يوافق هذا الأسبوع الذكرى الثالثة عشرة لوفاة المجاهد الكبير الأستاذ عادل حسين، أعيد نشر ما كتبته عنه، ثلاث مقالات، أولها في حياته، وأخبرني أنه لم يبك أبدا كبكائه يوم قراءتها، في السجن والمقالات الأخرى بعد وفاته

 

يا أيها المثقفون : قولوا للرئيس : "عادل حسين مجنون"!

 

يحزّ في قلبي أن الرئيس لا يقرأ صحف المعارضة، رغم أن رجال أمن نظامه، يعتقلون قادتها، وينكلون برموزها، ويصمّون آذانهم عن نصائحهم حتى وصل الحال بمصر في عهده، إلي دولة من أسوأ أربع عشرة دولة في العالم في مستوي حقوق الإنسان، و إلي أواخر القائمة في الاقتصاد، وأوائلها في الفساد، والكارثة : أنه كلما ازدادت الأمة فقرا، ازداد المسئولون و أبناؤهم غني، وكلما غاب القانون لصالح اللصوص والأشرار، نكص عن حماية الأبطال والأخيار، ولكم جرح كبريائي، أن أجد الرئيس رغم ذلك لا يعير سمعا ولا اهتماما لرجال المعارضة، الذين يودون له أن يكون أعظم حاكم في الدنيا، التي اشتق اسمها من الدنية، والتي لا تساوي عند الله جناح بعوضه، ويحبون أن تكون الدولة التي يشرف هو برئاستها- عكس ما قاله مثقف منافق ! أعظم الدول في العالم، وأعلاها شأنا، و يرجون التواصل معه والائتناس برأيه، وإبلاغه باتجاهات الأمة، من المعارضة، التي حصلت في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، رغم تزويرها، علي ثلث أصوات الأمة تقريبا، ولقد زاد من أساي، أنني وقد حز الأمر قلبي، وجرح كبريائي، قد توقفت نهائيا عن سماع خطب سيادته، بعد توقف جزئي أعقب تزوير انتخابات 1984. حين اكتفيت منذ ذلك الحين، بقانون لا يكاد يخطئ، إلا علي سبيل الاستثناء، كي أفهم مجريات الأمور : وهو أن السلطة ما خُيّرت بين أمرين إلا اختارت أسوأهما، و أنه ما من قضية ينبغي فيها اتخاذ قرار، وما من فكرة ينبغي الخروج منها برأي، إلا ورحت أسأل نفسي، عما يجب ألا يُفعل علي الإطلاق، لخطئه الجسيم وضرره العميم، فإذا بذلك الذي يجب ألا يفعل، هو بالضبط دون سواه ما يُفعل . حتى أنني كثيرا ما أحس، ربما كنوع من السخرية من نفسي، وربما كنوع من الأمل يعز، وربما كبديل عن البكاء، والانفجار، والتفتت، أنه في ذات مرة، بعد اتخاذ قرار من القرارات، أو فعل من الأفعال، كالتنكيل برجال المعارضة، ضمير الوطن، سنفاجأ بواحد من مقدمي البرامج علي شاشة التلفاز هاتفا بنا ألا ننزعج كل هذا الانزعاج لأن ما حدث لم يحدث فعلا، و إنما هو برنامج من برامج الكاميرا الخفية!!. وأن القرار هو بالضبط عكس ما صدر، وإنما أراد من أراد، أن يختبر - بدلا من الأفراد - رد فعل الشعب حين يُوجه إليه أقصي درجات الاستفزاز، بتصرفات غير معقولة، ولا مقبولة، أو مثلما حدث ذات مرة منذ أعوام طويلة، عندما ادعي الممثل الكوميدي أبو لمعة "أن نيزكا هائلا علي وشك الاصطدام بالأرض بعد دقائق، وأنه يوم القيامة .

ولكم يعز علي كمواطن، وككاتب، أن تستمر القطيعة بيني كمعارض وبين الرئيس، وهي قطيعة أدفع أنا لها الثمن، ويدفعه الوطن، وقطاعات عديدة من الأمة.

لا أنكر وسوسة الشيطان لي أنه هو الذي بدأ بالقطيعة، و أنه لأمر مهين لي جارح لكبريائي، أن أعترف، وعلي الملأ أنني عاجز عن احتمال قطيعته، لكنني تذكرت أن الكبرياء رداء الله جل جلاله، لا ينازعه فيه أحد، فقررت البحث عن وسيلة أتواصل بها مع سيادة الرئيس، دون أن يكون ثمن ذلك برقية تأييد، ولا إعلان مبايعة، ولا أن يعيد صانع الأزرار في رائعة "هنريك أبسن "صبّي، لأنه اكتشف أنني معطوب، أريد أن أتواصل مع الرئيس دون توبة عادل عبد الباقي في مباحث أمن الدولة، ولقد شعرت أنني مستعد للتخلي عن كل كبريائي، وحثي عن بعض كرامتي، لكنني غير مستعد أبدا أتتخلي عما أومن به، عن مبادئي و أفكاري، وما أعتقد أنه صواب .

هكذا، عبر السنين، بالألم، حددت الهدف وبقي أن أحدد الوسيلة، وسرعان ما قفزت الفكرة إلي رأسي، حين تذكرت، أنه من عادات الرئيس الحميدة المحمودة، أن يلتقي بالمثقفين في معرض الكتاب كل عام.

والمثقفون، نبراس كل أمة، مصباحها الهادي، وشعاعها الكاشف، وسراجها المنير،يجب أن يكونوا القوة الدافعة لأممهم،الرافعة لها، المشذبة، المرقية، المهذبة، المثقفة، وحلقة الوصل بين أطرافها المتنافرة، المتصارعة، والطاقة التي تصهر المكونات المختلفة، لتكون منها سبيكة متجانسة، عصية علي الكسر. هكذا يجب أن يكونوا، لكن الواقع، المر، المخيب للأمل، الذابح للقلب، الساحق للروح، كان يجعلني في معظم الأحوال أشعر بالخجل، و أحيانا بالخزي، لما يتبدي من تفاهة بعض المثقفين، سطحيتهم، وصوليتهم، انتهازيتهم، غرقهم في ذواتهم أحيانا، وفي دونيتهم أحيانا، وفي مطالبهم الصغيرة أحيانا، والحقيرة أحيانا أخري، وكان يشتد بي الخجل، كلما تذكرت، أن لقاء السيد الرئيس بهم في معرض الكتاب مذاع، يتابعه المواطنون جميعا، والعالم، ليحس البعض معي بالخزي، والبعض بالشماتة، والبعض بالفرح، حين ينخدع فيصدق أن هؤلاء هم نخبة أمتنا، وصفوة فكرها، و أعظم مبدعيها، و أذكي عقولها، و أنه والأمر ذلك، فنحن أمة لا تُخشي عداوتها، ولا ترجي صداقتها، وليس لها في المستقبل أمل، ولا في الحاضر عمل، و أن أمة كتلك، تستحق ما حاق بها، وما سيحيق، إذ كيف يطيق عقل، أن يصدق، أنه في اجتماع رهيب مهيب يحضره الرئيس نفسه، رغم مشاغله، وضيق وقته، وتشعب مسئوليته، واتساع اهتماماته، وجسامة قراراته، فإن بعض المفكرين، لا يخجل من أن يطالبه بأمور، قد يخجل الإنسان من طلبها من رئيس مدينة، أو مأمور مركز، والبعض الآخر، يجلس في أدب شديد، لا أدب الأدباء، وإنما ذلك الأدب الممقوت الذي يفضله الجهلة علي العلم، أدب العبيد، الأدب المأمون الآمن الخاضع الخانع المستسلم المسالم، الصامت حتى ينطق الرئيس - أو أي مسئول كبير - فينطلق مسبحا بحمده، مشيدا بعبقريته وعقله، وأنه لولاه، لعجزت النساء أن يلدن، ولتصحر الوادي وضاع الوطن، وينسي ذلك المثقف مثلا- أن الوادي يتصحر فعلا والوطن يضيع، لكنه بأدبه المفضل عن العلم، يجد الطرق أمامه ممهدة مفتوحة علي ندوات ليس لها آخر، ومكافآت من التلفاز والراديو، وسفاسف القول التي يقولها، المعدومة الأدب، يتسابق المخرجون إليها، وتستباح ميزانية الدولة لها، لتصبح أفلاما، معدومة الفن، قليلة الأدب، لكنه كلما انعدم فنه زاد رصيده، وكلما قل أدبه ازداد قبوله. بيد أني كنت أعزي نفسي دائما، عزاء حقيقيا، بأن من وجه الدعوات، لم يحرص علي توجيهها للجميع، أو لمن يمثل الجميع، ولا حتى جميع الحاضرين يتكلمون، ولا جميع من يتكلمون تذيع وسائل الإعلام كلماتهم . من أجل ذلك، كنت أحاصر خجلي، و أواجه نفسي، بأنه رغم كل شيء، فما يزال المثقفون هم الأمل، بعد أن ضاع كل أمل، وهم الملاذ، حين ادلهمت الخطوب، و أظلمت الدنيا، و أن هجومي عليهم وانتقادي لهم، ليس لأنني أبيعهم، أو أخون أمهم مصر، بل لأنني أحبهم، وأدافع عنهم،ربما أكثر من دفاعهم عن أنفسهم، كإدانتي مثلا لبيان الداخلية ، الذي يدين بعضهم بالارتزاق والعمالة، لمجرد أنهم دافعوا عن حقوق الإنسان، ومسوا بصورة دمثة رقيقة غير مباشرة، أن قيام الأمن بالتزوير والتلفيق قد تجاوز الحدود، ولقد رفضت البيان الأحمق رغم علمي - والآسي يذبح قلبي- أن البيان ليس خطأ مطلقا، و أن بعض ما فيه صحيح، لكن بعد أن غير مسئول الداخلية عناوين كشوفه، ليضع المرتزقة مكان الأبطال والأبطال مكان المرتزقة، وبالرغم من علمي بذلك، فقد رفضت البيان كله، لأنني كما قلت لكم أحبكم، لأنكم رموز الوطن، ويعلم الله، جل جلاله، أنني أكتب جادا، رغم أنني أعلم أن وكيل النيابة الذي سيسألني - حتما - غدا أو بعد غد، أو بعد شهرين، سيوجه إليّ اتهاما بالسخرية من رموز الوطن، بازدراء المثقفين، وربما نظام الحكم أيضا، رغم أني، وأيم الله، تختنق عيناي بالدموع بينما أكتب هذا الكلام، الذي لن يخرجه مخرج، ولن يحاوره في الإذاعة والتلفاز محاور، ولن تكتب الصحف القومية شيئا إنه، ولن يعطيني أحد ثمنا له، ولن تحول العراق ولا إيران ولا السودان شيئا إلي أرصدتي في الخارج، وما لأجل هذا كله تغرورق عيناي بالدموع، وإنما لأنني أدرك عمق الأزمة التي يمر بها الوطن، وفداحة المصائب النازلة علي رأس الأمة، و أدرك، ربما أكثر من أي وقت آخر، أنه في كل ما مر بنا، كان المثقفون خلف كل هزيمة، كانوا هم السبب وهم النتيجة، كان عليهم قيادة فكر الأمة، لكن بعضهم سبح بحمد كل ملك، وكان عليهم صياغة وجدان شعوبهم، لكن بعضهم تحولوا إلي مروضي عبيد يروضون مواطنيهم لأمير أو لملك أو لرئيس، وكان عليهم إدراك التحديات التي تواجه الأمة، أنها ليست تحديات التقدم والرقي، وإنما تحديات الفناء، والتلاشي،لم يدركوا، لم يقوموا بدورهم، لذلك ننهزم، وتتقدم تلك الدول التي يكون حساب مثقفيها لحكامها عسيرا، مريرا، و مصرا علي ألا يتجاوز الحاكم خط مشروع الأمة الحضاري الشامل لكل الأبعاد الدينية والتاريخية والثقافية، الذي يعلّمه المثقفون للحاكم، يجب أن يكون الحاكم تلميذا نجيبا للنخبة من المثقفين، لا أن يجلس النخبة من المثقفين في حضرة الحاكم كتلاميذ مدرسة أولية يملؤهم الخوف والنفاق والرياء والخجل والكذب، والرغبة العارمة في أن يكلأهم صاحب الحفل بنظرة، يجب أن يتوقف المثقفون عن الجلوس ليعلمهم الحاكم المعلم الملهم، فما من حاكم معلم ولا قائد ملهم، إلا إذا كان جبارا باطشا مثل الذي عبر عنه الشاعر بقوله:

تلوا باطلا وجلوا صارما. .. . وقالوا صدقنا ؟ فقلنا نعم !!

مثل ذلك الحاكم، يفخر دوما بأنه يجمع أمته خلفه علي قلب رجل واحد، رغم أن العالم يدرك أن مثل هذه الأمة لا يوجد فيها رجل واحد و أن مثل هذا الحاكم لا يمكن أن يكون له قلب.

إنني أعلم أن مثقفينا ليسوا جميعا كذلك، وإلا ما خاطبتهم وما وضعت ثقتي فيهم . لكنني أذكّر، مدركا أن الذكري تنفع المؤمنين، ومدركا أن عددا كبيرا يدرك معي أن الوطن والأمة قد وصلا إلي عمق أزمة لا بد فيها أن نتغير جميعا حتى يغير الله ما بنا . وعلي هذا الأساس قلت لنفسي أن المثقفين الذين سيحضرون ندوة المؤتمر في معية الرئيس يمكن أن يكونوا حلقة الوصل بيني وبينه، أن ينقلوا له وجهة نظري، ما أكتبه ولا يقرؤه، شيئا عن ألمي، ويأسي، وبؤسي، وهواني أمام تصرفات أجهزة حكمه، وأملت أن يشرحوا لي ما خفي عليّ، لعلي أفهم، أو أتفهم، أو أستفهم ، أو علي الأقل التمس العذر.

 

أملت في ذلك كله، ورحت منذ فترة أرتب أفكاري، التي ما أن أحست أن ثمة حلقة اتصال يمكن أن تنشأ بيني وبين الرئيس حتى تقاطرت عليّ، كأسراب من ملايين النحل، وكل فكرة منها تحاول أن تفوز بأن تكون هي البداية، ورحت أفكر فيما ينبغي أن أكلف المثقفين به، كي ينقلوه للرئيس،هل أكلمهم عن التعذيب والسجون، أم عن التزوير والتلفيق، أم عن الإجرام والكذب، أم .... أم .... أم.... أم عما أدي إليه كل ذلك من تداعيات وتحديات، وكيف يمكن تجنب نتائجها الوخيمة و آثارها الفادحة، أم أتحدث عن تغييب وعي الأمة، تجهيلها، خلط الأمور وتمييعها، نشر الانحلال والضلال، حتى لقد بتـنا نخجل من متابعة وسائل إعلامهم في أسرنا، ليس لأننا ظلاميون متحجرون، ولا لأننا أعداء الحضارة، فقد كان من أعلي الأصوات التي نددت بما نندد به، واستنكرت ما نستنكره، صوت السيدة سوزان مبارك !، وقد نقلوا لنا في وسائل الإعلام، التي تتبع الحكومة التي عينها مبارك، أسوأ ما في العالــم وأشده تـفاهة. . لـقد أنـقذ الأمة من سمــوم صحافتهم عجزهــم عن مكافحة الأمية فيها لكنهــم تداركوا الأمــر بالـتلفاز والمذياع، كالمياه المختلطة بالمجاري،واقعا ومجازا، والفشـل الكلوي كالفشل العقلـي ، لم تشهد بلادنا انتـشارا فادحـا لكلـيهما كما تشهده في هذا الزمن ، بعد أن شرعوا في بيع كل شيء .

ذات مرة صرخ أستاذ الإعلام بالجامعة الأمريكية أنه رغم تخصصه العالي أصبح يعجز عن التمييز بين برامج التليفزيون وبرامج الإعلانات متسائلا فماذا يفعل المواطن العادي؟ وقالت الوفد أنه يبـدو أنه لم يعد في التليفزيون برنامجا لم يُبع إلا نشرة الأخبار. يا وفد : لماذا تثقون أن نشرة الأخبار لم تبع بعد، ربما كانت أول ما بيع . ربما ، في أبشع عملية غسيل مخ للشعب والأمة .

هل أناشد المثقفين أن يهدوا للرئيس مبارك عيوب حكومته؟.

فإننا نعجب لم يُحسن منهم أحد وهو كلما أساء كل الإساءة يجد من يزكيه ويشهد أنه محسن . بيد أنهم لا يدركون أنه ما يمر يوم من نعيمهم إلا ويمر يوم من بؤس أممهم وكلاهما علي نفاد . غير أنهم يسعون إلي نوع غريب من الأمن، لقد كان عمر بن عبد العزيز يأمر ولاته بتحصين مدنهم بالعدل أما هؤلاء فيحسبون أنهم سيركبون رقابنا بالخوف .

إنهم يدعون قدرتهم علي حماية الأنظمة، وربما كانوا هم ببطشهم وعسفهم هم السبب في انهيارها . ولعل الرئيس يسمعكم حين تقولون له:

لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن، خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف .

ولعله يسمعكم أيضا حين تذكرونه بما كان يقوله العرب : إذا صحبت العاقل فاصدقه ولا تبال إغضاب الحاشية، فإذا خدمت الجاهل فاجعل كل همك إرضاء الحاشية . لذلك فنحن نصدق الرئيس . ونصدقه حين نتأمل أمامه في مأساوية حال النخبة في دول العالم الثالث، تلك التي ورثت الحكم بعد عهود الاحتلال، والتي انهزمت في معظم الأحوال بعد جيل أو جيلين، لتصبح أسوأ حتى من المحتل ذاته، إذ أنها تكرس ما عجز المحتل عن تكريسه لتقوم بشق صف الأمة، علي نخب تم بالكامل غزوها من الداخل وإحلال شخصية المحتل مكان شخصيتها، فأصبحت تعامل مواطنيها بنفس عنصرية المستعمر لكن بوسائل أكثر توحشا وهمجية، فارضة عليهم عذابا مزدوجا، لأن علي المواطنين أن يناضلوا ضد تلك النخب الخائنة كما كانت تناضل ضد المستعمر لكن بدون نفس الوضوح في الرؤية والأهداف . ولنتجنب الجدل السفسطائي حول من يفسد من، الحاكم أم الحاشية، ذلك لا يهمنا الآن، لا يهمنا إن كان الحاكم منهم، أو ضحية لهم أم كانوا هم ضحايا له، ما يهمنا أن نثبته هو أنهم، في معظم بلاد العالم الثالث، بغض النظر عن الفروق الشخصية بينهم، لم يعودوا يصلحون، لا لمجرد عيب شخصي فيهم،بل لأنهم افتقدوا هوية أوطانهم وانتماءاتهم،ولم يعودوا علي الإطلاق يحسون أحاسيس مواطنيهم أو يرون رؤاهم .

وهاهي النتيجة، مصر ذات الستين مليونا تصدر بأربعة مليارات، وسنغافورة : ذات الملايين الأربعة تصدر بستين مليارا، رغم أنها بدأت نهضتها الاقتصادية قبل فترة قصيرة من تولي الرئيس مبارك للحكم في مصر، وحينما بدأت كان مستوي الاقتصاد فيها أقل منه في مصر .

لطالما حذرنا وشكونا وعرضنا فلم يسمعوا فإذا بأعدائنا يخترقوننا حتى النخاع ولا عزة لنا ولا منعة، ومن طالبونا بتحمل القهر من أجل النصر علي العدو، يتباهون الآن بعلاقتهم بالصديق الذي كان عدوا، يتباهون، بلا خجل يتباهون وهم يحثون التراب علي ماضينا ودماء شهدائنا .

لن ندخل الآن في جدل حول معني الإرهاب ومن هم الإرهابيون، دعكم ممن يرون أن أمريكا وبريطانيا والصرب و إسرائيل وأنتم هم الإرهابيون، دعكم من أولئك، فلست أوافقهم فيما يذهبون إليه من أننا نحكم حكما مباشرا من واشنطن أو القدس، لكنني أقصد الأسوأ، أنه قد تم اختراقنا، أو علي الأحرى اختراق نخبنا، التي قد يقوم بعض أفرادها بالأعمال القذرة أو الخطرة التي قد يستنكف القيام بها السادة هناك . ولقد سلطوا السادات ليضرب ليبيا ذات يوم، فلما جاء مبارك وأبي أن يواصل ما كان يفعله السادات ضربوا هم ليبيا بأنفسهم . بيد أن تلك النخب حفاظا علي المظاهر وسترا للعورات تحتفظ بديكور ديمقراطي مزيف، حين يستغلون أحزاب المعارضة وصحفها كستار يخفي حقيقتهم،وكحلية يلبسونها أمام الأجانب ، فإن حدث أن تحول واحد منها إلي قوة حقيقيـة معبرة عن الأمة فإنهم علي استعداد لفعل أي شيء وكل شيء ، علي استعداد أن يتحالفوا مع الشيطان كما اعترف شامير ، حين قال - ولم ينكروا فانذبحنا - أن موقف إسرائـــيل ومصر والسعودية من الأصولية الإسلامية موقف واحد .

موقف واحد .

قولوا للرئيس أن عيون الأمة تضطهد، وعيونها تُسمل وقلوبها تنزع و أرواحها تسجن، و أن في مصر ستين ألف معتقل، و أنني أتخيل كيف يُمتهنون ثم أتخيل الفراش الوثير الدافئ الذي ينام فيه من سجنوهم، و أري كيف تنقلب الأمور يوم القيامة .

أذكر أيضا عمر بن الخطاب، وهو شهيد في النزع الأخير يأمر عبد الله بن عمر : :"يا عبد الله خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب لعل الله جل ذكره ينظر إلي فيرحمني، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع ".

عمر، عمر هو من يعتبر حكام هذا الزمان مجرد ذكره إزراء بالولاة مفسدة للرعية .

يا إلهي : كم يبلغ الآن عدد ضحاياهم الأبرياء .

كم يبلغ الآن عدد من حصدوهم بالرصاص دون محاكمة، ودون اتهام .

بعد استشهاد عمر، انطلق ابنه عبيد الله تحت وقع الفاجعة ليقتل قاتليه، لكنه تجاوز ما يمكن أن نسميه بأسلوب عصرنا الشرعية المنوط بها تنفيذ الأحكام بعد المحاكمة العادلة بضوابط كاملة تُدرأ فيها الحدود بالشبهات، وبرغم أن الشهيد كان عمر، فقد ثار بين المسلمين رأي بضرورة إقامة الحد علي عبيد الله بن عمر، وتدخل الخليفة عثمان رضي الله عنه، فاشتد في القول علي عبيد الله ثم دفع دية اقتلي من ماله فقد استقبح أن يقتل أبو لؤلؤة عمر ويُقتل من بعده ابنه عبيد الله .

يا إلهي : كم من حكامنا يُقام عليه الحد لو أقٌيم في الأرض شرعك.

ألهذا يخافون منا، رهائنهم نحن، لكنهم هم الخائفون .

يا إلهي : إن الأهالي التي لا يمكن أن تتهم بممالأة الإرهاب قد نشرت أن معتقلين مقيدين في الأغلال قد حُملوا إلي مزارع القصب حيث أطلق عليهم الرصاص، ولم تكن الأهالي فقط فقد تواترت الأنباء بذلك .

ولكن، بالرغم من كل الدماء التي سالت فقد عجز رجال الأمن، عن تحقيق الأمن،رغم كل وعودهم وبطشهم وظلمهم وغيهم ،وأخذهم المحسن بذنب المسيء، ولقد غشوا فقالوا أن العنف في الشارع المصري سيوقفه العنف ، غشوا ، فذلك غير صحيح ، و إلا فجربوا أن تأتوا بنار لتطفئوا بها نارا أخري، لن تطفئها، ستزيدها اشتعالا ،وازداد اشتعال النار وازداد سعارهم للدم، وكلما فشلوا كلما احتاجوا إلي ضحية جديدة، وكلما ازداد فشلهم احتاجوا إلي ضحية أكبر،غول أسطوري شيطاني لا يستطيع الحياة إلا علي دماء البشر .

في السعودية، عندما يقيمون الحد، يشيع العامة أن منظر الدماء يصيب الجلاد بنوع من السـعار، لذلك يحيط به جمع من الجنود الأشداء لتكبيله أو حتى قتله إذا ما دفعه سعار نشـوة تفجير الدماء إلي الهجوم بسيفه كي يطير رقاب الأبرياء .

أحسب أن ما ينطبق علي الجلاد الذي يصيبه منظر الدماء بالسعار ينطبق بشكل ما علي العهود . و إن تورط عهد في اغتيال معارضيه دون محاكمة، بمنتهي الخسة، أو لنصب المشانق ، سيدفعه دائما إلي نصب مزيد من المشانق .

بلا أمن وبلا أمان وبلا إيمان .

أجل، إن ما يحدث الآن للمعارضين - ليس في مصر فقط بل في العالم العربي والإسلامي - جزء من منظومة هائلة لا نري منها إلا أقل القليل. المطلوب علي مستوي العالم العربي والإسلامي ألا توجد دولة أو قوة قادرة علي رفع رأسها أمام أمريكا و إسرائيل، علي مجرد التفكير في التفوه بكلمة لا، وعلي مستوي الدولة نفسها فذلك هو المطلوب نفسه، ألا يوجد معارض قوي شجاع ذكي قادر علي تكوين رأي عام قوي، مثل هذا لابد أن يستقطب، فإن لم يمكن فلابد أن يُرهب، فإن لم يكن فلابد أن يشوّه، فإن لم يمكن فلابد أن يصفي، بتلك المصطلحات البغيضة المقززة التي ابتدعوها كتجفيف المنابع وقطع الجذور .

لقد تعددت الاجتهادات والرؤى عن السبب الذي يدفع السلطات إلي توريط نفسها في كل هذا الاستفزاز للأمة - بصورة أظنها مشجعة للإرهاب، وينبغي محاسبة المسئولين عنها من هذا المنطلق أيضا -، ولعل كل هذه الرؤى صحيحة، ولعلها تكمل جوانب مختلفة من الصورة، فالمطلوب تطويع الوطن والأمة والحضارة وسلب الهوية، والمطلوب علي منهج النظام العالمي الجديد أن يمسي كل من يعارض عبرة، ألا يوجد، فإن وجد أن يُصلب مثل اسبارتاكوس، وأن يسلمه بعض حوارييه كالمسيح عيسي أو أن يُطأ كالحسين أو أن يغتال كحسن البنا، أو أن يُخنق في زنزانته كسليمان خاطر . ذلكم هو المطلوب، ثم أنهم يظنون أن حكامنا - الذين دعموهم وربما عينوهم - هم وكلاءهم في تنفيذ ذلك، لكن الأمة لا يمكن أن تُقرّ الحكام الوكلاء علي ما يريد أعداؤها، لابد إذن من قهر الأمة، لكن الأمة سترفع صوتها بالاعتراض، لابد إذن من تزوير صوتها، لكن الأمة ستقاوم، لابد إذن من ترويعها و إرهابها، سيكون هناك شجعان لا يخيفهم الترويع ولا يرهبهم الإرهاب، لابد إذن من تشويههم وتعذيبهم .

أرأيتم يا معشر المثقفين أبعاد الدائرة الخبيثة التي يجب علينا كسرها؟!.

ولولا قحط زمانهم الذي لا نرضع منه سوي ثدي عقيم لأدركوا مغبة ما يفعلوه بنا، أنهم سادرون في حماقة ليس لها مثيل في إهدار قواهم، في تضييع إمكانياتهم، في قتل أنبل من فيهم وأشجعهم و أشرفهم . بنفس هذا المنطق والنهج والفكر مزقوا العالم العربيّ والإسلامي وجعلونا نهبا مستباحا لأعدائنا .

وبرغم أن المنطق السليم لا بد أن يدرك حتى مالا ينشر، ليفهموا أن الرئيس مبارك - رغم كل خلافاتنا الجذرية معه جمع أمته لا مع أعدائها، و أنه بهذا المفهوم فإن المعارضين أحد أقوي أرصدته، لكن الأغبياء الحمقى لا يدركون ذلك، فأعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر، وفتنة القائد الجاهل .

فلكم من دب أساء إلي صاحبه .

يا معشر المثقفين الذين تقابلون الرئيس في معرض الكتاب هذا الصباح، قد يكون هذا الصباح مختلفا عن سواه، فكل صباح آخر مجلل بالعار، مسودّ بالخيبة، منقطع الرجاء ، منعدم الفرح، مستعر الألم، حين نتبدي كأفراد، وكوطن، و كأمة، وكعالم إسلامي، جسدا هائلا مترامي الأطراف، مشلولا، غير قادر علي أي فعل مهما كانت ضآلته، ولا حتى علي رد فعل، وهو ما كان طوال الأعوام الأخيرة الدليل علي أننا مازلنا نحيا، إلا أن هذا الجسد الهائل العاجز ما يزال يمتلك وعيه الكامل بذاته وبالدنيا من حوله، ما يزال يحس ويتألم، تكويه كل إساءة، ويشويه كل اعتداء، ويذبحه عقوق الأبناء، وخيانتهم، لكنه لا يقدر علي أي فعل، إلا أن ينذبح وأن ينتظر .

و رغم أن ما يحدث في الخارج ما يزال يحدث، وما يجري في الداخل ما يزال يجري، فإن هذا صباح يختلف عن كل صباح آخر، فيه يلتقي الرئيس بالمثقفين . ويستطيع المثقفون في لقائهم اليوم مع الرئيس أن يكونوا جسرا بينه وبين الشعب لوقف ذلك الألم المروع المشتعل كالنار في صدر الأمة وكالنزيف في قلبها، يستطيعون ذلك لو أدركوا حقيقة وضعهم وقيمتهم، لو أن كلا منهم، أو حتى بعضا منهم، أعد أبحاثه ومراجعه وبلور رؤاه، ليشرح للرئيس لا ليسمع منه ، ليعارض لا ليؤيد، ليقترح لا ليطيع، أن يضع كل مثقف نصب عينيه، أنه هو، قبل أي فرد أو جهاز في هذا الوطن هو المسئول عن انتصار أمته أو هزيمتها، أن يدرك أنه قبل أن ينهزم عمر مكرم أمام محمد علي، وأحمد عرابي أمام الخديوي، وسعد زغلول أمام السردار، ومصطفي النحاس أمام الملك، وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر أمام اليهود، وأنور السادات أمام غوايات الباطل و إغراءات تتويجه كنجم، وحسني مبارك أمام الاقتصاد والسياسة والحرب والديمقراطية وربما أمام واقع هائل لا يرحم ما ينبغي له أن يرضخ له، قبل كل هذه الهزائم جميعا كان المثقفون هم آباء الهزائم و أبناؤها .

فكرت،أن هذا الصباح الحزين حزنه ليس كحزن كل صباح، فهناك أمل، مهما ضؤل في أن يحاول المثقفون، بعد تحقيق معجزة الخروج من ذواتهم، والإفلات من مغريات الحياة، القصيرة، الصغيرة، الحقيرة، ليحققوا تواصل المعارضة والأمة مع الرئيس، فربما لا تكون شقة الخلاف بيننا واسعة كما نظن، و ربما كان الابتعاد، خلف سوء الظن، أو ربما كان الابتعاد قد ترك الباب مفتوحا لأعدائنا و أعدائه، كي يواصلوا الدس بيننا، فيما فيه فساد أحوالنا، وضياع الأمل ح وكلما ازداد ابتعادنا، ازداد اختلافنا، وشقاقنا، و ألمنا وحسرتنا، وفرصنا الضائعة .

الفرصة سانحة أمام المثقفين اليوم للقيام بدور المصلح مابين جبهات فئات الأمة، المختلفة، الممزقة، شاملة المعارضة وسيادة الرئيس، وأناشدهم أن يكون قولهم له هينا، ولينا، فقد ثبت فشل الأصوات العالية في الوصول إلي أسماع سيادته، وثبت أن الانفعالات الحادة، لا تجد طريقا إليه، لذلك أريدكم ألا تكرروا طريقتي، التي وصلت بي إلي طريق مسدود .

تنهمر الأفكار داخلي، كل فكرة منها تحاول إغرائي، وربما إغوائي، بأنها هي التي ستحوز إعجابكم ، لتتبنوها أمام الرئيس خاصة وأن سيادته، و إن بدا في الفترة الثالثة لولايته غيره في الفترة الأولي، إلا أنني برغم كل شيء،أشهد بها بلا تردد، وبلا شبهة نفاق، أنه أفضل الوجوه في المؤسسة الحاكمة، وربما لا يعكس ذلك واقعا مجردا بقدر ما يعكس سوء الحاشية، ومن الغريب، الذي يُحسب للرئيس، لا عليه، أن الهجوم عليه، وانتقاده، أقل خطورة من الهجوم علي وزير من وزرائه، أو علي جهاز مباحث أمن الدولة، وذلك في ظل الدولة البوليسية التي نعيش فيها، أو علي الأحرى نموت، والتي تسيء ممارساتها علي السلطة والنظام والعهد أبلغ إساءة .

إنني حريص علي الرئيس، رمز الوطن، لكن المؤكد أيها المثقفون أن حرصكم عليه أشد، ورغبتكم في حمايته ممن يريد به السوء أكبر، وأن عقولكم، تتركز فيها حكمة الأمة، لذلك عليكم أن تجتهدوا في الفكر، وتمحصوا في الأمر كي تنقلوا إليه خلاصة عقولكم، وعصارة قلوبكم، و أن تخلصوا له النصح، بأن تقولوا له الحقيقة .

قولوا له مثلا أن جهاز الأمن الباطش الجبار . . . غير صادق حولكم أيها السادة المثقفون، يا خلاصة الأمة، تسمحون لي أن أجادلكم، و أن أسألكم، واضعا أمامكم ممارسات جهاز الأمن علي كافة المستويات ، من السجون إلي المعتقلات، إلي الشارع، إلي المؤسسات المهيضة، والوزارات العاجزة، والهيئات المعطلة، إلي الجامعات والمعاهد، إلي الحرس الجامعي، إلي نهب ثروات الوطن، وتضييع مقدراته وإهدار إمكانياته، كل ذلك بحجة الحفاظ علي الأمن، الذي برغم كل ذلك ضاع، بعد ترويع الأمة التي لم يتركوا أمامها إلا خيارين: الانزواء والخنوع إيثارا للسلامة، أو الانفجار .

ما هي الفائدة التي تعود علي النظام من ذلك، بل ما هي الفائدة التي تعود علي وزير الداخلية أوعلي ضابط الشرطة من زرع مشاعر التربص والانتقام والكراهية بينهم وبين الشعب، لا الشعب يستفيد ولا ضابط الشرطة يستفيد ولا الوزير يستفيد ولا الرئيس يستفيد ولا النظام يستفيد فلماذا إذن؟، أي حماقة كبري تدفع الأمور، لماذا يرضي الرئيس أن يتورط أبناؤنا ومواطنونا من رجال الشرطة في التعذيب وتلفيق الاتهامات، وتزوير الانتخابات، عن جهازا من أجهزة الدولة قد يستدعيني ليطالبني بدليل علي أن الأسبوع سبعة أيام وأن العام اثنا عشر شهرا، وأن رجال الشرطة يعذبون ويزورون، وسأعجز عن الإتيان بدليل لكن الله يعلم وأنتم تعلمون .

لقد ناقشت بعض رجال الشرطة في ذلك، وكانوا علي قدر من الذكاء بحيث لم ينكر منهم أحد، لكنهم أخذوا يبررون ما يقومون به بحماسة وحمية حتى أنني أكاد أكون لم أر من يدافع عن حق باستماتتهم في الدفاع عن الباطل، و أدركت أن سر هذه الاستماتة، أنهم إن لم يقنعوا أنفسهم بأنهم علي صواب فهم كما وصفت الأهرام مرة رجال الشرطة في أمريكا الجنوبية، حين قالت أنهم أشد سوءاَ و أكثر وحشية من اعتي رجال العصابات، لم ينكروا، ودافعوا عن التعذيب كطريق لا طريق غيره لحماية الوطن، دعكم من حدود الله، دعكم من تعاليم الدين، دعكم من المبادئ والأخلاق والمثل العليا، لكن إذا كان التعذيب صوابا، وكان هو الطريق الوحيد للمحافظة علي استقرار الوطن فلنفعله في العلن، إن المثل الشعبي الدارج يطالب ابن البلد كي يكون محترما ألا يخاف حين يفعل وألا يفعل حين يخاف، فلتطلقوا التعذيب علنا، وبدلا من تلك الحفلات الدموية في أقبية السجون فليتم التعذيب علي شاشة التلفزيون ولنجر المسابقات ولنوزع الجوائز علي الأكثر قسوة، كمباريات الرومان القديمة، كصراع الديكة والثيران ، وليحصل علي الجائزة الكبرى من يستطيع التعذيب للمدة الأطول وللحد الأقصى دون أن يموت الضحية، لا حرصا علي حياة الضحية بل لاستمتاعه وترويع المشاهدين، ليكن ذلك، ولنناقشه ولنعلم من يوافق عليه ومن يرفضه لكن دون تزوير، بربكم أيها أبشع، أن يتم ذلك بهذه الطريقة كعمل تباركه الدولة أم أن يتم في ظلمات الليل كالمجرمين، آن أوان المصارحة، فليتم تزوير الانتخابات أيضا علي شاشة التليفزيون، وليأخذ الجائزة الكبرى من يزور أكثر، أليس ذلك ما يتم في الواقع، لكن في الخفاء، لماذا إن كان صوابا لا يتم في العلن، لماذا نتخفى كاللصوص ؟ أم نحن فعلا عصابات لصوص، لسنا مجتمعا من الحكام والمحكومين بل مجموعة من قطاع الطرق أو القراصنة، وضحاياهم . حتى لقد دفع الأمر باحثا كبيرا مثل الدكتور محمد السيد سعيد لأن يقرر أن ما يحدث في الشارع المصري ليس إرهابا ومقاومة للإرهاب بل صراعا علي الحكم لا دخل لعموم الأمة فيه، لأنه صراع بين قوتين تفتقد فيه كلتاهما أي شرعية حقيقية، ولعله يقصد أنه لا شرعية حقيقية لنظام يزور الاتهامات والانتخابات ويبطش بالناس، وبين جماعات ليس لديها صك تثبت به أنها تمثل جماعة المسلمين أو تنفذ حكم الله .

يا أيها المثقفون، قولوا للرئيس أننا جميعا ضد الإرهاب، ضد الإرهاب الحقيقي لا ضد من يقدمهم جهاز الأمن كبش فداء، إنني وقلبي ينزف أذكر ضحايا العنف، رجل شرطة، ومدنيين، وشبابا أخيارا ربما لا يكون لهم بالعنف أي صلة لكن جاز الأمن الجبار الباطش حاصرهم بتهم قد تكون كاذبة غير مبال بأن عاقبة بعض هذه التهم هو الإعدام .

ينبثق تساؤلي كالنزيف، أوجهه للمثقفين كي يوجهوه بدورهم إلي سيادة الرئيس، لماذا كان علينا أن نفعل كل هذا، أن يدمر بعضنا البعض، بمنتهي القسوة والحماقة والعنف، ولماذا كان يجب أن نكذب كل هذا الكذب، ولماذا كان يجب أن تجري كل هذه الأنهار من الدم، لقد ضيعنا ثمار نصر أكتوبر من أجل وهم السلام، و بعنا انتماءاتنا الدينية والقومية والحضارية كي نفلت من حمأة التخلف ولنلحق بركب الحضارة، لكن تخلفنا ازداد، فقلنا، أن علي السياسة أن تخدم الاقتصاد . ورحنا نبيع السياسة كي نحصل علي الاقتصاد، منوهين كل آن وآخر، متسولين، كلمة مديح من صحيفة أمريكية أو أوروبية في الرئيس مبارك، كي نثبت للأمة وللعالم أننا نسير علي الطريق الصحيح، كأننا لا يمكن أن نسير علي الطريق الصحيح إلا بشهادة حسن سير وسلوك أمريكية، طريقة العبيد والجواري، حين لا يكون للعبد والجارية صوابهما الخاص فصوابهما ما يقرر سيدهما لهما أنه هو الصواب، ومثلما نظر الروس ذات يوم إلي ستالين ولينين كإله يتعبدون بقراءة كتبه الحمراء رحنا نحن ننظر إلي أمريكا .

وذات يوم نشرت الأهرام ردا علي ما نشرته الصحيفة الأمريكية الذائـــعة الصيت علي مستوي العالم : " وول ستريت جورنال "تحليلا مطولا عن أوضاع مصر الاقتصادية مقررة أن الاقتصاد المصري يسير إلي طريق الانهيار و أن مصر بالتالي تسير إلي الطريق السريع للانهيار الشامل والكامل .

 

يا إلهي فلقد بعنا كل شيء وضحينا بكل شيء وأطعناهم في كل شيء كي يأتي الرخاء الموعود به منهم .

لكم اتهمتمونا بالغباوة والغفلة والبداوة والهمجية والتخلف لأننا نرفض أن نصدق منطوق الحضارة الغربية فينا، ولكم نظرتم إلينا بالرثاء كله والازدراء كله لأن عقولنا القاصرة عاجزة عن فهم مدي هيمنة القوة الأمريكية علي العالم ، وكيف أن هذه الهيمنة قدر لا يفلح حتى الدعاء في رده . حسنا ، لو صدقنا الآن ما جاء في الوول ستريت جورنال، والذي تصفها الأهرام بأنها : " الجريدة الاقتصادية الأولي علي مستوي العالم أجمع " .وتنبري الأهرام التي طالما شارك بعض كتابها في ترويضنا وتطبيعنا وتركيعنا وتطويعنا لفكر الحضارة الأمريكية ، تنبري لا من أجل الحق بل من أجل سياسات نظام حسني مبارك التي وصفتها الصحيفة الأمريكية بالغباء ، وتفقد الأهرام الموضوعية تماما حين تروح تكيل الاتهامات للوول ستريت جورنال وتتناثر كلمات مثل : " السقطات الإعلامية الفادحة " و " خيوط المؤامرة " و" مفضوحة " و " وقد ارتكب محرر الجريدة الأمريكية أقصي جرائـــم التخلف " و " يكتب بنفس منطق المخبرين في العالم الثالث الذين ينقلون معلوماتهم عن باعة البطاطا " و"السلوك المشين" و و و . . . الخ .

كانت الأهرام هي التي راحت تقول بكل الانفعال أن الرضوخ لمطالب صندوق النقد والبنك الدوليين هو الذي سيؤدي للانهيار الاقتصادي والانهيار العام .

أليس ذلك ما كنا نقوله؟ أليس ذلك ما عصفتم بنا من أجله؟!

الغريب أن النظام كلما اكتشف أن معارضيه علي صواب ازداد غيظه منهم وتنكيله بهم، غيظ تلميذ بليد ينهال ضربا علي رفيقه الذكي الذي اجتهد فأجاب الإجابات الصحيحة .

والآن : هل هذه الصحيفة الأمريكية وحدها هي الكاذبة، أم أن المنهج الأمريكي كله كذب .

ذات يوم نشرت الأهرام - أكبر الصحف العربية، ويقولون أكثرها وقارا - أن المخابرات الأمريكية استطاعت عن طريق الأقمار الصناعية بالغة الحساسية أن تـصور ماركة ملابس صدام حسين الداخلية .

فإذا كانت الأهرام قد أرادت ذات يوم أن تقنعني بذلك فلماذا تشكك اليوم في قدرتهم، لماذا تريد مني الآن أن أكذبهم ، وهم القادرون علي تصوير ما يظهر وما يخفي، الآن الأمر يتعلق بالرئيس مبارك ؟ .

يا إلهي، لقد ظللنا نركع أمام أمريكا وهي تكيل الضربات الصاعقة لنا كدين وكقومية وكوطن، وراح من يدعون أنهم كتاب الواقعية منكم، أشباه علي سالم، والذين أصابهم الإيدز في أرواحهم وقلوبهم وعقولهم، راحوا يزينون الخضوع لأمريكا، راحوا يعرضون في سوق البغاء الغربي شرفنا وكبرياءنا وعزتنا وكرامتنا وعرضنا، مقررين أن أمريكا، لا قبل لأحد بمقاومتها، ولا رفض مطالبها، لكن، فجأة، حدث ما توقعناه نحن، حين قلنا أن فترة الوفاق بين مبارك وبين أمريكا لن تستمر، لأنه، مهما بلغت خلافاتنا معه، وإدانتنا لسياسات حكوماته، فإنه ليس أميرا من أمراء الخليج، ولا نورويجا، مبارك زعيم وطني، ولعله اجتهد فأخطأ، ثم اجتهد فازداد خطؤه، لكنه يبقي زعيما وطنيا، وهكذا بدأ الشقاق، وراحت الصحف الأمريكية تهاجم مبارك، وتنشر عنه الأقاويل، فإذا بكتاب الواقعية، ينبرون للدفاع عن مبارك، ضد أمريكا التي لا يمكن مقاومتها .

يا إلهي : هل كرامة الرئيس مبارك أغلي عندهم من الدين والوطن؟ لماذا لم تغضبوا قبل ذلك؟ .

لقد بدأنا الآن نسمع حديثا كدنا ننساه عن الكرامة القومية، والعزة الوطنية، وضرورة الاكتفاء الذاتي في القمح، وضرورة الاعتماد علي الذات . يا إلهي، هل اكتشفوا ذلك حديثا، بعد الهجوم علي الرئيس مبارك، هل الرئيس مبارك هو الوطن، أم مواطن يحاول خدمة الوطن فيخطئ ويصيب .

يا معشر الكتاب والمثقفين : تعالوا إلي كلمة سواء

يا معشر الكتاب والمثقفين : لقد قلت لكم بعض ما عندي، البعض الآخر لم أقله لأنه يندرج تحت طائلة القانون، لكنكم بما لكم من حظوة عند الرئيس تستطيعون قوله .

يا معشر الكتاب والمثقفين : إننا لا نريد كثيرا : فقط قليلا من العقل، وبعضا من الضمير، وبصيصا من الرؤية، وذرة من الأمل، وإن تيسر مسحة من الكرامة .

لقد كنت أحاور تلك الأفكار قائلا أننا نحتاج لما يزلزل ما نحن فيه، وعلي حين غرة، كأفلام الرعب اعتقلوا عادل حسين ، جاء، كزلزال جاء، كسيل هادر جاء، كنا ننتظر الإفراج عن جميع المعتقلين فاعتقلوا قائدا من قوادهم، فتزلزل يقيني، وباخ رجائي، بجدوى المحاولة و إمكانية التفاهم، لكنني قلت لنفسي، أنني يجب أن أقسر نفسي علي الصعب، اتقاء لما هو أصعب منه، مدركا أن أقصي ما يمكن أن يصيبني من جراء هذه المحاولة هو الموت في سجن طرة في مرحاض تحت الأرض علي الإسفلت، أو في القصر العيني بعد نقلي إليه من أحد مقارهم، ربما بأزمة ربو مفاجئة، أو حتى بانكسار النفس، وفقدان الرغبة في الاستمرار، أو في شارع من شوارع الجيزة، أو أمام مستشفي الجلاء حين يترصدني كمين هناك، يطلق الرصاص علي، فيرديني، وبعد موتي، يضعون في يدي مسدسا محشوا بالرصاص، بعد إطلاق نصف طلقاته، وحقيبة محشوة بالقنابل، كي يتأكد للكافة، أنني إرهابي عتيق، ذلك أقصي ما يمكن أن يصيبني، أما ما يمكن أن أجنيه لو نجحت محاولتي، فقد يكون رأب صدع الوطن، رتق مزقه وجمع شمله ووقف نزيفه، عند ذلك قرّ قراري علي الإقدام، رغم كل دواعي الإحجام . فهاأنذا أوجه للمثقفين رجائي وندائي، أن يحاولوا تقريب ما بيني وبين الرئيس، كمعارض له ولنظام حكمه، دون أن أكون عميلا مأجورا، ودون أن أقبض ثمن معارضتي، ولست أطمع أن يصدقني الرئيس في ذلك، بل أرجو أن يصدق أجهزة الأمن، التي لم تفلح جهود التنمية طوال الأعوام الماضية إلا معها، حين فشلت في الاقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة، و أفلحت فقط، جهود تنمية الأمن، وليس لدي دليل براءة أنصع من أنني لم أمتهم بعد، لأنه إذا كان جل المتهمين أبرياء، فما بالكم بمن لم يمتّهم أصلا ؟! وتلك فرصة أقتنصها، إذ أنني أشعر بأن أوان اتهامي قد حان، وزمان ابتلائي قد اقترب .

من أجل ذلك كله قرّ قراري أن أناشد المثقفين، لرأب صدع الأمة، وسدّ شقها، فليس من المعقول ولا المنطقي، أن يصالح الرئيس أعدي أعدائنا، ويقاطع أخلص المخلصين منا، لأن الأمر بهذه الصورة لا يبدو بغيضا فقط، بل ومخيفا أيضا . فهل أنا يا أيها المثقفون مبالغ، عندما أرجو أن يكون عادل حسين أقرب إلي قلب الرئيس من رابين؟!. فلنفترض، والافتراض غير صحيح، أن عادل حسين إرهابي، فهل يمكن أن يريد بالرئيس، ووطن الرئيس ودين الرئيس شرا أكثر مما يريده قادة إسرائيل ؟، وهل يصح أن يدنس علم العدو بلادنا وتغيب عنها أعلام العراق - لا صدام - الشقيق ؟! .

لقد فكرت كثيرا فيما أبدأ به، لكن مجريات الأمور التي لا تترك لنا مجلا حتى لالتقاط الأنفاس غيرت أولوياتي، إن لم تكن خلطت في جرابي كل الأوراق، لذلك، فطبقا للأولويات الجديدة، إن لم يحدث في الساعات القليلة القادمة ما يغيرها، أو يلغيها، بأن يكتشفوا مثلا أنني أحضرت معي في رحلتي الأخيرة إلي الولايات المتحدة و أوروبا مظروفا أزرق اللون، أحضره لي في مطار أوهيرا، شخص يبدو عليه أنه من المتطرفين، شاهده بالصدفة ضابط أمن كان يقف علي ناصية شارع المطار وبيده صحيفة مثقوبة، فإن لم يحدث ذلك، فإن ما أريد منكم قوله للسيد الرئيس أن ما يحدث مع المعتقلين بمفهوم العيب عيب، وأنه مشين وفاضح . إنني لا أستطيع غض النظر عن ملابسات الاتهام، لكن بعيدا عن الصواب والخطأ، والحلال والحرام، واللائق وغير اللائق، فقد كنت أود أن يكون الاتهام مسبوكا محبوكا، وأن يتم إخراجه بالعناية الفائقة التي تتواءم مع جهاز جبار باطش كجهاز الأمن عندنا ومع شخصية معارضة كبيرة مثل شخصية الأستاذ عادل حسين .

لأنه حتى في الشر والخطايا فالذكاء أجدر بالاحترام من الغباء .

لقد جال بخاطري مثلا أن تكون الحكاية كلها من تدبير مخابرات أجنبية، لكنني سرعان ما واجهت نفسي بأن تهافت الاتهام يشي بمصري لم يتعود من أحد أن ينقده، أن يعاتبه، أن يلومه علي تقصير، و أنه تعود أن يطلق الاتهام أيا كان، ليحوله للنيابة للتصرف علي أساسه، إذا لم يعجل هو بالمبادرة بالمحاكمة والحكم والتنفيذ عبر قرار اعتقال أو طلقة رصاص . ثم نقطة أرجو أن يثيرها المثقفون مع الرئيس بأرق ما يكون، تجنبا لإغضابه، وتوقيا لحساسية أرجو أن تزول، وتلك النقطة تتعلق بحياد النيابة التي نجلها كل الإجلال، لكن يسيئنا ويقلقنا ما تحدث عنه بعض كبار المحامين والكتاب، مما جري بعضه في قاعات المحاكم، واثقا أن حياد النيابة ليس مجرد وسام فخار لأي عهد، بل وصمام أمان أيضا، وأود أن تقولوا للسيد الرئيس، أننا مع احترامنا وتبجيلنا للنيابة والقضاء، إلا أننا نعلم، أنه في عصور أزهي، وفي ظلم أقل، كانت القاعدة أن قاضيا في الجنة وقاضيين في النار .

أريدكم أن توضحوا للرئيس أيضا، كمّ الإساءة التي سببها الأحمق، الذي ترك عادل حسين يذهب إلي النيابة بثوب صيفي رث مستعار ممزق، لأن العالم، وهو يسمع عن ذلك، ويشاهد صوره، لن يدين بالطبع عادل حسين، ولن يقل احترامه له، و إنما سيدين إدانة فادحة، النظام الذي سمح لهذه "المسخرة " أن تحدث، ولو أنني كنت من ذلك الأحمق، لتوسلت إلي عادل حسين، أن يلبس ملابسه، التي أخذتها منه عنوة في الليلة السابقة،عامدا متعمدا، كي لا يفضحنا أمام العالم، لتوسلت إليه، لبادرته حتى بالاعتذار كخدعة حتى يعود من النيابة فأسلبه ملابسه مرة أخري، فإن أبي قبول الاعتذار فقد كان ذلك يسوغ لي أن أُلبسه أفخر ثياب ولو بالقوة .

لم يكن ذلك مخزيا لعادل حسين، ولا ممن هو أفضل من عادل حسين : سعيد بن المسيب، التابعي الجليل أفقه أهل زمانه، حين أراد عبد الملك بن مروان أن يقسره علي البيعة لابنه الوليد فأبي سعيد بن المسيب، فضيقوا عليه ونكلوا به، و ألبسوه ثوبا خشنا حقيرا من صوف الماعز، وراحوا يطوفون به شوارع المدينة، وأخذوه إلي مكان إقامة الحد، موهمين إياه، مروعينه، أن السياف سيقطع عنقه، لكنه صبر واحتسب ورفض البيعة، فراحوا يجلدونه بالسياط، وذهبت إليه امرأته وهو يعاني العذاب ويرسف في الأغلال وقد أضناها الإشفاق عليه، والرغبة في أن يبايع كي يتجنب كل هذا العذاب، خاصة أن رفضه المبايعة، لم يكن ليقدم أو يؤخر بعد أن استقرت لعبد الملك الأمور، ودانت له الأرض ، بإخماد معارضيه، وقتل الخارجين عليه .

ولعلها ذكرت في هذا الموقف،موقف سعيد بن المسيب، حين- قبل هذا الموقف بسنوات - خطب منه عبد الملك بن مروان ابنته إلي ابنه ولي العهد - الوليد -، فأبي سعيد، وسارع بتزويجها إلي فقير من فقراء المسلمين العابدين، وكان ما قدمه من صداق لابنته : درهمين !! ، قبلهما ورفض كل ما يملك الملك !!! .

ذهبت امرأة سعيد بن المسيب إليه، راسفا في الأغلال، هاتفة به : "ما هذا الخزي يا سعيد "فإذا به يجيبها إجابته الجليلة : "بل من الخزي إلي هذا هربت، فلو أجبناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة! .

أظن - يا مثقفين - أن عادل حسين كجل المعارضين - من خزينا إلي هناك هرب . . .

عادل حسين، الذي راح منذ حبسه، يكتب رغما عن السلطة أروع مقالاته، دونما حاجة إلي أوراق ولا أقلام ولا إلي صحيفة، ولا إلي أي شيء يمكن للباطش الأحمق الجبار أن يحول بينه وبينه، يكتب إلي أمته التي تصافح وجه الحزن كل صباح، بشعاع الشمس والقمر والنجوم يكتب، وبالصمت يخطب كأروع ما خطب، فتندفع الأمة، تقارن ما بينه وما بينهم، بين تاريخه وتاريخهم، بين ثروته وثروتهم، بين أبنائه وأبنائهم، بين ما يمثله وما يمثلونه، بين ما يدافع عنه وما يدافعون عنه، بين أصدقائه وأصدقائهم، بين أعدائه وأعدائهم، بين حياته وحياتهم، والأمة تقرأ دونما حاجة لعين، وتسمع دونما حاجة لأذن، وتتعجب من اتهام الإرهابيين له بالإرهاب وتري بعين البصيرة والقلب عادل حسين - كجل ضحاياهم - ساخرا وهامسا حتى علي جلاديه أنهم إذا بسطوا يدهم إليه ليقتلوه ما هو بباسط يده عليهم ليقتلهم، ولتهمس له الأمة بهسيس الريح : أين السلاطين مما أنت فيه يا عادل، أما لو فطنوا له لقاتلوك عليه .

يا أيها المثقفون . . . . قولوا للسيد الرئيس أن جهاز الأمن الباطش الجبار قد تجاوز كل حد، و أنه يجب وقفه عند حده و إلا أشعل الوطن . ليس مهما أن تقولوا ذلك بحروفه وكلماته، لكن قولوه بالصياغة المهذبة التي يقبلها فيناقشها، وقد يري فيها رأيا . قولوا له أن الوطن حين يشتعل فعن السفينة تغرق بنا جميعا، و أن الخطر يتهدده معنا، وأن وزير داخلية السادات الأخير، حين أشعل الوطن، بقي هو، بعد أن ضيع الذي اؤتمن عليه : الأمن، والرئيس نفسه، و بقي هو، غارقا، في ثروة ما يعلم إلا الله ووزراء الداخلية اللاحقين كيف حققها، وليدعم ابنه، الذي راح بسلطان أبيه يسلب أموال الناس، حتى بدا أن سلطان القانون سيناله، فهرب إلي الخارج، أيضا بسلطان أبيه، مع أنهم لو حبسوه، لما حبسوه في مرحاض تحت الأرض ولما تركوه ينام علي الإسفلت ولما وضعوا الأغلال في يديه، ولما سلبوا منه ملابسه ليستعير ثوبا صيفيا رثا ممزقا من سجين .

قولوا له أيضا أن جميع وزراء الداخلية السابقين في عهده قد تورطوا - كما كتبتم أنتم أنفسكم في الصحف الحكومية - في اتهامات مالية مشينة - لم يحقق فيها أحد !، و أن ثروات بعضهم قد بلغت عشرات الملايين ولم يسألهم أحد - ربما حتى الرئيس في حدود ما نعلم - من أين لهم هذا . لقد كان عبد الحليم موسي مثلا شيخا للعرب انخدع بعضنا فيه حتى فضحه زكي بدر . لكننا نقرر في ذات الوقت، أن اللواء حسن الألفي قد فشل في تحقيق الأمن للوطن، ( ملحوظة : بعد ثلاثة أعوام من نشر هذا المقال سيستعمل الرئيس مبارك نفس الكلمة في وصف سياسة حسن الألفي : الفشل ) مع أنه كان قد وعد به، لكن الأمر انتهي، علي أن عدد ضحايا رجال الشرطة فقط في شهرين أخيرين من عهده قد جاوز المائة والعشرين، وهم ضحايا أبرياء لسياساته الخاطئة، ومنهج " الضرب في المليان "، والاستيلاء علي حقوق القضاء وواجباته، ولقد جعل ظهور أعدائه للحائط، حين واصل خلق ثأر لا مصلحة للوطن ولا للرئيس ولا للأمة ولا لرجال الشرطة فيه، لا مصلحة حتى له هو شخصيا فيه، وهذا هو الغريب، لأن المستفيدين الوحيدين هم أعداء الأمة.

ولقد جال بخاطري ذات وقت ما لم أبح حينها به، وهو أن السيد اللواء حسن الألفي، بعد إصابته في محاولة اغتياله، لن يصلح لأداء مهام منصبه، وحدثتني نفسي، أنه : لأنه ليس أغلي علي الإنسان من نفسه، برغم أن أحدا لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لكنني أتجنب التركيز علي ذلك، كي لا أتهم بأنني متطرف، خارجيّ، لكن لأن حسن الألفي يحب نفسه - وهذا طبيعيّ، بديهيّ، فعن نفسه، ستقف بينه وبين الجماعات، طالبة الانتقام والثأر، ورجوت من الله أن ينتصر علي نفسه، لكنه انتصر، في زيادة التوتر، حتى الاشتعال .

يا أيها المثقفون :

سلوا سيادة الرئيس : هل وزيره واثق كل هذه الثقة البادية عليه - كثقة مسلم بن عقبة - أنه ليس ظالما، لقد فعلها مسلم بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم بنيف وخمسين سنة في واقعة الحرة حينما غزا المدينة بأمر يزيد بعيد استشهاد الحسين، وفي المدينة فعل مسلم بالمدينة شر ما يمكن أن يفعله كافر أو مسلم، حين استباحها ثلاثة أيام، فقتل سبعمائة من المهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من عامة الناس، واستباح النساء ثلاث ليال حتى حبلت ألف امرأة بغير زوج، وبعد أن فعل فعلته قال : " اللهم إني لم أعمل قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله عملا أحب إليّ من قتل أهل المدينة، ولا أرجي عندي في الآخرة . "!!!

علي هذه الدرجة كانت الحماقة والغباوة وعمي القلب .

والآن . هل حبس المعارضين وتعذيبهم، واعتقال عادل حسين، وما يفعله حسن الألفي بمعارضيه يمثل له هو الآخر أحب أعماله عليه وأرجي عباداته للآخرة، وهل يثق أنه ليس هناك ممن فقدوا حياتهم من هو مسئول عنه، ممن ادعي هو أنهم متطرفون فقتلهم رجاله قبل أن يثبت القضاء أنهم متطرفون، أو من رجاله الذين قتلهم المتطرفون، أو حتى ذلك الطفل الذي قتله رصاص رجاله في كفر الدوار، فراح أبوه ينوح متسائلا أليس ذلك الطفل شهيدا مثل شيماء الشهيدة ، لماذا إذن لا يهتم به أحد ؟ .

ألا يشك قط أنه سيأتي يوم القيامة علي رأسه دم ضحية ماتت ظلما ليهتف به من في السماء : كأنك قتلت الناس جميعا .

يا أيها المثقفون المجتمعون بالسيد الرئيس : كل واحد منكم يعلم علم اليقين ما يحدث من تجاوزات بل من جرائم، وفي أحاديثكم الخاصة تقولون الكثير، قولوا للسيد الرئيس ما تعلمونه عن تجاوزات الأمن .

من السهل تماما علي وزارة الداخلية تبريرا للعجز أن تتهم الإخوان المسلمين بأنهم وراء الإرهاب .

ومن السهل علي وزارة الداخلية تبريرا للعجز أن تتهم عادل حسين بأنه وراء الإرهاب .

ومن السهل عليها أن تكتسب لها أعداء كل يوم، و أن يسقط لها ضحايا كل يوم، أم تراكم تظنون نظامنا يتسع لوزير يعترف أنه فشل فيستقيل، إن لم يكن بدواعي الدين والضمير فمن أجل الوطن، حتى من أجل أبنائه من رجال السلطة الذين يتساقطون كل يوم، حسنا، الإخوان المسلمون مسئولون، إرهابيون وخارجون علي الدين، لكن هل حقن ذلك الدماء وهل حل المشكلة، بذات العجز والفشل اتهموا كل معارض، ويحدثنا التاريخ أنهم كانوا علي الدوام - تقريبا - علي استعداد لإشعال الوطن حفاظا علي مقعد سلطتهم، كانوا يضحون برجالهم، دون مبرر، وعندما يتضح عجزهم كانوا يتعلقون بأذناب المعاذير، و يورطون الوطن في انقسامات هو منها بريء، يدّعون أقاويل يمشي الزور في مناكبها ويتردد البهتان في مذاهبها، لكي يثبتوا للحاكم أن عجزهم ليس بسبب قصورهم، و إنما بسب ضخامة المؤامرات والأعداء، وكانوا دائما واثقين في صواب آرائهم ثقة مسلم بن عقبة، وكانوا علي استعداد للتضحية برجالهم جميعا، فالجيش موجود لينزل إلي الشوارع في النهاية إذا سقط رجال الشرطة جميعا، أوعجزوا . وثمة تساؤل جوهري آخر، هل هو محظور أن تسعي أي جهة أو هيئة أو فرد للوصول إلي الحكم عن طريق انتخابات غير مزورة؟!. فإن كان هذا اتهاما فما هو الإرهاب إذن؟؟! .

يا أيها المثقفون : قولوا للسيد الرئيس أن الأمة كلها ضد الإرهاب، لكن مرجعنا في الحكم علي الإرهابيين ليس السيد وزير الداخلية ولا بيانات موظفيه ولا أضابير مباحثه، لقد شهد القضاء بالتعذيب في السجون وأنكر الوزير فمن منكم يتهم القضاء بالكذب، لو اعتدل ميزان الداخلية لتقلص الإرهاب إلي الحد الذي كان عليه في بداية رئاسة مبارك الأولي، حينما، بحركة بارعة رائعة، أمر بالإفراج عن المعتقلين من رموز الوطن واستقبلهم بنفسه في القصر الجمهوري، في حركة اعتذار لا حد لرقتها وعذوبتها، اعتذار عن ممارسات سلفه، وقولوا له أيضا أن الزمان قد دار دورته لتهب رياح سبتمبر في الشتاء ولتخيم علينا ظلاله الدامية، ولقد طالبنا أيامها بألا ننبش الماضي، فعاد الماضي، وامّحت البراعة والروعة والرقة والعذوبة مع حبس عادل حسين، يا إلهي، كيف سمح الرئيس لهذا أن يحدث بهذه الطريقة في عهده .

إن صديقي يهمس لي ساخرا أن أحمد الله لأن بعض أفراد النظام

الذي صفي خلافاته مع اللواء محمد إمام - وهو منهم - بكل هذه الشراسة والدموية لم يطلب حتى الآن فدية لإطلاق سراح المعتقلين. قولوا لسيادة الرئيس أن الأمة التي انبهرت باعتذاره في الماضي لن تكتفي الآن بمجرد الاعتذار، لأنها تطمع من البطل الذي طالما أعجبت به في أكتوبر ألا يخذلها، و أن يضع المنهج الذي لا يتكرر فيه ما حدث وما يحدث . قولوا له أننا قوم لا نذكر محاسن موتانا فقط بل ومحاسن الأحياء أيضا، لذلك لا نكف عن ذكر أكتوبر له، ومناشدته بها، فإن حق الأمة علي الرئيس أن يوقف هذا البطش .

فليقف منكم يا معشر المثقفين من له مع جهاز الأمن الباطش تجارب وليحك للرئيس ما حدث له .

فليقف محمد السيد سعيد وليقل ما أصابه، فليس ما أصابه مأساة شخصية تعرض لها، وليس من ساموه العذاب الهمجي الوحشي المجنون عصابة من قطاع الطرق، ولا حدث في كهف في الصحراء، بل رجال الشرطة، وفي سجن من سجون الدولة، المفروض أنه في حماية النيابة و الدولة، و . . . . . الرئيس مبارك . تكلم يا محمد السيد سعيد فليست مأساة شخصية لك بل مأساة وطن ونظام . ليس شيئا حدث وانقضي بل يحدث كل يوم، وثمة عشرات ومئات و آلاف من الضحايا .

سحق الروح .

هدر المنطق .

انهيار العلاقات بين الأشياء .

مسخ الإنسان إلي حيوان بدائي يأكل ويشرب ويتناسل ويصفق ويبايع .

 

سلوا الرئيس عن كان جهاز أمنه يريد بشعبه ذلك فهل يوافق هو؟!. لقد اقتصرت علي حكاية واحدة ولو شئت لما انتهيت، حكايات الصحف والمجلات والكتب وتقارير منظمات حقوق الإنسان، بل و أحكام المحاكم، لا أريد إثارة، وأتجنب استفزاز سيادة الرئيس حين يسمع ما يكره، لذلك أختصر وأوجز، لكنني أتساءل بمنتهي الدهشة والألم، لماذا يرضي الرئيس أن يتصف عهده بهذه الممارسات، بداية من الطريقة الهمجية لإذلال الناس في أقسام البوليس إلي الطريقة الحيوانية لتعذيبهم وقتلهم في السجون ومقار المباحث، لماذا ؟! ألن يستطيعوا محاربة الإرهاب دون إرهاب الأمة، ألن يستطيعوا ضمان الأمان لنظام الحكم دون ترويع الآمنين، دون الكذب والتزوير والقتل .

يا أيها المثقفون : إياكم وتلك الطريقة البشعة المقززة التي اتبعتموها أحيانا للدفاع عن جمال عبد الناصر والسادات حين رحتم تدّعون أن الحاشية هي التي تفعل وهو لا يعلم، إياكم، لأن رئيس الجمهورية الذي يعجز عن معرفة ما يعرفه رجل الشارع العادي لا يستحق أن يكون رئيسا، لذلك إياكم من الإساءة و أنتم تقصدون الإحسان، إياكم وخيانة الأمة مجاملة للحاكم، ليقل كل منكم للرئيس بطريقته ما يعلمه من تعذيب وتزوير وليتوسل إليه أن الأمة فاض بها و أن استمرار ذلك إهانة لكل فرد في هذه الأمة وأنه عار لن تمسحه الدنيا ولن تغفره الآخرة، إنني قد أفهم - لا أقبل - سكوت الرئيس علي تجاوزات تتعلق بأمنه، لكنني في نفس الوقت آمل أن يدرك الرئيس أن شذاذ الآفاق في هذا الوطن حين يشرعون في نهبه وتدميره لن يعترفوا بحقيقة دوافعهم أو نواياهم، سيدعون دائما أنهم يدافعون عن الوطن وعن الرئيس كيما يسخرون أجهزة الدولة مطايا لأطماعهم، إننا قد نتفهم -لا نوافق - علي أننا لا نعيش عالما مثاليا، بل وقد نصدق أننا في غابة، ونستطيع أن نفهم أننا لن نقيم علي الأرض جنة، وأن الشر سيظل موجودا ما بقيت الحياة، وأن الحصيف : ليس من يميز الخير من الشر بل من يميز أهون الشرين، لكن الذي لا نفهمه، هو كيف تُترك الأمور حتى يصرخ خمسة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين في بيان تنشر مقتطفات منه صحيفة الأهالي، أن مؤسسة الفساد أصبحت أقوي من مؤسسة الرئاسة، لم يقلها الإرهابيون لم تنشرها صحف المعارضة، سلوا الرئيس لماذا يترك الأمة نهبا لكل هذا التمزق والألم، لماذا ؟ لمصلحة من؟ . لماذا يسود العناد في تعاملنا، إننا إذا فهمنا الدوافع خلف بعض اتجاهات الفساد فنحن عاجزون عن فهم الدوافع خلف معظمها، طبيعي في كل نظام حكم في العالم أن يوجد في مؤسسة الحكم بعض ضعاف النفوس، و أن يوجد من أبناء كبار المسئولين من يستغلون سلطة ذويهم، ذلك طبيعي وجوده، كالمرض، كالجرب والإيدز والسرطان، لكن يجب علاجه، علاجه وليس ترك الأمر علي غاربه لكي يعم الوباء والبلاء .

سلوا الرئيس عن موازين القوي بين مصر وإسرائيل، بين العرب و إسرائيل، وماذا حدث لمصر في عهده . . . نائبا . ورئيسا .

يا أيها السادة المثقفون : دعوا مروري بهذه النقطة مرور كرام، لأنني أخشي أن أجاوز حدا لا أراه لأجد نفسي أمام محكمة عسكرية ببلاغ من وزارة الدفاع .

لكن قولوا للرئيس أن تلك الأسئلة إن ذبلت علي شفاهنا بقيت في قلوبنا .

قولوا له أيضا أن استقصاءات عديدة لعدد من ينتخبون أو يدلون بأصواتهم في الاستفتاء قد دلت علي أن نسبة من يحضرون للإدلاء بأصواتهم تتراوح بين خمسة وعشرة من كل مائة، و أننا لأسباب لا مجال لذكرها قد تتغاضي عما يحدث في الاستفتاء علي الرئاسة، لكننا لا نفهم أبدا لماذا الإصرار علي تزوير باقي الانتخابات، فإذا تعذر التزوير تم إلغاء العملية الانتخابية كلها، لماذا حدث ما حدث في النقابات، وهو مخز، طفولي، لا يمكن أن تقوم به هيئة تحترم نفسها، أو ترجو من الآخرين احترامها، لماذا يحدث ما يحدث في الشركات، في القطاع العام، في الصحافة، في المحليات، في مجلسي الشعب والشورى ، في استزراع الصحراء، في المطارات، في المواني، في الوزارات، في مناهج التعليم، في اختلاق التهم في الداخل والخارج لتمزيق شمل الأمة في الداخل والخارج بنفس المنطق، لماذا يحدث ما يحدث في الجامعات، ولماذا كان عليهم أن يجعلوا العمادة بالتعيين لا بالانتخاب .

والقري، والعمد، ومزارع القصب الذي يُقتلع .

يا أيها المثقفون لا أستطيع أن أحصي أو أن أحيط فأحصوا أنتم وأحيطوا وتجرءوا وقولوا .

قولوا للرئيس أنني أخشي أن تكون مسئوليته أمام الله يوم القيامة لا باعتباره مسئولا عما يعلم وعما لا يعلم من أمر أمته لاستخلافه عليها فقط، ولا باعتباره المسئول الأول، لكن باعتباره الفاعل الأوحد، نخشى ألا يكون هناك فاعلون آخرون، أن تكون الهيئات الأخرى مجرد شكل....

أجلس أحيانا، والهم يكاد يقتلني، أحلم أحلام يقظة، و أتخيل، كي لا أنفجر .

أتخيل أحيانا أن قوة جبارة عاتية تهيمن علي الأرض، و أن هذه القوة عدوة لنا، وأنها هي التي تختار لنا، وتسير أمورنا، فتختار لنا الأسوأ في كل شيء . هل كان يمكن لمثل هذه القوة أن تختار لنا وزراء أسوأ .

أين مجلسي الشعب والشورى، أين الناس . . . وثمة تاريخ يسجل وملائكة رحمة وعذاب ترصد، وموت وبعث ونشور وحساب ونار وجنة . . . و . . . . . . . .إلــــــــــــــــــــــــــه .

سلوا الرئيس، واذرفوا دموعكم أمامه عسي قلبه يعطف علينا . قولوا للسيد الرئيس شيئا عن سعيد بن المسيب، فقيه الفقهاء، إمام التابعين و سيدهم، أعلم أهل زمانه علي الإطلاق، راوية الحديث، صهر أبي هريرة، من صلي الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وما نودي للصلاة أربعين عاما إلا وهو في المسجد، من استغني بالله فافتقر الناس إليه، من كان يهتف في أصحابه : لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة، حدثوا الرئيس عن موقفه حين غزو المدينة في موقعة الحرة حين راح اللواء مسلم بن عقبة وزير حرب يزيد - ولعله كان وزير داخليته أيضا - يأخذ البيعة من الناس لمولاه، فمن بايع علي كتاب الله و سنة رسوله ضرب عنقه، ومن بايع علي سنة الشيخين ضرب عنقه، ومن بايع ليزيد مطلقا مخولا له الحكم في ماله ودمه نجا، وجاء دور سعيد بن المسيب فبايع علي كتاب الله وسنة رسوله فأمر سعيد بن عقبة بقتله، وهنا احتال الحاضرون من أهل المدينة الذين يعرفون قيمة بن المسيب لينقذوه من الموت فشهدوا أنه مجنون، فأطلق بن عقبة سراحه .

لقد حاول مسلم ممالأة مولاه كي ينال عنده الحظوة في الدنيا .

ولقد أراد يزيد توطيد سلطانه وملكه ودوام أيامه من غير منازع .

ولقد عاقبهما الله بنقيض قصدهما وحال بينهما وبين مرامهما، فمات أولهما بعد أيام ومات الآخر بعد أسابيع، ذلك أن الله هو قاصم الجبابرة، الآخذ أخذ عزيز مقتدر .

كان أمامهما الطيب فاختارا الخبث، وكان إزاءهما الطاهر فاختارا الدنس . . .

خسرا الدنيا والآخرة . . . . . فلا إله إلا الله . . . .

يا أيها المثقفون : لقد خسر معظمكم معظم ثقة أمته لأنه انصرف عن طلب حظوتها إلي طلب حظوة الحكام، لم يدركوا أنهم لا يصيبون من الحكام شيئا إلا و أصابوا منهم أفضل منه .

فلكيلا تفقدوا البقية الباقية مما لكم عند الناس توسلوا إلي الرئيس إن كان لكم لديه احترام أو حظوة أن يوقف قهرنا : أن يأمر بإيقاف التعذيب الحيواني المجرم ، وبأن يوقف التزوير وبأن يأمر بالإفراج عن المعتقلين دونما سند، و أن يأمر بالإفراج عن عادل حسين . فتُراه لن يسمع لكم ؟، أم تراكم لا تريدون، أم لا تجرءون علي الحديث أمام الرئيس إلا بما يؤذن لكم أن تقولوا ؟ .

عار عليكم أن تبيتوا في بيوتكم و عادل حسين في جب تحت الأرض علي الإسفلت . تلميذ سعيد بن المسيب العظيم، ووارثه، من رضعت التجارب في يده مرآة العواقب . وإنه والله مستعد أن يبايع الرئيس علي كتاب الله وسنة رسوله،لا علي سنة النظام العالمي الجديد .

ألهذا يقتلونه ؟؟ .

يا أيها المثقفون : اشهدوا أمام السيد الرئيس بأن عادل حسين مجنون.