم وضعهم وأعمالهم مثل قطع الشطرنج في اللعبة الكبرى.

***

سنفاجأ – قبل انقضاء زمن الدهشة- ونحن على صفحات الكتاب، بكتَّاب عالميين، كانوا أداة طيعة في يد منظمة الحرية الثقافية التي تديرها المخابرات الأمريكية . سنفاجأ بأسماء مثل: أرنست همنجواي، آرثر ميللر، إيليا تولستوي (حفيد الروائي الروسي الشهير)، روبرت لويل، أندريه مالرو، جون ديوي، كارل ياسبرز، إلبرتو موارفيا، هربرت ريد، ستيفن سبندر، أودن، نارايان (الهندي)، ألن تيت، إيتالو كالفينو، فاسكو براتوليني، فضلا عن الفنانين تشارلي شابلن، مارلون براندو، رونالد ريجان (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة) وغيرهم. لقد أصبح عشراتٌ من المثقفين الغربيين مرتبطين بالـ: C.I.A.   عن طريق حبل الذهب السري.

كما عملت المنظمة على تغيير بعض أحداث ونهايات روايات جورج أورويل: مزرعة الحيوانات، والإله الذي فشل، ورواية 1984 لتخدم مصالحها.

***

ويا له من ألم عندما قرأت أن الكاتب المذهل أرنست هيمنجواي: وهو كاتب حقيقي أصيل وليس نجما مصنعا، كان عميلا رسميا للمخابرات الأمريكية  وكان مكلفا بجمع العملاء لها بل وكان يحصل على مكافأة قدرها تسعون دولارا مقابل كل عميل!!

***

كنت أدرك خطورة وقوع الأسواني بين براثنهم، فالرجل محبط، ويظن أنه مظلوم، ويفكر بالهجرة، وكنت أدرك أنه سيظل أعواما لا يطلب منه شيء ليظل خلية نائمة ليهاجم وضعا ما أو يؤيد فكرة ما عندما يوحى إليه بذلك..

ونسيت الأمر كله وسط الشواغل والهموم .. وإن كان يخطر بالبال كل حين وآخر عندما أفاجأ بموقف أو برأي يصدر عن الأسواني يؤكد هواجسي..

ثم كان ما أثار انتباهي مؤخرا إلى علاء الأسواني الذي بدأ يكتب مقالات هجوم ضارية وقحة على بعض الكتاب الإسلاميين على رأسهم الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس. ولقد فكرت طويلا وقد استبدت بي الدهشة عن سبب هجوم علاء الأسواني عليه. للدكتور إبراهيم عوض أعمال جليلة في الدفاع عن الإسلام يكتبها منذ عشرات السنين. وله أكثر من سبعين كتابا في النقد والأدب والفكر والدفاع عن الإسلام. ولكن ما حدث أخيرا أنه واجه التبشير والتنصير وزكريا بطرس بموسوعية هائلة وخفة ظل لا تبارى أدت إلى قمع أولئك المبشرين قمعا شديدا.

عجز بطرس وأقرانه عن مواجهة إبراهيم عوض.. لقد كشفهم وعراهم تماما .. وبدت معركتهم خاسرة كليا حتى أن أي محاولة لدعمهم محكوم عليها بالفشل. لذلك كان المطلوب مواجهة إبراهيم عوض في مجال آخر ومن جبهة أخرى مع تجاهل السبب الرئيسي للهجوم عليه وهو مناصرة زكريا بطرس!!.

كان للأمن الباطش الجبار الغبي تراث عريق في صياغة التهم في الحرب النفسية.. إن كل أعداء نظام الحكم كانوا يريدون طعن نجيب محفوظ وقتل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وعادل إمام.. وهان الأمر أخيرا حتى وصل إلى سيد القمني.

الاتهام بمحاولة الإساءة (أو القتل) للمشاهير إذن حيلة قديمة.

لم يكن من المستطاع اتهام الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض بأنه شريك في طعن نجيب محفوظ ، وكذلك لم يكن ممكنا الاعتراف بأن سبب مهاجمته والتنديد به بوقاحة تصل إلى حد التجريح هو الانتقام لما فعله بزكريا بطرس.. لم يكن ذلك سيقبل من العامة.. لكن المقبول تماما أن يتم الهجوم عليه بتهمة الإساءة إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس (مع تجاهل ذكر زكريا بطرس تماما). فإذا استطاعوا أن ينالوا من مصداقيته وقيمته العلمية في جبهة نجيب محفوظ فسوف ينعكس ذلك تلقائيا على جبهة زكريا بطرس..

كانت المواجهة الموضوعية المباشرة مستحيلة ولذلك كان ضروريا الالتفاف بمواجهة غير مباشرة وغير موضوعية.

وأظن أن هناك من أوعز للأسواني بالهجوم على الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض بتهمة الإساءة إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس والإساءة لجائزة نوبل وادعاء أنها تمنح لأسباب سياسية. كان الهجوم وقحا ومسفا يبتغي التجريح والإهانة لا النقد.

وكنت حساسا جدا بل وخبيرا بمثل هذا الأسلوب لأحس البصمات الغريبة على الفور.

تحرك الهاجس داخلي.. فلمثل هذه المواقف يتم تصنيع كاتب ومنحه شهرة عالمية كي يتصدى لأمثال الدكتور إبراهيم عوض ذات يوم، وليرفع شأن الصليبيين واليهود فوق شأن المسلمين وليرحب بإسرائيل.

لم يكن كلام الأسواني عن إبراهيم عوض صحيحا فهو يعترف لنجيب محفوظ وإدريس بأستاذيتهما وجدارتهما وينتقد مزاياهما وعيوبهما. أما المثير للدهشة حقا هو أن علاء الأسواني نفسه هو الذي اتهم نوبل بالتحيز وعدم المصداقية في حوار صحافي معه أجراه : كمال الرياحي /تونس في 23 أكتوبر 2007 حيث يقول الأسواني بالنص: "وكما نعلم جميعنا أن نوبل الأدبية متحيزة دوماً وتختلف عن نوبل العلمية التي لا تستطيع أن تتحيز لان في الأدب وجهات نظر وفي العلم حقائق محدودة لدينا كتاب عظام لم يحصلوا عليها رغم استحقاقهم وهناك كتاب متواضعين حصلوا عليها وقد ظل محفوظ يبدع ويتألق حتى أصبح من الوقاحة استمرار تجاهله"..

المضحك أيضا، أن علاء الأسواني لن يلبث حتى يعرّض بنجيب محفوظ كما نشرت صحيفة المصريون : بتاريخ 4 - 4 – 2009: " ألغت قناة فضائية عربية كبيرة برنامجا كانت قد بدأت تسجيله مع الروائي علاء الأسواني بعد أن اشترط اختياره للنقاد الذين يتحدثون عن رواياته في البرنامج ورفض العديد من الأسماء التي انتقدت أعماله ، مصادر القناة التي تحدثت "للمصريون" أبدت استياءها الشديد من طلبات الحصانة المتشددة التي حاول فرضها على البرنامج ، كما أثار استياءها لغة التعالي التي تحدث بها عن نفسه عندما وصف أعماله بأنها عالمية أكثر شهرة من أعمال نجيب محفوظ" !!.

***

أليس غريبا أن فريق الردح الإليكتروني لم يتصد لرد الإهانة عن نجيب محفوظ..

 

أليس غريبا أن شاكر عبد الحميد لم يشمئز قلبه..

 

كانت فرانسيس استونز تقول أن من يدفع أجر العزف هو من أمره أن يعزف قطعة موسيقية معينة.. وكذلك الأمر مع الكتاب الذين يطلب منهم اتخاذ مواقف معينة.. كانت تقصد أن المخابرات الأمريكية هي التي تستفيد من مواقف الكتاب.. وهي التي تدفع لهم..

***

عندما نصب علاء الأسواني خيمته أمام مجلس الوزراء بعد أن عين البرادعي رئيسا للوزراء وعين له وزراءه ومستشاريه،  ولم يكتف بذلك فأقال المجلس العسكري!! ثم اعتصم في تلك الخيمة الفارهة أمام مجلس الوزراء رافضا وزارة كمال الجنزوري.. وجدتني أتساءل في ألم ممض:

 

- علاء الأسواني: من يدفع ثمن الخيمة؟!


 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 

 

 

 

رعب الحداثيين القادم

 

بقلم: د. محمد عباس

 

mohamadab47@yahoo.com

www.mohamadabbas.net

 

 

 

 

سوف أترك مستنقع العلمانيين والليبراليين لأكتب إليك أيها القارئ في قضية لا تهمك على الإطلاق .. يمكنك أن تعرض عنها على الفور .. وأن تنتقل لقراءة مقال آخر تجد فيه ما يهمك أو ما يلهيك أو ما يسليك ..

قضية لا تهمك .. ومع ذلك فقد يقتلك الحداثيون العلمانيون الليبراليون غدا بدليل يستقى منها .. أو بقانون يعتمد عليها ..

قد ..

وقد هذه تعنى شكا ..

أما اليقين الذي لا شك فيه فهو إذلالك وإهدار كرامتك وسحق مشاعرك وتشريد أهلك واحتلال أوطانك وتسفيه دينك وإلغاء نتائج صندوق انتخابك.. وكل ذلك بسبب هذه القضية التي لا تهمك على الإطلاق ..

***

ولنبدأ طرح القضية التي نقلها إلينا الحداثيون والعلمانيون وأدعياء الثقافة والتنوير من عباد الغرب والشيطان ..

والقضية قضية لغوية .. وهى تنحصر في التساؤل عن العلاقة بين اللفظ ومعناه أو كما يقول الحداثيون: العلاقة بين الدال والمدلول، ثم يتطور السؤال إلى: هل سبق اللفظ المعنى أم سبق المعنى اللفظ؟!! ..

ما هي العلاقة بين الصوت الذي ينطلق من الحنجرة واللسان والفم وبين ما يعبر عنه هذا الصوت.

هل وجدت الأشياء أولا ثم أطلقت عليها الأسماء؟ ولماذا إذن لا تتشابه الأسماء في اللغات جميعا؟. أم أن اللغة وجدت أولا بحيث أن مدلول اللفظ يكون كامنا فيه؟ ..

***

ألم أقل لك منذ البداية إنها قضية لا تهمك .. لكنني سأستميح عذرك لأستبيح صبرك ..

ودعني أطرح عليك هذا السؤال الذي يطرحه جهابذة عباد الشيطان:

لو أن الناس جميعا اتفقوا على إطلاق اسم: " لكب" على الكلب، هل كانت صفات الكلب ستتغير؟ أو أنهم أطلقوا اسم: "رشجة" على الشجرة .. أو أي اسم آخر .. لو أنهم سموها: " ذئبا " أو "كلبا" أو "ماء" فهل كان الأمر سيختلف. ثم: هل تمثل كلمة "الشجرة" الشجرة نفسها، أم أنها تعنى غيابها؟ تعنى أننا عجزنا عن الإتيان بالشجرة فأتينا بكلمة بدلا منها، وبهذا يتضافر الحضور والغياب. ويصل هؤلاء إلى أن الناس اتفقت اعتباطيا على معنى كل لفظ، وأنه لا توجد علاقة على الإطلاق بين اللفظ ومعناه. وأن المجتمعات البشرية هي التي أعطت المعنى لكل لفظ.

لن نسوق إليهم الآن حجتنا اليقينية أن الله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء كلها .. هم أقل وأضأل من أن نسوق إليهم دليلا من القرآن الكريم .. ثم إننا نريد أن نكشف منطقهم من خلال منطقهم ذاته.

الفصل بين اللفظ ومعناه، أو بين الدال والمدلول كان بدايات أفكار البنيوية والتفكيكية التي انتشرت في بدايات القرن العشرين على يد فلاسفة الغرب مثل دريدا وسوسير ورولان بارت وجاك كوهين وياكوبسون وغيرهم. بدأت بفصم عرى لا يتصور أن تنفصم، لكن هذا الانفصام كان نتيجة حتمية للفلسفة الإلحادية، ذلك أن الإنسان لا يتبوأ مكانه السامي إلا بإيمانه بالله. فإذا فقد الإيمان بالله ضاع، وتحول إلى مجرد حيوان، ووجب علينا أن نناقش الأصوات المنطلقة منه- من الحيوان- ولكان منطقيا أن نشك فيما إذا كانت هذه الأصوات المختلفة تعبر عن أي معنى.

كان منطقيا أن يتلو الكفر بالله الكفر بالإنسان أيضا .. ليكون مجرد حيوان ..

وكان منطقيا أن تسقط كل القيم .. فالقيم لا تستمد قيمتها إلا من الله ومن كتبه ومن رسله .. وإلا فماذا يجعل الصدق خيرا وهو قد يضر؟ وماذا يجعل الكذب شرا وهو قد يفيد .. وماذا يجعل القتل جريمة وانتهاك الأعراض عارا والظلم سبّة؟! ..

أدى الكفر بالله، وجحود نعمته علينا بتعليمنا الأسماء إلى فصم العري بين اللفظ ومعناه .. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد .. لأن الحضارة المادية الملحدة التي عبدت المادة والعلم والعقل من دون الله ما لبثت أن اكتشفت قصورها جميعا وعجزها عن تلبية احتياجات الإنسان أو تقليل شقائه.

 وهكذا أدت الفلسفات الإلحادية في النهاية إلى سقوط الأرباب التي اتبعها أسلافهم في القرن التاسع عشر لعبادتها من دون الله: المادة والعلم والعقل.

ولقد أدت العملية التفكيكية في نهايتها إلى تجاوز الكفر بعالم الغيب إلى الكفر بعالم الشهادة! وسيطرت الفلسفة الألمانية وتكفلت ظاهرية هوسيرل وتأويلية هايدجر وجادامر برفض أي سلطات مرجعية، وكما يعبرون هم فقد انفرط عقد العالم بعد أن فقد كل شيء الإحالة إلى مرجع ثابت وموثوق به.

يرى ميشيل فوكوه أن كل عصر معرفي جديد يزيح العصر المعرفي السابق، وفى مرحلة معرفية سابقة تمت إزاحة المقدس من مركز الوجود ليحل محله العلم والعقلانية، أما في المرحلة الأخيرة فقد أزيح العقل لتحل محله اللغة، ليصبح الشك وانعدام اليقين هو الحقيقة الوحيدة المطلقة، ويصبح لاوجود حقيقيا لأي شيء خارج إطار اللغة.

لكن اللغة نفسها مراوغة والعلاقة بين اللفظ والمعنى فيها علاقة اعتباطية ..

إذن: فقد انتهى كل شيء .. !! ..

***

أعرف يا قراء أن الكلام صعب وغامض، بل أعرف أكثر من ذلك أن صعوبته لا ترجع إلى عمقه، بل إلى أنه هراء، سفسطة مجانين، قد تبدو منهم هنا وهناك لمحات مبهرة كما تبدو من أي مجنون، نعم هراء أحمق مجنون يريدون منا أن نستبدله وهو الأدنى بالذي هو خير، أناس طمس الله على قلوبهم وأعمى بصائرهم فلا يفقهون، لكن المهم هنا، أن هذه الفلسفات النظرية تنجم عنها تطبيقات عملية نتلظى بنارها ونكتوي بنيرها.

***

الخطير في الأمر .. الخطير جدا .. أن هذه الفلسفات والأفكار لا تدور في فراغ .. بل إنها أشبه بدائرة التوصيلات الكهربائية والإلكترونية التي تشتريها مع أي جهاز كهربي تشتريه مع الجهاز في كتيب يشرح تحول النظريات إلى تطبيقات. وهو كتيب لا يفهمه إلا الخبراء، وبالنسبة للشخص العادي فإن كلماته ورسوماته أشبه بالشفرة، لذلك فما من أحد منا يراجع خرائط التوصيلات الكهربائية والإلكترونية تلك – لجهاز تلفازه على سبيل المثال!. إنك تقتني الجهاز واثقا في أن من وضع هذه الرسوم لم يخدعك من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنك غير محتاج بالضرورة لفهم تلك الرسوم والخرائط كي تستطيع تشغيل أو مشاهدة جهازك التلفازي.

العلاقة يا قراء بين الفلسفات النظرية والتطبيقات العملية لها تشبه تماما ذلك المثل الذي طرحته عليكم .. تشبهه وتكاد تتطابق معه إلا في شيء واحد .. وهو أنك لم تقتن جهازا للتلفاز بل قنبلة موقوتة ستنفجر فيك وتقتلك وتدمر بيتك وتشرد أهلك .. ومن هنا وجب عليك الرجوع إلى الرسوم لاكتشاف الخطر.

***

فلنتناول على سبيل المثال أحد التطبيقات العملية للفلسفة السابقة وللقضية اللغوية التي بدأنا بطرحها. تلك القضية الغامضة المكتوبة برموز معماة (كالشفرة) لا يفهمها إلا مختص.

قلنا إنه لا وجود لشيء خارج اللغة ( والعبارة تبدو في الظاهر بريئة، ويبدو أن معناها يفوق قدرتنا على الفهم، أو أنها بلا معنى، والواقع أنها بعد فك رموز شفرتها تعني إنكار الذات الإلهية والأنبياء جميعا، كما يتضمن معناها في ذات الوقت الكفر بالعلم والعقل). إنهم يقولون  أن ارتباط المعنى باللفظ هو ارتباط اعتباطي لم يرسخه إلا اتفاق الناس عليه آمادا طويلة، وإنه لذلك يمكن أن يتغير، لكن بشرط أن نفرض قطيعة معرفية مع الماضي كله، وهذا لا يعنى إلا الكفر.

كان هذا هو رسم الدائرة الإلكترونية الغامض الصعب والآن لننتقل إلى التطبيق.

إذ يترتب على ذلك أن كلمة الشذوذ الجنسي مثلا تحمل معنى اعتباطيا لفعل كريه يحتقره الناس، لكن هذه الكراهية والاحتقار لا تنجم من الكلمة ولا من الفعل بل من اتفاق اعتباطي طال عليه الأمد حتى أصبح كالحقائق الراسخة وما هو بحقيقة وما هو راسخ، لقد اكتسبت الصفة معانيها السلبية المهيمنة المهينة عن طريق استخدامها المستمر والمتكرر لإهانة الشواذ والتنديد بهم حسب قيم دينية وأعراف اجتماعية ومنتجات ثقافية تفرض معايير معينة، وترى الكاتبة الأمريكية الشهيرة جوديت باتلر في كتابها: "مشاكل الجنوسة" أن على الشواذ والسحاقيات أن يصفعوا المجتمع بالكلمة بصفة متكررة ومستمرة، لأنهم بذلك سينجحون في تغيير الأعراف المتحجرة وتفكيكها وتحطيمها، وبذلك تفقد كلمة شاذ " GAY" أو سحاقية : " LESBIAN " قدرتها على الإهانة، وربما يصل الأمر، كما يقول الدكتور عبد العزيز حمودة إلى استعمال هذه الصفات في سياق المدح .. !!

***

هل رأيتم يا قراء العلاقة بين الرسم المشفر والتطبيق ..

وهل جال بخاطرك أن هذه العبارة البريئة الموجزة: "لا وجود لشيء خارج اللغة" يمكن أن تسفر عن هذا التطبيق البشع .. إباحة الشذوذ وتمجيده ..

***

لن نتكلم الآن عن علاقة ذلك بقيام الغرب بالضغط على الدول الإسلامية لتعيين وزير شاذ أو رئيسة تحرير سحاقية، لن نتكلم عن ذلك فالعلاقة واضحة، لكننا نتكلم عن أمر آخر، أمر يدخل في صميم همومنا.

***

ذلك أنه إن كانت تلك القضية اللغوية والخلفيات الفلسفية قادرة على قلب المعنى بهذه الطريقة، وإن كانت حققت نجاحات هائلة في بلادهم، كما حققت نجاحا لا ينكر على أيدي الحداثيين والعلمانيين والتنويريين والتغريبيين في بلادنا، إذا كانت قد نجحت في ذلك، فلماذا لا تنجح أيضا في وصم العمليات الاستشهادية بالعار والإثم الشديد، وفي اعتبار الجهاد معصية نظامهم الشيطاني الكبرى التي تستحق كل وسائل السحق والمحق، وفي اعتبار صندوق الانتخاب وإن مثل أغلبية ساحقة لا يمثل الشعب ولا يعبر عنه.

نعم .. إن كانت قد نجحت في ذلك فلماذا لا تنجح في تحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق ..

نعم .. لم تكن تلك أفكارا هائمة في الفراغ بل كانت رسم الدائرة الإلكترونية الجهنمية المشفرة ..

نعم .. وما قالته جوديت باتلر في مجال يقوله أوباما في مجال آخر .. وما نادى به دريدا يطبقه نتن ياهو  ممتطيا نفس الفكرة والمنهج.

***

كل ذلك منطقي – بمنطق الشيطان – بالنسبة لهم ولتاريخهم الديني والسياسي والاجتماعي. لكنه بالنسبة لنا كارثة ومصيبة وداهية وخيانة للأمة وتفتيت لها، فلماذا ساقنا حداثيونا إلى هذا المنعطف الوعر.

يقولها فلاسفة الغرب بوضوح أنه لا سبيل للتقدم إلا بالقطيعة المطلقة مع التراث، أما كتابنا الجهابذة كأدونيس وجابر عصفور والغذامي وكمال أبو ديب، وصبيانهم كصلاح عيسى والغيطاني والقعيد، وكل كتاب السلطة، فيرون أن مجتمعاتنا لم تنضج النضج الكافي بعد، لذلك فهم يراوغون – بل يكذبون - في إيصال المعنى إلينا. وبدلا من تلك الجملة الصريحة الواضحة القاطعة الناطقة بالكفر فإن الحداثيين في عالمنا الإسلامي يستعملون جملا أخرى من نوع: "تحطيم القوالب المتحجرة الثابتة لمنظومة القيم البالية". وما يقصدون إلا القرآن والسنة. إلا الإسلام.

***

يصرخ الدكتور عبد العزيز حمودة في كتابه المرايا المقعرة : أن هذا هو الرعب القادم، بل الرعب القائم، رعب فقدان الهوية كلها .. رعب ينتقل بنا من تفكيك اللغة إلى تفكيك الوطن .. ومن سيولة الأفكار إلى انهيار الأمم .. رعب سيطرة بلطجية ميدان التحرير على الأمة.. رعب التلاشي والفناء تحت وطأة ضربات ساحقة غادرة .. بالتآمر مع حداثيينا ..

***

نعم ..

هذا ما أريد أن أصل إليه ..

كان الحداثيون عندنا منذ زمان طويل يمهدوننا لتقبل منهج غريب علينا، منهج شاذ وخطر، نبت من فلسفات شاذة ومريضة، كافرة ملحدة، ليس بالله فقط، بل بالإنسان أيضا، فلسفات ليس لها مبادئ ولا قيم، فلسفات لا تعرف العقل ولا المنطق، ولم تسمع عن العدل والرحمة والإنصاف، فلسفات لم تقتصر على التعامل مع الإنسان كحيوان بل كشيطان مريد.

لم تكن وظيفة حداثيينا إلا تلك .. وما منحوا الشهرة والمجد والانتشار الذائع إلا من أجل أن يقوموا بهذا الدور .. وكانت المخابرات الأمريكية هي التي تمول كل ذلك – لكن هذا موضوع مقال قادم-.

كان الإسلام هو العقبة الكئود أمام الحداثة .. وكان عليهم أن يفرضوا القطيعة بيننا وبينه كي ينفردوا بنا ..

تلك القطيعة كانت تهم الغرب للسيطرة علينا .. كما كانت تهم حكامنا أيما اهتمام .. ذلك أنها كانت تعفيهم من المسئولية التي وضعها الناموس الإلهي لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

 

***

في كتاب: "حصوننا مهددة من داخلها" يكشف الدكتور محمد محمد حسين أمر الحداثيين والعلمانيين والمستغربين ودعاة التنوير والثقافة، يكشف دسائسهم التي يلقون عليها حجبا كثيفة من الرياء. والنفاق، حين يندسون بين صفوف الأمة، يتظاهرون بالغيرة على إسلامنا وعلى عروبتنا، حين تنطوي ضمائرهم على فساد العقيدة وحين يعملون لحساب العدو الذي يستعبدنا ولحساب الصهيونية الهدامة التي لا تريد أن تبقى على بناء قديم.

يصرخ الدكتور محمد حسين: هؤلاء هم أخطر الأعداء، وهم أول ما ينبغي البدء به في تطهير الحصون وتنظيف الدار، لأن الأعداء والمارقين ظاهر أمرهم لا يخفون، وهم خليقون أن ينفروا الناس، فهم كالمريض الظاهر يتحاشاه الناس ولا يقتربون منه. أما هؤلاء فهم كالمريض الذي لا يظهر المرض على بدنه، فالمخالطون لا يحتاطون لأنفسهم في مخالطته.

ويتهم الدكتور حسين أعداء الأمة هؤلاء من المنافقين والضالين والمضللين بأنهم يزينون للأمة الباطل زاعمين لها أنه هو سبيل النهضة، ويوهمونها أن كثيرا من عاداتها الصحيحة الأصيلة هي من أسباب تخلفها وضعفها، ويزجون بها فيما رسمته عصابتهم من قبل وما قدرته من طرق ومسالك ".

ويستطرد الدكتور حسين في مرارة عاتية:

وأنبه إلى ما انكشف لي من أهدافهم وأساليبهم التي خدعت بها أنا نفسي حينا من الزمان مع المخدوعين، أسأل الله أن يغفر لي فيه ما سبق به اللسان والقلم. وإن مد الله في عمري رجوت أن أصلح بعض ما أفسدت مما أصبح الآن في أيدي القراء (…) وقد كان مصابي هذا في نفسي وفي تفكيري مما يجعلني أقوى الناس إحساسا بالكارثة التي يتردى فيها ضحايا هؤلاء المفسدين، وأشدهم رغبة في إنقاذهم منها، بالكشف عما خفي من أساليب الهدامين وشراكهم (…) ..

ويكشف الدكتور حسين أن هؤلاء المنافقين قد اشتراهم الغرب كي يكونوا حراسا على أوطاننا التي حولوها إلى سجون. فيقيموا فيها معبدا يسبح كهنته بحمد آلهتهم التي يعبدونها من دون الله. وينكل بالذين ينبهون النائمين والغافلين والمخدوعين .. اشتراهم الغرب ليشكلوا وجوها متعددة للبلاطجة.. بلطجة التحرير وبلاطجة الإعلام وبلاطجة رأس المال ورجال الأعمال وبلاطجة الشرطة وبلاطجة المجلس العسكري وبلاطجة طرة .

***

تحت رعاية الحداثيين – عبدة الشيطان - كنا ننتقل من الإيمان إلى الكفر تحدونا سياط حداثيينا قبل سياط جلادينا. كانوا يقيمون دعائم مملكة الكفر .. وكانوا قد تسلحوا بمقولة قاطعة خدعوا بها الأمة فاستجابت أو رضخت .. ذلك أنهم وهم يقيمون مملكة الكفر منعونا من استعمال السلاح الوحيد الذي كان يمكن أن يحمينا من مكرهم .. ألا وهو الحكم عليهم بالكفر .. وأصبح التكفير رجعية وتخلفا، وأصبح التخلف جمودا، وأصبح الجمود أصولية، وأصبحت الأصولية تطرفا وأصبح التطرف إرهابا .. وأصبح الاستشهاد انتحارا كما أصبح الطفل الذي يحمل حجرا يهدد الأمن والسلام العالميين أما استخدام الطائرات والدبابات في سحق المدنيين فهو دفاع مشروع عن النفس.

لكن .. لماذا نرفض كل ذلك وقد اقتنعنا من قبل بالقطيعة مع التراث .. وباعتباطية العلاقة بين اللفظ والمعنى .. ؟!!

***

إنني أريد أن أعود هنا إلى نقطة هامة .. وهى أن القارئ العادي، وحتى المثقف، عندما يقرأ شيئا من تلك الأبحاث التي يروجها الحداثيون كقضايا لغوية أو فكرية أو فلسفية، فإنه في أغلب الأحوال ينصرف عنها، تحت راية أنه علم لا ينفع وجهل لا يضر، فإذا حاول الفهم، فإنه في أغلب الأحوال لن ينجح في الفهم، ليس لقصور في عقله، ولكن لأن الحداثيين في بلادنا كما ذكرت يكذبون، يتحدثون بمنطق العصابات التي تتحدث برموز لا يفهمها إلا أفراد العصابة، فإذا حدث أن سمع حديثهم شخص من خارج العصابة فإنه لن يفهم أبدا ما يعنونه. هذه الآلية الخبيثة المجرمة تمكنهم من التسلل إلى قلب الأمة كما يتسلل الصدأ إلى الحديد. في سرية، وفى خفاء، دون إعلان، ودون فهم، ويستمر الأمر على ذلك المنوال حتى ينهار البناء فجأة.

***

نعم .. تعامل حداثيونا مع الأمة بهذه الطريقة .. وأخفوا عنها طول الوقت الخلفيات الفلسفية الإلحادية لفكرهم وللقضايا التي يطرحونها، بل تعمدوا الكذب الصريح والتضليل الواضح في أحيان كثيرة، تعمدوها مثلا عندما خلطوا ما بين الحداثة كفلسفة كافرة مجرمة علينا أن نحاربها جميعا، وبين التحديث كهدف علينا أن نسعى جميعا إليه .. وتعمدوها عند الخلط ما بين العلمانية والعلم .. وبين التشريع الإلهي والبشري .. وبين التحرير والتعهير .. وبين التنوير والتزوير ..

كانت السلطة تساعدهم وكان الغرب يسيدهم كما يسيد العدو كل خائن لأمته: قارنوا مثلا الفارق في التعامل من السلطة ومن الغرب معا مع شخصيتين: مع الشيخ عمر عبد الرحمن فك الله أسره والدكتور نصر حامد أبو زيد قبح الله وجهه.

***

كان الاستثناء الهائل الذي زلزل الحداثيين هو القضية التي عرفت بأزمة الوليمة .. كانت كالدخان الذي يخرج الثعالب من الجحور .. وربما تقبع القيمة الحقيقية لهذه القضية، في أنها كشفت للناس الشفرة التي يستعملها الحداثيون، جعلتهم يتحدثون إلى الناس بنفس الألفاظ التي يتحدثون بها إلى بعضهم بعضا .. إلى أفراد العصابة .. وهكذا تم كشفهم الاكتشاف الكامل والنهائي .. ووضحت للناس أن ما يحملونه فرحين ليس جهاز تلفاز أو لعبة إلكترونية سيسعدون بها بل لغما شديد الانفجار سيدمرهم .. أسقطت تلك القضية الأقنعة عن الوجوه الشائهة .. وأدرك الناس لأول مرة أن حرية الفكر لم تكن تعنى أبدا حرية الفكر .. ولا حتى حرية الكفر .. بل كانت تعنى التآمر على إيمان الناس وتحويلهم إلى الكفر .. ومن لم يتحول أبيح دمه ..

وفهم الناس لأول مرة أن الإبداع يعنى أشد الألفاظ بذاءة وسوقية .. وأن الإبداع يزيد كلما وجهت هذه الألفاظ البذيئة والسوقية إلى مقدساتنا .. فإذا وصل الأمر إلى سب الذات الإلهية والسخرية من الرسول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وإلى إهانة القرآن الكريم فقد وصل إلى عالم الذرى ..

أدرك الناس المعنى وفهموا الشفرة واكتشفوا أنهم لا يتعاملون مع مبدعين ولا مفكرين ولا فلاسفة وإنما مع حثالة بشرية مرتدة خائنة وعميلة وسافلة ومنحطة ..

***

بعد هذا الانفجار توالت الاكتشافات ..

وكما سقط العقل والعلم والمادة في عالم الحداثيين راحت رموزهم تسقط رمزا خلف رمز .

سقط وهم الديمقراطية وتبدى وجهها دون قناع كمسخ مشوه مروع ومقزز ورهيب ..

سقطت فكرة العدالة البشرية عندما أسفرت عن ظلم وحشي مجنون ..

سقطت منظومة ادعاء حقوق الإنسان عندما سحقت حقوق الإنسان بمباركة فلاسفة العالم ومنظماته الدولية ..

سقطت المنظومة الغربية كلها تحت حوافر طواغيت الداخل والخارج وهو يبيحون لأنفسهم ما حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه، الظلم، نعم سقطت المنظومة عندما  اعتبر الحداثيون والليبراليون والعلمانيون  العالم معرضا للخزف فتصرفوا كقرد تسلل إلى متجر فراح يبدل أماكن لافتات الأسماء دون أن يبدل معها الأشياء فإذا الشجاعة جبن وإذا الجبن شجاعة وإذا الديموقراطية ذات أنياب .. وإذا الشجرة "رشجة" وإذا الكلب " لكب أو بكل" .. !!

لقد علم الله آدم الأسماء كلها وهذا الغبي المجنون على رأس صف طويل من الحداثيين يحسبون أنهم قادرون على تغيير تلك الأسماء التي علمناها الله .. والغبي المجنون لا يفهم أنه ليس له إلى ذلك من سبيل إلا إذا استطاع أن يأتي من المغرب بالشمس التي يأتي بها الله من المشرق ..

نعم في خلال ثلاثة أعوام سقط ما ظل الغرب – وحداثيونا – يضللونا به ثلاثة قرون ..

***

يا قراء: إن ما يفعله الحداثيون الليبراليون العلمانيون  ليست مجرد تصرفات مجنون فقد عقله وإنما هي النتيجة لفكر شاذ وفلسفات مريضة وأفكار مجرمة تعتمد كلها على الكفر بالله ..

ونفس هذا الفكر الشاذ والفلسفات المريضة والأفكار المجرمة هي تماما ما راح حداثيونا ينثرونها في أمتنا كالوباء ..

نعم يا قراء .. خدعنا الحداثيون وخانونا ..

ولم يكونوا يناقشون قضايا: العلم فيها لا ينفع والجهل بها لا يضر ..

لقد تآمروا علينا وخانونا .. وكان المنهج الذي حاولوا ترويجه طيلة الوقت هو نفس المنهج الذي اتبع لتبرير الاستعمار والإبادة والظلم .. كما اتبع لنزع سلاح الأمة الوحيد في المواجهة: ألا وهو عقيدتها وهويتها ..

 

 

 

 

 

*****************************************


الليبراليون يعوون.. والمصريون ينتخبون.. والعلمانيون  ينتحبون..

 

 

بقلم د محمد عباس

mohamadab47@yahoo.com

 

إزاء ذلك المشهد التاريخي، الذي لم تشهد مصر له مثيلا في غرابته وعبثه وهزله، مشهد علاء الأسواني  وهو ينصّب البرادعي ويؤيد محمد هاشم  في  خيانته ويقيل المشير من منصبه.. قلت لنفسي أن الأمر ليس هزلا كله.. بل إن فيه بصيص جد مخيف.. ذلك أننا قد نستطيع دمغ أفكار الأسواني بكل أنواع المنكرات.. لكننا لا نستطيع دمغ الرجل نفسه بالجنون، فإن لم يكن مجنونا وفعل ما فعل، فلابد أن جهة عالمية كبرى طمأنته وطلبت منه أن يثبت لأنها في النهاية ستنصره.. طلبت منه أن يصمد.. وألا يهتم حتى بمليونية صندوق الانتخاب التي سيتجاوز حضورها الخمسين مليونا .. وأنه سينتصر بالخمسين مرتزق الذين جمعهم للاستيلاء على السلطة وتعيين البرادعي وإقالة المشير!!

المشهد الهزلي بحق.. هو أن الأسواني الذي عين البرادعي وأقال المشير.. عجز عن أن يعبر إلى ميدان التحرير مصطحبا جماعة من المصورين الفرنسيين  ربما لتصوير حقائق أو على الأرجح افتعالها.. لكن موقف رجل الشارع العادي منه أفسد خطته.. حيث تعرض –الأسواني- لسباب شديد لا يمكن ذكره ولاتهامات بالخيانة والعمالة بل وما هو أكثر.. وبدا التناقض جليا بين رجل يعين البرادعي ويفصل المشير بينما هو عاجز عن العبور بعملائه الفرنسيين إلى ميدان التحرير. إلا أن المثير للريبة أن الحومة الفرنسية كانت تعضد الأسواني وتنذر المجلس العسكري لتسليم السلطة خلال تسعين  يوما على الأكثر..

هل كانت الحكومة الفرنسية هي الجهة التي يستقوي بها علاء الأسواني؟.. أم أنه يستقوي بقوة أكبر؟! بالولايات المتحدة والأمم المتحدة على سبيل المثال؟. وإلا فما هو السر في كل هذا الإصرار رغم كل الرفض من الناس والازدراء من الجماهير التي لم تقنعها دعاوى نوبل ولا الجوائز الدولية ولا توزيع مليون أو مليار نسخة من كتبه.. ولا حكاية سبقه العالمي على نجيب محفوظ.

***

مع حادث المراسلين الذين اصطحبهم الأسواني  – إن كانوا فعلا مراسلين.. ولماذا إن كانوا مراسلين لم يعقد بهم على الفور مؤتمرا صحفيا.. على الأقل كي يبرئ نفسه- انداحت إلى ذاكرتي ذكرى "أبي رغال"..و"أبو رغال" هذا خائن عربي من ثقيف  تقدم ليكون دليل أبرهة الحبشي لهدم الكعبة.. وكان ذلك في نفس العام الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسُمِّي عام الفيل. ويشار إلى "أبي رغال" في كتب التاريخ العربي باحتقار وازدراء لأنه لم يعرف عن العرب في ذلك الحين من يخون قومه مقابل أجر معلوم. ويطلق لقب أبو رغال على كل من خان قومه لمصلحته الخاصة.

ما أريد أن أنبه  علاء الأسواني – وكل علاء أسواني- إليه هو أن "أبا رغال"  لم يصل إلى مبتغاه وأن الله عاقبه بعكس مقصده فارتكب الوزر ولم ينل الأجر، إذ أنه لما وصل مع أبرهة إلى موضع يسمى المغمس مات "أبورغال"، فصارت العرب ترجم قبره بذلك الموضع، ذكر هذا الطبري في تاريخه.

***

فإياك يا علاء الأسواني أن تفعل مثلما فعل "أبو رغال"..

وإياك يا علاء عبد الفتاح أن تفعل مثل ذلك..  علاء عبد الفتاح هذا هو المسجون الشهير الذي تدافع عنه النخبة وعلى رأسها علاء الأسواني.. رغم ما كتبه على موقعه أنه بلا دين وأنه يؤيد الشذوذ.. بل على الأحرى أنها تدافع عنه بسبب ذلك وليس برغمه.

***

إياك..

وإياك أن تقلب الدنيا رأسا على عقب مع النخبة من أجل تلك المرأة التي تتهمون جنود الجيش أنهم كشفوا عورتها..

وأنا مستعد أن أقلبها قبلك لو وثقت فيكم لحظة واحدة.. لو اقتنعت فعلا أنكم تدافعون عن الحرية وتدينون التعذيب وتعترضون على انتهاك الأعراض.. كنت مستعدا أن أقلب الدنيا قبلكم لولا إدركي أن ما تقولونه من كلمات إنما هي كلمات حق يراد بها باطل.. وأن المقصود من كل ما تفعلونه الشوشرة على هزيمتكم الساحقة في الانتخابات. الشوشرة على أول انتخابات حرة منذ ستين عاما.. فيا له من عار.

***

ومع ذلك فنحن نطالب بالتحقيق العاجل الحازم والعقاب الصارم للمسئول عما حدث لامرأة ميدان التحرير..

التحقيق.. وليس حرق الوطن..

العقاب .. وليس هدم الدولة..

قلنا كلمة الحق دائما وركنتم إلى الباطل دائما.. وقلبتم الحقائق دائما..

لماذا – إن كنتم  تملكون كل هذه الحمية والغيرة- لم تشاركونا حين قاومنا ورأسنا بين فكي التنين.. لماذا – إن كنتم تملكون كل هذه النخوة-  لم تشاركونا حين اعترضنا على التعذيب والقتل وهتك الأعراض..

لماذا؟!..

أكان بآذانكم صمم؟ أم كانت على أبصاركم غشاوة؟ أم ماتت ضمائركم؟؟ أم مُسختم وحوشا؟..

ألم تقرءوا كما قرأنا ذلك التقرير المروع  الذي رصد هذه الممارسات عبر زيارة تقصي حقائق قام بها كل من: د. ليلى سويف، د. عايدة سيف الدولة و أ.أحمد سيف الإسلام حمد و د. ماجدة عدلي) هؤلاء شكلوا لجنة تقصي الحقائق، يذكر تقرير اللجنة كيف يعامل الأمن أهل سيناء..

وانتبهوا يا قراء  أن الدكتورة ليلى سويف هي والدة الناشط والمدون علاء عبد الفتاح، المحتجز على ذمة التحقيق في أحداث ماسبيرو، الناشط الذي لا دين له، الذي يشجع الشذوذ والفوضوية (يسمونها الأناركية وهي تعني انعدام الدولة) والقضاء على القوات المسلحة وقطع يد الجيش، و .. و.. و.. والذي يدافع عنه علاء الأسواني.. والذي صرح عمار علي حسن أنه سيضرب عن الطعام تضامنا معه.. وانضم إليه الناشر محمد هاشم صاحب دار ميريت للنشر..و تضامن معهم "عبد الجليل مصطفى" والدكتور "يحى القزاز" والدكتورة "معتزة خاطر" والدكتور "هاني الحسيني"..و د.محمد أبو الغار – المهندس ممدوح حمزة - الإعلامي محمود سعد – المصور والناشط السياسي حسام الحملاوي حركة شباب من أجل العدالة و الحرية.. وانضم إليهم أيضا قائمة عار تضم كل من:

حملة دعم البرادعي ( لا تنسوا هذا.. تأييد الملحد والشاذ والفوضوي)..

ائتلاف شباب الثورة ( لا تنسوا هذا.. تأييد الملحد والشاذ والفوضوي)..

الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي..

حملة دعم حمدين صباحي ( لا تنسوا هذا.. تأييد الملحد والشاذ والفوضوي)..

حزب الكرامة  و حزب العمال الديمقراطي ( لا تنسوا هذا.. تأييد الملحد والشاذ والفوضوي)..

الاشتراكيين الثوريين (دعك من الخطأ النحوي في العنوان ولكن تذكر تأييدهم للملحد والشاذ والفوضوي)..

الجبهة القومية للعدالة و الديموقراطية و اللجان الشعبية للدفاع عن الثورة و حزب التحالف الشعبي الاشتراكي

يقول التقرير الذي شاركت في إعداده أم الناشط علاء عبد الفتاح  مستعرضا التعذيب وانتهاك الأعراض الذي كان يقوم به الطاغوت المجرم الجبار في سيناء حيث تم اتخاذ  140 سيدة كرهائن وكان النقاب ينزع من على وجوههن، قصص التعذيب لذويهن تتراوح ما بين التعليق من خلف وشد الرجلين بالحبال، وكهرباء توصل عن طريق مشابك تربط في أصابع الرجل أو على المناطق الحساسة وتتسبب في سيحان الجلد ويخرج منها رائحة الجلد المشوي، لم يتركوا أحدا، اعتقلوا حتى المعاقين عقليا. لم يعترض الليراليون والعلمانيون على ذلك.   يقول المفرج عنهم أن بعضا ممن حضروا التحقيق كانوا حمر الوجوه حليقي الرأس يرتدون نظارات سوداء ولا يتكلمون، كانوا يهجمون على المساجد، يضعون أكياسا سوداء على رؤوس المصلين ويأخذوهم في البوكسات.   كانوا يمسكوا الراجل من دقنه يشدوها يطلع الشعر في أيديهم ومعاه الدم عليه، حسبي الله ونعم الوكيل.

لم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

يقول شيخ عجوز:

زمن الاحتلال خبيت عندي سبع عساكر مصريين و2 ضباط، خبيتهم لمدة 20 يوم وساعدتهم يهربوا ولحد النهار ده بيتصلوا بي، احنا نتحمل كل ده ليه من الحكومة؟ ده الاحتلال ما عملش فينا كده، هو فيه إيه؟

ويقول ابن من أبنائه..

كنا متغميين، جردوني من ملابسي تماما وربطوا ايديا ورجليا علقوني من ايديا وانا واقف على الترابيزة بعدين رفسوا الترابيزه بعيد وسابوني متعلق وهم بيشدوني من رجليا، ست ساعات، وهم يعلقوني وكهربوني، وأنا متعلق ثبتوا مشابك في صوابع رجليا وكهربوني، كنت مربوط، جسمي بيرجف ومش عارف اتحرك، بعد شويه ما كنتش حاسس بالكهربا من كتر الألم في دراعاتي، كان جسمي بيترج يمين وشمال من الكهربا وأنا متعلق، بعدين رموني على الأرض، كان عليها ميه وكانت بتكهرب، بعدين علقوني تاني، وطول الوقت ضرب في بطني ورجلي، علامات التعذيب لسه باينه على ضهري وايديا زي ما تكون محروقة

و لم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

***

هاني أبو شتيته خلعوا ضوافره وكسروا رجليه، لما سألنا عليه قالوا نقلناه مستشفى العريش، بس ما حدش هناك راضي يقول حاجة، الناس خايفه، أنا ايديا زي ما أنتم شايفين، مش عارف أعمل حاجة لنفسي، ولا حاجة".

تقول الأم (حوالي 70 سنة)

هو اللي كان مخللي باله من أبوه العاجز، كان هو اللي بيأكله وبيحميه، دلوقتي مفيش حد، الأولاد الاتنين ايديهم باظت ومفيش حد معايا، حسبي الله ونعم الوكيل، الواد هو اللي كان بيراعي أبوه، أبوه مشلول بيعمل على روحه، كان بيحميه كل مرة يوسخ نفسه، أنا عجوزة ما أقدرش، أعمل إيه، وإخواته طلعوا من السجن إيديهم عاجزة، مين يراعينا ومين يصرف علينا، حرام عليهم، خليهم يرجعوا الولد (الأب نائم في الفراش، عمره يتجاوز الثمانين عاما، مشلول، تقريبا لا يسمع، في حجرته حاجز وراءه حمام).

و لم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

***

تقول أم:

أول ما جم أخدوا حسام 16 سنة، طالب في دبلوم تجارة، ده كان قبل رمضان بـ 9 أيام مع آذان الفجر، سألوني مين عندك، قلت حسام، أخدوه وجريوا، يوم 10 رمضان أخدوا الأربعة الباقيين.

كانوا عاوزين ياخدوا البنت (12 سنة). هربت من البيت، العريش كلها قعدت بره بيوتها حوالي 13 يوم.

 أخدوا مرات حماده كانت حامل، لفوا بيها في العربية عشان تدل على أصحاب جوزها، نزفت من كتر اللف في العربيات. مرات اسماعيل كهربوها في صوابعها، لما راحت البنت تسأل عن أخوها قال لها عدي جوه لحسن أطلع ميتين أمك، وشتم سمر وقال لها يا بنت المرة الوسخة، ومرات إسماعيل شد النقاب من على وشها، وقت ما حجزوا مرات (ح) كان فيه 45 ست فوق بعض ولما يدخلوا الحمام يفوتوا على الرجالة وكانت بتسمع صوت رجاله بيصرخوا، وشافت اسماعيل متعلق عريان قدامها.

و لم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

***

فيه واحدة زميلتي في الشغل كانت في السوق، قالوا لها اخلعي النقاب، رفضت، ضربوها رصاصة في كتفها، بقوا يقلعوا النسوان النقاب بالعافية ويضربوهم بالشلاليت، أنا شفت ده بعيني، إن شغلي قريب من السوق وبأشوف الستات لما ده حصل لهم، وأخدوا ابني يسألوه عن مكان الحاجة لما سابت البيت.

***

مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف يساهم  في رصد جانب هام من القضية حين يرصد كيف كان ضابط الأمن المهذب الرقيق في تعامله مع الكهان والقساوسة ينقلب على عقبيه في التعامل مع الشيوخ، يسرد المركز وقائع تعذيب أحد شيوخ المساجد، ويروي حكاية علقة ساخنة لإمام مسجد داخل أمن الدولة بالعريش بعد خطبة عن رعاية اليتيم.  فقد قام ضابط برتبة مقدم بمباحث أمن الدولة بالعريش باستدعاء إمام وخطيب مسجد أم القرى الشيخ محمد عبد الحميد إلى مقر امن الدولة بالعريش وانهال عليه بالسب والشتم وسب الأم والأب ثم قام الضابط محمد رضا بضرب الشيخ على وجهه وعلى صدره ضربا مبرحا وهدده بالاعتقال إذا رآه مرة ثانية في مكتبه.

 وكان نفس الضابط قد قام باستدعاء الشيخ المثالي بالمحافظة وإمام وخطيب مسجد أبو هريرة بالعريش الشيخ عبد الله القطب وقام بسبه وشتمه بأفظع الألفاظ الجارحة وشتم الأب والأم ، وقام بتهديده بتلفيق قضية أموال عامة واعتقاله وصعقه بالكهرباء وتعذيبه ، وتتطاول على أئمة المساجد بأفظع الألفاظ.

و لم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

كنا نحن الذين نكتب وأذرع الأخطبوط تحيط بنا وأنتم تتقلدون أعلى المناصب وترتزقون الرزق الحرام بالملايين المنهوبة من دم الأمة..

***

كم شيخا حرموه من العلاج حتى مات فوضعوا العلاج في جيبه بعد موته كي يداروا جريمتهم، بالمناسبة أحدهم اسمه محمد عبد الهادي.! وآخر اسمه فهد محمد نور الدين، فقط على سبيل المثال.

وهذه مهداة لك يا سيادة النائب العام..

أهدي إليك أيضا – وإليك يا علاء الأسواني- واقعة  جنون حمدان من التعذيب، لم يكن متهما بشيء، أخذوه رهينة حتى يسلم أخوه نفسه، وسلم الأخ نفسه، وأصابه ما أصابه، ثم أفرج عنه، لكن أخاه الرهينة لم –ولن – يفرج عنه أبدا، لأنه قد جن من التعذيب!.

أهديها إليك يا أبا رغال الأسواني الذي ملأ الدنيا بأكاذيبه ومنها اضطهاد النصارى..

كم نصرانيا أمر الضابط أمين الشرطة أن يبول في فمه، فيموت المسكين قهرا.

هل تعرض النصارى لتعذيب دفعهم لطلب التنازل عن جنسيتهم وطالبوا الأمم المتحدة أن تبحث لهم عن جنسية بديلة هربا من التعذيب.

هل تعرض النصارى لتعذيب دفعهم لطلب ترحيلهم لسجون إسرائيل ومنهم الشيخ محمد الشرقاوي وآخرون.

هل تعرض النصارى لتعذيب دفعهم لطلب إعادة تسليمهم إلى المخابرات الأمريكية التي كانت تعذبهم لكن عذابها كان أخف، من هؤلاء كان أحمد محمد العجمي.

***

ربما تزعم النخبة النجسة  أنها لم تكن تعلم.. وإلى هؤلاء أهدي مانشيتات الصحف:

معتقلون إسلاميون في وادي النطرون يطالبون بتحويلهم إلى جوانتانامو.

معتقلون أصيبوا بالجنون بسبب التعذيب بالكهرباء والداخلية ترفض الإفراج عنهم خوفا من الإعلام الأجنبي

مأساة الأطفال المعتقلين:

الأمهات تبكين دما ويصرخن: نريد أولادنا.

كهربوه في أماكن حساسة وضربوا أمه وأباه:

بطل الجمهورية في الجودو يطلب اللجوء إلى إسرائيل هربا من التعذيب.

التعذيب في مصر منهجي وسيف الإسلام يطالب الرئيس بالاعتذار عن التعذيب.

لا المتشدد سلم ولا العلماني نجا:

الضابط هدد زوجته بتجريدها من ملابسها.

يسقط المجلس القومي لحقوق السلطات.

الداخلية تشن حرب تحرير سيناء من المصريين.

الأهالي: سنثأر من الأجهزة الأمنية لأنها هتكت عرض نسائنا.

الانتقام وراء مذبحة شرم الشيخ.

قائمة المحافظين والمسئولين الكبار الذين اتهموا في قضايا التعذيب.

***

نشر كل هذا ولم تحتج النخبة التي تريد الآن هدم الدولة من أجل كشف عورة تلك المرأة..

ولم يحتجوا أيضا عندما قالت الدكتورة فوزية عبد الستار: "أطيلوا حبسهم تبغ نساؤهم".

بل لعلهم الآن يترحمون على عهد نكل بالمسلمين وبالإسلام ويتمنون عودته..

***

لم تحتج النخبة المجرمة التي ملأت العالم صراخا من أجل كشف عورة  امرأة التحرير رحلت الأجهزة الأمنية بلال محمد المذيع بقناة (الناس) الفضائية والمعتقل مع الدكتور عبد الرحمن البر إلى مستشفى قصر العيني؛ في محاوله لإسعافه بعد تدهور حالته الصحية جراء تعذيبه في قسم شرطة البحيرة.كانوا قد حطموا قفصه الصدري وكانت  الكسور في القفص الصدري تضغط على عضلة قلبه  المريضة  حيث كان مريضا بالقلب فتهدد حياته. طلب المستشفى الخاص سرعة نقله بشكل عاجل إلى مستشفى قصر العيني. لكن الضابط الطاغوت المجرم المصاحب للقوة أصر على عدم نقل بلال إلى قصر العيني إلا بعد أن يقوم أحد الأشخاص الذين كانوا مصاحبين لهم بتسليم نفسه لأنه قام بتصوير بلال بهاتفه المحمول.

*** 

لم تحتج النخبة مثلا على ما حدث حدث لسامي الحاج الذي  عانى سامي أسوأ أنواع التعذيب عندما اعتقل في أفغانستان ثم في غوانتانامو وبشكل خاص لكونه احتج على تدنيس القرآن الكريم .. فهل تعرفون كيف انتقموا منه لاحتجاجه على تدنيس القرآن؟

هل تعرفون؟؟

لقد تعرض للضرب مرارا واعتدي عليه جنسيا..

 فهل سمعتم؟؟ هل قرأتم ؟؟هل وعيتم ؟؟هل فهمتم؟؟ ..

لقد هتكوا عرضه..

هتكوا عرضه يا نخبة..

هتكوا عرضه فلم يعو كلب أو يصرخ معترض..

انحشرت الصرخة في أفواهكم النجسة فلم تنطلق إلا احتجاجا على كشف عورة المرأة في التحرير لا غيرة على العرض بل تكأة لهدم الدولة..

*** 

ولم نتهم المسيحية ولا المسيحيين – يا أبا رغال الأسواني-  بالمسئولية عن مصرع 60 طفلاً في سجن أبي غريب بعد تقطيع أطرافهم أمام أمهاتهم، ومن ربط الأعضاء الذكرية والألسنة بالكلاليب الحديدية..

ولم نتهمهم  يا أبا رغال  بالعداء الممنهج للإسلام  عندما دربوا كلابا على نهش الأعضاء التناسلية لثلاثمائة معتقل قيدوا وثبتوا على الحائط بالقيود الحديدية التي أبعدت أفخاذهم عنوة كي تتمكن الكلاب من نهش عوراتهم.

نهشتها..

ماتوا جميعا..

ولم ينبح من النخبة كلب.

نبحوا فقط على عارية التحرير..

لم تنبح أيضا عندما حلقوا رؤوس عراقيات و اغتصابهن

قالت إحدى السجينات، تخاطب العراقيين: الجنود الأمريكيون وهم يشربون الخمر أمامنا وينتهكون أعراضكم كالحيوانات ويسرحون ويمرحون مع اللاتي هانت عليهن أعراضهن. أعراضنا هتكت، وملابسنا تمزقت، وبطوننا جاعت، دموعنا جارية، ولكن من ينصرنا أقول لكم اتقوا الله في أرحامكم فقد امتلأت البطون من أولاد الزنا.

- وتقول أخرى في رسالة لها: والله لم تمضِ ليلة علينا ونحن في السجن إلا وانقض علينا أحد الخنازير بشهوة جامحة مزقت أجسادنا، ونحن الذين لم تفض بكارتنا خشية من الله، فاتقوا الله، اقتلونا معهم. لقد اغتصبوني في يوم واحد أكثر من 9 مرات. معي الآن 13 فتاة كلهن غير متزوجات يتم اغتصابهن تحت مسمع ومرأى الجميع. انتحرت إحداهن بعد اغتصابها بوحشية، حيث ضربها جندي بعد أن اغتصبها على صدرها وفخذها، وعذبها تعذيبًا لا يصدق، فأخذت تضرب رأسها بالجدار إلى أن ماتت. وهذه المرأة هي أخت لأحد رجال المقاومة في منطقة أبو غريب والذي فشلت قوات الاحتلال في اعتقاله.

ولم نتهم المسيحية ولا المسيحيين يا أبا رغال!!

كشف الصحفي الأمريكي المعروف سيمور هيرش إن لديه وثائق تثبت أن حراس سجن أبو غريب اعتدوا جنسياً على أطفال عراقيين كانوا معتقلين في ذلك السجن.. وأنهم اغتصبوا الرجال أيضا ومنهم الشيخ عبد الكريم عبد الرزاق إمام وخطيب جامع عمر المختار في العراق ..

لم تتج النخبة على كل هذا.. ولا على ما حدث للطفلة العراقية عبير الجنابي.. قتلوا أسرتها أمام عينيها.. ثم اغتصبوها.. ثم حرقوا الجميع لإخفاء الجريمة..

هل قلت الجريمة؟

لا.ز

بل العمل الإنساني الجليل كما وصفه –حبيب النخبة- أسامة أنور عكاشة الذي أيد الاحتلال الأمريكي وامتدحه بينما  وصف الصحابي الجليل سيدنا عمرو بن العاص بأنه أحقر شخص في التاريخ..

كان أبا رغال آخر.. ومات قبل الجائزة..

وبكته النخبة .. ولم تعترض على ما قال..

*** 

النخبة التي أرادت أن تحرق الوطن من أجل امرأة التحرير تجهل واقعة جبلة بن الأيهم مع الأعرابي حين لم يبال الفاروق أن يقتص لأعرابي من ملك ليعلمنا أننا لاينبغي لنا أن نتورع عن الاقتصاص لفتاة التحرير ولو من المشير..

الاقتصاص وليس هدم الدولة أيتها النخبة المجرمة العفنة..

هذه النخبة التي أيدت أسامة أنور عكاشة أيدت أيضا في سعار مجنون محمد هاشم صاحب دار ميريت والذي دأب على نشر كتب الكفر حتى حكم عليه علماء الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالكفر..

هذا المجرم دأب على نشر كتب تسخر من سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتتهمه بوضع القرآن وتسب صحابته رضوان الله عليهم.

انفجرت النخبة الفاسدة تعوي وتزأر وتنبح على من يصف الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بأنه: "لابس النعلين " و " صاحب الملحفة" و" "آكل الشعير" و " راكب البعير" ويتهم سيدنا  أبا بكر بأنه أبو الإرهاب في الإسلام، سيدنا عمر بأنه جبان، ويصف السيدة عائشة بالغندورة تارة أخرى، ونبي الله يوسف عليه السلام  بالولد الحليوةّ!!..و..و أما أم المؤمنين السيدة خديجة فيتهمها بإقامة علاقة شاذة مع رهبان من النصارى، ويتهم المجرم في منشوراته الرسول صلى الله عليه وسلم – بأنه كان يشرب الخمر- قبل الزواج من السيدة خديجة التي قامت بتدبير حكاية النبوة، وهي :"امرأة ذات فراسة كانت تستشرف المستقبل وتفرز الرجال ثم تقوم بشحنهم وتهيئتهم للرسالة" , وأن "ما فعلته خديجة مع الرسول في تحضيره للنبوة فعلته بقرار من مرجعيات دينية عليا" في إشارة إلى تأثيرات يهودية ومسيحة، ويتابع طعنه في عفة الصحابة رجالا ونساء فيزعم أن النبي كان -حين يأمر بغزوة- يطلب من بعض الرجال البقاء وعدم مرافقة الجنود، فكان الرجال الباقون في المدينة يدخلون على زوجات المقاتلين الذين خرجوا في الغزوة ويرتكبون معهم الفواحش، ثم أنه في الوقت نفسه أمر المجاهدين فى الغزوات ألا يفاجئوا زوجاتهم في الليل عند عودتهم من الجهاد، خشية أن يكتشفوا خيانتهن، فيثبطهم ذلك عن مواصلة الجهاد.

وينشر الفاسق أن ورقة بن نوفل كان يطمع في النبوة لنفسه لكنه تيقن أنه لا يصلح لافتقاره إلى الصفات الجوهرية اللازمة ( الشخصية الآسرة وموهبة الخطابة والتأثير في المخاطبين ) فاقتنع بحسن اختيار خديجة لمحمد.. و أنه خشي لتقدمه في السن أن يموت قبل أن يرى المعجزة تتحقق فطفق يستعجل خديجة ولكنها لحكمتها وسعة أفقها ورجاحة عقلها لم توافق على التسرع وتمسكت بحبال الصبر لأنها أدركت أن التجربة تحتاج زمناً حتى يقيض لها النجاح وهذا ما حدث بالفعل بصورة مذهلة...

*** 

لم تعو النخبة التي عوت على امرأة التحرير ولم تراجع موقفها حتى  حين صدر بيان مجمع البحوث الإسلامية الذي أفتى بكفر الكتاب السابق  ومؤلفه وناشره ( محمد هاشم) الذي انبرت النخبة للدفاع عنه.

لم تعو النخبة على أسامة أنور عكاشة لأنها مثله وعلى دينه  ولا على القطب الأكبر خيري رمضان الذي تنبأ باحتراق المجمع العلمي قبل احتراقه بيوم ولا على بلال فضل الذي بشر عبدة الصرصار بدخول الجنة ولا على الطاعن في البخاري إبراهيم عيسى ولا على عمار علي حسن ولا على جمال البنا ولا على يسري فودة ولا على ريم ماجد (هؤلاء الذين طلب متظاهرو العباسية بشنقهم- ولسنا معهم بالتأكيد في ذلك- ولا نذكره إلا لتنبيههم لمدى بغض الأمة لهم وكم تزدريهم)..

لم تعو النخبة أيضا ضد المجرم سامح نجيب، أحد قيادات الاشتراكية الثورية في مصر، إن الاشتراكيين الثوريين يستهدفون إسقاط الجيش وإحداث انقسامات بين صغار الضباط والعساكر من جانب والقيادات من جانب آخر، وأضاف: "إسقاط المؤسسة العسكرية وإسقاط الدولة هو السبيل لإنجاح ثورة 25 يناير".

*** 



 

*****************************************

 

 

 

 

 

 

الشيخ نشأت .. وكيف أصبحت سلفيا؟!

 

بقلم د. محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

كان ذلك منذ ما يقرب من ربع قرن.. كنت قد جاوزت الأربعين.. وذات يوم سألني صديق:

-         ألاحظ أنك وصلت إلى نتائج حاسمة في معظم المعضلات الفكرية..

وأجبته ضاحكا وجادا في الوقت نفسه:

-         انتهيت من إنشاء المدينة ورسم شوارعها وتشييد مسلحاتها ومد المرافق فيها ويبقى عمليات التشطيب والتجميل.

بعدها بأيام حدث زلزال.. فانهارت المدينة.. ودخلت مدينة أخرى.. كنت أنظر إليها من بعيد بتحفظ.. لم أتخيل أنني سأدخلها.. فإذا بها تصبح مدينتي.. بل عالمي.

***

كانت البداية في فندق ماريوت بالقاهرة. كان هناك معرض للحاسب الآلي، وحان وقت صلاة الجمعة، وبدأت البحث عن مسجد الفندق، لكنه كان واسعا جدا فتهت في دروبه. قيل لي أن مساحة الفندق عشرات الأفدنة، وتذكرت واقعة فساد  صاخبة، حين نشرت الأهرام أيامها – وهي من صحف النظام- أن أرض فندق ماريوت تساوى 900 مليون جنيه وتم التقييم ب 700 ألف جنيه فقط،  وكنت أسرع الخطو لاهثا باحثا ملهوفا، عندما اهتديت أخيرا إلى المسجد كان الإمام قد فرغ من الصلاة. أصابني ألم حاد لأنني لم أدرك  صلاة الجمعة (أظن في حدود ذاكرتي أنها لم تفتني ولو مرة واحدة خلال الأربعين عاما الأخيرة .. حتى أثناء سفري إلى الخارج) هرعت إلى خارج الفندق باحثا عن مساجد حوله متتبعا أذني اللتين راحتا تسترقان السمع إلى صوت خطيب، فكلما وصلت إلى مسجد وجدتهم يفرغون لتوهم من الصلاة. وازداد ألمي، ورحت أقرع نفسي، لماذا لم أذهب إلى المسجد مبكرا، صحيح أن خطبة الجمعة  كانت آنذاك تمثل بالنسبة لي كل أسبوع محنة، ذلك أن جهود الدولة في تجفيف المنابع – على عكس كل جهودها الأخرى – قد نجحت أيما نجاح، طاردت الدولة كل خطيب مفوه عالم وتركت من يستطيع أن ينفر لا أن يبشر، وكنت أعلم بالطبع الرخصة التي يمنحنيها  السفر فضلا عن آراء بعض الفقهاء التي تدفع الكثيرين لصلاة الظهر بعد الجمعة حيث أنهم لا يثقون في شروط صحتها، لكن بقيت للجمعة معزة في قلبي، وأدركت أنني سأظل حزينا ما لم أدركها.

وتذكرت مسجدا في شارع رمسيس – عرفت بعد ذلك أن اسمه مسجد التوحيد-، وكنت في أيام الجمعة أؤدي صلاتي ثم أقضي شئوني، وأثناء عودتي أجد أن خطيبه ما يزال يخطب، وكنت بالطبع حريصا على عدم الصلاة فيه، أنا الذي لا أطيق خطيب المسجد ربع ساعة فكيف أحتمله ساعتين. وأتذكر في كل مرة كنت أمر فيها على المسجد أنني كنت أدهش لعدد المصلين، قيل لي فيما بعد أن عدد المصلين في المسجد يصل أيام الجمعة إلى عشرين أو ثلاثين ألفا، وإن كنت أحسبهم أكثر من خمسين ألفا. كان شارع رمسيس رغم اتساعه يضيق بمن يصلون خارج المسجد على امتداد أكثر من كيلومتر.

تذكرت كل ذلك فكنت كالغريق الذي يفاجأ بقارب إلى جواره، هرعت إلى سيارتي، وتوجهت إلى مسجد التوحيد، ووجدت أن خطيب المسجد لم ينته من الخطبة الأولي بعد. غمرني الفرح، وجلست وسط المصلين في الشارع. لاحظت قوة ضخمة من الأمن تحيط بالمسجد وتتخلل المصلين. ثلاثة لواءات وأكثر من عشرة عمداء ومئات الجنود وسبع سيارات ضخمة من سيارات الأمن المركزي.

جذبني الخطيب بصوته وانفعاله وعلمه ومنهجه.

لم أعرف إلا بعد ذلك أن اسمه : " الشيخ نشأت".

وكانت تجربة روحية لا أنساها أبدا.

وبدأ الرجل يسيطر على شيئا فشيئا.

لقد أكرمني الله بالصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، لكن منهج هذا الرجل  كان زلزالا.. إذ أنه لم يفصل الدين عن الدولة.. ولا الآخرة عن الدنيا.. وكانت البصيرة عنده أوثق من البصر.. وعالم الغيب لا يقل حضورا عن عالم الشهادة..  علم غزير بالدين.. ومعرفة واسعة بالسياسة.. وثقافة موسوعية تجمع فلسفات الشرق والغرب.. وربط عبقري بين ذلك جميعا.. حيث ينصهر كل ذلك في بوتقة وجدان متأجج.

رحت أرقب المصلين في ذهول وقد تنامت إلى أذني همهمات نشيجهم. ثم تحول النشيج إلى نحيب..

لم أكن قد برئت تماما من ضلالات الفكر الغربي والتسلح بما يسمونه الموضوعية، كنت قد بدأت الطريق قبلها بأكثر من ربع قرن، لكنني ضللته طويلا في محاولة التوفيق بين الإسلام وطوائف المسلمين المختلفة  وأمل لم أدرك إلا بعد ذلك مدى سذاجته واستحالته. كنت أظن أن المشكلة مشكلة فكرية وأن تغيير الطرح وزيادة الفهم سيأتي بالشيعي مع السلفي مع الصوفي مجمعين ومزمعين ألا يضلوا أبدا وأن ينسوا كل خلافاتهم فلا يتبعون إلا كتاب الله وسنة رسوله..  وجمحت أحلامي فضممت القوميين والشيوعيين بل والنصارى واليهود إلى دائرة أحلامي، وتمخضت سذاجاتي عن خيبة أمل مرة.. لأننا نواجههم بنصاعة الإسلام وصدقه بينما يواجهوننا بغوايات الشيطان وكذبه، بل لعل الصورة لم تنجل أمامي بكاملها إلا بعد أزمة الوليمة، حين اكتشفت كم تجذرت العمالة والخيانة بل والإلحاد  والفساد والانحراف في النخبة، وكيف خدعونا دائما بأنهم يتبنون الإسلام المستنير، كأنما يوجد إسلام مستنير وإسلام غير مستنير! كان بعضهم على الأقل  يبطن الكفر ويظهر الإسلام لا ليتبعه أو ينصره بل ليهدمه من داخله. وكنا ننخدع بهم ونصدقهم ونحاول مد الجسور بيننا وبينهم.. وكان الشيخ نشأت يكشف ذلك العوار ويحذر منه.

يا إلهي..

ماذا يقول هذا الرجل..

لطالما أخفيت داخل جوانحي الاستعلاء الغبي على الفكر السلفي..!!

كنت أدرك علمهم ونقاءهم ففسرت الأمر لنفسي أنهم يشبهون الدول المتخلفة .. يملكون المواد الخام لكنهم لا يجيدون تصنيعها ولا تسويقها ولا عرضها.. أو أنهم يملكون كل الأجزاء لسيارة قوية فارهة لكنها تحتاج لتركيب يفتقدون آلياته.

الآن أكتشف أنني كنت أنا الأعمى.. ولم أكن أفهم. كان هذا الرجل يقول ما أبحث عنه.. وما عجزت عن الوصول إليه.. ثم أنه يثبت لي أنني أنا الذي أعرض بضاعة مغشوشة أو على الأقل غير أصيلة..

ذهلت.. ذعرت.. تشبثت بأرضي.. وحاولت أن أقاومه. كنت كصخرة وكان كسيل، وحاولت الصخرة أن تثبت مكانها فلم تلبث إلا قليلا. وفي محاولة التشبث تلك، والرجل يغزوني فتنهار مقاومتي أمامه قلت لنفسي أن به طاقة غريبة وأنه يبدو كما لو كان ينوم جمهور المصلين تنويما مغناطيسيا. وآليت على نفسي أن أقاوم تنويمه المغناطيسي كي يتسنى لي بحث الأمر بفكر موضوعي.. وأنني لكي أقيم تلك التجربة الوجدانية يجب أن أظل خارجها.. يجب ألا أسمح له بالسيطرة على مشاعري.. أحاول أن أقاوم.. أحاول أن أثبت.. أي علم هذا.. أي انفعال هذا.. أي وعي هذا.. أي قلب هذا.. أي عقل هذا..

إن الرجل يتحدث عن الدنيا والآخرة.. عن الدين والسياسة.. يذكر مقتطفات طويلة من فلاسفة الغرب – التي كنت أزدهي بها وأتخيل أنه لا يعرف شيئا عنها-  ويرد عليها باستعلاء فيحطمها تحطيما.. ويعلّم الناس ماذا يقول الدين في حكامهم.. يربط تفاصيل الدنيا بالآخرة.. يدعو إلى الزهد في الفاني والتعلق بالباقي.. لكن الزهد الذي يدعو إليه ليس زهد انصراف ولا زهد عجز ولا زهد تواكل، إنه زهد من قد تكون الدنيا في يده لكنها لا تدخل قلبه.. فهو الزهد عن المغريات والتفرغ لجلائل الأعمال فقد خلقنا الله في الدنيا  لكي نعمرها لا لكي ننصرف عنها.. وأن التفوق والسبق في كل مجالات الحياة  فرض على المسلم يأثم إن لم يفعله.. ليس مجرد التفوق في العبادة بل التفوق في العلم والقوة في الزراعة والصناعة والتجارة والصواريخ والقنابل النووية .. لكن المسلم وهو يفعل ذلك عليه أن يلتزم دائما بخلق الإسلام.

كان الرجل يختنق بالعبرات فيبكي خلفه خمسون ألفا..

وكان يصرخ فيصرخ معه خمسون ألفا..

وكانت تغلبه الشهقات والزفرات فيكاد نفسه أن ينقطع.

في لحظة من اللحظات حين طال صمته بعد شهقة طويلة خشيت أن يكون قد مات. كانت الصخرة قد تخلخلت وتزلزلت قواعدها وفقدت ثباتها..وكنت ما زلت أحاول مقاومة سيطرة الرجل عليّ.. كنت أقاوم النشيج مع الناشجين والنحيب مع المنتحبين. وعندما أوشكت على فقدان زمام السيطرة على نفسي لجأت إلى حيلة أخري.. رحت أهرب منه .. لو بكيت سأفقد موضوعيتي.. عليّ أن أفهم.. لا أن أنفعل.. ولجأت إلى حيلة أخرى فرحت أحاول تذكر أشياء بعيدة عما يقوله الرجل.. وفشلت.. فرحت أرقب الشارع والسيارات التي لم يبق لها من الشارع إلا حارة ضيقة تسير فيها متشاغلا بذلك .. وفشلت.. فرحت أرقب رجال الأمن أعدهم وأعد سياراتهم وأرقب ملامح الجنود والضباط.. وكان ثمة عميد شرطة يتجول بين المصلين .. فقد خطط الأمن مكان الصلاة بحيث توجد أماكن غير مفروشة يستطيع التجول فيها للسيطرة على المصلين ومراقبتهم وكبحهم إذا ما تظاهروا.. قلت لنفسي أن هذا العميد في أسوأ حال.. فعندما يتحدث الشيخ نشأت عن الطاغوت والجبروت والظلم  والتعذيب والتزوير فكأنما يقصده هو.. ورحت أسأل نفسي: كيف يستطيع أن يتوازن؟.. وماذا يكتب في تقريره المباحثي. انتبهت فجأة إلى أمين الشرطة الذي يسير خلفه. كان الرجل يتقلص، وخطر ببالي أنه هو الآخر يقاوم البكاء. قلت لنفسي أن ضراوة هجمة الفساد والانحراف قد ركزت على الفئات الأعلى من المجتمع، فكلما ارتفعت رتبة الرجل - أو منصبه أو جاهه أو ثراؤه-  في المجتمع كلما ازداد فساده وانحرافه وابتعاده عن الدين.. لقد شربوا أكثر من الماء الملوث.. كنت أدرك أن ذلك لابد أن يفضي  إلى أن القيمة الإنسانية  للبسطاء أعلى منها للعظماء.. وللفقراء أكثر من الأغنياء.. ولأمين الشرطة أعظم  من العميد.. نعم..  ثمة تناسب عكسي أفرزه نظام مختل..  رحت أرقبهما محاولا الانصراف عن تأثير الشيخ نشأت.. كان أمين الشرطة ممزقا بين خوفه من العميد الذي يسير أمامه وبين تأثره بكلام الشيخ نشأت.. وطفقت أتخيل ما يدور بذهنه من مظالم ارتكبها – بأوامر عميده – ومن فظائع اجترأ عليها ومن محارم انتهكها وهو يطيع المخلوق في معصية الخالق. .  ورحت أراهن نفسي: هل سيصمد الشيطان فيه أم سيحترق مع الشحنات الصاعقة للشيخ .. وفجأة وجدته - أمين الشرطة - ينهار.. فيكبو على الأرض ويصرخ وينبش التراب بأظافره ويحثوه على وجهه مستغيثا بأمه شاكيا لها بصوت جهير أنه هلك.. وأنه من أصحاب النار.. ونظر العميد إليه في غضب وخوف وهو يلمحنا بطرف خفي ثم يهرب من المكان.

وانهارت مقاومتي فبكيت.. وفتحت كل مسامعي وكل خلاياي للمنطق الذي لم أعرفه قبل ذلك..

للمنطق الذي تعاليت عليه تعاليا غبيا..

كنت فريسة وضحية للأمن الذي شوههم وللإعلام الذي نكل بهم.. فصدقت بعض هذا وبعض ذاك..

هل قلت: كنت فريسة؟.. لا والله.. بل كنت شريكا لم أتنبه فوقعت في شرك الصياد الخبيث وسقطت في حفرته..

تعاليت بغباء

وكنت أنا الغبي..

خفف من غلوائك أيها العييّ..

كنت مزهوا بمعارفي في الفلسفة والعلوم والأدب والتاريخ..

وكنت أقول لنفسي: من يقرأ للشاطبي والعقاد وللغزالي ونيتشة وابن رشد وهيجل وابن تيمية وكيركجارد وابن القيم وأرسطو ومحمود شاكر وأفلاطون والرافعي ونعوم تشومسكي ومحمد محمد حسين  وجان بول سارتر لا يحتاج لهؤلاء السلفيين..

غفلت عن أن كل علوم الأدب والعروض قد تعجز عن صنع شاعر.. فالشعر موهبة من المولى عز وجل..

وقد منح مثل هذه الموهبة لعلماء على نمط الشيخ نشأت..

يا مسكين.. يا ربان.. كدت تتوه في بحر الظلمات وقد جاوزت الأربعين وليس لديك وقت لبداية الطريق من جديد..

وكان يمكن أن تضل الطريق لتغرق في بحر الظلمات لولا ربابنة من نوع الشيخ نشأت..

***

عار عليك يا مثقف.. فكيف لم تنتبه إلى ما قاله الشهيد –إن شاء الله- سيد قطب:

إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة . كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع فـي معظم حقول المعرفة الإنسانية .. ما هو من تخصصه وما هو مـن هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره . فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ًضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره . فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها ، وعلى انحرافها ، وعلى ضآلتها ، وعلى قزامتها … وعلى جعجعتها وانتفاشها ، وعلى غرورها وادعائها كذلك !!! وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي !!!

***

بعد ذلك أصبح مسجد التوحيد مقصدي ومبتغاي كلما استطعت إلى ذلك سبيلا.. ومن خطباء ذلك المسجد تعلمت الكثير .. ليس في أحداث التاريخ.. ولا في السير.. ولا في التراجم.. ولا حتى في التفسير والسيرة..

تعلمت منهم- وهذا هو المذهل-  في السياسة  والفلسفة وربط النظريات بالواقع..

لم أتعلم منهم عن الآخرة بقدر ما تعلمت عن الدنيا..

وتعلمت من المسجد أن حل الكوارث التي تحيق بالمسلمين لا يمكن أن يكون جزئيا.. وأن حل مشكلة فلسطين لن يتم بمعزل عن دفع الظلم عنهم في الشيشان وأفغانستان  وبورما والفلبين..و.. ..

لم يكن مجرد " جامع" بل كان جامعة.. كان يعيد إلى  المسجد نموذجه في عصور الإسلام الأولى..

والمسجد مكون من ستة طوابق تكتظ بالمصلين الذين يفيضون في الشوارع.. بني بالجهود الذاتية.. يقوم بنشر الوعي الديني في محاضرات يحتشد لها ألوف.. كما أنه لم ينس واجبه الاجتماعي.. واعتمادا على التبرعات كان يعول ألفا ومائتى أسرة لكل أسرة من أسر المعدمين مائة جنيه شهريا، وإزاء اقتناع الناس بما يسمعون انهالت التبرعات حتي تمكنت إدارة المسجد من شراء قطعة أرض بجوار المسجد.. واعتزموا بناءها كمستشفي خيري.

***

وأنا..

أنا الذي لم أكن أحتمل أكثر من ربع ساعة من خطبة الجمعة أصبحت أسعى إليها ساعات سفر طويلة  لأشعر بالحزن الشديد إذا ما قلت مدتها عن ساعتين.

أصبحت أسافر مبكرا لأقترب من المنبر.. ورأيت الشيوخ بل الشباب وهم يخطبون فيخلبون لبي ويغسلون أدران روحي بدموعي.. كانوا كثيرين.. أذكر منهم الآن الشيخ نشأت والشيخ فوزي.. كانا شابين شديدي النحافة .. وظللت أذهب إليهما وأحض أصحابي على ذلك بعد أن استبدلت مدينتي.. وأصبحت سلفيا..!!

وظللت أشق الرحال إلى علمهما لا إلى المسجد عشرة أعوام أو يزيد.

ظللت.. ظللت حتى  جاء القرار بضم المسجد للأوقاف وهبط عدد رواده المصلين من خمسين ألفا إلى أقل من مائتين.

طعن قلبي..

كان منارة علم أطفئوها.. لعن الله من أطفأها..

وكففت عن الذهاب..

وكان قرار تبعية المسجد للأوقاف يعني تبعيته للدولة.. وكانت تبعيته للدولة تعني تبعيته لأمريكا وإسرائيل.

لكن كانت هذه هي المرارة التي سرعان ما شغلتني عنها مرارات أشد..

***

بعدها بأعوام  فوجئت بأخبار تنشرها بعض الصحف على استحياء عن القبض على تنظيم متهم بتسريب السلاح إلى الفدائيين الفلسطينيين.. وقلت لنفسي أن الذي فعل ذلك قد غطي عوراتنا وحمانا من فقدان آخر قطرة شرف.

تسربت الأنباء بعد ذلك أن من بين المتهمين الشيخ نشأت..

أشيع أن المحققين كانوا متعاطفين مع المتهمين، وكان الاتهام أنهم كونوا مجموعة لتهريب السلاح إلى فلسطين. وقيل أن السلطة كانت خجلي من توجيه مثل هذا الاتهام إليهم إزاء زخم المشاعر الشعبية التي ستعتبر مثل هذا الاتهام شرفا يستحقون عليه وساما. حتى الصحف القومية التي تصدر خارج مصر كالقدس العربي.. وعلي الرغم من أن قضية ما سموه بـ "تنظيم الوعد" كان ينبغي لها أن تكون في صلب اهتمامات هذه الصحيفة، إلا أنها لم تفعل. فخلاصة الأمر، أن ما يسمي بتنظيم الوعد، قد قام بأقصى ما تطمح إليه صحيفة القدس العربي، وهو تهريب السلاح إلى الفلسطينيين، لكنه ارتكب ذنبا لا يمكن أن يغفره التيار القومي، وهذا الذنب: هو كونه مسلما!!.

***

  ثم حدثت أحداث 11 سبتمبر. وتطوع صحافي من المشهورين بعلاقتهم بأجهزة الأمن بأن ينشر في صحيفته على نطاق واسع أن هذا التنظيم على علاقة بتنظيم القاعدة، لقد حسب الكاتب الهمام أنه بذلك يسدي معروفا إلى النظام في بلادنا، وزاد الأحمق من جرعة أكاذيبه فقال أن من بين أعضاء التنظيم من تدرب على الطيران في أمريكا تمهيدا للقيام بأعمال إرهابية في مصر، وكان يظن أنه بذلك يضع مصر في نفس الصف مع أمريكا، لكن أمريكا كشرت عن أنيابها متسائلة عن سبب عدم إبلاغها بهذا التنظيم، وبدا أن تقصير (‍‍!!) أجهزة الأمن المصري في إبلاغ أمريكا كارثة، إذ أنهم لو أخطروا أمريكا في الوقت المناسب فلربما أمكن توقي ما حدث في 11 سبتمبر. وحاولت السلطة في أعلي مستوياتها إصلاح ما أفسده الكاتب الدب فصرحت بأنه لا علاقة بين تنظيم الوعد وتنظيم القاعدة..

لكنهم وقد وصل الأمر إلى ما وصل إليه سارعوا بتحويل التنظيم كله إلى محاكمة عسكرية.

***

بعدها.. تصدع قلبي.. فقد تسربت الأنباء عن تعذيب الشيخ..

فلقد عذبوه عذابا وحشيا مجنونا.. ..

عذبوا الشيخ الجليل واستمر تعذيبه أياما وأسابيع وشهور حتى تعرض للموت.. كان الكلاب يساومونه لكي يعترف على بعض الدعاة السلفيين لإدخالهم ظلما في القضية أمثال الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ فوزي السعيد وسيد العربي ومحمد حسان، إلا أنه رفض وفضل تحمل آلام التعذيب على توريط بعض الدعاة بغير حق أو ذنب.. بعد ثلاثة أعوام شوهد الشيخ نشأت يمشى على عكاز بعد خروجه الأخير من المعتقل..

وتم القبض على مجموعة من الشباب من تلاميذه تعرضوا جميعاً للتعذيب حتى شلَّت أيدي الكثير منهم جراء التعذيب، وما زالت آثار التعذيب باقية على أجسادهم حتى اليوم.

وقالت والدة الشيخ نشأت لوكالة فرانس برس أن ابنها "اخضع لتعذيب غير إنساني" خلال اعتقاله على يد أجهزة الأمن.

 

***

يا رب..

يا قهار..

يا جبار..

انتقم..

يا قهار يا جبار يا عزيز يا مذل.

***

مر علينا الزمن حتى هرمنا..

سألت عليه وعلى الشيخ فوزي كثيرا فعلمت أنهم قد منعوا من الخطابة.. حسبت أن الدنيا لن تجمع بيننا مرة أخرى ..

وفي الأسبوع الماضي كان ثمة مداخلة على قناة الحكمة في ذكرى جريمة حرب غزة.. جريمة الرصاص المسكوب.. وكان ثمة شيخين أعرفهما.. وأحدهما هو شيخ اسمه نشأت.. لم يخطر ببالي أبدا أن هذا الشيخ الهادئ الذي شاب شعره وشاخت ملامحه هو الشيخ نشأت القديم..

وفي نهاية الحلقة وجدته يقول:

-         الحقيقة أشكر الدكتور محمد عباس.. ولعله يسمعني الآن.. وجزاه الله عني أنا شخصيا خير الجزاء.. لأنه أثناء القضية كتب مقالة .. ما أبكاني أثناء المحاكمة شيء كما أبكتني مقالته..فجزاه الله عني خير الجزاء والله يكافئه عن جهاده..

يــــــــا اللــــــــــــــــــــه..!!

أهو أنت..

قفزت من مقعدي كالملدوغ لا أتمالك دمعي.. لم أربط أبدا مابين هذا الشيخ الجليل الهادئ-الذي أتابعه أحيانا- وذلك الشاب القديم شديد النحول شديد سواد الشعر الهادر كالطوفان..

من الأحق بالشكر..؟ مقالة عابرة أم عذاب السنين.. جمرة معنوية .. أم لهيب النار يحرق فعلا.. كلمة لاذعة أم سياط لاسعة.. وسجن طويل أم غربة داخل النفس..

ملأني الرعب..

إن كان أحد أولى بالشكر: فهو هو.. لا أنا..

وسيطر على هاجس مرعب مخيف.. إذ قلت لنفسي لعل هذه كانت هي الحسنة الوحيدة الباقية من حسناتي.. ولعلي لا أستحق أن تنتقل معي للآخرة.. فشكرني الشيخ الجليل كي يجزيني عن تلك الحسنة في الدنيا فأنتقل إلى الآخرة بلا حسنات..

أخشى مكر ربي..

كان سيدي وحبيبي ومولاي أبو بكر رضي الله عنه يخشى مكر ربه ولو كانت إحدى قدميه في الجنة..

فكيف لا أخشاه وأنا أظن في أحيان كثيرة أن كلتا قدميّ في النار..

ورحت في ألم ورعب أمني نفسي وأواسيها إذ أتلو:

والضحى والليل إذا سجى..

ما ودعك ربك وما قلى...

 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

خيانة النخبة ..‍‍!!

حتى أنت يا فهمي هويدي

 

بقلم: د محمد عباس

www.mohamadabbad.net

mohamadab47@yahoo.com

 

ليس غريبا  أن يصاب فرد بالجنون..

وطبيعي كذلك لأي شخص أن يخون..

لكن.. هل يمكن أن تجن –أو تخون- طائفة أو جماعة أو شعب؟

قد تكون الإجابة المباشرة بالنفي..

لكن.. بعد قليل جدا من التأني ستكتشف أن نفي النفي أقرب للواقع من النفي..!!

وأن ما يبدو للوهلة الأولى غريبا هو السمة الغالبة للشعوب وللطوائف..

يحدث ذلك عندما تفقد درجات المنطق تراتبها وتراكبها.. حتى تنفصم العرى.. وتنفصل الأسباب عن النتائج ..

      يحدث عندما تنهار العلاقة بين طرفى المعادلة : ( بما أن :  إذن..) فلا تؤدى "بما أن" إلى "إذن" .. وتأتى "إذن" دون "بما أن" ..

***

وعندما يحدث ذلك فإنه إما أن يؤدى بعد العناء والمخاض إلى سراب كحمل كاذب.. أو إلى عكس المتوقع تماما تماما..

كل الخيانة قاسية ومريرة.. مريرة.. مريرة..

ذلك كله قاس.. فهل هناك ما هو أقسى؟..

نعم .. هناك الكثير الكثير.. حيث لا يفوق ضروب شقاء الإنسان سوى دروب حماقاته وصنوف خياناته.. فمن  خيانة الفرد للفرد.. و أقسى منها خيانة المجموع للفرد والفرد للمجموع ثم أقسى و أقسى خيانة المجموع للمجموع ..

هذا النوع من الخيانة أنكى .. لأن المصيبة الناتجة عنه  تكون عامة والكارثة طامة..

فخيانة صحيفة على سبيل المثال - لقارئها أشد و أنكى وأقسى.. عندما تنشر الكذب ولا تبالى.. وتخفى الحق ولا تبالى.. وعندما تختفى مرجعياتها المطلقة وتنحسر إلى النسبى.. فالأمين على سبيل المثال - أمين  لأنه حاكم وليس الحاكم حاكما لأنه أمين!.. والقول صدق لأنه يوافق الهوى أو كذب لأن القوىّ لا يرضى عنه.. إنها لا تنظر إلى ما قيل لكن إلى من قال.. ولا إلى ما حدث ولكن إلى من أحدث..

خيانة أجهزة الدولة للأمة أقسى وأقسى..  ولقد جربنا ذلك.. عندما تتحول أجهزة الأمن من حماية أمن الأمة إلى حماية فرد واحد -أو مجموعة واحدة- فى الأمة .. وفى سبيل حمايته تنتهك أمن الأمة كلها..

عندما يتحول جهاز الإشراف على الانتخابات إلى جهاز لتزوير الانتخابات..

و جهاز الحفاظ على المال العام إلى جهاز للبحث عن الثغرات التى يمكن من خلالها نزح ثروة الأمة واستنزافها دون بصمات للمجرم الحقيقى فلا يطال القانون إذا ما صحا من غفوته أو استفاق من غيبوبته سوى أبرياء أو صغار لصوص.

وجهاز العدل ..

ومجالس التشريع..

وولى الأمر..

و..و..و..

نعم..

كل الخيانة قاسية ومريرة.. مريرة.. مريرة..

لكن خيانة منها تفوق الجميع فى تأثيرها.. ألا وهى خيانة  النخبة للأمة..

كانت الأمة فى أشد الحاجة لنخبتها كى تشد أزرها بعد الهزيمة الحضارية الشاملة أمام الغرب.. كانت فى حاجة إليها لتعينها على النهوض والمواجهة والانتصار..

لكن النخبة خانت.. لتدفع أمتها من مواجهة عاجزة بعد الهزيمة إلى المهادنة إلى الاستسلام إلى القبول بعد التسليم والاستسلام بهيمنة أعدائها والسير فى الطريق الذى يخطونه لنا..

كانت الأمة تساق كقطيع من الخراف… كلما تقدمت خطوة نحو  المجازر انهالت عليها عصى الحضارة الغربية الصليبية الصهيونية لتتقدم أكثر.. وكان من أعجب ما حدث أن المثقفين بدلا من أن يقودوا أمتهم للمواجهة قادوها للاستسلام.. لم يحاولوا وكان عليهم أن يحاولوا- فى سبيلهم لإعادة الحيوية إلى أمتهم تطويع الحضارة الغربية كى تدخل فى نسيج الإسلام  - فأنى وجدت الحكمة فالإسلام أولى بها - .. لكنهم فعلوا العكس فراحوا يحاولون تطويع الإسلام  لكى يتفق مع الحضارة الغربية.. فمسخوا كليهما..

خانوا..

والله خانوا..

وعندما فكروا فى الحرية على سبيل المثال لم يضعوا نصب أعينهم أن تكون هذه الحرية عبر صناديق الانتخاب وجهادهم أمام مؤسسات الحكم التى تمارس القهر والبطش والتزوير والتعذيب.. بل صبوا جل همهم وركزوا كل جهادهم على حرية تعرية المرأة لجسدها.. فكأنما كلما طال جلباب المرأة كلما انحسرت الحرية وكلما انحسر تحققت الحرية..

اختزلوا الحرية إلى الفوضى وانعدام الأخلاق.. وكان ذلك ضروريا كى يختزل السلام إلى استسلام..

بل لقد بلغ من سوء أمرهم أن اختزلوا مفهوم الثقافة نفسه من معناه العريض إلى معنى سوقى ومبتذل..

إن معظم المثقفين الذين يتصدرون الساحة الثقافية الآن – حتى بعد الثورة-  لا يماثلون حتى نظراءهم فى الغرب، بل يمثلون نتوءا منهم وشذوذا فيهم وقطاعا صغيرا منحرفا هو قطاع البوهيمين  أو الأتاركيين (اللاسلطويين-بمعنى القضاء على الدولة) : وهم يستعملون اللفظة الأجنبية للتعمية على الأمة وخداعها  تماما كما يستعلون كلمة الحب بدلا من الزنا والمشروبات الروحية بدلا من الخمر( انظروا إلى البجاحة: ما علاقة الخمر بالروح؟!)، فكأنهم اختزلوا أوروبا كلها إلى الحى اللاتينى فى باريس وإلى حي سوهو في لندن حيث العبث واللاجدوى والمجون  والفجوروالضياع والبدع لا الإبداع!.. هؤلاء هم الذين يشكلون الآن معظم واجهاتنا الثقافية.. وهم من يطلق عليهم مثقفو موجة الحداثة.

فى كتابها الهام : " ثقافتنا فى مواجهة الانفتاح الحضارى" توجز "هيام الملقى" مبادئ تلك الفئة بأنها:" الاقتحام والنفور من كل ما هو متواصل، والاستفزاز وإثارة الجدل، والتركيز على القضايا الأسلوبية الشكلية بدعوى النفاذ إلى أعماق الحياة، وأنها فن لتحطيم الأطر التقليدية والشخصية الفردية، وتبنى رغبات الإنسان الفوضوية التى لا يحدها حد."

وليس هذا هو مفهوم الثقافة بمعناه الغربى ولا العربى.. فالمعنيان مختلفان..

ولكن ثمة تساؤل لابد أن نطرحه قبل ذلك:

سؤال يقول : من هو المثقف؟ أى نموذج يستوحى وأى مرجعية يعتمد؟..

وما هى مشروعية نقل مفهوم من حقل معرفى معين فى بيئة معينة إلى حقل معرفى آخر فى بيئة أخرى؟.

كلمة "مثقف" فى العربية جاءت كاسم مفعول للفعل ثقِفَ بمعنى حذق. وهى بهذا المعنى بعيدة عما نعنيه الآن بكلمة مثقف، كما أنها بعيدة أيضا عن المصطلح الأوروبى للكلمة: Intellectual.

لقد بدأ استعمال كلمة الثقافة فى فرنسا منذ أكثر من مائة عام فى قضية دريفوس الشهيرة عندما انقسم الناس إلى فريقين معه وضده، وكان إميل زولا يتزعم فريق المؤيدين لدريفوس فأصدر بيانا بعنوان بيان المثقفين ومن ثم بدأ استعمال الكلمة. لتستعمل بعد ذلك  استعمالا ارتداديا يبدأ منذ القرن الثانى عشر حيث يشهد معظم النقاد الأوروبيين ونذكر منهم على وجه الخصوص : لوكوف ودى ليبرا - بأن الثقافة الأوربية بدأت فى ذلك الوقت نقلا عن وبسبب الاحتكاك مع العرب.

 فى العصر الحديث وضع  كارل ماركس شرطين للمثقف، الشرط الأول أن يكون راغبا فى الكشف عن الحقيقة، والشرط الثانى أن يقوم بنقد صارم لكل ما هو موجود صرامة تحول دون تراجع النقد أمام النتائج التى يقود إليها هو بنفسه وأمام السلطة أيا كانت.

أما الدكتور محمد عابد الجابرى فيعرف المثقف بأنه ضمير أمته، ولا مناص من أن ينعت بأنه شخص يثير العراقيل والفتن، من طرف الطبقة المسيرة التى تعمل على الحفاظ على الوضع القائم.

حتى شروط المقبور ماركس وتعريف الجابرى تستبعد من تعريف المثقفين جل من يسمون أنفسهم بالمثقفين فى مجتمعاتنا العربية، فلا هم يسعون إلى الحقيقة ولا هم يدفعون تبعات ذلك السعى ولا هم ضمائر أمتهم..

ما ينطبق عليهم بعد أن انحصرت واجباتهم فى القيام للحاكم بدور أدوات الهيمنة - هو تعريف هيام الملقى..[1]

كنا قد  هُزمنا نهائيا منذ قرنين على الأقل،  وكان المثقفون هم أشد من انهزم ،  فالمستعمر حين قدر علينا اصطفى  الخونة واستبعد المناضلين،  تماما كما فعلوا فى مصر عام 1882  عندما صادر الإنجليز أملاك الأبطال الذين قاوموهم وحاربوهم ليوزعوها على الخونة الذين ساعدوهم وأيدوهم، حاصروا المجاهدين فأسروهم وسجنوهم وولوا مقاليد الأمور لمن باع لهم الوطن، على مستوى السياسة والمال والثقافة، بل على مستوى كل شئ، ولم يكن ذلك مجرد مكافأة لخائن، بل كانت الرغبة فى إعلاء قيمة الخيانة وتجريم قيم النضال، وهذا هو الإرث الذى توارثته أنظمتنا ولما نتخلص منه،  كانت خطة الغرب المتمثلة فى الاستشراق والتبشير  والاستعمار قد نجحت، وبنجاحها انتفت الحاجة للاستعمار المباشر عالي التكلفة، كان هناك خونة محليون سيقومون بدوره على حساب أمتهم لا على حسابه، وكان عليه إذن أن يسلم الرسالة إلى أبناء الوطن الذين مرقوا من الدين وباعوا الوطن كى يكملوها عن طريق الثقافة والإعلام والتعليم في العقود الماضية ثم عن طريق الفضائيات والوسائط الآن. ولم يكن هذا  الاختراق مقصورا على مصر،  لكنهم ركزوا جل جهدهم عليها، تماما كما ركزوا جل جهدهم العسكرى على تركيا، وكان الإسلام هو الهدف، وكانوا قد أدركوا أن العربى الذى يرفض ما يقوله المستشرق الفرنسى سيقبل ما يقوله المصرى، و أن المسلم المحصن ضد ادعاءات المبشر مرجليوت سيتبع ما يقوله المبشر محمد  أو على أو طه ..( كنت أريد أن أسرد أسماء الخونة الحاليين.. خونة الفضائحيات.. لكنني وجدت –حتى في إطار الخيانة- فرقا فادحا بين خونة الماضي وخونة الحاضر)..

نعم.. قبل مائة عام لم تكن توجد فى اللغة العربية كلمة مثقف، وكان معنى المصطلح ينطبق على فئات كثيرة منها العلماء والشيوخ والفقهاء والأدباء والنحاة والكتاب..  وكان معظمهم من الدارسين فى الأزهر منارة الثقافة والأدب.. وفى إطار عملية الغزو الفكرى تم الأمر بتؤدة شديدة وفى إطار مخطط شامل.. نفس المخطط الذى جعل اليهود يستوطنون فلسطين فى البداية فرادى على استحياء ثم فى غضون نصف قرن يحلون محل الشعب الفلسطينى كله بعد طرده من بلاده .. على مستوى الثقافة حدث نفس الشىء.. إذ زرع بين علمائنا وفقهائنا وأدبائنا وشعرائنا الذين يمثلون ثقافتنا الحقيقية من انحرفوا بالفكر العربى والإسلامى عن توجهاته.. وسلطت عليهم وسائل الإعلام التى اعتبرتهم رموز التنوير.. وشيئا فشيئا بدأ إقصاء المثقفين الحقيقيين لينتهى الأمر الآن فى معظم عالمنا الإسلامى إلى دمغ اتجاههم كله بالظلامية والإرهاب والانغلاق.. وأصبح الأزهر ومن يؤمن بما يمثله رمزا للجهل والخرافة  ووكر لأعداء الثقافة!! ..  وأصبح تلاميذ زويمر وصبيان دنلوب وجوه الثقافة الرسمية ورواد التنوير..

***

قلنا أن مفهوم كلمة " الثقافة " جديد على الحضارتين الإسلامية والغربية، و أن الفعل العربى "ثقف" لا يعطى المعنى المقصود، وربما كانت كلمة " أدب" أو متأدب تعطى معنى أقرب لمفهوم المثقف بمعناه الشائع..

وهنا نلاحظ اختلافا آخر بين المفهوم العربى والمفهوم الغربى..

فقد ارتبط الأدب فى الحضارة الغربية منذ القدم بالكتابة وما يمكن أن نجده فى كلمة مثلLiterature  المشتقة من كلمة Letter بمعنى حرف أو رسالة. أما المصطلح العربى : أدب فليس له هذه العلاقة الدلالية أو الاشتقاقية، إنما يعود إلى التهذيب والكرم وحسن الضيافة(ومنها المآدب التى يتم فيها إكرام الآخرين) ، وكان ذلك يتصل بالعطاء و بتوسيع مدارك الفرد وصقل مواهبه وتهذيب سلوكه إما مشافهة أو كتابة..  وذلك المفهوم يعطى نشأة أخلاقية للأدب تجعل سيره الطبيعى فى اتجاه الخلق والخالق رغم أنف الحداثيين-!.

ومن هذا المعنى  نقرأ: أدبنى ربى فأحسن تأديبى..

نعم.. الأدب وهو وجه من وجوه الثقافة يرتبط فى الحضارة الغربية ارتباطا مجردا بالكتابة .. فى حضارتنا العربية يختلف الارتباط فهو يتعلق أساسا بالسمو الروحى والنفسى..

الذين يتصدرون ساحاتنا الثقافية الآن يتبنون المفهوم الغربى.. تساعدهم وتبرزهم آلة إعلامية ضخمة مخترقة حتى النخاع.. ويجهل هؤلاء و أولئك أنهم يتحولون إلى معول لا يهدم ثقافة أمتهم فقط .. بل يهدم الأمة كلها..

نعم.. يفعلون ذلك دون أن يدركوا ..- وربما يدركون كى تكون مرارة الخيانة أعتى أن الغرب يستعملهم كسلاح دمار شامل سرى يقوض به بنيان أمتهم..

كل الخيانة قاسية ومريرة.. مريرة.. مريرة..

في أزمنة ماضية كانت الحيانة تستتر ولا تجاهر..

الآن يجاهرون بالفحشاء ويريدون قسر الأمة عليها فإذا أبت سلطوا عليها منظمات المجتمع المدني التي تمثل حصان طروادة والطابور الخامس ثم يستدعوت المستعمر نفسه ضد دولتهم وأمتهم وشعبهم فيهرع إلى نجدتهم.. ولم لا.. بل وكيف لا.. وهم خدمه وأعوانه وجواسيسه ورأس حربته.

عن مثل هؤلاء-الذين يتصدرون الساحة الثقافية حتى الآن ورغم الثورة ،  أولئك الذين قدمهم جهاز مباحث أمن الدولة  وأعطاهم التراخيص بأنهم مثقفون.. تماما كالرخص التي تعطى لكلاب الصيد فلا يحق لسواهم انتحال صفة مثقف يحمل ترخيص الأمن بأنه مثقف!.. عن مثلهم تحدثت  الكاتبة البريطانية: "فرانسيس ستونز": " المخابرات الأمريكية والحرب الثقافية الباردة" والذي تحدثنا عنه في مقالات سابقة .. وتقول الكاتبة أن هناك الكثيرين من الشعراء والكتاب والفنانين والمؤرخين فى أوروبا ما بعد الحرب العالمية قد استعملوا  كأسلحة سرية للمخابرات الأمريكية.

***

فى كتاب آل شاتيلييه: "الغارة على العالم الإسلامى"  يصف كيف وضع العالم الغربى العالم الإسلامى داخل أسلاكه حيث أحكم حصاره كى يحول دون تحرك فعالياته الثقافية..

يترتب على ذلك أن المثقفين المستغربين فضلا عن أنهم ليسوا مثقفين لا بالمفهوم الغربى ولا بالمفهوم الإسلامى- ليسوا هم الذين يمثلون الأمة ، لقد انفصلوا عن أمتهم وانفصلت أمتهم عنهم، تغربوا فاغتربوا.لبسوا مثقفين ولا نخبة.. ليسوا سوى عملاء وخونة..

ولو أن الأمر ترك لآليات المجتمع والثقافة دون تزوير لسقط أفراد هذه النخبة المثقفة على الفور.. تماما كما سقط جيش أنطوان لحد فى جنوب لبنان بعد أن تخلت عنه إسرائيل على العموم فإن هذه النخبة المستغربة – التي نرى طلائعها الآن في ميدان التحرير بعد أن زعمت كأي نشال أو مزور أنها هي التي قامت بالثورة- هذه  ليست سوى جيش أنطوان لحد آخر مزروع فى قلب الأمة الإسلامية- لكن أعداء الأمة قد وجدوا حلا لاغتراب نخبتهم عن الأمة وانصراف الأمة عنهم، ففى البداية كان في الصحف الحكومية، ( حجازي أو جابر عصفور مثلا) متسع لهؤلاء الملفوظين من أمتهم، فيها كما فى التليفزيون والمؤتمرات متسع لفرضهم فرضا ولإقصاء غيرهم ممن يملكون فكرا يمكن أن يتفاعل مع هذه الأمة.. ولكن الأمر أصبح الآن أسوأ.. فقد تضافر المال المنهوب من الأمة برعاية ودعم أعداء الأمة للسيطرة على الفضاء الإعلامي الذي تحكمت فيه النخبة الخائنة..

***

يبقى تساؤل مهم، كيف تكونت تلك النخبة، وما هى القوة أو القوى التى دفعتها لمراكز الصدارة، ليس فى مصر فقط، بل فى العالم الإسلامى كله، إن الأمر بالغ التعقيد،  وهو يحتاج بحثا مستفيضا لا يتسع المجال له،  ولكننا  نثبت فى عجالة، متخذين مصر كمجرد مثال، رغم أن مصر بالذات قد واتتها ببدايات ثورة 23 يوليو فرصة سانحة للتخلص من التركيبة الاجتماعية والثقافية واستبدالها.. تلك التى بدأت فى النمو مع محمد على ثم أتمها  الاستعمار باستبدال كامل للنخبة منذ عام 1882، إلا أن هذه الفرصة سرعان ما انتكست، وفى مثال مصر- والدول الأخرى ستتفق فى النتيجة و إن اختلفت التفاصيل- سنرى أن أن النظام الناصري عليه من الله ما يستحقه قد حاول سحق التيار الإسلامي سحق استئصال من الجذور.. أما بالنسبة للمثقفين(!) العلمانيين والليبراليين والشيوعيين فقد نكل بهم تنكيلا شديدا لكنه كان تنكيل الترويض والإعداد لمنحهم تراخيص العمل بالثقافة بعد ذلك بل وقصرها عليهم.. وقد تم هذا الترويض في المعتقلات والسحون تحت وطأة تعذيب وحشي مجنون، كانوا قد دخلوا السجون  بعد أن كفر معظمهم بالله وآمنوا بلينين وماركس،  فى السجون أفقدهم التعذيب الممنهج الباقى من آدميتهم،  وعندما خرجوا منها كانوا قد أضافوا إلى كفرهم بالله الكفر بالوطن وبكل القيم الإنسانية إلا من رحم الله وعصم- وتعلموا درس الشيطان،  وتمحورت حياتهم كلها بعد ذلك حول ضرورة التماس حماية محلية أو أجنبية ، حماية تجنبهم  التعرض للتجربة المدمرة مرة أخرى، ولسوء الحظ أنهم صادفوا وضعا بائسا للحكام، الذين لم يكونوا أقل منهم حاجة للعون. كان الحكام بين مطرقة غرب غاصب وسندان شعب غاضب،  وهنا جاء دور المثقفين الذين تختارهم السلطة ليقوموا بدور المحلل فى زواج باطل مشكلين درع الحماية للسلطة، متعامين عن الكبائر، مغرقين الأمة فى قضايا وهمية والأمة تنزف، يحدث ذلك برضا السلطة ومباركتها، حتى لو ارتفعت أصواتهم فى الظاهر بالمعارضة. وثمة تساؤل مُنعت الأمة من طرحه طوال عصور التزوير أقصد  التنوير- : وهو: هذه النخبة المثقفة التى تسيطر على مجتمع مسلم،  هل هى مسلمة حقا؟ إننى هنا لا أتحدث عن الكبائر والموبقات،  لا أتحدث عن الخمر والزنا والسرقة والغش والكذب، لا أتساءل حتى عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان،  لا أتحدث عن ذلك رغم أننا لو تحدثنا فيه لكانت النتيجة فاجعة،  فالتساؤل الجوهرى: هل هذه الفئة مسلمة؟ هل ما زالت تؤمن بالله؟ وهل تؤمن أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله؟ أم أنها تتبنى وجهة نظر الغرب أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ادعى النبوة وألف القرآن(أستغفر الله العظيم).

إن الأمر ليس تفتيشا فى الضمائر ولا شقا عن القلوب، لكن كيف يعقل أن يحدد الكافر للمؤمن حدود الإيمان و أن يفسر له القرآن؟!.. فليجهروا بالكفر رغما عنا، ، ليدعوا إلى كفرهم كما يشاءون فى ساحة فكر حرة،  أما أن يقودوا أمة مسلمة في فضائيات نحرم من مواجهتها  وصحف لا يتاح لنا مثلها فألف كلا.. لقد حصلوا على هذه الفضائيات والصحف من مالنا المنهوب وسيطوا عليها وحالوا بيننا وبين الرد ليتمخض الأمر في النهاية عن صورة معبرة كأشد ما يكون التعبير.. صورة محمود سعد وهو يهاجم العالم الجليل أبا إسحاق الحويني معيدا إلى ذاكرة التاريخ رأس النبي الذي أهدي إلى بغي.

السماح لهذه النخبة العميلة المنحرفة بالقيادة لأمة مسلمة ليس خطيئة دينية فقط،  بل جريمة أمن قومى ووطنى،  تماما كما لو جئنا على سبيل المثال بليبرالى ليقود حزبا شيوعيا، أو بماركسى ليتزعم حزبا ليبراليا ، بل إن الأمر أشد وأخطر، فهو يشبه أن نأتى بصهيونى كى يقود جيشنا.

الأزمة باختصار شديد فى فئتين من المجتمع، فئة ضئيلة استسلمت للهزيمة ورأت فى حضارة قاهرها مثلها الأعلى، والباب الواسع إلى السلطة والجاه والتلميع الإعلامي على مستوى العالم، وكلما ازدادت خيانتهم لأمتهم كلما ازداد نصيبهم من كل هذا،  وفئة أخرى تشكل القطاع الأوسع من المجتمع ترى العكس، أن سبب هزيمتها لم يكن تفوق العدو بل تخليها عن ثوابتها وأهمها الدين. كان من الطبيعى أن يدعم العدو المنتصر الفئة الأولى ليتشكل منها بطريقة بالغة التعقيد نخب السياسة والثقافة بل وبعض رجال الدين المتحالفين مع الدولة. وأن تُحاصر الفئة الثانية حصارا مزدوجا، حصارا من العدو البعيد وحصارا آخر من النخبة المتسلطة، ولقد تم ذلك فى غيبة كاملة لأسس حوار موضوعى، وفى افتقاد كامل للديموقراطية أو أى آلية تمنع الصدام والانفجار. كل القنوات مسدودة، سيادة التزوير لا سيادة القانون، ثم أن القانون الذى ساد بديلا عن الشريعة والقانون السماوى ليس حتى القانون الوضعى، وإنما هو اللا قانون إن صح التعبير، واللا قانون هذا أسوأ حتى من قانون الغاب الذى يعيش فيه الأقوى والأصلح بينما فى اللا قانون لا قاعدة.  ولا يمكن أن يتوازن  مجتمع تتحكم فئة قليلة فى توجهات الأغلبية بالقهر والتزوير والجبروت والعمالة لعدو خارجي والتقرب إليه بالاعتداء على ثوابت الأمة.

تلك هى المشكلة.. والأزمة..

نعم ، الفئة الأصغر سيطرت وقهرت تحميها ترسانات من القوانين والسلاح وأجهزة الإعلام وآلات التعذيب.

***

إن الأمة تكتشف الآن أن جل نخبتها المثقفة أشد سوءا من أسوأ الحكام، فجابر عصفور لا يقل سوءا عن حبيب العادلي.. وعلاء الأسواني لا يقل سوءا عن فؤاد علام، ومحمود سعد ليس أقل سوءا ولا أنظف ثوبا من صفوت الشريف،  وأنهم مهما ادعوا وأبدوا من استكبار ليسوا سوى أدوات للسلطة وخدم للاستعمار، بل هم في أحيان كثيرة يكونون رقباء على إخلاص السلطة للاستعمار وعدم جنوحها للشعب وللأمة،  وأن معظم من يسمون أنفسهم بالمثقفين  أو النخبة على اتساع عالمنا الإسلامى،  ليسوا سوى جناح للسلطة يوازن جناح الأمن البوليسى الباطش، وأن وظيفة الجناحين واحدة، التعذيب والتزوير والتزييف والقهر ومحو الهوية والتمايز،وإطفاء نور الله،  نعم،  جناحان تسقط بدونهما أى سلطة فى عالمنا الإسلامى، جناح يمارس سلطته على الجسد،  وجناح يمارس سلطته على الروح.

*** 

تذكري أيتها النخبة المنحرفة..

تذكري فإننا لن ننسى أبدا:

جراحات السنان لها التئام... ولا يلتام ما جرح اللسان..

 

أما أنتم فقد قمتم بالدورين معا.. أو على الأحرى بأدوار ثلاثة:

دور سالومي: العاهرة التي لم تقنع إلا بأن تقدم لها رأس نبي..

ودور المخبر السري الذي يرشد المباحث إلى المجاهدين( كتبت قبل ذلك أنني أعتقد أن من أعدم الشهيد-أحسبه كذلك- سيد قطب ليس جمال عبد الناصر بل محمد حسنين هيكل)..

أما الدور الثالث فهو دور الطابور الخامس للأعداء..

***

 


حاشية :

 

فهمي هويدي

 

كف..!!..

 أرجوك أن تكف.. نحن قوم تنسينا حسناتك سيئاتك.. لكن موقفك من التيار السلفي وصمة عار في تاريخك قد لا تمحوها حسناتك.. كف.. فنحن نغمض أعيننا عن الكثير الكثير ولا نريد أن نلتفت إليه داعين لك بالهداية..

سوف نغمض أعيننا عن الكثير جدا لكننا نشير إلى أمور ثلاثة لا بقصد الإساءة بل بقصد دعوتك إلى التوبة منها..

أول هذه الأمور كتابك: "مواطنون لا ذميون" لأنك بهذا العنوان تسيء إلى ذمة الرسول صلى الله عليه وسلم وترفع المواطنة عليها.

الثانية: هي الفتوى الغشوم التي شاركت فيها وحرضت عليها: فتوى جواز قيام المسلم الأمريكي بقتل إخوته المسلمين في أفغانستان.

أما ثالثة الأثافي فهو كتابك عن طالبان.. حيث كانت صحيفة الشرق الأوسط هي التي دفعت أجر الزمار!!

كف..!!..

وإلا.. فهل لنا أن نطمع في أن تحترم السلفيين كما تحترم العلمانيين والليبراليين والحداثيين والأناركيين بل والنصارى واليهود والأمريكيين؟!

و.. هل أنت صادق في هجومك.. أم أن هذا الهجوم قربان تقدمه إليهم لتحظى باعتراف.. ما أغناك عنه.. وما أعلاك عليه!!


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*****************************************

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إعلام ساويرس يصر على حرق مصر في 25 يناير

 

بقلم: د محمد عباس

www.mohamadabbad.net

mohamadab47@yahoo.com

 

تتدافع الأحداث وتتلاطم الأمواج ويهدر الطوفان وينحدر السيل وأنا أحاول أن أواجه كل هذا وأن أعبر عن كل هذا وأن أرد على كل هذا وأن أحلل كل هذا وأن أفند بعض هذا وأؤيد بعض ذلك فأبدو كفرد يطويه الموج ويغطي زفيف الرياح  على صراخه وهدير الأمواج على صوته وهو يحتاج ألف يد فماذا يفعل بيدين وألف قلم فماذا يفعل بقلم وألف مجلة فماذا يفعل بمجلة وألف عين وألف أذن وألف فضائية يدافع بها وفيها عن الحق ويواجه الباطل ، فالأيام القادمة والأسابيع القادمة والشهور القادمة والأعوام القادمة أزمنة تتكسر فيها النصال علي النصال وستظل كذلك حتى تعود خلافة راشدة كالخلافة الأولى..

***

تتدافع الأحداث وتتلاطم..

أشعر بالعار والخزي وتأنيب الضمير والتقصير لأنني لا أتناولها جميعا بنفس التفاصيل والإتقان..

أريد أن أكتب عن المخاطر القادمة.. عن الهوائل النازلة والنوازل الهائلة .. عن الثورة والأمة والدين..

عن الأعداء والأشقاء والمخلصين والخونة..

أريد أن أكتب عن ذكرى بطل كسليمان خاطر.. وعن وثيقة الأزهر.. وعن الليبرالية والعلمانية والحداثة.. وعن مرونة أدت للانحراف وتصلب أودى للهلاك..

أريد أن أكتب في الاستراتيجية والتكتيك..

أريد أن أدحض أباطيل التاريخ.. وأصحح الوقائع.. ,ازيح الرماد عن المطموس وأعدل المقلوب..

أريد.. وأريد.. وأريد..

لكن.. كيف أخلو إلى نفسي لأكتب عن كل هذا لأغفل مؤامرة الخونة للتدمير يوم 25 يناير بحجة الثورة الثانية..

ثورة ساويرس وإعلام ساويرس..

ثورة التخريب والتدمير..

ثورة ساويرس وإعلام ساويرس وأنصار ساويرس.. ومن يمدون له يد العون التي طلبها في الخفاء..

***

برح الخفاء يا كل خائن..

ثورة الخونة..

ثورة الاشتراكيين الثوريين والشيوعيين وبعض العلمانيين وكفاية و6 أبريل.. و..و.. و..

ثورة الفلول (سواء فلول مصر وعلى رأسهم أحمد شفيق ومنصور حسن أو فلول أمريكا وعلى رأسهم البرادعي وأحمد زويل)..

الثورة التي تحركها وتنوي إشعالها الأيدي القذرة المنتمية لجهاز مجرم باطش جبار له جذور قديمة، وهذه الجذور تتصل دائما بالخارج، فمنذ الحملة الفرنسية تتصل بالمعلم يعقوب والمستعمر المجرم، والثورة العرابية واللورد كرومر والمبشر زويمر والقس دنلوب، إلى صلاح نصر والمخابرات الروسية الرهيبة، ثم السادات والسي آي إيه، ثم مبارك ومخابرات كل أعداء الإسلام والمسلمين من شتى دول العالم.

***

عدد من أعضاء حركة "أقباط بلا قيود"، يهددون  بتحويل يوم 25يناير القادم، إلى زلزال تحت أقدامه الجيش.. يا ساويرس..!!

أكد شادي الغزالي حرب، مؤسس حزب الوعي، أن النزول إلى ميادين التحرير يوم 25 يناير القادم سوف يكون لاستكمال بقية مطالب الثورة وليس للاحتفالية.. يا ساويرس..

المطلوب الآن هو إما تركيع الثورة المصرية وإدخالها للحظيرة الأمريكية وتوافقها مع سياسات إسرائيل في والولايات المتحدة في المنطقة ، أو هدم الدولة المصرية من الأساس ، عبر نشر الفوضى الشاملة في المجتمع.. يا ساويرس..

يستهدف  التمويل الأجنبي في مصر(الذي طلب ساويرس أن يدفع سرا) أمرين ، أولها عن خلق طبقة سياسية موالية للسياسات الأمريكية تحت مظلة الدفاع عن حقوق الإنسان ودعم التوجهات الليبرالية ، وثانيها عن مدي تأثير انتشار هذه المنظمات في تفريغ الأحزاب السياسية من كوادرها الطبيعية خاصة من الشباب المسيس .

أكد الكاتب الدكتور علاء الأسواني، أن يوم 25 يناير 2012 سيكون يومًا فاصلاً في تاريخ الثورة المصرية، يا ساويرس وأن مشاركة الثوار في هذا اليوم، سيكون دليلاً على أن الشرعية الوحيدة في مصر هي للشعب.. وهو بهذا وهو بهذا يلغي شرعية الأمة كلها لصالح البلطجية والمرتزقة وجواسيس فرنسا يا ساويرس..

وقد صاحبه وشاركه  الناشر محمد هاشم، زاعمين إنه لا يمكن إنكار أن المجلس العسكري هو نظام "مبارك.. يا ساويرس..

يقول عبد الرحمن يوسف القرضاوي إن محاسبة جمعيات حقوق الإنسان على ما يسمى بالتمويل الأجنبي نموذج صارخ لمحاسبة موسى بمرجعية قانون فرعون، أو محاسبة الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه دعا لإله آخر غير هبل! فأي هبل هذا.. يا ساويرس ويا إعلام ساويرس..

يتحدث عماد الدين أديب عن "الانقلاب العسكري".. للإطاحة بالمجلس العسكري.. وقبل 25 يناير بأيام.. يا ساويرس

هل يليق يا ساويرس أن يقوم معتصمون بميدان التحرير (المعتصمون الذي يشجعهم بل الذي خلقهم إعلامك) خيمة كبيرة وسط "الصينية" كتبوا عليها "غنائم موقعة القصر العيني"، جمعوا فيها الدروع والخوذ والعصي، بالإضافة إلى فوارغ الرصاص الحي وفوارغ القنابل المسيلة للدموع التي حصلوا عليها أثناء الاشتباكات التي دارت في شارع القصر العيني الأسبوع الماضي.

لماذا تهين جيشنا يا ساويرس..

ولماذا يا ساويرس ذلك المشهد المخزي المرعب لتعذيب جنود الجيش فوق مسجد عمر مكرم.. الذين عذبوهم افتتحوا حفلة التعذيب بالتبول في المئذنة يا ساويرس.. وهم رعاياك يا ساويرس..

إعلامك يا ساويرس شوه الإعلام ولوث وجدان مصر وضللها..

ولقد حكم الشعب عليهم  وعليك وعلى إعلامك يا ساويرس عندما انتشرت لافتات وضع عليها صور للإعلامية منى الشاذلي ويسرى فوده وهالة سرحان وريم ماجد وخيري رمضان وعبد الرحمن يوسف وكتب فوق تلك الصور الشعب يريد إعدام هؤلاء .

حذر أنصارك وأحبابك وعصاباتك ورجالك ونساءك من النزول يوم 25 يناير يا ساويرس: هل أتاك نبأ ما حدث

من أهالي شبرا الخيمة  حين لم يخطر ببال السفير السلوفاني بالقاهرة وسائقه‏,‏ ما حدث لهما ولا في أشد كوابيسه رعبا‏,‏ فقد نالا علقة موت بأيدي وأقدام ما لا يقل عن ألف شخص من سكان المنطقة ظنوا  أنهما جاسوسان حضرا لإثارة القلاقل الأمنية, فتجمع نحو ألف شخص وانهالوا عليهما ضربا, ولولا تدخل العقلاء لتم الفتك بهما حيث إنهما لا يتحدثان العربية.

***

أتباع فكرك وإعلامك يا ساويرس خطفوا شابا في التاسعة عشرة من أبيه وأوسعوه ضربا حتى كاد أن يموت ثم اغتصبوه.. أتدرون لماذا؟.. لأنهم ظنوه جنديا في الجيش.

***

فأمر أتباعك يا ساويرس بالاختباء وإلا فعل الناس فيهم ما فعلوه بذلك الشاب المسكين أو بسفير سلوفينيا.. وربما نفذوا ما هددوا به عندما نشروا صور إعلامييك على المشانق.

كان  عبد الرحمن يوسف واحدا من المشنوقين.. وقد علق  بأن هذا  تحريض سافل.. نسي عبد الرحمن أن هذا رأي قطاع عريض من الأمة ضد الثورة المضادة التي يعتبر هو أحد زعمائها..

نعم يا عبد الرحمن.. أنت أحد زعماء الثورة المضادة..

أما الثورة  المباركة .. ثورة الشرفاء والشهداء والأبطال فإن على رأسها: أبوك!

***

كنت أريد أن أحذر الخونة .. وقبل أن أحذرهم أناشدهم الاختفاء فإن الغضب الشعبي عليهم عارم ولا آمن عليهم إن ذهبوا إلى الميدان يوم 25 يناير أن تفترسهم الجماهير الغاضبة التي اكتشفت خياناتهم.. كما لا آمن أن يقوم بعض العملاء باغتيالهم باعتبارهم أوراقا محرقة لم يعد بقاؤهم يفيد بينما يمكن لقتلهم أن يؤجج النار..

نعم.. أحذر الخونة.. وهم يعرفون أنفسهم..

***

أتباع فكرك وإعلامك يا ساويرس خطفوا شابا في التاسعة عشرة من أبيه وأوسعوه ضربا حتى كاد أن يموت ثم اغتصبوه.. أتدرون لماذا؟.. لأنهم ظنوه جنديا في الجيش.

***

يا ساويرس:

لوثت الإعلام بإعلامك وأحلامك..

يتحدث مؤمن خليفة بـ'الأخبار' عن القنوات الفضائية الخاصة قائلا:  فضائيات العار، فضائيات الشؤم، يستطيع كل من سرق ونهب وهبر من أذناب وذيول نظام المخلوع إلى غير رجعة أن يعيش في أي بلد بما سرقه، ولكن الأغلبية من المصريين سوف يعيشون في الخراب، أنا لا أستثني منكم أحدا أيها المحرضون المهيجون الطاعنون في شرف هذا الوطن، الذي يتمزق على أيديكم بدعوى حرية الإعلام وديمقراطية الحوار، أي حرية هذه وأي ديمقراطية تتشدقون بها، أنها حرية الخراب والوقيعة .

ويقول محمد كشك  بمجلة 'المصور': 'وسائل الإعلام الخاصة أصبحت أسوأ ألف مرة مما كنا نطلق عليه الإعلام الحكومي في عهد النظام البائد، القنوات الفضائية الخاصة تحولت لسوط يجلد ضمير الوطن، يحاكم البشر على الأفكار والأحلام يصادر المستقبل ويرفض أي رأي يخالفه ولا يستمع لصوت العقل والمنطق بقدر ما يستمع لصوت وأوامر صاحب القناة، هذه 'الدكاكين' الفضائية تمثل رأس الحربة في ائتلاف تدمير مصر والذي يضم أيضا من يطلقون على أنفسهم بالنخبة المثقفة.

***

ثمة اجتماعات لدي من الأسباب ما يدفعني لأن أطلب من ساويرس أن يقسم أيمانا مغلظة (في حال إفاقته) أنه لم يحضرها

لأن أخطر ما نوقش، في هذه الاجتماعات، كان الخطة البديلة، في حال فوز الإسلاميين بأغلبية مريحة، تضمن لهم حرية التحرك السياسي..

ولقد نشر  أن الخطة البديلة لمواجهة فوز الإسلاميين؛ كانت خطة كتابية؛ تحت اسم « شمشون الجبار»،  حيث   تقول الأسطورة : إن شمشون اليهودي حين تغلب عليه الفلسطينيون الأشرار وحرموه من مصدر قوته وفقد كل شيء قرر الانتقام من الجميع، وانتظر حتى اجتمع الفلسطينيون في أحد أعيادهم، فقام بهدم المعبد عليه وعلى الفلسطينيين، مؤسسًا المثل الشهير: « عليَّ وعلى أعدائي».تتضمن الخطة – المنشورة منذ أسابيع أن ينشط  التحالف الليبرالي الصليبي المتطرف لمنع الإسلاميين من اقتطاف ثمار نجاحهم  حيث لن يكون أمام  ذلك التحالف سوى أن يطلق ثعالبه ليحرق البلد، ويجبر الجيش على إلغاء الانتخابات، والبقاء في السلطة لمدة طويلة، تسمح له ولأمريكا بإعادة ترتيب المشهد السياسي المصري، بعد الإعداد لمكيدة تلقي بالإسلاميين، مجددا، في الزنازين وباحات المعتقلات، أو على الأقل تبعدهم عن الحياة السياسية تمامًا.

التحالف الليبرالي الصليبي يا ساويرس ، خطط، ونفذ بروفته المصغرة، واختبرها في « ماسبيرو»، أملا في تحصين نقاط ضعفه، والوقوف على عناصر القوة لديه، ومن ثم تسخين المشهد ..

إن المجتمع بأسره والأمة كلها تتساءل عن سر قوة –وثراء- هذا الطفل المعجزة  ساويرس ، من قوة أتباعه، الذين استطاعوا تجييش كل الفضائيات الإعلامية ضد الجيش، وجعل من البلطجية  شهداءً وثوارًا وضحايا!!!

***

لقد اعترف الإسرائيليون.. فهل تعترف يا ساويرس

قال الجنرال (عاموس يادين) الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية في خطاب تنحيه، الذي نشرته الصحف في 2/11/2010م.

«مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، وإن العمل في مصر تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979م (يعني منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد) لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائما ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسنى مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر».

 

هو اعترف.. فمتى تعترف

***  

كنت أود الاستفاضة في الحديث عن ساويرس ومؤامرة حرق القاهرة يوم 25 يناير..

لكنني كنت أود أيضا أن أكتب عن مهزلة البرادعي واستقالته..

كنت أود أن أتساءل هل نصحه محمد حسنين هيكل أن يتنحى مكررا ما فعله مع عبد الناصر عامي 54 و 67 لعل الجماهير العاطفية تخرج بالملايين هاتفة: .. .. .. لا تتنحى.. لا تتنحى..

الرجل كان جزءا من مؤامرة أمريكية وصدق نفسه وتخيل أنه بطل..

كان يصر دائما على حلول مستحيلة وكانت "ماما أمريكا" توفرها له على حساب الجميع  كطفل مدلل وعدوه بحكم شعب يتيم كي يلهو به لصالحهم..

وكان ذلك ممكن التحقيق مرة أخرى لولا الملايين الهادرة التي خرجت في ثورة 25 يناير..

***

باختصار شديد بدا الأمر مكونا من ثلاثة أضلاع: ضلع يمثل محتالا يحاول الاستيلاء على عمارة هائلة فاخرة..وسمسارا وضيعا خائنا يعرف صاحب العمارة لكنه يخدعه ويخونه و يجهز للنصاب المحتال  الأوراق المزورة وأحكام الصحة والنفاذ لتكريس ملكيته للعمارة.. كان هذا هو الوضع  حتى صبيحة 25 يناير 2011.. المفاجأة المذهلة التي حدثت في ذلك اليوم والأيام التالية هو حضور الوتر.. الضلع الثالث..  وهو أصحاب العمارة.. و أصحاب العمارة هم الملايين .. هم الأمة التي خرجت عن بكرة أبيها لتملأ الشوارع وتقضي على أحلام المحتال والسمسار.. ومن يومها لا يكفان – كأي محتال وسمسار- عن إعادة المحاولة... ولكن لم يعد ثمة سبيل أمام المحتال والسمسار إلا خداع صاحب العمارة أو تخديره وتغييبه بعد أن استحال عليهم قتله أو تغييبه في السجون بالتزوير.. وذلك ما تحاول النخبة الخائنة  أن تفعله.

***

كنت أود أن أكتب عن مهزلة البرادعي منذ  جاء عام 2009  حتى نصبه الجنرال الهزلي علاء الأسواني رئيس وزراء لمصر بعد أن بايعه خمسين مرتزق..

كان صاحب العمارة موجودا ففسدت الصفقة

ومرة أخرى تصرف البرادعي كطفل فغضب.. وتنحى .. لعل ماما أمريكا تتدخل فتغير الوضع على الأرض لصالحه.. ولعل جواسيس علاء الأسواني الفرنسيين يساهمون في ذلك.

***

كل وجه من وجوه البرادعي كان كفيلا بإفساد الأمر..

كل وجه من وجوهه..

اعتبارا من شأنه الخاص إلى شأنه الوظيفي إلى شأنه الدولي إلى علاقته بأمريكا إلى علاقته بمصر.. فكل شيء فيه يدعو لاجتنابه..

كذلك.. إن عصابة الأصدقاء الذين أحاطوا به يملكون قوة تنفير خارقة.. ولو كان مقبولا لنفرونا منه.. فما بالكم وهو مرفوض..

الفضائيات التي دافعت عنه أيضا ساهمت في التنفير منه..

وخروج ريم ماجد محمرة العينين تقدمه وهو يتحدث في نبرات باكية ذكرني بمحاولتهم لتقليد فيلم آلام المسيح .. ولم يبق للبرادعي إلا أن يحمل صليبا.. لكن ريم والعينين المحمرتين والنبرات الباكية قد ساهمت جميعا في التنفير منه تماما كما ساهم في التنفير منه يسري فودة عندما اعتصر دموع البرادعي  بل ورأى دموعا لم نلاحظها فأخذ يعلق عليها ويتغزل فيها لكن ذلك لم ينجح إلا في تنفيرنا منهما معا وفي تذكيرنا بالشبهات التي أثيرت حول يسري فودة وخيانته للقاعدة وعلاقته  بالمخابرات الأمريكية..

***

المضحك حتى البكاء أن هذه القنوات التي تمثلها أون تي في ( مثل كل القنوات الخاصة تقريبا) غفلت عن أمر هام جدا.. وهي أنها مضحكة جدا.. ذلك أن كل هذه البكائية حيث العويل والنواح والبكاء والصراخ ولطم الخدود وشق الجيوب تتم لسبب غريب جدا.. إذ أنهم ظهروا بعوراتهم كاملة دون ورقة توت.. إنهم يزعمون أنهم يدافعون عن الديمقراطية..لكنهم يقيمون احتفالية أحزان تنافس أحزان فيلم "آلام المسيح".. يقيمونها باسم الديمقراطية لأنهم يرفضون  نتائج أنزه انتخابات تمت في تاريخ مصر كله..

أصمت..

أم أضحك..

أم أنوح..

كيف يمكن للعقل البشري أن يتدنى إلى هذا الحد؟!..

فجأة أصبحت الانتخابات عملا فاشيا.. بل وبدت الديمقراطية نفسها عملا مشينا ومخالفا للآداب العامة وخادشا لحيائهم....

يقول عمار على حسن الذي أضرب عن الطعام من أجل علاء عبد الفتاح الذي كتب في مدونته أنه بلا دين وأنه يشجع الشواذ، وأفدح من هذا وأخطر ترويجه – عمار-  للفكر المنحرف لجمال البنا، وقد آلى على نفسه –عمار!- تفتيت الصف المسلم عن طريق علاقته بالصوفية فكأنما أقواله اقوال القديسين وأفعاله أفعال الشياطين..  يقول-عمار!!- :

في هذه الأيام العجاف التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وكثر فيها الحديث عما يسمى «الأغلبية الصامتة»، أجد نفسي أردد مع الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»، وأقول مع أبو حيان التوحيدي: «الحق لا يصير حقا بكثرة معتقديه، ولا يستحيل باطلا بقلة منتحليه»، وأصرخ مع ابن حزم الأندلسي: «وأما قولهم إن الذي عليه الأكثر فهو الهدى، والطريقة المثلي، فكلام في غاية السخف.. ولا يرضى به من له مسحة عقل»، وأنصت إلى نصيحة عبد الله النديم وهو يأمرني: «اتبع الحق وإن عز عليك ظهوره». وقبل كل هؤلاء أسمع وأطيع قول الرسول الكريم: «لا تكونوا إمَّعَة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا»

يا إلهي..

كل هذا لأن المسلمين اكتسحوا صندوق الانتخابات..

كل هذا لأن المسلمين عندما سلكوا طريق الديمقراطية الذي طالما عيرتموهم به وهددتموهم به خالفوا توقعاتكم واكتسحوكم.. فماذا فعلتم.. بكيتم كالأطفال ورحتم تحاولون تحطيم اللعبة كلها..

***

البرادعي أيضا – وريم ماجد بالطبع- بكى كالأطفال..

 بعد نجاح بكاء وائل غنيم  في إكسابه شعبية كاسحة أصبح كل من يريد اكتساب هذه الشعبية يظهر على الفضائيات ويبكي. سوف ترون البرادعي  في الأيام القادمة يبكي كثيرا على شعب مصر الذي لم يحبه أبدا. يقول عنه زملاؤه أنه بلا عواطف.  سوف يبكي ليشعل الفتنة. يحاول أن يبدو بمظهر الشهيد. وكأن الشهادة فيروس سينتقل إليه من ملامح ريم ماجد ألفريد ويسري شيبة.. أقصد فودة.. سوف يزعم أن الانتخابات ليست هي السبيل الوحيد للديمقراطية، لن يعلن بالطبع أن السبيل الوحيد الذي يرضيه هو المندوب السامي الأمريكي فإن لم يكن ففي خيمة الأسواني بالتحرير. البرادعي: هذا المزيف الكريه يرفض اختيارات أكثر من ثلاثين مليونا ليطالب باختيارات ثلاثين مرتزق لعل الأسواني جمعهم له من حانات الخمر وأوكار البانجو.

سوف ترون البرادعي يرتدي قناع شهيد.. لكنه قناع مزور فاحذروه.. سوف ترونه يبكي بالدمع الهتون شعبا لم يحبه أبدا.. ومنصبا لم يكن سيحصل عليه أبدا.. غره الشيطان فأوهمه أنه قاب قوسين أو أدنى منه.. خدعه أصدقاء السوء فأوهموه أنه قاب قوسين أو أدنى منه.. خدعه علاء الأسواني.. وربما كان الجواسيس الفرنسيون هم الذين خدعوهما معا. لم يكن للبرادعي ثمة أمل.. فلماذا لا يستغل هذا لإشعال البلد يوم 25 يناير؟.

كتب مجدي الجلاد (الجيم قبل الدال):

"تراجع الدكتور محمد البرادعى عن خوض انتخابات الرئاسة، وأرجع قراره إلى أن ضميره لا يسمح له بالترشح في ظل نظام مصطنع وغير ديمقراطي. وأثار القرار فور إعلانه ردود أفعال متباينة بين القوى السياسية والحزبية والثورية، إذ اعتبره البعض خسارة للسياسة المصرية، فيما رأى آخرون أنه هرب من مواجهة المجلس العسكري والقوى الإسلامية الصاعدة."

***

فلنأخذ شهادة أصدقائه وتابعيه بل دراويشه في الجمعية الوطنية للتغيير.

يقول الدكتور حسن نافعة عن أسباب انسحابه فيقول أنه  أيقن أن فرصه في الفوز بالمقعد الرئاسي باتت ضئيلة تماماً إن لم تكن معدومة. وأنه يعترف بخسارته وعجزه عن قيادة قطار التغيير، ثم عن توجيه مساره نحو الهدف المنشود، لكنه يحاول إلقاء اللوم على المجلس العسكري وحده، ويستثنى نفسه من أي نقد ذاتي. أن البرادعي يريد أن يحجز لنفسه مقعداً في حافلة الموجة الثانية للتغيير

***

في 4/7/2011 ( شبكة المخلص)  كشف  الأستاذ حمدي قنديل سبب تقديم استقالته من الجمعية الوطنية ( نحذف هنا سبابا قبيحا وجهه للبرادعي) ومعه عدد من القيادات منهم الدكتور حسن نافعة والدكتور محمد أبو الغار والدكتور علاء الأسواني والمستشار محمود الخضيري والدكتور محمد غنيم، وعدد كبير من القيادات، وكان مأخذنا عليه أنه لا يقيم في مصر كثيرًا».

وقال: أنه يعتقد أنه «لا يصلح رئيسا لها».

***

وننتقل إلى طرف ثالث هو مايكل منير وهو من خلفية ثقافية قريبة من البرادعي:  " أن قرار "البرادعي قد يكون له رد فعل يوم 25 يناير لانفجار ثورة ثانية.

أما محمد جمال عرفة  فإنه يهاجم البرادعي متهماً إياه –صراحة-  بالتآمر: 'هذا التحريض يتضمن التجهيز لمواجهة دامية مع القوات المسلحة يوم '25' يناير وشرحاً لأساليب الهجوم على معدات القوات المسلحة، والتحريض على اقتحام بعض المنشآت الحيوية والمهمة في الدولة، والتحريض على استهداف بعض الشخصيات العسكرية!

***

يكمل سعيد إسماعيل قائلا  أنه انسحب عندما تيقن من الهزيمة. ويقول آخر أنه تأكد أيضا من أن الهزيمة ستكون مهينة ومشينة وستقضي على مستقبله السياسي.

وكتب فراج إسماعيل :

دائما كان الدكتور محمد البرادعي مترددا. حتى عندما يتكلم تخرج الحروف العربية منه مترددة متلعثمة لدرجة أن أحد علماء النطق وصفها بحالة ميتافيزيقية لا تجعله صالحا للرئاسة.

يأتي في ربع الساعة الأخير من الفيلم وسرعان ما يخرج إذا اعتقد أن القصة لم تستكمل أو لا تسير وفق خياله!

اختيار الألفاظ والعبارات موجه للشباب ليقوم بثورة ثانية في ذكرى الثورة الأولى. تحريض وتحرش يقوم به رجل اشتهر بالتردد .. البيان كله تحريض وليس مجرد انسحاب من السباق.

***

تتدافع الأحداث وتتلاطم الأمواج ويهدر الطوفان وينحدر السيل وأنا أحاول أن أواجه كل هذا وأن أعبر عن كل هذا وأن أرد على كل هذا وأن أحلل كل هذا وأن أفند بعض هذا وأؤيد بعض ذلك فأبدو كفرد يطويه الموج ....................وسنظل كذلك حتى تعود خلافة راشدة كالخلافة الأولى..

 

 

*****************************************
مقال لصحيفة الأسبوع:

 

 

الأيدى القذرة

 

 

 

بقلم: د محمد عباس

www.mohamadabbad.net

mohamadab47@yahoo.com

 

 

 

فى كل بلاد العالم، توجد مؤسسة أو جهاز يتبع الدولة  مهمته القيام بالعمليات القذرة التى لا يجوز للدولة أن تتورط فيها بصورة مكشوفة، فاكتشاف أمر تلك العمليات  فضيحة وعار بين الأمم. فضلا عن أنه ينهى وجود أى حكومة تضبط متلبسة به.. تماما كما أنهى قتل شهداء الثورة  نظام مبارك وقضى عليه. رغم أن من قتلهم هذا النظام في الخفاء يبلغ أضعافا مضاعفة لمن قتلوا إبان الثورة. إلا أن المجاهرة بالفحشاء  وافتضاح أمر الممارسات القذرة هي التي تحشد الناس وتحرضهم على هدم الطاغوت. .

***

فى البلاد الديموقراطية تتكفل آليات السلطة بالرقابة الصارمة على هذه العمليات القذرة، إذا ما حاول أى فرد فى الدولة أو مسئول فى الحكومة أن يستغلها لصالحه لا لصالح الدولة، أى فرد حتى لو كان الرئيس أو الملك، ولعل ما حدث لريتشارد نيكسون في ووترجيت،  رغم أنه أقوى رئيس فى العالم، خير دليل على ذلك.

وثمة سمة تختص بها هذه العمليات ، ذلك أنها فى الغالب الأعم  تتم خارج البلاد التي يسمونها ديمقراطية، فإذا تمت داخل البلاد فى أحوال نادرة ، كان ذلك ضد رعايا دولة تناصب دولتهم العداء، كما فعل الأمريكيون مع الصينيين والروس أثناء الحرب الباردة..

فى الدول الديكتاتورية، التى درجت على نقل الضار وتجنب المفيد، و على مسخ كل شئ وتشويهه، يتم تغيير شبه كلى فى سمات  جهاز العمليات القذرة. فكل عملياته تتم داخل الدولة لا خارجها، وتتم ضد الشعب لا ضد أعدائه، وتتم لصالح أجنحة من السلطة وليس لصالح الدولة، بل تتم في أحيان كثيرة تحت إشراف الأعداء، ولصالحهم، وبتمويلهم،  وتتحول أجهزة الدولة من موقع الرقيب على العدو إلى موقف المراقَب منه.

يتضخم جهاز العمليات القذرة، فى غيبة أى ضمانات ضد تغوله، بل إن كل الضمانات تكرس وكل الدفاعات تدمر كى يتغول، وكى يسيطر، وكى تنتقل كل الآليات التى تضبط مسيرة المجتمع من المؤسسات الشرعية لتكون بين يديه، حيث تطلق له السلطة الحاكمة حرية مطلقة مقابل شئ واحد : هو استمرارها فى الحكم. فلا يكتفى هذا الجهاز بذلك، لا يكتفى مثلا بتزوير الانتخابات كى ينجح أنصاره وأعضاؤه، بل يلجأ إلى تحطيم مؤسسات المجتمع المدنى من الأساس، يجمد الأحزاب أو يلغيها، ويصادر الصحف أو يغلقها، ويحاصر النقابات أو يجمدها، يطارد الشرفاء ويشوه صورتهم ويعلى من قيمة المفسدين والخونة، يحول الصحافة إلى مكذبة، و أجهزة الإذاعة والتليفزيون إلى مبغى، يعاقب أشد العقاب من يقول الصدق أو يشهد بالحق أو من يحترم مقدساته وقيمه ونفسه، ويمجد أشد التمجيد من يفعل العكس.

لا يكتفى الجهاز بذلك، إذ فى سبيل تغييره لموازين القوى فى المجتمع، ينزح الثروات من فئة إلى أخرى، يفسد حتى أعمال البورصة، ويفلس البنوك، ويساعد لصوص المال العام على الهروب عندما يطفح الكيل وتنفضح الأمور.

هذا الجهاز، هو الذى يملى على الصحف ما تكتب، وعلى المذيعين ما يقولون، بل هو الذى يختار فى النهاية كبار المسئولين وحتى الوزراء، وهو الذى يحميهم كى يمكثوا فى مناصبهم، أو يقصى من تبدو عليه أى دلائل للاعتراض. بل إنه هو الذى يختار رؤساء تحرير الصحف، والمحررين، ويفتح صنابير الإعلانات على من يشاء، ويغلقها على من يشاء، وهو الذى يعزل من يشاء ويعطى من يشاء ويمنع من يشاء ويلون الأحداث كيف يشاء. وقد كان المتوقع في بلد كمصر، بعد توسع القطاع الخاص، أن يقل نشاط الأيدي القذرة، أو على الأقل تأثيرها، ولكن حدث العكس، لأن القطاع الخاص نفسه صنيعتها، فهذه الأيدي هي التي فتحت له خزائن البنوك لتتدفق عليه مليارات يعرف أنه لن يسددها وأن الأيدي القذرة ستحميه عندما يفعل، بل وستيسر له سبيل الهروب، حتى لو أدى الأمر إلى غلّ يد الأجهزة الرقابية والقضائية من أدناها لأعلاها، بل إن مكالمة من شخص كان يجب أن يعاقب فعُيِّن وزيرا أدت إلى ارتكاب جريمة فاحشة لم تحدث منذ ألف وخمسمائة عام وهي تسليم مسلمة إلى الكنيسة لمعاقبتها على إسلامها، وكوفئ المحرض وما يزال، رغم أن المنفذ الآن في السجن.

***

هذا الجهاز المجرم الباطش الجبار له جذور قديمة، وهذه الجذور تتصل دائما بالخارج، فمنذ الحملة الفرنسية تتصل بالمعلم يعقوب والمتعمر المجرم، والثورة العرابية واللورد كرومر والمبشر زويمر والقس دنلوب، إلى صلاح نصر والمخابرات الروسية الرهيبة، ثم السادات والسي آي إيه، ثم مبارك ومخابرات كل أعداء الإسلام والمسلمين من شتى دول العالم.

وكمثال واحد على نشاط واحد من أنشطة الأيدي القذرة، فإن أحد رؤوس الفساد الذين تحكموا في الحياة السياسية طيلة الثلاثين عاما الأخيرة، وربع قرن قبلها كان ينفذ الأوامر كقواد، حتى انتهى الآن في السجن، هذا الرجل كان يراقب الطلبة العرب، خاصة من الأسر الحاكمة، ويدس عليهم ساقطات، ويصور الفضائح بكل تفاصيلها، واحتفظ المجرم بهذه الشرائط ، أعواما وراء أعوام، حتى كبر الصيد، ومرت السنون، فأصبح الطلبة وزراء وأمراء ومليارديرات، وكان التهديد بكشف شريط يفتح كل الأبواب المغلقة لكل الشياطين. كما يسمح بالموافقة على كل الخيانات والجرائم.

***

الذي لا تدركه النخبة، أو كل النخبة، أن هذا الجهاز قد مارس ضدها نفس الفعل، مع فارق رئيسي، هو أنه في حالة الطلبة العرب لم يكن للجهاز النجس يد في اختيار ضحاياه، أما في داخل مصر، فقد كان يختارهم منذ البداية، ربما منذ مراحل التعليم الأولى، فكلما وجد في أحدهم شذوذا في الفكر أو الجسد، أو انحرافا أو استعدادا للانحراف، أو عوارا أخلاقيا كالاستعداد للغش مثلا، أو علاقات منحرفة، أو انتهازية أو كذب أو طمع، راح هذا الجهاز ينتقي منهم الأوسخ فالأوسخ، وكلما بدا من أحد منهم بوادر تردد، أو بقايا ضمير، أو نوايا توبه، أقصاه على الفور، وربما: مع العقاب الشديد، كي يكون عبرة لسواه. وشيئا فشيئا، ويوما بعد يوم راح هذا الجهاز الباطش الجبار المجرم يتفوق على نفسه وعلى الشيطان، ليشكل نخبة تتنافس على مساوئ الأخلاق، فكلما ازداد الشخص خسة ارتفعت مراتبه، وكلما نقص شرفه ارتفعت مناصبه، وكلما خان استؤمن، وكلما كذب صُدِّق! وكلما سرق استوزر!. ومن هؤلاء شكلت الأيدي القذرة النخبة على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة..

وهذا هام جدا..

لأن الأيدي القذرة تستعمل هذه النخبة الآن لتقويض الدجولة وهدمها..

ولكي تعرفوا من أقصد انظروا إلى مرتادي الخيام في صينية التحرير وأمام مجلس الوزراء..

بل إنني أتصور أحيانا أن بعض النخبة يثوب إلى عقله وربما يعود إليه بعض ضمير فيريد أن ينكص ويتراجع لكنه يهدد ويبتز.

***

لقد بدأ الأمر وئيدا على المستوى الخارجي الذي ذكرناه ثم على مستويين داخليين.. كان الهدف قتل المعنى وطمس الروح وتمكين البطجية على كافة المستويات، وكان هناك رافدين أساسيين: رافد البلطجية في الطبقة الوسطى والعليا.. ورافد آخر للبلطية في قاع المجتمع.

***

هذا الجهاز كى يجمل نفسه يحيط نفسه بمجموعة من المثقفين، وما هم بمثقفين، بل دعار وداعرات  يزينون الباطل ويزهقون الحق ويبيعون أنفسهم بثمن بخس.

إنه يغتال القيم فى حقيقتها المجردة فيفقد الأمة توازنها..

تفقد توازنها ليلتهمها الوحش الذي ربته.. وليحدث لمبارك ولآله ما حدث لهم.. حين جعل الله سبحانه وتعالى تدميرهم في تدبيرهم.

الله..

الله الذي نسوه..

الله الذي تحدوا نواميسه وسننه..

الله الذي  تجرأوا عليه ..

سبحانه.. ما قدروه حق قدره..

الله.. السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ..

الكَبِيرُ المُتَعَالُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الحَقُّ المُبِينُ القَوِيُّ المَتِينُ..

 الحَيُّ القَيُّومُ الأَحَدُ الصَّمَدُ ..

المَلِيكُ المُقْتَدِرْ..

الضَّارُّ النَّافِعُ...

الخافضُ الرَّافِعُ المعزُّ المذِل..

 المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ القَاهِرُ..

 الديّــــــــــــــَانُ ..

المَنــــــــــــانَّ..

المُمِيــــــتُ..

المنـــــــــتَقِمُ..

 ذُو الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ...

سبحانه ..

ملك الملوك..

جبار السماوات والأرض.. الذي أهلك جبابرة الأرض.. سبحانه..

***

شيئا فشيئا انعزل جبار الأرض محاصرا بالأكاذيب والخيانة والحرص ألا تصل إليه حقيقة، حيث جرده هذا الجهاز عمليا من كل سلطاته، نعم، مع مثل هذه الأجهزة الدنسة  يصبح الدكتاتور دمية فى يد الجهاز الذى ابتدعه هو فى البداية كى يكون يده الباطشة وأذنه المتلصصة وعينه المتجسسة. دمية لا ترى ولا تسمع ولا تحس إلا بما يسمح به هذا الجهاز.

وفى نفس الوقت تضمر وتضمحل مؤسسات المجتمع المدنى لتصبح مجرد هياكل خالية من المضمون، وتتقوض دعائم الأمة تحت وقع ضربات لا ترحم، يستخدم فيها الجراح مهارته لا لإنقاذ المريض بل لبيان مقاتله، ويستخدم المعمارى خبرته لا فى تدعيم البناء بل فى خلخلة أساساته كى يتهدم دون صوت ولو على رؤوس قاطنيه، ويصبح جهاز العمليات القذرة هو المتحكم فى شئون البلاد والمتصرف فى أمور الممالك.. كبيرها وصغيرها..

فى البداية، يتم هذا كله فى إطار من الخفاء كثيف، لتجنب رد فعل الأمة، لكن الجهاز بعد أن يطمئن إلى وصول الأمة إلى حالة من الشلل لا تمكنها من الحركة، وإلى عجز لا يسمح لها بالمقاومة،  و شيئا فشيئا، يسفر عن وجهه القبيح، ليتم كل شئ .. على المكشوف.. بعبثية تفوق عبثية بيكيت وإبسن وكافكا.. فيجعلون من سفيه يعرف الكل أنه شاذ وزيرا.. ويعينون قوادا وزيرا آخر.. ويمنحون سفيها لا حد لسفاهته جائزة الدولة التقديرية.. ويجرون انتخابات كالتي أجراها أحمد عز.. ويسندون خزائن مصر إلى جاسوس..و..و..و..

***

تقول الحكمة أن من يملك الماضي يملك الحاضر.. ومن يملك الحاضر يتحكم في المستقبل.. لذلك أعود كثيرا إلى لقائي بمجرم كان يتقلد ذات يوم منصبا خطيرا جدا.. من أخطر المناصب في مصر.

كان الرجل ذكيا جدا..

اجتاحتني الدهشة.. كيف يمكن أن يكون ذكيا جدا إلى هذا الحد  ثم يرتكب كل هذه الجرائم..

تذكرت أن الشيطان أيضا ذكي..

كان الرجل يحدجثني كيف يَفسد المسئول وكيف يُفسد..

 

قال لي المسئول المجرم : لا يبقي أمامكم في المعارضة سوي شيء  واحد: "الاستسلام التام أو الموت الزؤام " ..

طفق يحدثني عن سيكلوجية بعض كبار المسئولين والحكام الذين كنت أدرك أنه هو نفسه أحدهم، لكنه في نوبة صحوة، أو في لعبة مناورة، أو في لحظة ضَعُفَ فيها الشيطان فيه، قرر أن يكشف لي عن طقوس  الفساد والبلطجة، لم يبرهن ولم يدلل ولم يدع الصواب، و أيضا  لم يعترف بالخطأ لم يكن حديثه أيضا حديث العارف بالأمر، بل حديث الممارس له، بكل تفاصيل وخبايا و أصول الممارسة..

  قال لي المسئول المجرم الذي ما يزال يعبر عن موقف نظام مبارك الذي ما يزال يحكمنا رغم نومته على محفة العار والخزي حيث ذهب هو وبقيت أياديه القذرة:

  اسمع: أنا أعرف الله خيرا منك، أعرفه بيني وبين نفسي، وفي بيتي وفي مكة والمدينة، أما في غير ذلك من الأماكن فلا علاقة لله به..  الله غير موجود خارج ذلك!! ( سبحانه وتعالى عما يشركون)..

 اسمع: سأقول لك سرا لن يقوله لك غيري.. إن البلطجية هم الذين يحكمون هذا البلد ( أنبه القارئ أن ذلك حدث منذ أكثر من عشرة أعوام).

 واصل الرجل:  إذا بنيت حساباتك علي غير ذلك فأنت واهم،  فالبلطجية هم الذين يزورون الانتخابات لمجلس الشعب ومجلس الشورى،  ليكون العضو أسيرا لبلطجيته وحصانته تندرج عليهم.

 اسمع:  أنت كاتب، لا تكن إذن بسذاجة من يرون البلطجة في وجه مشروم تملؤه الندب وفي يد تحمل سنجة ومطواة وسيفا، هؤلاء موجودون ومؤثرون ويحكمون لا أنكر، لكنهم رعاع البلطجية، وهم مثلا الذين يكتبون معظم تقارير ضباط المباحث وهم الذين يلفقون التهم، وعلي أكتافهم يترقي الضباط، بل إنهم هم السبب فعلا في إماطة اللثام عن غموض كثير من الجرائم، لكنهم إذ يفعلون ذلك لا يفعلونه من أجل تطبيق القانون ولا مكافحة الجريمة، بل هم يفعلونه لمحاربة الجريمة العشوائية الخارجة عن نطاق سيطرتهم ولإفساح المجال أم الجريمة المنظمة. الجريمة التي يمارسها من في السلطة.

 ثم أن ضابط المباحث ضابط في مكان عمله فقط، لكن له زوجة و أبناء و أهلا، وهو يعرف كم هم ضائعون هؤلاء البلطجية وماذا يمكن أن يحدث لو واجههم، ومن الناحية الأخرى فإنه بحكم عمله يعرف كمّ الجرائم التي ترتكب دون عقاب، بل إنه هو نفسه يكون أحيانا أداة لطمس معالم هذه الجرائم والتستر عليها، وهو يعرف أيضا كم الفساد المنتشر أعلاه، فلا يقع أبدا فريسة لسذاجة القيم المجردة، وليس لديه دافع علي الإطلاق لأن يحق حقا أو يبطل باطلا أو أن يبطل حقا أو يحق باطلا إلا طبقا لعملية معقدة تتشابك فيها مصالحه الخاصة.

اسمع: لعلك تفهم من ذلك أن البلطجية هم الذين يحكمون الشارع في مرتبته الدنيا فقط، سوف تخطيء مرة أخري، قلت لك أن التقارير التي يكتبونها هي التي يترقي الضباط علي أساسها، من هذه التقارير تتشكل خرائط الأمن في الوطن كله، إن خلاصتها هي التقرير النهائي الذي يوضع علي مكتب وزير الداخلية أو حتى رئيس الوزراء، والذي بمقتضاه يخطط ويسوس.

اسمع:  كل ما قلته لك حتى الآن هو الصور المباشرة للبلطجة، الصورة التي تشكل صغار السمك الطافي على السطح،  البلطجة الحقيقية التي يقوم بها الحيتان في الأعماق فلا ترى هي التي تحدد كل شيء في هذه البلاد، هذه البلطجة لا تدور في الشوارع المزدحمة ولا في الحواري الضيقة، وإنما تدور في فنادق النجوم الخمس وفي قاعات الاجتماعات الضخمة في مجلس الشعب والشورى ومجلس الوزراء ودور المحاكم وخزائن البنوك  وقاعة كبار الزوار وفي عواصم العالم المعمور.

***

واصل المسئول المجرم  الحديث معبرا عن علاقة الدولة والأيدي القذرة بالدين فقال:

  اسمع:  تقولون أن الله هو الرازق، أنا لا أقول لا، لكنني أيضا لست من السذاجة كي أقول أن ملايين الأمتار التي وزعها محافظ أو وزير من أملاك الدولة علي السواحل وفي المناطق الصناعية علي أنصاره من البلطجية، أو مقابل رشوة صريحة هي رزق من عند الله، أو أن تلك المليارات، المليارات التي أعطاها وزير بالأمر المباشر لشركة معينة ففاضت عليه منها الملايين ونبتت له منها القصور رزق من عند الله.  أسمع:  ألستم تقولون أن الله طيب لا يحب إلا طيبا، كيف يرزق إذن بهذه الطريقة؟  ليس رزقا إذن وليست مهمتي أن أحدد ماذا يكون..  وواصل الرجل قائلا هل تريد أن أحدثك عن البلطجة في عالم التصدير والاستيراد، عن القوانين التي تدبج وتفصل، وعن البلايين التي تهدر وتهرب هل تريد أن أحدثك عن الصناعة؟ عن الرشاوى والعمولات؟ هل تريد أن أحدثك عن الزراعة؟ عن السياسات العليا خلفها؟ الأمر أعقد بكثير مما تظن وتتوهم، إنه متصل بالعولمة وصناعة السياسات علي مستوي العالم متعلق بتبادل المنافع التي يسميها أمثالكم فسادا، ليست فسادا و إنما الدنيا كلها كذلك، وقد يأتي من هذا المشروع خير للوطن وقد لا يجيء فليس ذلك هو الهدف من إنشائه، إن فوائده بالنسبة لمنشئيه فوائد فورية، وذلك هو المهم، أما ماذا سيحدث بعد عشرة أعوام أو عشرين عاما فلا يهم، ماذا يمكن أن يحدث، ستتزايد الديون بصورة صاروخية؟ وماذا في ذلك؟ ستفرض أمريكا الوصاية علي البلد ضمانا لتحصيل الديون؟؟ لكن  هل تظن أن البلد الآن خارج نطاق وصايتها؟؟ ليتها تأتي وتحتلنا احتلالا مباشرا لتكون مسئولة عن إطعامنا.. لكن المشكلة أن هذا سيحاصر من تسمونهم بالفاسدين المفسدين.. ليس لصالحكم بل لصالح مفسدين آخرين!..

  اسمع:  لا الدولة كدولة ولا الأفراد كأفراد يقدرون علي المقاومة، حُسِمَ الأمرُ وحُكِمَ في القضية، والنظام العالمي كنظام الحكم شاحنة ضخمة تسحق كل من يقف في طريقها، لم يعد أمامنا كدولة، ولا أمامكم كمعارضة سوي اختيارين يتيمين الاستسلام التام أو الموت الزؤام.

 اسمع : كل ما تكتبه صحافة المعارضة عن الفساد مجرد قطرة في بحر، أنتم فعلا لا تعرفون إلا القشور، بل قشور القشور، و الأمر أفدح بكثير جدا مما تعرفون بل مما تتخيلون.

 اسمع: أنت تظن أن من  في السلطة يفكر مثلكم، لا، ما تفكرون أنتم فيه لا يخطر ببالهم، لا يهمهم، كل قيمكم عن العدالة والخير والحق بالنسبة لهم صفر كبير، ووهم ما يزال الحمقى يتعلقون به، يحكم السلطة قانون آخر وتتحكم فيها معايير مختلفة : اصنع ما شئت، لكنك لو وقعت تحت طائلة القانون فلا رحمة، اسرق بشرط ألا تُضبط، واكذب بشرط ألا تُكتشف، ولقد كان منطقيا والوضع كذلك أن تكمم الصحافة، وأن تزور الانتخابات و أن يعامل بمنتهي العنف كل من يحاول كشف عصابة السلطة، لا تكن مثاليا.. اقرأ الواقع كما هو لا كما تريده، وذلك الذي أقوله لك ليس مقتصرا علينا، بل إنه موجود في العالم كله، لكن الطريقة العربية طورته فأزالت شرط عدم الانكشاف والاكتشاف ليصبح القانون المحرك هو: اسرق كما شئت واكذب كما شئت وزور كما شئت ومارس من أعمال البلطجة ما شئت، وسواء اكتشفك القانون أم لم يكتشفك، وسواء أماطت الصحافة اللثام عن جرائمك أم لم تمط فأنت في مكانك طالما فهمت لعبة السلطة وموازين القوي، وطالما كنت تمسك في يديك من فضائح زملائك ورؤسائك ومرؤوسيك ما تهددهم به.

 اسمع:  ليس بين الناس مشاعر، الحب مات من زمن، لا وفاء أيضا ولا إيمان بشيء إلا بمتعة الجسد والنجاح المادي.

قال الرجل:  هل تستطيع أن تفهم الآن سلوك الساسة والمسئولين، لا أحد حريص علي البلد، سوي المهزومين الذين لم يجدوا مكانا في ركاب السلطة، وبعض المعارضة، وبعض من أشرفوا علي الموت، بعضهم لا كلهم  الآخرون في واد آخر، في عالم آخر،أنتم تفكرون في أشياء لا تهمهم علي الإطلاق، لا يفهمونها كما لا تفهمون أنتم فكرهم، مقابل العولمة حدث تفتيت رهيب وانشطارات للذات، فما دمت قد فصلت الله كمؤثر كان من المنطقي أن تفصل ما عداه لذلك فهم يتكلمون لغة مختلفة، لن تفهموهم أبدا ولن يفهموكم، والقوي هو الذي سيبقي، وهم الأقوى، غيروا شعاركم القديم إذن واكتبوا علي راياتكم  الاستسلام التام أو الموت الزؤام..

  اسمع: إياك أن تحدثني عن الخلود والتاريخ، لأننا نموت حين نموت، التاريخ عزاء من لا يملكون يومهم.

***

  لم أكن أريد أن أصدق ولا أن أفهم لكنني فقط، كنت أنظر إلي بنيان الرجل القوي، إلي يديه الجبارتين، إلي شفتيه، وكيف تنطقان الكلمات صارمة لا كحد السيف بل كشعاع الليزر الذي يتلاشي كل ما يقف في طريقه، وخطر ببالي للحظة، أنه يقتات على لحوم البشر.

...

...

***

***

إنني أستعيد ذلك كله كي أحمد الله وتحمده معي أيها القارئ.. بدأت باستعادة الماضي كي  نعرف أين كنا وأين أصبحنا لنحمد الله حمدا كثيرا..

فالحمد لله الحق .. الذي قال للضعيبف وللمظلوم في حديثه القدسي " وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين "..

الحمد لله حمدا طيبا يليق بوجهه الكريم ..

الحمد لله الذي يمهل ولا يهمل ..

الحمد لله الذي أهلك الطاغوت ..

لكن..

لقد هلك الفاجر..

بيد أنه ما يزال علينا الالتفات إلى من تحدث عنهم المسئول المجرم..

إلى الأيدي القذرة ومن صنعتهم الأيدي القذرة..

وزراء وكتاب ومثقفون وجواسيس وعملاء.. وشواذ وأناس عاديون.

أريد أن أكتب عن داعرات يضعن لنا شروط العفة..

وعن جهال يبينون لنا ما هو العلم..

وعن سفلة يتحدثون عن مناهج التذوق الأدبي والفني  التي لا يستطيع أساطين الأدب إتقانها ويتقنها أي صعلوك منهم بشرط الجرأة على الذات الإلهية ولو كان صانع سجاد أو ساعي بريد أو أميا لا يبستطيع رفع خبر أو نصب مفعول به..

وعن شاذ يقدم نفسه كنبي..

وعن..

وعن..

***

طال المقال فلا مفر من تأجيل الحديث عن هموم وشجون ومآس ومفارقات..

كنت أريد أيضا أن أكتب عن 25 يناير والجريمة التي يريد المجرمون صنائع الأيدي القذرةارتكابها فيه..

وكنت أريد الحديث عن الواقع الراهن.. والدستور .. والرئيس.. والاقتصاد.. والصناعة والتجارة والزراعة والأمن..

وكنت أريد الحديث عن الشهداء..

وكنت أريد الحديث عن مهزلة جديدة مضحكة لجأ من أفلسوا في ميدان التحرير إليها..

مهزلة اسمها: "اتحاد مبدعي مصر"

فإلى المقال التالي إن شاء الله