قبل الانفجار:

 

يا أيها الجيش..احقن الدماء واعزل أحمد شفيق..

 

 

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.net

 

 

أعتقد أن الوقت ليس في صالح الجميع، وأننا إن لم تتداركنا رحمة الله مقبلون على انفجار إذا-لا قدر الله حدث- لن يبقى ولن يذر. سوف ننزلق إلى معركة طحن عظام ليس فيها فائز، إن الجيش لم يختر الوضع الذي وجد نفسه فيه، ولا هو بادر من تلقاء نفسه إليه، إنه وضع فُرض عليه، بل إن المتوقع، أن تكون القيادات العليا متعاطفة مع مبارك، وأن تكون القيادات المتوسطة وصغار الضباط متعاطفة مع الأمة. وهنا نقطة لابد من التركيز عليها، وهي أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعقله الجمعي، الذي لا يساوي مجموع عقول أفراده(!) قد فضل –في لحظة حاسمة- مصلحة الوطن على مصلحة فرد. حتى وإن كان هذا الفرد هو قائدهم الأعلى.  ولكن المتوقع بعد هذا التصرف النبيل، أن يبدأ شيطان التفاصيل في التسلل، مزينا الغواية، مستعظما التضحية، مغلبا المصالح المباشرة. عندما تتدخل عقول الأفراد، مضيعة تناسق العقل الجمعي. فاتحة الطريق أمام الغوايات والهوى والمطامع، التي يخجل الفرد عادة من الكشف عنها أمام المجموع، وذلك لسببين، أولهما أن الكشف عنها مخجل، وثانيهما أن الكشف عنها يمكن أن يفجر صراعات مع من يتنافسون معه عليها أو ينكرون حقه فيها.

لقد كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة جدارا صلبا اكتسب ثقة الأمة الفورية، ليس بسابقة  عمله  بقدر ما هي بسبب كارثية البديل. وهذا هو الذي يدفع الأمة لإغماض أعينها عن بعض النذر (كالسماح للبغال  والخيل والحمير مثال على ذلك) وهو الموقف الذي دفع ضابطا شريفا نبيلا- أعنى أنه ضابط جيش لا شرطة- لمحاولة الانتحار.

لابد أن نعترف الآن أن الكثيرين يشعرون بعدم ارتياح لموقف الجيش، وتتزايد الشكوك يوما بعد يوم، في أنه يضع الثوار –بالتعبير العسكري- في أرض قتل، وليس أمامهم إلا القتل في الميدان أو القتل في المعتقلات، وهذا الوضع نذير سوء لجميع الأطراف. لقد فتح الشباب والثوار ثغرة، وبغض النظر عن الحق والعدل والخير والصواب، فإن القرار في الجيش كان في الجانب الآخر، جانب الرئيس مبارك، وأنه قد يفكر، أو يفكر بعض أفراده، في كيفية استيعاب هذه الثغرة، بمزيج من الاستيعاب والخداع الاستراتيجي حتى يمكن الإعداد لتصفيتها بأقل قدر من الخسائر.

كما أن الجيش باختياراته المخططة يمكن أن يعطى الأطراف الأخرى مظهر العجز والشلل مما يمكن الجيش من اتخاذ قرارات قد تبدو الآن مستحيلة. وفي ذاكرتنا ما فعله ضباط يوليو بفتنة تطهير الأحزاب، التي أسفرت عن سحق كل الأحزاب.

الكثيرين يشعرون أن الجيش يسوف في تنفيذ قرارات جوهرية ليس لديه عذر في تأجيلها،  بل ويشعرون بتعاطف خفي-وأستعمل لفظ التعاطف تأدبا- من الجيش للرئيس المخلوع، وأنه يترك لأنصاره الفرصة متعمدا  كي يرمموا صفوفهم ويرسخوا مواقعهم ، حتى بلغ الأمر يبعضهم إلى تشكيل حزب – بديل عن الحزب الوطني- باسم 25 يناير! وهذا يعني تزوير انتخابات واحد حتى يأتي جمال مبارك! ليس برسمه واسمه ولكن بمضمونه.

في صدر الثوار هواجس كثيرة، فهم يدركون على سبيل المثال أن أتباع مبارك يملكون قوة غير هينة، وأنه يمكنهم الالتفاف والعودة، إن مليونين من الجيش والشرطة يحملون الوفاء لمبارك ونظامه وظيفيا، كما أنه يوجد مليون آخر من الحزب الوطني ما بين متورط وطامع، إضافة إلى مليون آخر تم إفسادهم كليا، اوجد أيضا أوكار الشيطان حيث مباحث أمن الدولة الغامضة والرهيبة وهناك  يتم الآن تدبير مؤامرات تهدف إلى تعطيل المرافق العامة، وشل الإنتاج وصولا إلى مرحلة النقص الفادح في السلع، وتحقيق انهيار جديد في الأمن ونشر الفوضى بما يمهد للانقلاب على مكتسبات الثورة. مباحث أمن الدولة التي لم تعرف الدولة منها خيرا أبدا. لقد أساءت إلى جهاز الشرطة كله، ودمغته بالخيانة العظمى التي قد تكون الكثير من قطاعاته بريئا منها. توجد أيضا فلول النظام السابق، ورجال أعمال النظام البائد ينظمون إضرابات ويستأجرون بلطجية استمرارا لدورهم في ترويع المواطنين، وإظهار الجيش بمظهر غير القادر.

كل هذه القوى إضافة إلى رؤساء تحرير الصحف وقيادات الإعلام الذي يهتم بهم رئيس الوزراء أحمد شفيق، إنما هم في الواقع الوجه الآخر للبغال والحمير والإبل، هم بذواتهم، بأقنعة أخرى. كل هؤلاء تحشدهم السلطة التي ما زالت بالكامل سلطة مبارك يحاصرون الثوار ويضيقون عليهم الخناق ويضعونهم في أرض قتل تمهيدا لتصفية الثورة والقضاء عليهم: إما تأييد نظام مبارك، واستمراره ولو بأشخاص آخرين، وإما النيابة والقضاء والسجن والخراب والفضيحة. وإن وقوف الجيش على الحياد بين المجرمين والأبرياء هو عين الانحياز.

وأخشى ما أخشاه، أن يدفع الشك الجمهور من ناحية، وأن تدفع وسوسات شياطين الإنس في الحزب الوطني الجيش من ناحية أخرى، إلى نقطة انفجار يعقبها صدام تضيع فيه البلاد. ولابد أن ننتبه، أن كل أحزاب المعارضة في مصر-تقريبا: ما عدا المعطل منها كحزب العمل- هي أفرع للحزب الوطني، وأن مصلحتها في استعادته وسيطرته. ذلك أن الحزب الوطني يعطيها الفتات، أما الثوار فلن يعطوها شيئا.

 الأمر خطير ..

وبالأسلوب العسكري، فإننا نحتاج إلى وقفة تعبوية، وتقدير موقف،  وهو كما يصفه العسكريون: عملية ذهنية يتم فيها تقييم موقف الأطراف جميعا غير مغفلين أي عامل من العوامل التي يمكن أن تؤثر في الأحداث ، كي نقيم ما فاتنا ، وما علينا أن ندركه، وذاك لكي نتجنب انفجارا غير محسوب العواقب الكارثية التي ستحيق بالجيش والشعب والدولة والأمة.

 لقد حقق الجيش لنفسه عند نزوله إلى الشوارع في جمعة الغضب مجدا بقدرته الفائقة على التعامل مع وضع استثنائي شديد الصعوبة بكفاءة ومرونة رغم أنه لم يكن في موقعه الطبيعي: الحدود أو الثكنات، بل يوجد في وسط الناس، كما أنه لا يقوم بدوره الطبيعي: حماية الوطن من أعدائه، ليقوم بالحفاظ على الأمن الداخلي، كما أنه كان مضطرا للتعامل بأسلوب غير أسلوبه، فقد تمرس على التعامل بالأسلوب العسكري، وهو ليس مؤهلا للتعامل مع مدنيين عامة، ومع مدنيين في حالة ثورة عارمة، بعد أن واجهوا خيانة من أبشع الخيانات في التاريخ، خيانة الأمن  والشرطة ومباحث أمن الدولة، الذين تصرفوا كأبشع العصابات الإجرامية في التاريخ. اشتعلت مشاعر الحب بين الشعب وجيشه، وقد رأيت مشهدا لن أنساه أبدا، كان الشباب، الذين توجسوا الخطر بعد الخيانة الإجرامية للشرطة، يخافون أن تتحرك الدبابات لتضيق عليهم، فاتخذوا وضعا لا أظن أن التاريخ يحتوي على شبيه له. لقد استلقى الشباب على عجلات الدبابة بين الجنازير الضخمة. ولو أن الدبابة تحركت خطوة واحدة لفرمت لحمهم وهرست عظامهم، كانوا واثقين أن الدبابات لن تتحرك, بدا المشهد غريبا مهيبا مفعما بالحنان والشجن. بدا الشباب وكأنهم أجنة، وبدت الدبابة الضخمة كأنها أمهم، وبدت العجلات الضخمة والجنازير الرهيبة كأنه رحم أم يحتويهم في حنان، وأنه لا يمكن أن يؤذيهم أبدا. ولذلك كانت الصدمة الهائلة لصمت الجيش يوم الأربعاء الدامي، يوم المولوتوف والبغال والحمير .

يعرف الجمهور عن الجريمة السلبية ما يكفيهم لإصدار حكم إدانة أخلاقي. إنهم يعرفون مثلا أن امتناع الأم عن إرضاع طفلها  أو إحجام مدرب السباحة عن إنقاذ غريق هي جرائم قتل كاملة. ويعرفون مثلا أن الجرائم السلبية هي الجرائم الواقعة بطريق الامتناع، ويتألف ركنها المادي من إحجام الجاني عن إتيان فعل إيجابي مفروض عليه إتيانه، ويعرفون أن جوهر الجريمة السلبية، وجود واجب يفرضه القانون، بإنزال العقاب على مجرد الامتناع عن القيام بفعل معين، فإذا تحقق الامتناع أو الإحجام عن القيام قامت الجريمة السلبية لأن القانون الجنائي قواعده آمره، وعندما يأمر بإتيان عمل يكون الامتناع عن إتيانه جريمة سلبية. إن القوانين لا تحدد شكل السلوك الذي تقع به الجريمة ولا طبيعته وإنما تُعاقِب على كل سلوك ينشأ عنه موت فإن الحقيقة تؤكد أن القتل يحدث إما بفعل إيجابي أو يحدث كامتناع الأم عمداً عن إرضاع طفلها أو إحجام معلم السباحة عن إنقاذ تلميذه كما ذكرنا للتو..

الجمهور الذي يعرف كل ذلك، ينظر بشك عميق لا يمنعه من التحول إلى يقين إلا علاقة الحب الجياشة التي يحملها الشعب لجيشه والتي تمنعه من تحويل الشك العميق إلى اتهام صريح.

ويرى الجمهور أن اللواء أحمد شفيق بكل اختياراته ولقاءاته إنما يكرس لحصار الثوار، ولتجهيز فرق أخرى من البغال والحمير بأقنعة أخرى، أقنعة وزراء أو كتاب أو إعلاميين أو بقايا شرطة طائشة وحزب خائن ومباحث أمن دولة يجب أن تحاكم بتهمة الخيانة العظمى.

***

إن الذين أضيروا من الثورة كثيرون، أولهم بالطبع الحزب الوطني الخائن ورجاله، ورجال الأعمال، ولصوص المال العام وسماسرته، وكل أحزاب المعارضة بلا استثناء التي تلاشت قيمة معظمها تماما، ولا يبقى إلا حزب الوفد كحزب حقيقي، لكنه هبط فجأة من المرتبة الثانية –التي قد تنافس على الأولى- إلى دوري المظاليم الذين لا أمل لهم في رؤية النور.

الذين أضيروا كتائب النفاق وفرق الكلاب المسعورة في الصحافة والإعلام.

الذين أضيروا الشيوعيون والعلمانيون والليبراليون والمنافقون والبهائيون والملحدون.

الذين أضيروا أقباط  المهجر الذين استمرءوا ابتزاز نظام خائن وجد فيهم أقلية خائنة يرتكز عليها

الذين أضيروا البابا شنودة الذي استثمر أسهمه في بنك أفلس.. بنك حسنى مبارك.

الذين أضيروا أمريكا وإسرائيل ومحمود عباس..

***

كل من أضير سيحاول غواية الجيش أو دفعه إلى الفشل، لأن كل الذين أضيروا سيذهبون كالزبد جفاء إذا ما قام حكم الشورى النظيف الحر الذي لا تزوير فيه ولا قلب للحقائق. لذلك فإن من مصلحتهم تجنب أي تحول للحكم إلى حكم الشورى الصحيح(أو الديمقراطي لمن تشمئز قلوبهم). وأولئك سيحاولون دفع الجيش إما لاستنساخ حكم مبارك أو للاستيلاء على السلطة كما فعل ضباط انقلاب يوليو.

كل فرق الكلاب والبغال والحمير والخيل والإبل مضافا إليها فرق الخنازير ستقاوم الحرية والديمقراطية والنظافة وستحاول إعادة نظام عميل يستخدمها وتكون لها فيه قيمة. نظام حكم يعتمد على أقليات خائنة لا حق لها في مواجهة أغلبية ينزع حقها منها.

ومن الناحية الأخرى فإن الجيش إن لم يتدرع بنبله سيكون أيسر عليه أن يتعامل مع عملاء يرضون بالفتات بدلا من أن يتعامل أغلبية صاحبة حق في تولي الحكم تجعل الجيش يتفرغ لحماية الدولة بعيدا عن التدخل في السياسة.

***

إن الجيش هنا يتعرض لضغوط استثنائية في ظل تغطية إعلامية من أنصار مبارك، بل إن الهيئات القائمة بالتحقيق والضبط هي أجهزة مبارك.

***

أخشى أن أقول أن الصدام وشيك..

وهو صدام على الجيش أن يتجنبه وإلا وقع فيما وقعت فيه الشرطة.

***

إنني أظن أن لحظة الانفجار ستكون بإعادة تكليف  أحمد شفيق رئيسا للوزراء..

قد يعود الناس إلى التواجد في الشوارع بالملايين..

وسيتكرر العناد الذي حدث بين الشعب وبين مبارك..

هذا وضع لا بد أن نتجنبه..

لماذا العناد؟

لماذا الإصرار على أحمد شفيق؟

هل يظفر بارتياح 10% أو حتى 5% من الناس لو طرح للاستفتاء؟

هل هو استمرار للسياسات القديمة بإذلال الناس وفرض ما يكرهونه عليهم كي لا يجرؤوا على التخيل أنهم أصحاب بلد أو متخذو قرار؟.

لماذا؟

لماذا؟

لماذا؟

لماذا الإصرار على الوجوه القديمة.. وبعضها الوجه الآخر المقنع لبغال ميدان التحرير..

إن الكثيرين يراقبون الآن في قلق شديد بطء أداء الجيش ويقارنونه ببطء مبارك وعناده..

ويتوجسون شرا..

إن كرامة الجيش لا يجب أن تخدش..

ولكن ماذا سيحدث إن اتخذ الجيش  قرارا باستمرار أحمد شفيق ثم بدأت المظاهرات المليونية مصرة على إقالته..

ماذا سيفعل الجيش عندئذ؟ هل يعاند؟ هي الكارثة إذن.. هل يستسلم وينكسر؟ لا نرضى له ذلك.

أرجوك يا جيش..

تذكر كيف وكم أحبك الناس.. وكم تقبلوا عذرك بعد الهزيمة الساحقة عام 67.. وهو ما لن يحدث أبدا مع ضباط الشرطة وجنودها..

لأنه كان يعرف أنك مؤسس على التضحية والنبل. بينما حول النظام المجرم منهج الشرطة إلى منهج عصابات.. حتى أن النظام يجب أن يحاسب فيما يحاسب، على أنه تسلم أبناءنا زهورا ناضرة وقلوبا غضة مفعمة بالأمل ليدنسهم ويحولهم إلى مجرمين ينكلون بشعبهم ثم إلى خونة يطلقون عليه البلطجية والرصاص.

أرجوك يا جيش..

باسم الشعب والأمة والدولة والتاريخ..

باسم سمعتنا في العالم التي بلغت عنان السماء.. والتي نرجو منك أن ترفعها أكثر لا أن تتركها تمرغ في الوحل مرة أخرى عندما يصطدم الجيش بالشعب..

يا أيها الجيش..

احقن الدماء..

لا تناور في التغيير..

لا تضع الثورة في أرض قتل..

غير فعلا..

غير النظام كله.. تغييرا كاملا شاملا حقيقيا وليس مجر إيهام بالتغيير لمنع التغيير!.

إياكم وعناد مبارك.. وإياكم وغباء نظامه..

حافظ على نبلك وهيبتك وكرامة الأمة ودماءها..

احقن الدماء..

احقن الدماء ..إبدأ.. واعزل أحمد شفيق.