منذ بضعة شهور فوجئت بصوت تبلله الدموع كما تبلل الرطوبة الهواء إيذانا باقتراب هطول المطر..

كان الصوت عاصفا ويكاد أن يكون باكيا  وهو يصرخ:

-         أين أنت.. سآتيك على الفور..

كان الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر.. وكانت عشرة أعوام على الأقل قد انقضت منذ آخر اتصال فقدت بعده رقم هاتفه..

بعد أقل من نصف ساعة كان يحتضنني بقوة وبألم.. وكنت حائرا بسبب جيشان عواطفه.. ووجدته يقول:

-         لقد بكيتك كثيرا.. كثيرا جدا.. قالوا لي أنك متّ.. حزنت عليك حزنا فوق ما تتصور.. ومنذ ستة شهور أعد لكتابة مرثيتك.. واليوم.. علمت بالصدفة أنك مازلت حيا..

شرحت له ما فعلته صحيفة العربي الناصرية عندما نشرت مانشيتا رئيسيا عن وفاة شخص يحمل نفس اسمي..

جلسنا جلسة مشحونة بالمشاعر والتواصل والإصرار على ألا ينقطع تواصلنا مرة أخرى..

ولم نكن نعرف أنها جلستنا الأخيرة..

تواعدنا وأخلف الميعاد..

وعدت إلى بعض ما كتبته عنه منذ خمسة عشر عاما

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

 

محمد عفيفي مطر.. إلى اللقاء..!!

 

 

عندما بدأت أكتب عن بطش جماعات منحرفة  في قطاعات الشرطة بالناس، متَّهمين وغير متهمين، سياسيين وغير سياسيين، ذلك البطش، الذي وصفه حكم محكمة بأنه إجرام في إجرام، كنت أنتوي ألا أكف عن الحديث فيه وفضحه وتعريته أمام الناس والعالم، والحقيقة أنني وكأنما وقع السياط علىّ، ولهيب النار تحتي، والكلاب تنهشني، كنت أود أن أواصل الكتابة، حتى يدرك كل كاتب في هذا البلد أن كل ما يكتبه هراء وحقوق الإنسان تستباح بهذه الحيوانية والبشاعة، أنه ليس من حق مبدع أن يبدع، ليس من حق شاعر أن ينظم قصيدة، ولا روائي أن يكتب رواية، ولا قصاص أن تجود قريحته بقصة، ولا مثال أن ينحت تمثالا، ولا كاتب مقالة أن يكتب مقالة، ولا ناقد أن ينقد، ولا.. ولا.. ولا.. واخوتنا في البشرية أيا كان ما فعلوه يعانون هذا الذي نعرفه من الجلادين الذين لا نعرفهم..

(...)..

(...)..

(...)..

 هل أطمع  يا سيادة الرئيس أن تفتح فيما تفتح من ملفات  ملف التعذيب ؟ .. ربما وجدت أن ما نقوله نحن هو الصحيح و أن التقارير المرفوعة إليك هي الخطأ.

لقد سقت لك كثيرا من الأدلة يا سيادة الرئيس، ويبقى أكثر، لكن دليلا منها كان فاجعا حتى الذبح فذلك الذي حدث مع محمد عفيفي مطر لن ينساه التاريخ أبدا، لقد خلد التاريخ  كافور الإخشيدي لخلافه مع المتنبي رغم أن الحق كان مع الحاكم والشاعر كان على باطل، ترى كم ألف عام سيذكر التاريخ ما حدث للشاعر الكبير محمد عفيفي مطر في عهدك  فيستعيد ذكرك وقد ارتبط به.  لكنني أستميحك العذر أن أتطرق قبل مواصلة الحديث عن محمد عفيفي مطر إلى حديث  - ليس منقطع الصلة - عن نجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد.

عندما وقع العدوان الغاشم الأثيم على نجيب محفوظ كانت المدية التي  انغرست في عنقه تنغرس في قلبي[1]، لا لأنه أعظم روائي عربي، ولا لأنه هو الحائز على جائزة نوبل، ولا حتى  لأنه شيخ تجاوز الثمانين، ذلك كله صحيح، لكن  تلك كلها عوامل مساعدة قد تزيد الأسى لكنها لا تخلقه، إنما كان ما أصابني لمجرد السبب المجرد، لأن من يقتل نفسا واحدة لم يشترط حتى إيمانها فكأنما قتل الناس جميعا، لذلك فإن دم نجيب محفوظ  لا يتميز على دماء أي إنسان آخر، الإعجاز الإلهي في الخلق واحد، لا يتميز دم نجيب محفوظ إذن عن تلك الدماء التي  تسفح   كل يوم ولا تتميز دماء القاتل عن دماء القتيل، دماؤهم في أعناقهم، وفي أعناقنا وفي عنق  النظام، وهى دماء لست أدرى إن كانت التوبة إلى الله والاعتذار إلى الأمة ترفع عنا وزرها وعارها.

لا تتميز دماء نجيب محفوظ  إذن عن دماء محمد عفيفي مطر، الشاعر الكبير الذي لم أحظ بمعرفته إلا من خلال دواوين شعره التي  يشدو بها كأعذب ما يكون الشدو منذ الستينيات، محمد عفيفي مطر الذي يعدّ الآن  له أحمد عبد المعطى حجازي احتفالية بمناسبة بلوغه الستين من عمره .

وقبل  الاسترسال فإنني  أعترف أن تقدير موهبة نجيب محفوظ لا ينسحب  أبدا على نصر حامد أبو زيد، لكن ذلك لا يؤثر على الإطلاق على حقه في الكرامة كلها وفي الحياة الآمنة[2]، كما أبدى انزعاجي الهائل من تدخل أي سلطة غير دينية  لمصادرة فكر أي فكر أو لتكفير إنسان أي إنسان، و أختلف كل الاختلاف مع من يحسبون أنهم يدافعون عن الدين بمثل هذه المواقف، فالدين معدن نفيس غير قابل للخدش بل يجلوه كل من يحتك به ليزداد لمعانه.

إن نصر حامد أبو زيد مهما كانت وجهة النظر فيه أفضل من علاء حامد ومن عمله البذيء التافه الذي لا يشكل أدبا على الإطلاق ومع ذلك يذكر القارئ إنني  كنت ضد محاسبته حين حوسب وضد مصادرة عمله حين صودر.

لعلك تدهش يا سيادة الرئيس من إقحامي لنجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وعلاء حامد  في حديثي إليك، ولقد قلت لسيادتكم أنه ليس منقطع الصلة، فنحن بغض النظر عـمـّن مـع ولمـاذا و عـمـّن ضد ولماذا نستطيع تلخيص الاتهام الذي وجه إليهم  خطأ أو صوابا في أنه: "الجرأة على الذات الإلهية والدين" ، وإزاء هذا الاتهام الخطير كان صدر الدولة واسعا كأوسع ما يكون، وأفقها رحبا كأرحب ما يكون.

كان هذا هو الموقف  المتسامح والمؤيد والمدعم  لنجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد - ولنسقط علاء حامد ازدراء لشأن عمله- .. إزاء اتهام خطير  كالجرأة على الذات الإلهية والدين.

فلنقارن هذا الموقف يا سيادة الرئيس إذن  بما حدث مع محمد عفيفي مطر، الذي يتلخص اتهامه ليس حتى في الجرأة على ذاتك أنت بل في الاعتراض على سياستك.

الاتهام الأول يتعرض للذات الإلهية  والاتهام الثاني لا يتعرض لذاتك.

الاتهام الأول يتعرض للجرأة على الدين والاتهام الثاني يتعرض للاعتراض على سياستك.

فلنقارن الآن يا سيادة الرئيس الاحتفالية التي  حظي بها نجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد   باحتفالية " المومياء المتوحشة " وهو عنوان الديوان الثالث عشر للشاعر الكبير محمد عفيفي مطر الذي عبر فيه عن تجربته في لاظوغلى إثر معارضته لموقفك في حرب الخليج، ترى هل أخبرك صديقه وصديقك أحمد عبد المعطى حجازي بما حدث له، لقد رأينا في التليفزيون كم أن العلاقة بينكما حميمة، فهلا سألته إن لم يكن هو قد قال لك، لقد  أوجز  الشاعر الكبير ما حدث له في جملة يفوق تكثيفها أي شعر، ويزيد ألمها عن أي خيال:"عوملت في لاظوغلى كما تعامل الحيوانات" ، وربما يظن القارئ الذي لا يعلم حقيقة ما يحدث هناك أن الجملة تعنى بعض الإساءة اللفظية، أو دفعة باليد فذلك أقصى ما يمكن أن يجول في أذهاننا بالنسبة لشاعر بارز على المستوى الوطني والعربي، ثم أنه في العقد السادس من عمره، لكن ذلك لم يحدث، فالذي حدث أنه تعرض للتعذيب بشكل مكثف ووحشي على مدى عشرة أيام بمقر مباحث أمن الدولة في لاظوغلى، صعقوا الشاعر الكبير بالكهرباء، ثم علقوه لفترات طويلة من معصميه، ضربوه بجسم صلب على رأسه و أجزاء متفرقة من جسده، و خلال الأيام العشرة، ظل الشاعر الكبير، المشرف عمره على الستين، ظل، طوال الأيام العشرة معصوب العينين، ومقيدا بقيد حديدي يضيق كلما حرك الرسغين مما سبب له ألما فظيعا، ربطوا عينيه وأذنيه برباط ضاغط كثيف، مما نتج عنه تجمع صديدي تحجر تحت الجفنين، وتورم لحم الأذنين  والتصاقه بالرأس التصاقا قاسيا، مع الضرب، و إلقاء الجسد بشكل مفاجئ نتج عنه جرح عميق بجلد الرأس أخذ ينزف بالصديد لمدة شهر ونصف و أحدث له ضعف إبصار بالعين اليمنى، كما أجبر على تناول عقار عبارة عن برشامتين صغيرتين كانتا تسببان له اضطرابا وهلوسة بصرية وسمعية يفقد على إثرها الوعي، كما جرى تعليقه كالذبيحة لمدة طويلة من يديه المقيدتين ووضع رباط على قدمه مما يجعل جسمه كله مرتكزا على الرسغين، وتعرض أيضا للصعق بالكهرباء على الأماكن الحساسة، و أجبر على الوقوف عاريا أمام تيارات الهواء البارد، والتعرض لعدد كبير من حالات الضرب الشامل، ولفترات طويلة من التجويع.

لماذا بكينا نجيب محفوظ إذن ؟؟، ولماذا أدنّـــا ما حدث له ؟.

يا إلهي..  

ألا يحسب الذين فعلوا ذلك والذين سكتوا عليه أنهم  ميتون وأنهم ملاقو الله؟ .

 اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أقولها، أن أصرخ بها:

إن الأمة كلها مدينة  بالاعتذار لمحمد عفيفي مطر، ولكل من حدث له ما حدث لمحمد عفيفي مطر، ولكل المصريين، فإهانة مصري واحد إهانة للمصريين جميعا، نحن إذن مدينون بالاعتذار لمصر، نحن جميعا و أنت معنا  يا سيادة الرئيس، ولست أنشد الاعتذار  منك  لبعدك بل لقربك، ليأسي من العلاقة بيني وبينك بل لأملى فيها، وما أطلبه لأمر يسير، بل لأمر عظيم  وطامة نزلت وطال مكثها و لخطب جلل  حان أن ينقشع، متوسما أن ما بيني وبينك يجب أن  يجرى مجرى العلاقة بين  حاكم حر ومواطن حر، تكمن حريتهما  في عبوديتهما لله الواحد القهار، لا لأحد سواه، حيث من العبودية الحقة تنشأ الكرامة الحقة، ويشمخ كل ما نعتز به في وجودنا الإنساني ونفخر، وبدونه يا سيادة الرئيس  لسنا سوى أجداث من التراب جئنا و إليه نعود، بلا كرامة ولا جاه ولا قوة ولا بنين ولا مال ولا عز  ولا سؤدد، ألا فانظر إلي كل ما نملك من زخرف الدنيا وزينتها، أنظر إليه  بعد ثلاثة أيام فقط في  القبر كيف يكون، إلي تلك السوائل الكريهة والعطن، إلي الدود والعفن، ساعتها يا سيادة الرئيس : ما هو الفرق بينك وبيني وبين محمد عفيفي مطر، أو بيننا وبين تلك النماذج البئيسة  التي  يسقط موتاها ضحية قوة غاشمة باطشة يتستر عليها آخرون و أنت عن الجميع أمام الله والأمة  والتاريخ مسئول، بعد سبعة أيام كيف نكون  وكيف يكونون، وبعد عام، وبعد ألف عام، أم تراك  تملك لحظتها  عبيدا لك من دون الله يبطشون بي  أو أملك أنا قلما أنافحك به، أم أن الله قد خلق لك - يا عبد الله - جسدا  لا يبلى وعمرا لا يفنى؟!..

 يا سيادة الرئيس: كلنا لا يأمن مكر ربه فلا تستنكف مني أن أهدى إليك عيوبك، ولا تستنكر منى أن أحاول قدر جهدي أن أدفع بيديّ  الكليلتين  عار الدنيا وذل الآخرة.

لست يا سيادة الرئيس بمدع الشجاعة ولا بمنكر إنني  أخافك وأخشى بطش رجالك، لكنني عندما أجابه الأمر وعيني على الله يبتلع خوفي الأكبر خوفي الأصغر، ورعبي الأكثر رعبي الأقل، عندما أقارن الدنيا بالآخرة تهون عندي الدنيا بما فيها، لأنني ونحن يا سيادة الرئيس على أعتاب الآخرة  ليس بيننا وبينها - مهما كانت الأعوام والسنون - سوى طرفة عين، لحظة يرتد فيها علينا البصر وهو حسير، أتخيل تلك اللحظة، وما بعدها، حين نقف عراة مجردين، لا حول ولا طول ولا قوة ولا حيلة، ولا قول أيضا، حين تذوى حججنا، وتسقط ادعاءاتنا وأكاذيبنا وجرأتنا على الله، وتستّرنا بالفضيلة حين نرتكب الرذيلة، وتمويهنا للشر بالخير، خداعنا، أمرنا بالمنكر، حين نقف أيها الملك أمام مليكك، ملك ملوكك، فتكون أكثر  منا خوفا و أقل أمنا، حين يسألني الله عن نفسي  ومن أرعى ويسألك عن ألف ألف ألف نفس.

لست طالب شيء من دنياك يا سيادة الرئيس، فعندما يعيش الموت في قلب إنسان لا يطيب له من الحياة طيب، وعندما يتمثل الله أمامه يهون عنده ما عداه ح لست طالب شئ من دنياك، لكنني أحاول أن أنصرك بردك عن ظلم   يسومه الناس  نظامك، وإنى لأعجب كيف تقسو على نفسك كل هذه القسوة وتحملها كل تلك الأوزار أمام الله والأمة والتاريخ.

يا سيادة الرئيس:

 لست بطامع بشيء من دنياك لكنى أطمع فيك أنت، ولعل طمعي فيك هذا  هو الذي أغراني على مواصلة الحديث إليك، وعلى أن أنتقى من الأوزار والخطايا - التي  أناشدك أن تتوب  معنا عنها  وعما سواها إلى الله و أن تعتذر  معنا  إلى مصر - خطيئة التعذيب، تلك التي  كرست لكشفها قلمي  منذ أمد طويل، يعلم الله لا لإحراجك ولا  لإدانة نظامك بل لأنها وصمة عار أغار عليك أن يتسم بها عهدك، فالله هو الذي يعذب  لا أنتم . . . .

الله لا أنتم . . . .

 الله لا أنتم..

 الله لا أنتم..

(...)

لماذا يا أحمد عبد المعطى حجازي  لم تشعل النار في الصمت، لماذا لم تسرج من صافنات القوافي مهرة  تطارد بها صمت الفيافي، لماذا  لم تضرب عن الطعام حتى الموت  حين  عذبوا إنسانا  - أي إنسان -.. فإن لم يكن من أجل الإنسان مجردا فمن أجل صديق عمرك ورفيق دربك  محمد عفيف مطر  حين فعلوا ما فعلوه به.

لماذا لم تقل  لسيادة الرئيس، الذي لما يحكم بيني وبين رجاله  منذ حكّمته، رجاله الذين  أنكروا  علىّ صدق الحديث  ويعلم الله - ويعلمون هم أيضا - إنني  لم أتجاوز الصدق  ولم أجرؤ على الحق، ربما كان يصدقك  أنت  ولو كذبوك، في وقف ما يحدث، ويمنع تكراره، ويحاسب المجرمين الذين ارتكبوه.

لماذا لم تترك مساحتك التي  تكتب فيها في  الأهرام بيضاء بلون الكفن، أو سوداء بلون الظلم أو حمراء بلون الدم .

لماذا لم تعلن أن مشكلتك لم تعد  أن ترى ما لا يرى بل ألا ترى ما يرى[3]، ولماذا  لم تحرق مجلتك.

لماذا يا فاروق شوشة لم تصرخ في المذياع أن لغتنا لم تعد جميلة  بعد أن تحطمت أبجديتها في صراخ شاعر.

لماذا يا أحمد عبد المعطى حجازي ويا فاروق شوشة لم تتأجج مشاعركما وتنثال ألفاظكما  وينهمر نظمكما على ما حدث لمحمد عفيفي مطر، لماذا ؟؟.

لماذا صمتم أيها المثقفون؟!

إن أكثر ما يبعث على العار في نصف القرن الأخير  ليس هزيمة 1967 ولا حرب الخليج بل  موقفكم المزري، لقد عجزتم  عن الدفاع عن القيم المجردة التي  لا يجب أبدا أن تتجاوز، عجزتم  واندفعتم  في مسارب فرعية وخلافات لفظية  وما ادعيتم أنه صراعات فكرية، ناكصين عن  إرساء المعايير والقيم الثابتة للأمة  ونظام الحكم معا، بحيث يمكن الرجوع إليها كما يرجع  اللغوي إلى المعجم  والرياضي إلى جداول الرياضيات كلما استشكل عليه أمر، التبس الأمر على الأمة فلم تعد تعرف من خلال تطاحنكم  من هو الكبير ومن هو الحقير، من الصادق ومن الكذاب، من الشريف ومن  اللص، من البطل ومن الخائن، من البريء ومن المجرم، من الجاني ومن الضحية، خنتم الأمة يا أمناءها و أضللتموها يا أدلتها   وفسقتم فيها يا أئمتها، تضخمت  ذواتكم  لتعويض خوائكم ونسيتم  الإنسان  الذي تدعون أن كل إنتاجكم موجه إليه، ولم يكن كذلك وكان أولى بمعظمه مقالب القمامة.    

لماذا لم تطرقوا الجدران..

في رائعة غسان كنفاني "رجال في الشمس"  يهرّ ب قائد شاحنة المياه الأفاق شحنة بشرية من ثلاثة باحثين عن الرزق في صورته البيولوجية الدنيا، بعد أن ضاقت بهم الدنيا، يضعهم في خزان المياه الفارغ، وعبر الحدود  العراقية الكويتية  تصليهم شمس الصحراء لهيبها  وهم غارقون في جحيم الصمت خوفا من أن يكتشفهم حرس الحدود الكويتيون، يصمتون قليلا كي يعيشوا بعد ذلك طويلا، لكن، بعد أن يعبر القائد الأفاق الحدود  يكتشف موتهم جميعا، فلا يملك إلا أن يتخلص من جثثهم  في مقلب قمامة العاصمة، وتستبد به الدهشة، فلو أنهم صرخوا فما ذا كان سيصيبهم أكثر من الموت الذي أصابهم فعلا   من جراء الصمت، لقد صمتوا لكي يعيشوا، فلماذا حين أوشكوا على الموت لم يتكلموا، لم يصرخوا، حتى الأفاق يصرخ :

 لماذا لم يطرقوا الجدران؟.

فلماذا لم تطرقا الجدران يا أحمد عبد المعطى حجازي ويا فاروق شوشة.

لماذا لم تطرقوا الجدران أيها المثقفون.

لماذا لم تطرقوا الجدران - فيما عدا طرقتكم الأخيرة - أيها الصحفيون.

هل تصدقون أن التعذيب يحدث أم لا تصدقون.

أم اقتنع بعضكم أن التعذيب مسلط على الإرهابيين فقط، وكأنهم ليسوا بشرا.

 هل تدركون الآن أن حجة الإرهاب كانت ستارا  يستر عورة منهج، فالإرهاب يمكن مقاومته بالقانون لا بإهدار القانون، ولم يكن الأمر  أمر إرهاب  ، فعادل حسين ليس إرهابيا وإلا فخبرونا أين القضية التي  سجن على ذمتها، محمد السيد سعيد  أيضا ليس إرهابيا ولا محمد عفيفي مطر  ولا مجدي حسين و لا عبد العظيم مناف ولا حمدين صباحي  و لا علي القماش و لا صلاح بديوي  ولا خالد الشريف ولا أيمن نور و لا عبد المنعم جمال الدين  و لا سيد عبد العاطي و لا مجدي حلمي ولا أحمد شحاتة و لا محمود شاكر و لا عبد الوهاب السهيتي  و لا محمود الشاذلي و لا محمد عبد النبي و لا مجدي حنا و لا حمدي شفيق و لا ثروت شلبي  و لا عامر عبد المنعم و لا محمد القباحى  و لا عامر عيد و لا مدحت الزاهد و  لا مصطفي السعيد  و لا  إبراهيم فتحي و لا الدكتور فخري لبيب  و لا صلاح العمروسي ولا  أحمد عبد الرازق ولاحسين بدوى  و لا محمد يوسف الجندي، كل أولئك  لم يكونوا إرهابيين بل صحفيين ومفكرين سجنوا وروعوا بلا سبب إلا اعتراضهم علي فساد السلطة ومباذلها.

لماذا لم تطرقوا الجدران إذن؟..

يجب أن أقرر  أن كل تعذيب مدان أيا  كان ضحيته  و أيا كان مبرره، التعذيب جريمة، والقائمون به مجرمون، وحتى لو غزا النظام الذي يقوم به أجواز الفضاء وحقق المجد والثروة والنصر للوطن، حتى لو لم يكن النظام القائم به نظاما فاسدا همجيا  يقود وطنه و أمته إلى الخراب، حتى لو ساد من يقومون به العالم فإنهم مجرمون أمام الله والتاريخ والإنسان.

لماذا لم تصرخوا بذلك أيها المثقفون؟ .. لقد كان أمامكم محمد عفيفي مطر، ليس له  - فيما أحسب - لحية ولا يحمل مدفعا ولا قنبلة  بل قلما وقرطاسا..

كان ينزف من أجل الوطن، وكان شعره نزيفه:

أرضك مفترق تتسع به أرض الأغيار..

وتعبره أمم وجيوش..

للأقوى وعبيد الأقوى، ميراث أنت لمن يرثون..

على كتفيك تكسرت الأمواج تواريخ مجاعات ..

وطغاة منكسرين ومزهــوّين..

تلك أيها المثقفون، تلك يا أحمد عبد المعطى حجازي ويا فاروق شوشة كانت وثيقة اتهام محمد عفيفي مطر، ذهبوا إليه واصطحبوه إلى لاظوغلى، وفي فجره الأول هناك ساموه سوء العذاب:

الليل صقيع و روائح لحم الإنسان المشوي طرائد..

منسرح الريح..

 الشاعر يتلقط لحم جوارحه..

ويسح دم..

والشاعر يركض  علّ المطر  الأسود يغسله ويذيب جوارحه في البرق وينثره خرزا..

انتبهت أعضائي في حلم المذبحة الكونية..

أبتدئ الركض لآخذ موضع أسمائي الحركية

والعلنية في قافلة المذبوحين وقافلة الأسرى..

أيقظني الفولاذ البارد..

كنت أميرا يمرق في  "تشريفة" صفين من الأشباح..

لا يصف محمد عفيفي مطر ما هي "التشريفة"   لكن كتاب  "دفاعا عن حقوق الإنسان"  يعرفنا بها، حين يتم تجميع  المحتجزين على ذمة قضية واحدة لدى وصولهم إلي السجن، حيث يتعرضون للضرب المبرح بالأيدي واللكمات والركل وكعوب البنادق  والسيور الجلدية وخراطيم المياه والعصي الخيرزانية والكهربية  والسياط، وعادة يتم الضرب على مرحلتين  قد تعقبهما مراحل أخرى بتكرارية عالية في بعض الحالات، وتكون عمليات التعذيب التمهيدي بالضرب داخل الأماكن التي  تسيطر عليها مباحث أمن الدولة  جزءا من عملية الاستجواب التي  يقصد بها أحيانا الحصول على اعترافات أو معلومات أو تجنيد أشخاص للعمل لصالحها، لكنها في أحيان أخرى تكون للعقاب والتأديب.

هل كان محمد عفيفي مطر إرهابيا، ألم يكن شاعرا كبيرا ومعروفا على مستوى الوطن العربي كله، ويعرف معذبوه أنه سيخرج بعد الإفراج عنه ذات يوم ليفضح ما حدث له، يعرف المعذبون إذن أن ثمة سلطة أعلى - غير سلطة الشيطان - تمنحهم الحصانة وتحميهم من أي محاولة للكشف أو للعقاب، مهما انكشف أمرهم، والأمة لا تهمهم  طالما ملكوا السياط والرصاص والسجن، والمثقفون عجزوا عن صياغة المعايير والدفاع عنها كما دافع الصحفيون عن قضيتهم وقضية حرية الوطن.  لماذا سمحوا بانقلاب الوضع، حتى أضحت  المعايير تطبق عليهم بدلا من أن يصوغوها، و أصبح الطواغيت هم الذين يحددون وضع المفكر ومدى صحة فكره، ما هو الصحيح وما هو الخطأ، ما هو  في  صالح الوطن وما هو ضده، وذلك وضع لا يضاهيه إلا أن  يقود اللئيم الكريم  و أن يحاكم المتهمون قضاتهم، و أن يضعوهم في السجون.

اعتزل محمد عفيفي مطر كل ذلك في تعال وكبرياء  طيلة حياته، فقد كان  - قبل أن يكابد الهول الذي لاقاه بنفسه في لاظوغلي  - يرى الشرطة  السرية وكأنها مبثوثة في الكون:

أرى عيون الشرطة السرية..

تلمع من وجه إلى وجه..

تنسكب في  الشوارع الخلفية..

كل قفا وراءه عينان تخرقان ظلمة النخاع..

تتحول الشرطة  السرية في وجدانه  إلى أشباح، ليست قادرة على اصطياده فقط، بل على غزو وجدانه أيضا، حين لا يكتفون بأسر جسده، بل يقطفون روحه، يشكلونها كما يشاءون، فالقمع الذي يكابده في أعماقه  يفعل به أسوأ ما يمكن أن يفعل بإنسان ، يسلبه هويته، قدرته على السيطرة على نفسه وتحديد مصيره، يشيئه، بل و يحول الوجود حوله  إلى شرطي كبير، فهل فعلوا بكم مثل ذلك يا أيها المثقفون ؟:

تخرج من دفتر الأعمال والأقوال..

أشباحها المرصودة..

كل جدار، كل معبر، كل زوايا الأرصفة..

أقدام شرطي يسير سيره المنتظما..

وبحجم ذلك الكائن الخرافي الوحشي يكون حجم خوفكم:

وقفت بين النطع والسياف..

مستجمعا مملكتي الخفية..

وارتعشت في يدي مواسم القطاف..

وانفجرت خلية خلية..

تحجرت وارتعدت مفاصلي من خوف أن أخاف..

 أيها المثقفون الذين لم يطرقوا الجدران فخانوا قضية الإنسان وخانوا أنفسهم، أيها المثقفون في المستنقع ( المستنقع ليس صفة، بل اسم مقصف حقيقي يذهب إليه معظم المثقفين)، ماذا فعلتم عندما  عذب محمد عفيفي مطر، لا كمجرد فرد بل كرمز لكل من ذهب هناك  ودليل لا يدحض على التعذيب، يا من صياحهم في الصغائر زئير أسود كواسر، ماذا فعلتم  في الفجر الثالث له في لاظوغلي حيث يصف ما حدث له:

أقسى من الموت ارتعاش الموت في الشلو الذبيح..

من معصميك لكاحليك..

كابدت وحدك أيها النحات..

ليس من شئ لشيء غير عصف الروح في عصف الرماد..

مستحدث الكيمياء يكشط من ظلامك طينة..

للخلق فالملكوت يسطع..

والحشود المبهمات، و أنهر الدم، والملوك..

على الأرائك يتكي الجلاد منتظرا سقوط الصقر محترقا بجائش حلمه..

ويقصد الشاعر بمستحدث الكيمياء  تلك الأقراص التي  أرغموه على ابتلاعها، والتي  كانت تسبب له اضطرابا شديدا في أحاسيسه وفقدانا للوعي، كان في السادسة والخمسين من عمره، وكان يعذب كل هذا العذاب. يصف الضابط  الجلاد الذي يجلس متكئا على الأريكة في انتظار انهياره، وتحت ظلام العصابة التي  عصبوا بها عينيه ينفجر الضوء بين قوائم عرش الجلاد:

ست وخمسون ارتمت عنها مهلهلة الثياب..

وصرصر هبت فخشخشت الضلوع..

لوّحت من هلع الذهول..

وصرخت فابتدرت يد الجلاد ناصيتي وشد وثاق عينىّ المشاكستين بالرؤيا

ومكنون التذكر والعناد..

فرأيت جوهرة الظلام على قوائم عرشه انفجرت نهارات مضوّأة  وأشهدنى مقام الذل  تحت يد الأذلاء المهانين:

الدهور تفجرت أجداثها بالثأر،

فالأمم المـؤبّـدة الذحول..

هبت دفائنها وقام الوحش وانتشر الجراد..

وتخشعت أمم الحشائش والهوامش والخواء المستذلّ..

تفاصحت في الموت أعلام الذبول..

وتحللت إرمٌ  وعاد

في الغائط الكلبىّ  والنفط..

البلاد وظلمة الملكوت عهن طائر،

وتخطفت جسدي المناسر والعصىّ

معلقا ومثبت الرسغين في الأفلاك

في أقصى الظلام..

***

يواصل تقرير منظمة حقوق الإنسان  - والمنشور في مصر - وصف أساليب التعذيب وقد يساعد ذلك على فك رموز الشعر وتكثيفه: "وبالرغم مما يتركه الضرب من آثار إصابية ممتدة، فإنه ليس أقسى أشكال التعذيب المتبعة في مصر الآن، حيث يجرى على نطاق واسع استخدام وسائل أخرى لتكثيف الألم الناجم عن الضرب أو لإحداث آلام لا تطاق    من بين تلك الأشكال التعليق العكسي على الأبواب، أو التعليق من السقف بواسطة كرسي يربط به جسم الضحية وهما في وضع مقلوب، أو حشر قضيب معدني بين اليدين  المقيدتين  بجانب القدمين المقيدتين وتعليق القضيب على قائمين مرتفعين أو كرسيين..

يصرخ محمد عفيفي مطر:

الأجواء غربان وبوم..

والخلائق محض قيء من جحيم الروح والهولات ترقص في فضاء الرعب..

خذي كفي من قيد الحديد  ألملم الشفّ المشقق..

كان جلاد بكعب حذائه يهوى علىّ فطقطقت ضلع

ارتميت..

وليس من وطن سوى هذا الرماد..

***

أين كنتم أيها المثقفون وذلك يحدث، لقد سقط الكثيرون منكم  في مقولة مقززة تهامس بها بعض اليساريين ليشوهوا  ماضيا  طالما احترمنا تضحياته، حين برروا التعذيب لأنه موجه لعدوهم التقليدي:الجماعات الإسلامية  مسقطين من جحيم الذاكرة أنهم هم أنفسهم قد تعرضوا للتعذيب ذات يوم، كان موقفا مزريا، وكان المبرر له أشد زراية، إنهم يدركون أنهم لا يستطيعون الوصول إلى الحكم حتى لو حدثت المعجزة ذات يوم و أجريت انتخابات حرة، وهم لا يستطيعون مواجهة الجماعات الإسلامية كما لا يستطيعون مواجهة الحكومة، فلينهك كل منهما الآخر إذن، أو ليقض عليه، وليشعلوا هم النيران كلما توجسوا منها الانطفاء  كي تخلو الساحة من عدويهما القويين : الحكومة والجماعات الإسلامية.  مرة واحدة يكسر الإنسان مبادئه و يخسر شرفه، كي يعيش بعد ذلك باقي عمره بلا مبادئ وبلا شرف، هل كان محمد عفيفي مطر  يا أيها اليساريون إرهابيا ؟ أم كان شاعرا فحلا نفيتموه من فردوسكم لأنه رفض طول عمره الانضواء تحت لوائكم كما رفض أن ينطق بالشهادتين شهادة لماركس وشهادة للينين..!!..كان قوميا عربيا إسلاميا، وتلك الأخيرة لم تغفروها له، وبرغم اتفاقكم معه  في توجهات كثيرة سكتّم عنه، لأنكم في صمتكم عن التعذيب المسلط على أعدائكم مستعدون  لتقبل أي تجاوز  و أي جريمة، فالغاية تبرر الوسيلة، لقد بلغ السوء - عذرا أيها القارئ فقد آليت على نفسي أن أستعمل أهدأ الألفاظ وأقلها حرارة كي لا أزيد من النار التي  تتأجج في قلب الأمة، لكن كلمة السوء هنا لا تعبر عن الحد الأدنى -  ليس السوء  إذن بل العهر، بلغ ببعضهم أن فسر علامات التعذيب التي  تصفها تقارير الطب الشرعي وتوردها حيثيات أحكام المحاكم، بأن المعتقلين  يلحقون بأنفسهم هذه العصابات كي يدّعوا  أمام المحكمة أنهم أدلوا باعترافاتهم تحت وطأة التعذيب، ولم يفسر لنا العــهّار كيف مات من مات من التعذيب، وكيف اختفي من اختفي فيمن تصف منظمات حقوق الإنسان اختفاءهم بالاختفاء القسري، وبلغ السوء بالبعض الآخر، أن راح يشكك في احتمالات  حصول منظمة حقوق الإنسان، على تمويل  من الإرهاب  كي يكتبوا عن التعذيب، ولمثل هؤلاء  لا أوجه حديثا، لكنني أقول للقارئ، أن سلطة الدولة  ممثلة في النيابة والشرطة وصحافتها، لم تكن لتترك أبدا حالة واحدة يمكن أن تخطئ فيها المنظمات، ولو بالصدفة، كي تنتهز الفرصة لتلحق بهم أقسى عقاب ولتشكك في جميع ما ينشرونه، و أنهم أيضا، لم يكونوا بتاركي كلمة واحدة في هذه المقالات  ما لم يكونوا واثقين  إنني  أعتمد فيها على مصادر شتى  كلها موثق، و أنه خير لهم أن يغضوا الطرف عنه ففي المساءلة عنه كشف للخفي..  يدّعى بعض اليساريين ذلك، رغم أن معظم أعضاء منظمات حقوق الإنسان من اليساريين، وربما كان أداؤهم هو الدليل الرئيسي الباقى على أن  بعض النضال اليساري كان نضالا حقيقيا، ولم يكن كما هو حاله عند معظمهم عمالة، أو نضالا مدفوع الأجر، فضح خونته جورباتشوف، عندما  كشف عن  الكشوف السرية للـ  KGB، وأسماء من كانوا يتقاضون منها نقودا.. هنا .. في مصر..

لكن هل ندين اليساريين فقط؟

أم أن العار يلحق  بكم جميعا يا مثقفو الطوائف، يا خدم؟..

 أين كنتم أيها المثقفون، يا حاملي راية الدفاع عن الإنسان والإنسان يذبح، لماذا عجزتم طيلة نصف قرن على الاتفاق على قيمتين فقط : منع التعذيب ومنع تزوير الانتخابات، ولو اتفقت  طوائفكم المتناحرة على هاتين القيمتين فقط لما وصل الحال بالأمة إلى ما وصل إليه..

 أين كنتم أيها  المثقفون النقاد حين صدر ديوان الشاعر  محمد عفيفي مطر: " احتفاليات المومياء المتوحشة" عن دار سينا للنشر، فلم يكد يتناوله منكم أحد، تكتمتم أخباره وتسترتم عليه كما تسترون عورة  وتتقون جحيما قد ينفتح عليكم إذا كتبتم عن عمل لا ترضى المباحث عنه، أين كنتم يا شيوخ النقاد، وهل أصبح من شروط النقد ومعاييره رضاء  المباحث عن العمل الفني، وهل يسبق تقييمها تقييمكم فعما أجازته تكتبون وعما ازرورت عنه تزورّون ؟..

 الآن أسأل  والتساؤل جمرات: أين كنت  يا أحمد عبد المعطي حجازي  ويا فاروق شوشة و يا رجاء النقاش ويا عبد المنعم تليمة ويا شكري عياد   ويا صلاح فضل ويا عبد القادر القط ويا جابر عصفور ويا فاروق عبد القادر وياعز الدين إسماعيل ويا أحمد كمال زكي ويا على الراعي، أين كنت يا جمال الغيطاني ويا يوسف القعيد، ولماذا يامحمد سلماوي لم تنقل لنا إدانة نجيب محفوظ لما حدث، لماذا حتى لم تستعد ما قاله في أحد أعماله الروائية، كي تبرئ ذمة الرجل من عار الصمت عن التعذيب أيا كان زمانه ومكانه ومبرره ..  ففي لحظة يفيض فيها ظلم الجهاز الباطش الجبار يصرخ نجيب محفوظ  هذه  الصرخة في " حب تحت المطر" :

" رجال الشرطة شياطين، وهم يملكون جحيم الأرض وينفثون النيران في  الوجوه الشاحبة، يطرقون الأبواب بأيدي أليفة كالأحباب ثم يفتحون البيوت كالأعاصير، ويقف الكهل بين أيديهم مجردا من الكرامة فيفترس الخوف قلبه ويوقن بأن الحياة وهم وضياع، وينقبون الجدران والحشيات والجيوب والخزائن فتتلاشى المسرات والأخيلة، عند ذاك يسير بينهم بلا أرجل، بلا أعين، بلا غد.."

ثم ما يلبث أن يردف:

( أنه  قوة مخيفة تعمل في استقلال كلى عن القانون والقيم الانسانية)..

هل ذلك ما أخاف النقاد من الكتابة ؟..

 يصرخ حلمي سالم  ناعيا تجاهل النقاد للديوان:

( ألا ما أبأسها من حياة نقدية )..

لكن حلمي سالم، وفي مجلة حكومية أو شبه حكومية هي مجلة الهلال، بعد أن يقر بالتعذيب الذي تعرض له محمد عفيفي مطر، لا يدين هذا التعذيب صراحة، كما لو كان ظاهرة من ظواهر الطبيعة، كالبراكين والزلازل، شئ لا يجوز انتقاده، شئ أكبر حتى من القدر الذي يمكن للإنسان أن يدعو الله باللطف فيه..

يقول حلمي سالم:

" هذه القصائد هي ثمار تجربة الاعتقال والتعذيب التي  مر بها الشاعر أثناء حرب الخليج :  العراق - الحلف الأمريكي الغربي .. حيث تم حبسه بسبب رفضه لوحشية التدمير التي  قادها الأمريكيون ضد العراق - نظاما وشعبا - ورفضه للتواطؤ العربي مع هذا التدمير الوحشي .. وهو الاعتقال الذي مورست فيه على الشاعر ألوان ضارية من التعذيب والتنكيل"...

مجلة حكومية أو شبه حكومية، تتحدث بكل بساطة  عن ضراوة التعذيب والتنكيل، دون أن تنقلب الدنيا وتقال الحكومة ويصدر النائب العام أوامره فتتحرك الشرطة لإمساك المجرمين .. فلماذا يا أحمد عبد المعطى حجازي، حين عانقت الرئيس مهنئا، لماذا لم تجث على ركبتيك أمامه، تتوسل إليه بالدموع والألم، أن هذا الشعب الطيب المغلوب على أمره لا يستحق من نظامه كل هذا السحق، و أن الأمة التي  هرعت إليه تحيطه بانزعاجها حين تهدده خطر محاولة الاغتيال، تستحق منه، أن يقيل الحكومة و أن يحاسب المجرمين، لماذا يا أحمد عبد المعطى حجازي لم تجأر بالصراخ أمام سيادته، كي تنقل إليه صراخ المعذبين، فإن كانت تلك السنوات  التي  قضيتها في فرنسا، حين باعك  قطار الجنوب في الشمال، قد أنستك صراخ المعذبين، فهل أنستك أيضا صرخات  إخوانك، لماذا تخليت عن صديقك محمد عفيفي مطر، لماذا لم تتذكر  شيئا من شعرك القديم العذب:

يا ليت أمي وشمتني في اخضرار ساعدي

كيلا أتوه ..

كيلا أخون والدي ..

كيلا يضيع وجهي الأول تحت وجهي الثاني..

و لماذا لم تتل عليه بدلا من  مديحك له في كلمتك أو حتى معه شيئا مما كتبه صديقك  عن محرقة لاظوغلى في سادس أذان للفجر  له  هناك، حين راح يحلم  في عذابه الجنوني المجرم بشربة ماء:

 

تحت العصابة كان وقت من دم..

والأفق مشتعل بوهج حريقه الممتد..

أنت تهز  رأسك..

تستفيق من المخدر وانتهاك الذاكرة..

شيئا فشيئا تخرج النهر المخبأ تحت جلدك..

أغيمة تبدو أم الإبريق صلصلة من الظمأ المفضض في العراء..

قلت اغسل القدمين والرسغين، أطفئ جمرة الفولاذ تحت أساور الصلب المحبك..

وارتخت في القيد أطرافي..

وكنت أفيق من خلط المخدر وانتهاك الذاكرة..

شيئا فشيئا..

قبل أن تبتل أطرافي انتبهت على فحيح الموت

يفهق في العصي وفي كعوب الأحذية:

- قم، طأطىء الرأس، استدر، واصعد، وقف..

كان الهواء رطوبة وحرارة وزهومة تعلو عفونتها..

ورائحة الشواء كأنها نتن الخليقة في سهوب الموت..

وكان القيد في الرسغين جمرا نابضا:

- ( هيئه واحذر أن يموت فعهدة الأفراد كاملة الدفاتر)

كنت مشبوحا وسلك الكهرباء على يديّ

وكان برق من وحوش الطير ينهش ظاهر الكفّين..

تنبش ثم تلقط..

لا دمى يكفي ولا يكفي طحين العظم..

فانظر هل ترى..

 لا شئ يبقى من بلادك غير جير العظم..

هل وطن سوى هذى المسافة بين لحمك في الجحيم وبين سلك الكهرباء

***

فلماذا يا أحمد عبد المعطى حجازي، وقد حزت شرف الحديث عن المثقفين أمام الرئيس، لماذا لم تتحدث بوجهك الأول، لماذا لم تقل له أن ضمير الوطن والأمة والتاريخ يصرخ، و أننا جميعا، وهو أولنا: مدينون بالاعتذار لمصر..

 

(...)

(...)

 

ترى:هل تكره - مثلى  أفلام الكارتون والميكي ماوس يا محمد عفيفي مطر؟

كلما - بحكم الصدفة - شاهدتها تخيلت أنهم يسخرون منا، أن إسرائيل، - كرمز، ورأس رمح، يتخفي وراءه الغرب  كله   - هي الفأر الصغير الظريف الذكي، و أننا القط الكبير الغبي الأحمق الذي يقع دائما في نفس الأخطاء لتحل به ذات الكوارث  فيحملق في غباء ودهشة دون أن يعرف السبب، ودون أن يفهم، ويروح يكرر ذات الأخطاء، كلما تعرض لذات المواقف، حتى يصبح أمام عدوه مجرد دمية تحركها الخيوط، وكلما أراد الميكي ماوس أن يدفعه إلى فعل ما، يحطم فيه نفسه من جديد، لم يفعل إلا أن يشد خيطا من تلك الخيوط التي  تجمعت في يده، والتي  ساعده القط الغبي نفسه  في تجميعها، بل ونراه  يهرع بإخلاص غبي، لتسليمه أي خيط يفلت من يده، ولتنبيهه لأية ثغرة لا يراها.

تبدو إسرائيل كفأرة كمبيوتر، لا تساوى في حد ذاتها الكثير لكنها تنفذ برنامجا هائلا لجهاز كمبيوتر عملاق  خفي، يرى الحاضر كله والماضي كله ويخطط للمستقبل كله، بينما القط الغبي الأحمق لا يرى حتى ما تحت قدميه، فقد أقنعه الفأر الذكي أن يلبس عوينات كي يرى أفضل، وكانت تلك العوينات أسوأ من العماء، فالعماء قد يتيح لوسائل الإحساس الأخرى، وللعقل  أن يروا، لكن تلك العوينات، لم تكن عوينات، بل شيئا كصندوق الدنيا، لا ترى به العالم بل وهما لا يوجد، يمنعك من رؤية العالم، وهكذا، لم تترك  العوينات الخادعة للقط الغبي الأحمق  المخدوع أن يرى سوى ما يريد له عدوه أن يراه.

في عام 1948 اندفعت القطط الغبية الحمقاء ليسحقها الفأر، وهى لا تفهم كيف، وعادت، لا لتلعق جراحها، بل ليصب كل قط منها جام غضبه على كل قط آخر، مدينا له، لا يرضى له دون الموت بديلا، والفأر يضحك.

في عام 1967، حين سحق الطيران المصري في أقل من ساعتين، صرخ موردخاى هود - قائد سلاح الجو في فلسطين المحتلة - أن ما حدث يفوق أعظم أحلامه جنونا، وسئل موشى ديان كيف فعلها، كيف استطاع، فأجاب أنه كرر ضربة 1956 بحذافيرها بعد أن ظل يدرب قواته عليها  عشرة أعوام كاملة، فسألوه كيف لم يخش أن يكون المصريون قد أدركوا خطأهم السابق و أنهم لن يسمحوا بتكراره، فأجاب إجابته التي  لما تزل بعد  أكثر من ربع قرن جرحا مفغورا: إنهم لا يقرأون، فإذا قرأوا لا يفهمون، فإذا فهموا لا يفعلون.

وكان القط الغبي يحملق دهشا،  والميكي ماوس ليس أنفا مقوسا ولا صوتا أخنفا بل قوة هائلة  كقوة الغيب والأساطير، سحقته، فلما سحقته راح يسبغ عليها صفات الأسطورة كي يبرر حجم هزيمته.

من 67 إلى 73 أدرك القط بعضا من حقائق قوته، و أخفي بعض الخيوط عن عدوه، حتى كاد أن ينال منه، لكن القط  الأحمق توقف  حين كان يجب أن يتحرك، وتحرك حين  كان يجب أن يتوقف، وأمسك في اللحظة الحاسمة  عن التفكير ليسرق منه الميكي ماوس ثمار نصره لتعود الأمور كما كانت  بل أشد سوءا.

وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران كان ذلك انفلاتا لخيوط عديدة من يد الميكي ماوس، وراحت القطط الغبية تسعى لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وراح الفأر يشحذ مخالب القط، ويسن له أنيابه، ويستثير حماسه، ونشبت الحرب بين العراق و إيران، وكانت العراق معتدية، لكن استمرار الحرب كان خطأ فاجعا من العراق و إيران معا، خطأ فادحا كان يسحق فيما يسحق أمن الأمة كلها، بل وربما وجودها، وكان القط الغبي الأحمق  يصارع في المرآة نفسه  فيفقأ بمخالبه عينه، ويقطع بيده يده الأخرى، والفأر الذكي يقهقه مدعيا مساعدته، فيكيل له الضربات الساحقة، أمام المرآة، موهما إياه، أنه إنما يكيلها لعدوه، وكلما استشعر الغبى مزيدا من الألم ناشد عدوه، الذي يظنه صديقه وحليفه، أن ينتقم له و أن يحميه، بأن  يزيد من ضرباته.

أيامها، قلنا ذلك، وحذرنا الجميع، وتنبأنا بأن الميكي ماوس بعد أن ينهك الطرفان بعضهما، سيتكفل هو بسحق الطرف المنتصر.

وحرك الفأر خيوطه فغزا العراق الكويت، وكان خطأ فادحا، بل كان جريمة  و إن كان لها حساباتها  الحمقاء التي  تجاوزها الزمن  وقصرت عنها القدرة، وكنا نرى باقي اللعبة، فحذرنا، صرخنا، كان ممن صرخ معنا محمد عفيفي مطر، لكن كان ما كان، وكان جريمة أفدح لا حسابات لها، أو على الأحرى  كانت كل الحسابات تصب في جعبة العدو، وضدنا، واستعاد القط  الغبي بنفسه من نفسه كل خيط أفلت، وعقد كل أنشوطة ارتخت، وسلم الكل إلى الميكي ماوس مرة أخرى .

ما يحدث الآن تكرار فاجع، لقد انتهى الفأر أو كاد من تحطيم  جبهات كل العرب والمسلمين، بقيت مصر، وهى في حالتها الراهنة على ما يتمناه العدو ويكرهه الصديق، لكنها تظل مكمن الخطر، والجزء القادر إذا استيقظ على قلب المعادلة، لذلك فلابد من دفعه إلى حرب مع السودان تخرجه من المعادلة نهائيا لعشرات الحقب، حرب مع السودان تقضى عليه والسودان، ويعقبها حصار كحصار العراق لذلك أقول أن أي حرب مع السودان أمر بين الخيانة  الدنيئة والخطأ الغبي، و أقول أيضا أن بعض أنواع الخطأ وبعض أنماط الغباء أشد سوءا و أفدح تأثيرا من الخيانة.

بقيت مصر، المطلوب عزلها، حصارها، دفعها إلى حرب أهلية كالجزائر، و إلى حصار وسحق وتدمير كالعراق، و إلى خنق كليبيا، وترويض كسوريا، و احتلال كالسعودية والخليج، ثم على ثأر بينها وبين الأمة العربية والإسلامية، يجعلها حين تقع في براثن الوحش - الذي طالما سخر منا فأوهمنا أنه مجرد فأر صغير - لا يبكي عليها أحد ولا يسعى لنجدتها أحد.

بقيت مصر حتى الآن راسخة كدوله، طيلة التاريخ المكتوب حافظ حكامها على حدود الدولة، الآن نرى الخطر ونحذر منه، فبعد استنزاف الاقتصاد، وبعد السلب والنهب، وإهدار النصر الوحيد، والقضاء على معنويات الأمة، ودفع مصر ذات يوم أسود لضرب ليبيا، واستدراجها ذات حقبة سوداء لمحاربة شعب العراق، وبعد   وبعد   وبعد، وبعد أن نصل إلى حرب أهلية كالجزائر، وإلى حرب مع السودان، بعد ذلك كله، سيكون من اليسير جدا، ليس مجرد تقسيم السودان، بل تفكيك مصر إلى دول ثلاث، وهو مخطط قديم ومعلن، يستطيع أي قط غبي أن يقرأه في دوريات الميكي ماوس  ومجلاته، ولقد قرأتها منذ بدايات عهد الرئيس مبارك، عن المخطط أن تقسم مصر إلى دويلة مسلمة  في الشمال، ومسيحية في الجنوب، ثم دويلة نوبية تفصل بين مسلمي مصر في شمالها عن مسلمي السودان، التي  ستقسم هي الأخرى، لكن القط الغبي  لا يقرأ، فإذا قرأ لا يفهم، فإذا  فهم لا يفعل، أو فعل عكس المطلوب تماما تماما.

حين نشر هذا المخطط كان يبدو نوعا من الخيال، وضربا من المحال، الآن، بعد أن حارب نصف العرب نصف العرب في الخليج، وبعد أن هزم كل العرب كل العرب، وبعد أن حدث في الكتلة الشرقية ما حدث، ترى هل ما يزال الخيال خيالا والمحال محالا؟.

لعلها أول مرة في التاريخ يا أيها المثقفون، بل يا أيها الناس تكون وحدة الدولة ووجودها  - كمصر الكائنة منذ فجر التاريخ  - مهددة ومتآمرا عليها، أول مرة يا سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك.

مصر هي أهم الدول العربية والإسلامية، لذلك يجب أن يكون المخطط ضدها شاملا كاسحا جامعا مانعا، أن يفعلوا معها، بها، كل ما فعلوه بإيران والعراق والخليج والسعودية والمغرب والجزائر وتونس، لقد حذرنا، ولقد تحقق دائما ما حذرنا منه، وهانحن أولاء نحذر من جديد، لكن القطط  العمياء تندفع إلى مصير ليس هو القدر، بل هو الحماقة والغباء، فلا جديد في مؤامرات الميكي ماوس ولا مخططاته، والقصة هي ذات القصة، كلحن موسيقىّ تعزفه آلات مختلفة.

 محمد عفيفي مطر أيضا حذر، ظل يحذر طيلة عمره، لكن القطط الغبية الحمقاء  - حين أدركت أنه يرى ما رأته  زرقاء اليمامة - أسرته في لاظوغلي، فلقد تجرأ ورأى العالم بعينيه لا بعوينات الميكي ماوس، فراح  يصف ما يرى، راح يدافع عن العراق، وعن الأمة،  فاقرؤوه، فغدا  - إن حييتم - تقرأون مثله لشاعر في اليمن أو في المغرب  يحتج على العدوان الأمريكي على مصر، على قصف الأزهر والحسين، وموت الآلاف في مخبأ في باب الشعرية:

 

...

خمسين عاما..

كلما نضجت جلود الميتين تقلبوا في الجمر

واتسعت مسافات الحريق..

الأبيض المتوسط انفجرت زعازعه بفيض الدمع والدم..

- ليس من نصر يجئ –

...

خمسين عاما كنت شاهدها الضحية..

والمقاود جررت فولاذها الريح العفية..

عسكر الثوار، حفارو القبور المخبرون..

نخاسة الأفكار في الزيف الأجير..

فخدّدَت  في نازف الأرض الطرائق للخيول وشاحنات السجن

وسّعت  المسالك للمدافن والنعوش..

...

أنصت إذن لدماك تنزف من فتوق الذاكرة..

أبناؤك التفوا - وهم ذبح سينضج وقته..

فاجدل منادمة من الدم والكلام..

هل ثم شئ كائن إلا نزيف الذاكرة..

ومسابح الدم والكلام ..

كان محمد عفيفي يحذر ويصرخ وكان  بعض السادة المثقفين قطا غبيا آخر كرس جهده للخلاف والصراع، لا مع العدو، بل مع بعضهم البعض، لا لتوحيد الأمة بل لتفتيتها، كان محمد عفيفي مطر يعلم - وبالطبع كان القط الغبي أيضا يعلم - أن الاسم الرمزي لحرب تدمير العراق ليس عاصفة الصحراء بل المجد للعذراء :Ave Mary، كانت هذه الترتيلة الكنسية في تحية وتمجيد العذراء مريم  هي الصيحة التي  أطلقها السفاح شوارتسكوف  مع أول صاروخ في حرب الخليج، و لقد كتبوا على صاروخ منها:إن كان محمدهم لا يستجيب لدعائهم فليدعوا المسيح، كانت الصواريخ تنطلق  لتدمير شعب العراق  لا لهزيمة صدام، لو كان مقياس نتيجة الحرب مصير صدام  فقد انتصر كما يقول، و إن كان المقياس تدمير شعب العراق واقتطاعه من قوة الأمة فخسئ النصر، وفي مخبأ العامرية في بغداد قتل  مئات المدنيين، من بينهم أكثر من أربعمائة طفل، بصاروخ من صواريخ المجزرة الأطلسية في حرب الخليج، يستعيد محمد عفيفي ذلك وهو معلق معذب مهان معصوب العينين في جحيم لاظوغلي:

 

كان الليل تحت عصابة العينين ينبض ملحه المسنون..

بالبرق المفتت والدخان ومشهد الموت الأخير..

...

ومئذنة يؤذن فوقها الجزار  :Ave Mary

ومريم كانت اتكأت تهز النخل لا رطب ولا نجم  سوى الفولاذ منصهرا..  يئزّ  يؤجّ يهطل..

والدخان معارج الموتى وقافلة الحجيج..

صوت المؤذن  من رفات العامرية طالع متوضئ..

باللحم  والدم وانصهار  الرمل والفولاذ بالموتى

و أنت تخب في عار النجاة  تقلب الكفين من مقهى إلى مقهى..

ومن عار الحداثيين  في لغو القراءات الدنيئة  والضمير المسترق..

من المهارشة الخصية من مصارعة الديوك على بقايا الغائط النفطي.. والتنوير في ظل النعال..

و أنت في عار النجاة تخب..

والصوت المؤذن رائق الترجيع..

كان يثوّب  (يوقظ) الموتى..

فينبعثون من روح الظلام..

جماعة يتقطر الدم من وضوئهمو ومن قتلى الظهيرة في الميادين التي  امتلأت كتائب من سرايا الأمن..

تبدأ ركعة الميعاد على ربوبيات لاظوغلي..

 ونهش الكهرباء على المعاصم والمحاشم..

***

 

القط، منذ هزيمته النهائية، منذ يأسه من تحقيق أي نصر حقيقي، أو أي تقدم في أي مجال، انقلب على أبناء جنسه يسومهم سوء العذاب، فلا مجال لتحقيق نصر إلا عليهم، ولا للتنكيل إلا بهم، ولا الاحتقار إلا لهم، ولا الحرب إلا معهم،  في دائرة خبيثة جهنمية، فولاة أمورنا يعذبوننا لأننا مهزومون، لكننا نرى أنهم مهزومون لأنهم يعذبوننا، كلما ازداد العذاب ازدادت الهزائم وكلما ازدادت الهزائم ازداد العذاب، ولم يفكر الحمقى أبدا في كسر الدائرة، وربما  كان محمد عفيفي مطر   مستعدا للاعتراف في أي وقت  وبأي شيء، تحت وطأة العذاب وعقار الهلوسة الذي أرغموه على تناوله، والذي جعله يخال أن الكلاب ملوك  و أن الملوك دمًى، و أن من حق كل القطط إذن أن تخاف  وتستسلم وتذعن:

 

واسـّــاقط الكفن المعقود ألوية: مجد ولا شرف..

والشعب تحت عراء  العار يرتجف -

قد يسلم الترف المأبون في زمن ديـّـــوثــه الصحف..

ها أنت تحت سياط الكهرباء وبين القيد والظلمات السود:

- تعترف ؟

- إن الكلاب ملوك، والملوك دمى..

والأرض تحت جيوش الروم تنجرف..

...

زحزحت في قيد التعذيب قيد يدي

فاشتدّ  واهتزت - في قطرة علقت تحت الجفون - سماء الله:

التقفت رأس القتيل جروح الصدع في كبدي

...

دهر من الظلمات  أم هي ليلة جمعت سواد الكحل والقطران من رهج الفواجع في الدهور..

عيناك تحت عصابة عقدت وساخت في عظام الرأس عقدتها..

و أنت مجندل يا آخر الأسرى ولست بمفتدى..

فبلادك انعصفت وسيق هواؤها وترابها سبيا..

 وهذا الليل يبدأ..

 تحت جفنيك البلاد تكومت كرتين من لحم الصديد..

الليل يبدأ..

والشموس شظـيّـة البرق الذي يهوي على عينيك من ملكوته العالي..

فتصرخ، لا تغاث بغير أن ينحلّ وجهك جيفة تعلو روائحها فتعرف أن هذا الليل يبدأ..

...

هذا الليل يبدأ..

فابتدئ موتا لحلمك وابتدع حلما لموتك..

أيها الجسد الصبور..

 

بعد عشرة أيام من التعذيب في لا ظوغلي  نقلوا الشاعر إلى معتقل طرة، فطفق يسترجع ملامح جلاديه، كأنهم قدّوا أجسادهم من صخرة واحدة على قالب واحد فلا استثناء في شئ، عيونهم لا يشبهها في شئ إلا عيون الكلاب الميتة في مجرور النهر ومستنقعات النتن الدهرىّ، فكأن " خنوم " : إلــه صناعة الفخار وتشكيل الطين في مصر القديمة صنعهم مرة واحدة واحتفظ بهم في مخازنه حرسا سرمديا لفراعنة كل العصور، إنهم لا يؤمنون بإلــه آخر غير خنوم، وفي تدفق جحيميّ يمزق القلب ويضنى الروح يصوغ محمد عفيفي مطر ما حدث من أولئك الخنوميين شعرا لست أجرؤ - في هذا السياق على الإشادة بعذوبته، حين يصبح الواقع المذاع في خطب رسمية هو الكذب المجسد وخيال الشاعر هو الصدق الوحيد، إنهم يستجوبونه:

 

س : ما الأسماء الصريحة لرفاقك الإرهابيين:

سقراط وابن رشد والسمندل والنفرىّ  وأورفيوس والسعلاة  إلى آخر ما وجدنا في أوراقك من أسماء حركية..

-  ...

سنعرف كيف تنطق حين نواجهك باعترافاتهم صوتا وصورة..

 وحين ووجهت بتقارير المخبر أفلاطون،

وجدالات التهافت ومناهج الأدلة، ونار الطقس المبدئ المعيد، وبشارة الإيذان بالوقت،

والملابس الداخلية لأوريديكي،

وزمزمة السفاد في بوادي الجن،

وسمعت تسجيلا لصرخات الهلع من زرقاء اليمامة..

اعترفت بأدق التفاصيل..

...

هل كانت بلادك أم جنونك - هذه؟!..

أم أنت من فجر الخليقة لازب الطين المقدر للغواية والجنون

متقلب الأشكال بين يدي " خنوم "..

طالع من وقدة الفاخورة العظمى..

ومصطف صفوفا كلما بليت أعيدت في براح العصف والخلق الرميم المستعاد؟!..

- : اخلع ثيابك..

(لفحة  الخوف المشوش بالحياء وزمهرير الفجر،

صفان خنوميان تلمع في أكفهما عصى الخيزران،

وحارسان يصلصلان برجفة الجنزير:

كلب في علوّ  البغل يقعى،

آخر في هيئة الوحش الخرافي اشرأبّ )..

- أدر إلى الجدران وجهك..

لا كلام ولا تلـفّت..

...

طأطىء  ولا تنظر وراءك واحتبس أنفاسك..

( الزمن انفجار الرعب :

هل سيمزق الكلبان لحمك من وراء أو أمامْ )

...

هذه كانت حدود العبقرية في المكان:

سجن وجلادون..

أدوار الخنوميين ما بين الهزائم والخراب..

 ضريت كلاب الصيد فانتظروا المواسم..

...

- :البس ثياب السجن، لا تنظر وراءك، لا كلام ولا تلــفّـت..

( لا كلام سوى دوى الإرث من ليل القراءة في دم التعذيب والهول المؤبد..

 في بلادك والخنوميين في منفي التواريخ التي  أبقت دم القتلى يبيد ويستعاد.. )

***

هل قرأت أيها القارئ، وهل تستطيع أن تواصل؟..

 بل هل أستطيع أنا أن أواصل؟..

 لكن، ترى: بم أحس محمد عفيفي مطر وكيف تحس أنت أيها القارئ عندما تقرأ أو تسمع تصريحات الدكتور أسامة الباز الأخيرة، تلك التي  عرفتها من  وسائل الإعلام الأجنبية  لا المصرية، والتي  يقرر فيها أن مصر لا يمكن أن تخوض حربا مع السودان بعد النتائج الوخيمة لحرب الخليج، هاهو ذا واحد من المسئولين يعترف أخيرا بوقوع ما حذرنا منه، بالكارثة والخراب التي أسفرت عنها حرب الخليج، بالفعل الذي تعلمنا منه ألا نعود لمثله، هل تضحك  أيها القارئ أم تبكي أم تلطم وجهك، أم تسفح دمعك عاجزا مقلبا وجهك بين جبروت الأمم المتحدة على العراق وليبيا وعهرها في البوسنة والهرسك وفلسطين..

بعد محاولة الاغتيال أملت أن يعود سيادة الرئيس إلينا، أملت في عتاب يطول ويهطل بدموع التوبة علها تغسل كل هذا الدم والظلم، عندما حمدت الأمة الله على سلامته خشية المخاطر المحدقة بالوطن، خشية الحرب الأهلية وتقسيم مصر بالتحديد، كنت أدرك مدى الألم الساحق  الذي يتضمنه هلعنا عليه، فبرغم كل ما حدث في عهده، ما لم يحدث مثله في عهد غيره، فقد كانت البدائل بعد اغتياله هي الخراب والدمار، برغم الذل والهوان والقهر وافتقاد المنطق حمدنا الله على سلامته كي يروى من نهر الحب الذي تدفق من قلوب الناس شجرة الندم والتوبة في قلبه، لماذا أغفل الجانب الآخر، الاحتمال الأمرّ..

كنت أتمنى ألا يدع الرئيس فرصة لخصومه، الذين قد يرون أنه بعد محاولة الاغتيال، التي  يعرف أن أمريكا و إسرائيل حتى لو لم تتورطا مباشرة في تدبيرها، فهما دوما قادرتان على إبلاغه - أو عدم إبلاغه- بتفاصيلها، وعلى حمايته، و أنه لذلك سيختار الأمان في كنفهما مهدرا مشاعر أمته، التي  لا تستطيع - من وجهة نظره - إلا الحب والأمل أو خيبة الأمل لكنها لا تستطيع تقديم الحماية والأمان.

كنت أتوقع، أو على الأحرى أتمنى أن يصدر سيادة الرئيس الذي ولد من جديد قرارات هائلة، تنقض كل ما مضى، فإن الأمة التي  بايعت قد بايعت على الأمر بالمعروف لا المنكر، و أخطر ما يمكن أن يهدد الاستقرار في مصر، هو أن تكون نتيجة طوفان المحبة والأمل العارم في التغيير خيبة أمل.

كنت أستعيد ذكرى جمال عبد الناصر بعد أن غيرته الهزيمة، فراح ونياط قلوب الأمة تتمزق غارقة  في يأس مشرئبة لأمل، راح يقسم- مستشعرا عبء وزره  وفداحة مسئوليته عن كل ما جرى - أن نحرر الأرض المغتصبة شبرا شبرا، رحت أتخيل الرئيس حسنى مبارك، وقد اصطحب معه محمد عفيفي مطر وإبراهيم نافع ووزير الداخلية والنائب العام، و على شاشات التليفزيون يقسم  - مستشعرا عبء وزره  وفداحة مسئوليته عن كل ما جرى - ألا يحدث تعذيب بعد اليوم، وأن يحاسب كل من مارسه وكل من تستر عليه، ويقسم ألا تزوّر الانتخابات بعد اليوم، و أن يحاسب كل من مارس التزوير ومن تستر عليه، ويقسم غير حانث ألا يصادر في عهده رأى ولا يقصف قلم، ويقسم  أن يحاسب الذين ورطوا الأمة في القانون 93، و أن يكون القانون الجديد عكس ما أرادوا، ويقسم  أن يتم التغيير، و التنوير أيضا  لكن ليس تحت ظل النعال، ويقسم  أن يحارب الفساد أينما كان و أيا كان مرتكبوه، و أن يقيم العدل.

رحت أتخيل عشرات ومئات وآلاف الأشياء التي  سيقسم الرئيس عليها، مستعيدا صورة قائد الطيران البطل، وصورة الرئيس الحكيم وهو يستقبل ضمائر الأمة الذي كان السادات في نهايته قد اعتقلها، وصورة الرئيس الناضج إثر محاولة اغتياله، رحت أستعيد تلك الصور الثلاث - دون سواها - كي أطمئن قلبي الواجف أن التغيير وشيك، وفجأة  طالعت  مع الأمة تصريحات سيادة الرئيس الأخيرة.

   شملني حزن ثقيل، حزن الفقد والبتر والموت، أدركت أن الفرصة الأخيرة  التي  ما كادت تلوح تخبو، وارتد علىّ الحب الذي وجهته الجماهير إلى سيادة الرئيس صفعة، لقد أهان  المصريين[4]، و أمام أجانب، ولقد جاوز الحق في وصفه لأحداث نقابة الصحفيين، ولقد صرح بأن تزويرا في الانتخابات لم يحدث قط، ولم يكن ذلك القول حقا..

ولأن الأحزان لا تأتى فرادى فما لبثت أن طالعت تشكيل اللجنة الجديدة لصياغة قانون الصحافة..

سمير رجب وثروت أباظة و إبراهيم سعدة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

أشهد و أقر وأعترف، أن سيادة الرئيس قد أدار المعركة  مع الصحفيين كممثلين للأمة بذكاء طيار محارب يتقن كل حيل المناورة والمراوغة والمفاجأة والكر والفر والانقضاض والخداع التكتيكي والإستراتيجي..  فقط، حدث خطأ واحد في الحساب، هو - للمأساة - أننا لسنا العدو، أن القاتل قتل أخاه، و أن القائد أسقط طائرات سربه..

 لسنا العدو..

بل نحن الأمة..

أتساءل، إذا كان هذا هو رد الرئيس على طوفان المشاعر التي  أحاطته بعد محاولة الاغتيال، ترى ماذا كان يفعل لو كان هذا الطوفان ضده.

يا مرارة اليأس في ملح الدموع ..

يا انهدار مشاعر أملت في الخلاص..

يا توبة ارتجيت  ولم تتحقق..

لو إنني  أعرف عبد الحليم رمضان لرجوته أن يرفع أمام القضاء دعوى ضد سيادة الرئيس..

لكن هل يمكن في نظامنا - الذي يقارنون ديموقراطيته وقوانينه بألمانيا وفرنسا - هل يمكن أن يحاكم الرئيس؟..

هل بقى أي أمل؟..

أعترف للقارئ أنني فقدت كل أمل في الحوار أو الفهم مع سيادة الرئيس ..

وفقدت أيضا كل رغبة..

وليس ثمة مناص من التوقف، لكن بعد مقالين أو ثلاث أبرئ فيها ذمتي أمام الله والتاريخ والأمة ..

أرفع الراية البيضاء..

لا طلبا للأمان وللسلامة.. فلا سلام ولا  أمان ولا أمانة..  

ولكن نكوصا عن مواجهة أعرف أن الوطن في نهايتها هو المهزوم..

أرفع الراية البيضاء، لا استسلاما  بل اعتراضا واحتجاجا ورفضا لم تعد تدرى كيف تعبر عن نفسها وقد فقدت الكلمات كل قيمة وانقطع للحوار كل جسر، ولست أملك غير الكلمة سلاحا، فإن فقدت قيمتها فلماذا أكتب؟..

ولست أوافق تحت أي وضع أن يرفع أبناء الوطن السلاح بعضهم على البعض..

أرفع الراية البيضاء، فقد سدت السبل  وهدت الطرق وليس ثمة منفذ ولا منقذ..  

إلاك يا رب..  

ليس لنا سواك   سحقنا الأبعد وخذلنا الأقرب  ..

ولم تردع الظالمين آياتك ..

فارحم ضعفنا وذلنا وهواننا على العالمين..  

يا صبور.. قد أريتنا صبرك فأرنا عدلك..  

يا قادر.. في جبروتك رحموتك.. 

إنهم يحسبون أنهم قادرون علينا ولا يأبهون بقدرتك عليهم..  

ويحسبون أنك لا تستجيب دعاءنا ..

فاللهم، إن كنت تعلم أننا على الحق و أنهم  على الباطل فارحمنا، فإنك عزيز مقتدر  

واللهم   إنها مصر، فمن أرادها بسوء، فاقصمــــــــه..

 



1- في حوار مع صديق من الجماعات الإسلامية، كنت أعاتبه من أجل ما حدث مع نجيب محفوظ، و إذا به يفاجئني بأن يرد على عتابي بعتاب لأنني صدقت ادعاءات السلطة، و أكد لي أن الجماعات ليست مسئولة عن حادث محاولة اغتيال نجيب محفوظ ولا عن حادث القللي،و أن هذه الحوادث مدبرة من أعداء الإسلام كي تنسب إليه. ولست أدري مدى صحة ما ذهب إليه.

1- فيما بعد، أصدرت محكمة النقض المصرية حكما أذهل السلطة، حين حكمت بأن نصر حامد أبو زيد مرتد عن الإسلام ، ولم تتخذ السلطة الإجراء الشرعي. ومن حق القارئ عليّ أن أعترف بأنني حتى ذلك الوقت لم أكن أقدر= =خطورة نصر حامد أبو زيد، ليس كفرد، و إنما كطليعة لطابور خامس أوكل إليه هدم الدين، مما غير وجهة نظري بالكامل بعد ذلك.

1- مقاطع من أشعار لأحمد عبد المعطي حجازي.

1- هاجم الرئيس الصحفيين  المصريين- أمام وفد من الصحفيات الكويتيات بعنف شديد لم يعهد عنه وما أخذ من قبل عليه، وعرّض بوطنيتهم و أمانتهم وثقافتهم.