أبناء عادل حسين يعتصمون في نقابة الصحافيين!

 

 

 

بقلم د. محمد عباس

 

انفجرت الصحافة والفضائيات والفلول وثلة من المنافقين وقليل من الصادقين  احتجاجا على  الإطاحة بالأستاذ جمال عبد الرحيم من صحيفة الجمهورية..  وليس لي اعتراض محدد على شخص الأستاذ جمال عبد الرحيم بل إنني أقيم للرجل كتابا بديعا عن الملحدين الجدد كان ينتصر فيه لقضايانا وقضايا صحيفة الشعب.. دعنا الآن من رفض الخبر الكاذب أو المثير والذي أعتبره لا يقل خطورة علن شحنة ناسفة أو عمل إرهابي. لكن دعنا من ذلك الآن لنقارن بين الانفجار الصاخب من أجل جمال عبد الرحيم والصمت الفاجر على صحافيي صحيفة الشعب الشهيدة التي اغتيلت منذ اثني عشر عاما وهي تجاهد في سبيل أشرف قضية يمكن أن يستشهد فيها شهيد.. قضية لا إله إلا الله محمد رسول الله.. قضية الوليمة.. ومنذ ذلك الوقت لا يكف صحافيوها وأحبابها عن محاولة استرجاعها بكافة الطرق بلا جدوى رغم أربعة عشر حكم قضائي نهائي.. ورغم اعتصامات وصلت لحد الإضراب عن الطعام  آخرها ما يزال قائما في نقابة الصحافيين. ورغم وصولهم إلى حل نهائي مع صفوت الشريف قبل الثورة فقد جاءت الثورة لتتنكر لهذا الاتفاق. الثورة.. التي تهد صحيفة الشعب وكتيبتها المجاهدة  وعادل حسين الذي استشهد وهو يجاهد .. هؤلاء جميعا هم أهم الآباء الحقيقيين لثورة 25 يناير. ولقد سألت نفسي كثيرا لماذا لم يمن الله علينا بأن تتطور مظاهرات الوليمة لتتمخض عن ثورة 25 يناير, وكانت هناك إجابتان متناقضتان: أننا كإسلاميين لم نكن نستحق هذا الشرف.. أما الإجابة القانية فقد كانت : ربما أراد الله أن يحمينا ويحمي الثورة ببعض الظلال على أدوارنا.. لكن هذا لا ينال من يقيني الكامل بأن الثورة إسلامية وأن الإسلام هو الثورة.

اعتصام صحافيي الشعب المعتم عليه كان نتيجة مباشرة لإغلاق صحيفة الشعب إثر معركة الوليمة.

لكن أحداث ما سمي بمعركة الوليمة لم تبدأ يوم الجمعة 28 أبريل عام 2000.. بل بدأت قبلها بمائتي عام وعامين.. مع الحملة الفرنسية على مصر.. وكانت الحملة الفرنسية حلقة من حلقات الحروب الصليبية التي لم تتوقف قط منذ مؤتة وحتى فلسطين وأفغانستان والعراق.

ولم تكن الحملة الفرنسية في حد ذاتها مجرد بداية.. بل كانت ذروة التغريب والتخريب:

قتلت الأبطال وحاربتهم وشردتهم وطاردتهم..

وأعلت من شأن الخونة والجواسيس وجعلتهم أمراء وقادة..

كما كانت تلك الغزوة انعطافة خطيرة في مسار مجتمع مسلم واجه الغزوة الباطشة بما ينبغي لمجتمع مسلم..

لكنه في هذه المواجهة فقد صفوة شبابه وعناصره النشطة القادرة على بناء نظام والدفاع عنه بعد ذلك..

والذي حدث أن المقاومة الإسلامية المنهكة والمستنزفة قد وقعت في خطأ تاريخي، عندما سلمت الحكم إلى محمد على، لتبدأ الانعطافة الخطيرة في التنصل من الإسلام كمرجعيّة.. ومن الانبهار بحضارة الغرب.. وهو الانبهار الذي وصل بنا في النهاية إلى الانهيار التام.

مع محمد على بدأ التطور الخطير.. فمع عودة بعثاته التعليمية من أوروبا ـ وخاصة فرنسا ـ تم اصطناع مرجعية أخرى غير الإسلام.

الغزو الإنجليزي كان حلقة أخرى من الحروب الصليبية، واصلت بنهم لا يعرف الارتواء ضرب المرجعية الدينية.. حيث نجح اللورد كرومر بالذات في تكوين مجموعة من النخبة حوله.. ثم فرضها بوسائل مختلفة كي تسيطر على الساحة الفكرية..

هذه النخبة خطت خطوة خطيرة في اتجاه هدم المرجعية الإسلامية.. حيث قاد أفرادها المدعمون بالإنجليز حملة ضارية للهجوم المباشر وغير المباشر على الإسلام.. على أصوله وفروعه.. على علاقته بنظام الحكم.. وعلاقته بالمرأة.. والقانون.. والمجتمع.. وعن كونه سبب تخلف الأمة.

ومن المحزن أن هذه النخبة هي التي تقود الحركة الفكرية في الشارع المصري حتى اليوم..

والمحزن أكثر أن قيادة هذه النخبة قد انتقلت دون مقاومة كبيرة من الشارع المصري إلى الشارع العربي.. ولتعطى في نفس الوقت رخصة لنظم الحكم والنخب القائدة في العالم الإسلامي للتخلي عن مرجعية الإسلام.. فليس من المنطقي – من وجهة نظرها – أن تكون أكثر تمسكا بالمرجعية الإسلامية من العرب!!

وبرغم حرصنا على تجنب ذكر الأسماء لا نستطيع إغفال حركتين سياسيتين كان دخولهما على الساحة - برغم عدائهما للإنجليز – مرحلة ضرورية لضرب المرجعية الإسلامية.. مرحلة ضرورية جعلت الإنجليز يسمحون بهما في خبث شيطاني لإنهاك المجتمع الإسلامي وإفقاده التوازن.. تلكما الحركتان هما الحركة الشيوعية وحزب الوفد. ولنلاحظ أن الحركتان هم الأب الشرعي للعلمانية والليبرالية والأناركية التي تمثل في مجموعها الآن الثورة المضادة للإسلام.

الحركة الشيوعية أنشأها يهود.. ولقد نجحت نجاحا كبيرا في التغرير بجزء هام من الحركة الوطنية المصرية وفصمها عن مرجعيتها الإسلامية.. وكانت القيادات في كثير من الأحيان عارفة بما تفعل.. مرتشية وملحدة وخائنة.. كما ظهر بوضوح عام 48، عندما قاد الشيوعيون حركة تمرد في المطارات العسكرية المصرية لمنع تموين الجيش المصري الذي يحارب في فلسطين!!.. كما ظهرت نتائجه الفاجعة بعد ذلك بخمسين عاما.. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.. عندما ارتمت قيادات هذه الحركة في أحضان أمريكا وإسرائيل، مسقطة بطريقة مذهلة كل دعاواها عن عدائها للاستعمار والإمبريالية، ونشدانها للعدالة الاجتماعية وتحرير الشعوب!!!!.. أسقطت كل هذا لتتبنى عكسه تماما، محققة بنجاح مذهل أهداف الغرض من إنشائها!!

لقد أنشأها اليهود والصهاينة.. تحت بصر الإنجليز الصليبيين.. وكان الظاهر والخادع أن هذه الحركة تمثل معارضة شرسة لقوى الاستعمار وعلى رأسه الإنجليز.. ولكن النظرة الشيطانية البعيدة كانت تدرك أن الشيوعية والصهيونية مجرد نتوءات من الحضارة الغربية، والتي تهدف إلى هدم عدوها الرئيسي: الإسلام.. ذلك هو العدو الرئيسي الذي يجب هدمه بأي طريقة.. وبكل طريقة.. مهما بدت هذه الطرق متناقضة أحيانا.. إلا أن النظرة الشيطانية البعيدة كانت تدرك أن هذه الطرق المتباينة ستجتمع في النهاية مهما كان تعارضها.. وأن مجهودها كله مهما بدا الأمر غير ذلك إنما هو موجه لهدم الإسلام.

كان القادة يعرفون ما يفعلون.. وكانوا يغررون بأعضاء أحزابهم وبأمتهم.. وليس أدل على ذلك، من أن أكبر رأس باقية في مصر منهم اليوم، كان عميلا للمخابرات السوفيتية، يتلقى منهم الرشاوى التي أعلنتها تلك المخابرات نفسها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي!!

الحركة الثانية التي كانت تمثل اختراقا أشد خطورة للمرجعية الإسلامية كان ظهور حزب الوفد.. كان المخطط الشيطاني يدرك أن الحركة الشيوعية قادرة على الهدم.. لكنها في مجتمع إسلامي غير قادرة على الإطلاق على تقديم بناء بديل.. كانت جماهير الوفد وقياداته هي القادرة على تقديم ذلك البناء البديل.. وكان الوفد أول حزب علماني يقصى المرجعية الإسلامية جهارا نهارا.

 يقول الأستاذ (محمد قطب) في كتابه: (واقعنا المعاصر): "ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلا.. فقد أثار كتاب (تحرير المرأة) معارضة عنيفة، جعلت قاسم أمين ينزوي في بيته خوفا أو يأسا، ويعزم على نفض يده من الموضوع كله.. ولكن (سعد زغلول) شجعه، وقال له: امض في طريقك وسوف أحميك!"

وفي وسط هذه المظاهرات الجادة قامت مظاهرة النسوة، وعلى رأسها (صفية هانم زغلول) زوجة (سعد زغلول)، وتجمع النسوة أما ثكنات قصر النيل، وهتفن ضد الاحتلال.. ثم.. بتدبير سابق، ودون مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به في الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه النار!!.. وتحررت المرأة!!!.. ويعجب الإنسان الآن للمسرحية وخلوها من المنطق!!

لن نركز على أن سعد زغلول كان مدمنا للخمر والقمار، فكثير من حكام المسلمين كان يفعل نفس الشيء.. لكننا نلفت النظر فقط إلى ذلك.. وإلى افتقاد المرجعية الإسلامية فيه.

ولن نركز على دوره ودور أسرته وزوجته وعلاقتهما بدوائر الحكم.. ولا عن دور الشقيق (فتحى زغلول) بمحكمة دنشواى.

لكننا نشير فقط إلى أن (سعد زغلول) كان من مدرسة اللورد كرومر.. وأنه كان يحمل في مشاعره ازدراء للشعب وللأمة.. ازدراء صليبيّا مقيتا طالما حملته النخبة قبل ذلك وبعده.

 

مع (مصطفى النحاس) يبدو الأمر أشد صعوبة منه مع سعد زغلول.. فالرجل كما قيل عنه تمتع بشجاعة الأبطال وطهارة الأطفال.. وقيل إنه كان متدينا.. ومع ذلك اعتبر (كمال أتاتورك) – الخائن الأعظم والكافر الأكبر في القرن العشرين ـ مثله الأعلى!!!!!!!!!!!!

وكانت خطورة حزب الوفد، أنه في مجمله لم يكن عميلا ولا خائنا، كأحزاب واتجاهات أخرى أسقطتها الأمة من حسابها على الفور، واقتصر دورها على الهدم دون القدرة على تقديم بناء بديل. ولكن حزب الوفد لم يكن أيضا إسلاميا ولا كافرا.. وكان هذا أسوأ من أن يكون هذا أو ذاك. لقد أصاب الأمة بالحيرة. ومزق مشاعر الولاء والبراء عندها.. فعندما تخير بين الأبيض والأسود يكون الأمر واضحا. ولكن مع اللون الرمادي تستبد الحيرة ويتلاشى الفعل!

***

نفس الشيء ينطبق على ثورة 23 يوليو التي –ربما- لم تكن –بالنوايا وليس بالأفعال-  عميلة ولا خائنة، بل كانت فرصةً أُهدرت نتيجة جهل فادح وافتقاد كلي لمنطق الإيمان والإسلام والتسليم، لأنها افتقدت النظرة الشاملة لأبعاد الصراع الذي لم يسفر عن وجهه الحقيقي للعامة، إلا في بدايات القرن الحادي والعشرين، رغم أنه بدأ منذ يوم مؤتة!!

وما وقع فيه (جمال عبد الناصر) من خطأ فادح، أنه –ربما- لم يدرك أن الحركة القومية كلها إنما هي حركة ضد الدين، نشأت في أوربا مناقضة للكنيسة، ثم زرعتها أمريكا في لبنان في العقد الرابع من القرن التاسع عشر، عندما أنشأت الكلية الأمريكية في بيروت، وكان كل تلاميذها الذين تكفّلوا بعد ذلك بنشر الفكر القومي من المسيحيين.. وكان تركيز القوميين على ثلاث عواصم: إسلامبول: لنشر القومية الطورانية.. ومكة لنشر فكرة القومية العربية.. والقاهرة لنشر فكرة القومية الفرعونية!!

كما امتد نشاط القوميين الصليبيين إلى البلقان.

وكان الهدف المعلن هو التحرير والتنوير.. وكان الهدف المبطن هو القضاء على الدولة الإسلامية الكبري، والمزيد من التفتيت تمهيدا لغزو العالم العربي كله.

وهو ما حدث بالفعل.. حين تفككت الدولة الإسلامية الكبري إلى أكثر من ثلاثين دولة.. ثم تم تفتيت العالم العربي إلى أكثر من عشرين دولة.. ثم تم احتلال الجميع.

لم يفطن (جمال عبد الناصر) إلى ذلك.. مما أوقعه في الخطأ القاتل الذي قضى على تجربته قضاء مبرما، مكررا في مأساة فاجعة تجربة (محمد على)..

لم يفطن إلى النظرة الشاملة التي تجعله يدرك أن الصراع ليس بين مصر وانجلترا.. ولا بين العرب وإسرائيل.. وإنما هو صراع بين الإسلام من ناحية وبين المسيحية الصهيونية من ناحية أخرى.. كانت حربا عالمية، استعد لها استعداد دولة من دول العالم الثالث، تحارب دولة أخرى من دول العالم الثالث!!.. ومن ثم كان لابد لهزيمته – وهزيمتنا معه ـ أن تكون كاسحة فادحة!!

انتهى.. وانتهت محاولته لصبغ القومية بطلاء ظاهرى لا يتناقض مع الإسلام.. وسقطت القشرة.. وبقيت القومية عنصر هدم مهما بدت في بعض المراحل غير ذلك.

انتهى وبقيت آثار حربه الحمقاء للاتجاه الإسلامي.

نفس الخطأ يتكرر.. كما استُخدم (محمد على) لضرب الحركة الوهابية في الحجاز ونجد، استُخدم (جمال عبد الناصر) في ضرب حركة الإخوان المسلمين في مصر.. ثم انتهى كلاهما بالهزيمة الشاملة.

 ثم جاء (السادات) بعد (عبد الناصر).. وبرغم أنه بدا في الظاهر كما لو كان يسير عكس اتجاه (عبد الناصر) تماما.. إلا أنهما كانا كشخصين يسيران داخل قطار في اتجاه معاكس، لكن حركة القطار نفسها لم تتغير!!

وكانت حركة القطار في اتجاه ضد الإسلام.

حتى ما ظهر أحيانا من توافق بين السادات والاتجاه الإسلامي، لم يكن في الحقيقة سوى استغلال الإسلام كعنصر حشد وتأثير في أمة مسلمة.. عنصر حشد وتأثير، وليس عقيدة إيمان وجهاد.

وبعد (عبد الناصر) و(السادات)، استمر القطار في نفس الاتجاه، وإن ازدادت سرعته وساءت الأمور بداخله كما لم يحدث من قبل أبدا!!

كانت دعاوى (عبد الناصر) عن عداء الصهيونية والاستعمار قد سقطت..

وكانت دعاوى (السادات) عن الإسلام بينما يستعمله كعنصر حشد للاستسلام قد سقطت..

ثم سقطت فكرة القومية نفسها، لتنحسر الآمال منحصرة في الدولة القطرية، التي فشلت هي الأخرى!

ولم يبق ما يستر عورة الأنظمة في مصر والعالم العربي والإسلامي سوى قوتين: قوة الشرطة المجيّشة.. وقوة المثقفين.

ولم يكن جهد كليهما سوى التلفيق والتزوير والخداع والتضليل..

كانوا عصابة.. وكان الإسلام هو القاضي.. فتركز كل جهد العصابة على استبعاد القاضي.

وإزاء الضربات الهائلة من الخارج والداخل، راح المجتمع الإسلامي يتفكك ويتحلل.. وتضافر المخطط الأجنبي مع عوامل الضعف الداخلي، في تحقيق نجاح هائل للوسائل الخارجية التي اتبعت لهدم الإسلام وهى: الاستشراق والتبشير ثم الاستعمار.. وفى تضافر العوامل الداخلية معها وهى التعليم والإعلام والثقافة.

وفى إطار عملية الانهيار تلك تحوّلت الجماعات لتقوم بعكس وظيفتها.. ولتتحول من خنجر في يد الأمة يدافع عنها، إلى خنجر في قلبها يطعنها.

وفي هذا الإطار وفي هذا الجو الملبد بدأت صحيفة الشعب التي لم تكتسب قوتها وزخمها إلا في نهاية الثمانينيات بقيادة عادل حسين لها..  وظل يقودها بطلا مغوارا حتى استشهد في الدفاع عن قضاياها..  

 ولعل ما كتبته في رثائه هو أفضل ما يمكن استرجاعه لكي ينقلنا إلى تلك الفترة.. فترة القبض على جمر يترك الأصابع ويسري في الدم ويستقر في القلب لا يكف عن التأجج...

ومن خلال ما  حدث  أيامها يجد القارئ براعم الأمل بين غابات الألم:

 ***

أتذكرك..

أتذكرك مشاركا في اعتصام صحافيي الشعب في نقابة الصحافيين الآن وكأنك لم تمت منذ نيف وعشرة أعوام.

أضنيتنى أيامها يا عادل حسين.. يا شهيد معركة لا إله إلا الله..

أضنانى فقدك..

فمنذ تلك اللحظة المروعة التي جاءني فيها صوت عامر عبد المنعم ينقل إلىّ عبر الهاتف بحزن لا يوصف انفجار النزيف في رأسك الحبيب، ثم تأكيد مجدي حسين للخبر الفاجع بعد ذلك بهنيهة، انفجرت في رأسي مشاهد دنا لا كبقية الدنا، ورؤى لا كبقية الرؤى، هرعت إليك، وأنبأني قلبي رغم طمأنة الأطباء أنه  الوداع الأخير ، فرحت أستعيد أيها المجاهد الشهيد ملامح من حياتك..

هل قلت : أستعيد؟!..

لا.. بل راحت تلك الملامح تفيض كطوفان تلط منى أمواجه فكلما لطمتنى موجة بكيت..

والدموع العصية راحت تتهاطل فلا  أعرف كيف أوقف طوفانها..

عندما ذهبت لزيارتك في المستشفى، كنت قد أجريت اتصالات كي يستثنونى من منع الدخول إليك في غرفة العناية المركزة..

وكنت أريد أن ألثم وجهك و أودعك الوداع الأخير..

في اللحظة الأخيرة لم يسمحوا لي.

وجلست مع أحبائك و أصحابك وتلاميذك..

وامتلأت بالفخر والعزة..

كانت القلوب تنزف لكن الجباه كانت عالية وشامخة..

كانت الجوارح ترسف في أغلال صاغها الطواغيت وغلمانهم لكن الأرواح كانت محلقة في السماء تيها وفخارا  وكل واحد منهم كان يستعيد بكل العزة معاركهم بك ومعك..

كان كل واحد منهم عادل حسين.. وكل واحد كان فخورا بكل معركة وكأنما هو بطلها الوحيد..

نعم.. كان كل واحد منهم ، لا يفخر برصيده في البنك، ولا بنصيبه من السلطة، ولا بقدر ما أخذ واستولى، بل كانوا يفخرون بقدر ما أعطوا، بقدر ما سجنوا ظلما وعدوانا، فكلما كانت مدة السجن والاعتقال  أطول كان الفخار أكثر،  بقدر التنكيل الذي تعرضوا له من الطواغيت وغلمانهم كانوا  يتفاخرون..

كانوا مدرسة عادل  حسين.. مدرسة البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا..

لا مدرسة الطاغوت.. مدرسة : "  تمام يا فندم" ومدرسة : "بناء على توجيهات سيادته" ..

كان إدراكهم لطبيعة التناقض شاملا وواضحا.. لم أر واحدا منهم نادما على خوض أي معركة، ولا حتى على أي جزئية في أي معركة مما خضناها خلفك ومعك، وما من أحد منهم كان نادما على تداعيات الأحداث، ولا حتى على تجميد الحزب و إيقاف الشعب، كان ثمة إدراك شامل لجوهر التناقض ولطبيعة القضايا، ففي قضية الوليمة لم يكن الأمر خلافا على كتاب ولا حتى على توجه خاطئ  لجزء  رسمي من الدولة، بل كانت قضية مفاصلة نكون فيها أو لا نكون، وعندما أقول نكون فلست أقصد الحزب ولا الصحيفة بل أقصد الإيمان.. كان عادل حسين وكل تلاميذه و  أصحابه يشعرون أنها معركة كمعركة سيدنا ومولانا أبو بكر رضى الله عنه  مع الردة .. لم تكن من أجل الزكاة بل من أجل لا إله إلا الله كانت .. وكان كل واحد منا  يردد بين ذاته قسم الخليفة العظيم  بالقتال ولو بقى يقاتلهم على حجر بالبيداء وحده.  نعم.. كان هناك اقتناع كامل بضرورة خوض معركة الوليمة.. وكان هناك في نفس الوقت اقتناع آخر بأن قرار تجميد الحزب و إغلاق الصحيفة لم يكن متعلقا بأزمة الوليمة، كان القرار سابق التجهيز، وكان معدا من قبل، وكانوا ينتظرون أى ذريعة، ولو لم تكن الوليمة لاخترعوا أى ذريعة غيرها، كان التناقض قد بلغ منتهاه بين خيانات لا ترتدع ومعارضة حقيقية لا ترتعد.. بين فساد مدعوم من الخارج وصحيفة ترفض الاستسلام.. وكان الطواغيت عاجزون عن الاستمرار مع كل ما كانت الشعب تكشفه من خياناتهم.. وكان لا بد من إغلاقها.. ولكن الله جلت حكمته أن تكون الذريعة التى استندوا إليها لإغلاق الصحيفة وتجميد الحزب  هى بالذات ذريعة الدفاع عن لا إله إلا الله  كي تكون فضيحة الطواغيت شاملة وكاملة..

كانوا مدركين لذلك.. وكانوا مدركين أيضا أنه مع تكرار أحكام الإدانة القضائية للطواغيت.. تلك الأحكام النهائية بعودة الشعب وبعدم شرعية تجميد الحزب.. تلك الأحكام التى صدرت بقوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ القضاء.. كان ثمة إدراك.. بأن شخصا ما.. فوق القانون .. يستطيع.. لا بما يخوله القانون له من سلطات بل بقدرته على أن يدوس القانون بحذائه هو الذى يصدر الأوامر بعدم تنفيذ أحكام القضاء.. و بأن هذا الشخص(..)..!!

كانوا مجروحين بخيانة من تتوقع الخيانة منهم دائما .. وكانوا مجروحين أكثر لم يتوقعوا خيانته.. وكانوا مجروحين من هجوم باطل  شنه عليك وعلينا قوم مسيلمة.. وكانوا مجروحين من نكوص من كان يجب أن يؤازروا فهربوا.. وممن قذفوك بالباطل والله يعلم إنهم لكاذبون.. كانوا مجروحين من كل ذلك لكنهم كانوا مؤيدين بالحق وبالأمة.. وكانت رؤوسهم في السماء..

كان كل من حولك يا  عادل حسين يدرك ذلك.. ولشد ما كان فخارهم بالمعركة.. وكانوا جميعا يضرعون إلى الله  أن يعيدك إلينا نخوض بك ومعك المعارك.. كنت كبيرا وعلمتنا كيف نكون كبارا..

كان كل من حولك رجالا.. حتى الأطفال  قد أنضجهم النضال..

أما الطواغيت وغلمانهم فقد كانوا أطفالا حتى ولو بلغوا أرذل العمر..

عندما حم قضاء الله بدأت الذاكرة تحت وطأة الألم تخوننى كما تخون الإنسان ساقاه فيهوى..

وفصلت تماما ما بين خبر الموت وكونك أنت يا عادل موضوعه..

ضبطت نفسى متلبسا بخاطر ملح أخذ يجلدنى بسياط من ألم ، خاطر يقول : " هذا حدث جلل.. أمر  خطير جدا.. نكبة للأمة.. علىّ إذن أن أهاتف عادل حسين على الفور كي أخبره وأستمد منه العون والعزاء والنصح"..

لا..

لم يكن هذيانا ولا كان ذهول  الصدمة التى كنت أتوقعها..

كانت آلية نفسية بالغة التعقيد، لم نكمل المعركة بعد، وكنت عاجزا عن تصور  الساحة الفكرية والسياسية دون عادل حسين.. آلية نفسية تشبه تلك الظاهرة العضوية المعروفة في الطب بظاهرة " الشبح" حين يعانى المريض آلاما مبرحة في طرفه الذى تم للتو بتره!!.. فلأنه يرفض تصديق بتر ذراعه تعاونه كل تلافيف النفس البشرية التى  لا يعلم خافيتها إلا الله، تعاونه تلك التلافيف بالألم العضوى المتوهم في العضو المبتور، لأن هذا الألم العضوى المتوهم أخف وطأة من الألم المعنوى للفقد.

الآن أسأل نفسي: ترى: لو أن عادل حسين ظل موجودا إلى  الآن فعرض عليك هو والدكتور محمد مرسي والشيخ حازم أبو إسماعيل فأيهم كنت سأختار.

***

كانوا يخافونك يا عادل حسين في حياتك وكانوا أشد خوفا منك في موتك.

حول المسجد الذى أقاموا عليك الصلاة فيه كان هناك جيش كامل..!!

نعم.. هذه هى الكلمة التى يجب أن تطلق على الحشود الهائلة التى أحاطت بالمسجد ثم بالمقابر  بعد ذلك وتلك السلسلة الهائلة من الجند ما بين المسجد والمقابر.. عشرة كيلومترات كاملة يصطف الجنود فيها وكأنهم قد اصطفوا لتشييع ملك..

هل قلت ملكا؟!..

لا والله.. فما من ملك ولا من رئيس ولا  من أمير  تطاول هامته أقل صفة من صفاتك..

في المسجد، عندما أمّ مجدى حسين صلاة الجنازة راحت الذاكرة المراوغة تعذبنى مرة أخرى، إذ ضبطت نفسى متلبسا بالعتاب لعادل حسين، إذ دهمنى خاطر يقول: " مجدى حسين حبيب وكبير .. لكن هذا حادث جلل يجب أن يتصدى له عادل حسين بشخصه .. وكان ينبغى أن يؤم الصلاة عادل  حسين نفسه" ..

كان ثمة أشخاص بعينهم بذلت الجهد كي أتحاشى رؤيتهم.. كنت أعلم أننى لو رأيتهم  فسوف تشارك العين القلب  في نحيبه..

كان من هؤلاء  سلمى عادل حسين.. فذلك المشهد الفاجع منذ أعوام ما زال  يزلزل وجدانى كوصمة عار لم تفلت من  الطواغيت طاغوت.. عندما تفتت  أداء بعض مؤسسات الدولة لينحدر إلى مستوى أداء العصابات وقطاع الطرق.. فألقوا القبض على عادل حسين دونما تهمة حقيقية ولو على سبيل  التلفيق المتقن، كان في مؤتمر في الخارج، وكان موعد خطوبة ابنته قد حان، لكنهم أخذوه من المطار إلى السجن، وبعد أيام أخذوه أمام النيابة، وكانت كل جبهات المعارضة قد حذرت من مؤامرة لقتله في السجن، كانوا قد أخذوا ملابسة، وكنا في الشتاء، واستعار ثوبا ممزقا رثا من سجين، ذهب به إلى النيابة، وهو هناك، والقيود في يديه، وبجلباب صيفى ممزق استعاره من سجين، وتحت وطأة أربعة وستين عاما، عقد في مشهد فاجع حفل خطوبة ابنته الوحيدة.

في فناء المقبرة، رأيت سلماه فبكيت..

في المقابر كان ثمة جيش آخر يحرس جنازة عادل حسين..

يا إلهى.. سبحانك.. ما أشد الرعب الذى تقذفه في قلوب الطواغيت والطغاة..

لاحظ أحدنا أن أحدا من الجيش العرمرم لم يصل الجمعة.. رغم أن أسلافنا كانوا يصلون صلاة الخوف وهم يحاربون أعداء الله..  وعلقت قائلا.. طبيعى أن يصلوا وهم يحاربون أعداء الله لكن كيف يصلون وهم يحاربون أولياءه؟..

وتجمع حولى ثلة من الشباب ، وكانوا يبكون، وانفجر أحدهم من بين دموعه صارخا في وجهي.. : " مات مظلوما ظلم الحسين.. وعليك أن تثأر لنا من ظالميه" .. وقلت لهم بل إن ثأره عند الله.. عند الله.. عند الله.. ورحت أدعوه سبحانه بقلب مكلوم  أن يحصيهم عددا ويشتتهم بددا .. و أن يرينا فيهم آية من آياته تقر بها قلوب قوم مؤمنين..

وكنت أبكى..

لله درك يا عادل حسين..

كنت تسير على نهج آل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أولئك الذين عليهم أن يعطوا دائما.. وألا يأخذوا أبدا.. وتراءى لى النبراس العظيم لسيد الخلق إذ تطلب منه ابنته السيدة فاطمة الزهراء أن يعينها من بيت مال المسلمين بأجر خادمة تعينها على عمل البيت بعد أن أصاب الأذى يديها الشريفتين من كثرة العمل.. وكان هذا الحق حقا متاحا لعامة المسلمين على  بيت  المال.. لكن سيد الخلق قال قولته لفلذة كبده  ومعناها: " إنما جعلتم آل البيت لتُرزؤون لا لترزءون"..

 ***

مشهد القيود في يدى عادل حسين في حفل خطوبة ابنته و فلذة كبده لم يبرح خيالي أبدا..

كانت القيود في يد الأمة..

وكان الجندي الإسرائيلي الذي يقتل الفلسطينيين هو نفس الجندي الذي أطلق الرصاص على المتظاهرين في معركة الوليمة.. وكان الجنود هم نفس الجنود.. والطلبة هم ذات الطلبة.. والحجارة هى عين الحجارة.. وكان شارون مصرى يجترئ على المقدسات فلا يرده أحد..

نفس الشىء.. والعلاقة وثيقة بين الأحداث هنا وهناك.. والنتيجة في النهاية واحدة..

قلت لنفسى أن الرصاص الذى يقتلنا في مصر والرصاص الذى يقتل الفلسطينيين واحد.. والقنابل واحدة وتدريب الجنود واحد.. والمنهج أمريكى صليبى..

كان عادل حسين قد سيق إلى المدعي الاشتراكي بينما ساقوني أنا وجدي حسين إلى الجنايات.. لأننا دافعنا عن لا إله إلالا الله محمد رسول الله..

في قاعة محكمة الجنايات كان المستشار يحيى الرفاعى- شيخ القضاة وضمير العدالة في مصر والذى يعمل الآن بالمحاماة- قد جاء للدفاع عنى وعن مجدى حسين.. كنا نحاكم لأننا اعتدينا على وزارة الثقافة في مصر!!.. تماما كما اعتدى أطفال الحجارة في أشمون وفلسطين على جنود الأمن والصهاينة!!..

 

كانوا قد أتوا بالأسير مجدى حسين رئيس تحرير صحيفة الشعب الأسيرة من محبسه.. كان محبوسا من أجل الثورة التي تأخر محاضها الدامي العنيف عن ذلك اليوم أحد عشر عاما.. كان القيد في يديه.. والتفت إلى ضابط أمن الدولة الجلاد الذى يصطحبه راجيا إياه أن يوسع من القيد قليلا فقد جرح يده.. ونظر إليه الجلاد نظرة رأيت فيها عينى ذئب غادر.. عينى شارون آخر.. ورفض..ونظرت إلى الجرح.. وتأكدت أنه ينتمى بصلة قرابة وثيقة لذلك الجرح الذى رأيته في غرة محمد الدرة.

بعد تأجيل القضية، اصطحب الجلاد أسيره.. ودونما اتفاق لم نتحدث - أنا والمستشار الكبير يحيي الرفاعي - عن جرح مجدى حسين وجرحنا.. كنا نتحدث عن الجرح الإسلامي .. عن الانتفاضة.. عن التخاذل والخيانة.. وعلاقة ذلك بالكتاب الخطير الذى أصدره المستشار الكبير بعنوان" استقلال القضاء.. ومحنة الانتخابات"  والصادر عن المكتب المصرى الحديث..

كان الرجل الجليل يحمل هم الأمة في قلبه الكبير.. كانت ملامح وجهه تتقلص بالألم.. ورفع يده ليضعها على صدره..

في المساء كنت أقرأ في كتابه  حيث كتب ينتقد الاعتداء على الدستور وخرق القانون : "بأساليب ممقوتة.. جمّدنا حزبا وصادرنا صحفه، وحبسنا من نشاء" .. ثم يستطرد  "ولكن في بلاد العالم الثالث  لا يسمح السلطان لرعاياه بمجرد الأمل في وجود إنسان غيره.." صباح اليوم التالى كنت أهاتفه كي أطمئن عليه.. لم يكن في منزله.. دهمته أزمة في القلب.. نقلوه إلى المستشفى.. وقرروا ضرورة إجراء جراحة عاجلة في القلب..

وكان المستشار يحيى الرفاعى واحدا ممن أخشى لقاءهم.. بل لقد تجنبت الحديث معه منذ مرض عادل حسين..

بعد الوفاة بأيام، هاتفته مترددا وجلا وأنا أخشى أن أكون أول من ينقل الخبر إليه.. كان مريضا وربما تحاشوا نقل الخبر له..

واندفعت الكلمات من  أعماق روح شامخة وقلب مكلوم بما يحدث للوطن:

 

-   لا .. لم أستطع حضور الجنازة  ولا حتى العزاء في الفقيد الكبير.. لقد قتلوه.. قتلوه بالقهر وبالفساد .. تماما كما يفعلون في إسرائيل حين يقتنصون أبطال الانتفاضة فيقتلونهم.. نفس  الشىء يحدث هنا..

وراح يحدثنى عن علاقته بعادل حسين.. عن عمقه الفكرى وصلابته ، عن كم الحماس الهائل الذى كان يتحدث به، حتى لكأن داخله مرجلا يغلى بالغضب وبالحزن مما آل  حالنا إليه فما كلماته سوى الذوب المنصهر للألم والإيمان بالقدرة على النهوض من قاع المستنقع الذى دفعنا إليه الطواغيت، و عن طاقاته الخلاقة وبطولته الفذة وسرعة بديهته.. ففى إحدى القضايا وكان وزير الداخلية هو الطرف الآخر فيها.. وكما يليق بوقار العدالة والمحكمة وبعادل حسين وصحبه فإنهم لم يصطحبوا من  الحزب أحدا.. وفوجئوا بما يشبه عملية احتلال لقاعة المحكمة من رجال الوزير وضباطه- كان ما يزال وزيرا- .. وراحوا يهتفون ضد حزب العمل وصحيفة الشعب.. وفجأة.. بتوثب وطاقة شاب في العشرين اعتلى عادل حسين - وهو في الخامسة والستين من عمره - المقعد الأمامى في المحكمة وراح يهتف ضد الفساد وبيع البلاد.. و أخذت النائحة المستأجرة بالمفاجأة ففرت من المواجهة.

 ***

حاولت إنهاء الحديث بأقصى سرعة خشية على رجل يمثل ضمير العدالة الباقى من فرط الانفعال ..

فقد كنت أبكى..

وكان الرجل الجليل والضمير الفذ والقلب الكبير  على الطرف الآخر من الهاتف يبكى وينتحب ..

لم يكن في وسعى الهروب من لقاء مجدى حسين..

كنت أدعو الله أن يلهمه الصبر..

كنت أهرب أيضا من لقاء الأستاذ محفوظ عزام.. رأيته ينتحب.. وبكيت..

محفوظ عزام.. خال أيمن الظواهري.. وكان جزءا من ملحمة الصراع الشريفة الهائلة التى مثلت أزمة الوليمة ذروتها.. حيث راح عادل حسين يقود المعركة بروح بطل شهيد..

كنت أحاذر الالتقاء أيضا بعامر عبد المنعم..

عقل ذكى وقلب  تقى وروح خاشعة وثقافة عميقة ونضج يزيد عن عمره الحقيقى عشرات الأعوام.. وكان قد خاض  المعركة التى سموها زورا معركة الوليمة بينما هى في الحقيقة معركة لا إله إلا الله.. خاض المعركة ليتحول من صحافى قدير إلى مجاهد كبير.. وكان اللهب الذى حاصرتنا به السلطة يميز الخبيث من الطيب ويطرد الخبث من  الحديد.. ويجلو المعدن الأصيل لثلة كان على رأسها عامر عبد المنعم.. التى تفجرت طاقاته الإيمانية  الخلاقة والجبارة  في المواجهة.. والتى تمخضت في الواقع عن طاقة حركية هائلة في معركة كبرى اضطر لخوضها قبل موعدها العمرىّ له بعشرين عاما !!.. ولكم كان كبيرا وهو يتسامى عمن سقطوا فلا يذكر أيا منهم بسوء..

في دفقة حزنه كنت أحس و أشم قلبا يحترق وكانت تسرى إلىّ عبر الهاتف لوعة صوته.. لوعة اليتم..

كنت أحس أنه ينظر إلى الجميع بعتاب عاجز حتى ليكاد يصرخ فينا أنه أولى بالعزاء منا جميعا.. وأن حقه في ذلك لا يقل أبدا عن حق أبناء عادل حسين وعشيرته الأقربين ..

لم أسمع أبدا صوتا يحتوى على هذا الألم كله.. كنت أقود السيارة.. وجاءنى صوته عبر الهاتف المحمول ينقل إلى ترتيبات الجنازة.. و من مجرد رنة الحزن في صوته وقبل أن أستوعب فحوى ما يقول انحرفت بالسيارة حين أجهشت بالبكاء..

هل يمكن أن نتحدث عن الحزب الذى كان عادل حسين أقوى دعائمه كحزب سياسى..

لشدما نظلم عادل حسين وحزب العمل لو فعلنا ذلك ..

فالحديث عن حزب سياسى يستلزم أن يكون في الجانب الآخر  حزب حقيقى وليس قراصنة..

فالأحزاب تتنافس أو حتى تتصارع فيما بينها ويكون موضوع الصراع ما يراه حزب منهما خيرا لكن حزبا آخر يرى أن هناك خيرا أكثر منه. الوضع في عالمنا الثالث ليس كذلك.. الوضع وضع ركاب في سفينة ينحرف بها الربان فيحاول ركاب السفينة تقويم انحرافه ليكتشفوا في لحظة فارقة أن الربان ليس ربانا و إنما قرصان لا يهمه أن تغرق السفينة بمن فيها ما دام سيهرب بكنوزها ..نعم..  الوضع هو معركة شرسة بين فئتين، فئة القراصنة التى استولت على البلاد عنوة وتستنزفها حتى الرمق الأخير غير آبهة بما يحدث لهذه البلاد بعد ذلك فأرصدتهم في بنوك الخارج وقصورهم كما  قبورهم هناك،وفئة أخرى تحاول إنقاذ الوطن..

نعم لم يكن عادل  حسين يخوض معاركه من أجل حزب العمل ولا من أجل صحيفة الشعب بل من أجل الأمة والوطن والدين.. من أجل لا إله إلا الله..

 ما زلت أذكر ذلك.. وما زلت أذكر عزاءه..

في الليل، في صوان العزاء كنت أجلس، أذوب مع آيات القرآن، وكان قلب مصر وضميرها حاضرين وكانا يبكيان..

وضبطت عينىّ تبحثان وسط الزحام عن عادل حسين .. وضبطت أذنى وسط الضجيج تبحثان عن رنين صوته.. ما من اجتماع قبل ذلك إلا وكان هو شمسه وقطبه ترنو إليه الأبصار وتهفو له القلوب وتنصت له الآذان..

كنت مطرقا وقد حنى الحزن هامتى، وكل حين أرفع رأسى، فتفاجئنى من بين الجموع  لمحة ويحذبنى مشهد فكأنه هو وكأننى أراه، هذه مشية عادل حسين، هذا ظهره، هذا عنقه فأكاد أركض خلفه، أتشبث به قبل أن ينسرب منى مرة أخرى، و أبثه همى وشكاتى و أهمس له بالفاجعة التى ألمت بنا  : " عادل حسين مات"..!!..

كان الدكتور محمد عمارة يؤبنه.. وكان يسرد كيف بدأ الثلاثة المعروفون وسط المفكرين " برهبان الفكر " جهادهم الفكرى: عادل حسين وطارق البشرى ومحمد عمارة..  تصورت للحظة أن المستشار طارق البشرى سيتحدث  بعده ثم تكون الخاتمة لعادل حسين نفسه.

لكن عادل حسين لم يتحدث.. ولن يتحدث بعد الآن أبدا.. ومحمد عمارة يخبرنا أنه مات شهيدا ويروى لنا  كيف أبنه الشيخ يوسف القرضاوى في مسجد عمر في قطر وهو يبكى.. وكيف أقام صلاة الجنازة على  روحه الطاهرة هناك..

كان المحامى الأشهر عادل عيد أيضا يلقى كلمة في تأبينك..

راح يعدد القضايا .. ويروى منها وعنها..ويختم كل فقرة بقوله: وكانوا أسودا..

وكان يعدد أحكام القضاء النهائية التى حصل عليها عادل حسين للشعب وللحزب والتى تصر الدولة على عدم تنفيذها..

***  

ثمة ألم خاص يمزق شغاف القلب ويتسلل وئيدا كشظية غادرة تشق طريقها بين العظم واللحم..

 

لقد بدأنا معركة الوليمة وهى بعد لما تنته..

كنا نريد يا حبيبنا أن تكملها معنا و أن نرشف معك رحيق الانتصار..

انتصار ما من أحد منا إلا وهو واثق منه.. ليس انتصار الآخرة فقط فذلك يقين لا ريب فيه.. وإنما انتصار الدنيا أيضا.. فذلك وعد الله .. صدق الله وعده.. وصدق وعيده لمن يريدون للفاحشة والكفر أن يشيعا بين المؤمنين.. لا بالعذاب الأليم في الآخرة فقط.. بل بخزى الدنيا أيضا..

كنت واثقا أيامها من النتيجة التي تحقق بعض منها في 25 يناير وإن ظل جرح القلب لما يندمل مع أبناء عادل حسين المعتصمين في نقابة الصحافيين..

ما من أحد منا إلا وقد كان واثقا  أن نهاية أولئك الطواغيت الذين حاصروك يا عادل حسين  بعد مواقفك العظيم  في كل معاركك عموما ومن أزمة الوليمة على وجه الخصوص  هى نهاية وشيكة نترقبها وندرك أنهم سيكونون عبرة للأولين والآخرين ..

 هل كانت وسوسة من الشيطان عندما راح الألم يفرى قلبى و أنا أحدث نفسى : لقد استشهد عادل حسين في معركة كنت أنا الذى فجرتها.. ولكم كنت أتمنى أن أكون أنا الشهيد ويظل هو يواصل قيادته وجهاده وعطاءه .. أنت السبب..  وكأنما قرأ خواطرى أحد قراء الشعب على الإنترنت فأجمل العزاء حين كتب يقول لى :  ولماذا لا تحمد الله أنه يسرك وسخرك لتهدى إليه أشرف قضية و أقدس قضية كي يستشهد فيها وليصدق فيه قدر الله في الصالحين الذين تكون خير أعمالهم خواتيمها.. لا تحزن.. بل قل : طوبى له أنه يقابل الله و آخر جهاد له كان في سبيل لا  إله إلا الله  صافية رائقة نقية من كل شائبة من شوائب الدنيا.. ثم لا تنس أبدا أنه الموعد المحتوم الذى لا شفاعة فيه.. لا يد لك فيه ولا لسواك..

 ***

تنحدر الذكرى كالسيل.. كنت قد كتبت مقال : " من يبايعنى على الموت" و أرسلته إلى الصحيفة.. وهاتفنى عامر  عبد المنعم مساعد رئيس  التحرير: أنا معك في كل ما تقول.. لكن هذا المقال خطير جدا وقد يترتب عليه تداعيات هائلة أقلها إغلاق الشعب.. وذلك يتعدى صلاحياتى.. ودار حوار طويل بينى وبينه.. قلت له أن الأمر الآن ليس أمر حزب ولا صحيفة.. من ناحيتى كيف أستطيع أن أواجه نفسى إذا عجزت عن الدفاع عن قداسة اسم الله جل جلاله وعن القرآن الكريم وعن الرسول صلى الله عليه وسلم.. كيف أستطيع بعد ذلك أن أكتب في أى موضوع آخر.. كيف يصدقنى القراء بل كيف أصدق  أنا نفسى.. إن صحيفة الشعب هى أعظم صحيفة إسلامية في العالم.. وهى ليست مسئولة أمام القارئ المصرى فقط.. بل أمام الأمة الإسلامية كلها.. و أنها إن لم تتصد لهذه الكارثة فمن  سواها؟ .. هذا موقف ليس للسياسة ولا للأحزاب دور  فيه.. هذا موقف  لله.. موقف أوافقك أننا أغلب الظن سوف نستشهد فيه؟.. لكن أليس نبراسنا أن الشهادة انتصار و أنها إحدى الحسنيين.. ورد علىّ قائلا أنه لا يختلف معى في أى كلمة قلتها لكنه فقط يقول أن أمرا كهذا أخطر من أن يبت فيه وحده.  قلت له : فلتعرض الأمر على رئيس التحرير بالنيابة: الأستاذ طلعت رميح.. لكنه أخبرنى أنه يحضر ندوة في الولايات المتحدة الأمريكية..وفى داخلى حمدت الله.. فالأستاذ طلعت رميح يمثل عقلا استراتيجيا فذا شديد التماسك والمنطقية وهو كقائد ماهر لا يتخذ قرارا دون حسابات بالغة التعقيد على أرض الواقع .. وتصورت أنه لو كان موجودا لما وافق على نشر المقال ربما درءا لخطورة تداعيات هو محق تماما في حساب مداها .. وكنت أختلف مع وجهة النظر التى  تصورت أنه سيتبناها.. فقد كان الأمر بالنسبة لى كارثة لا تصلح معها الحسابات.. وأننا إزاء موقف لا يحتمل إلا الفوز بإحدى الحسنيين.

كان مجدى حسين رئيس تحرير الشعب سجينا بتهمة سب يوسف والى وكانوا هم يسبون الله والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم..

وطلب منى  الأستاذ  عامر أن أهاتف الأستاذ عادل حسين لأعرض الأمر عليه..

أشهد أمامك يا رب أنه لم يتردد لحظة واحدة في الانتصار  للدفاع عن قداسة اسمك وقرآنك ورسولك صلى الله عليه وسلم..

أشهد أمامك يا رب أن المخاطر كلها كانت ماثلة أمامه وهو يتخذ القرار بالموافقة على نشر  المقال و أنه بالرغم من هذه المخاطر لم يتردد ولو لثانية واحدة..

أشهد أمامك يا رب أن المخاطر المطروحة ليلتها كانت بالغة الوضوح أمامه.. وكان أقلها ما حدث.. فقد كان مطروحا أن نستشهد جميعا في سجون الطاغوت فور النشر.. ولم يكن مطروحا أمامنا أى احتمال لفوز دنيوى.. فنحن نعرف شراسة الهجمة على الإيمان و أنهم لن يسمحوا لنا الآن بتحقيق نصر عليهم فليس أمامنا إلا الاستشهاد.

أشهد أمامك يا رب أنه لم يطلب منى أن أحذف حرفا واحدا مما كتبت.. بل طلب  منى أن أضيف إلى عناوين المقالة لفظ:  "القرآن".. وقد فعلت..

أشهد أمامك يا رب أننى كنت أشعر عبر الهاتف بغضبته الهائلة في سبيلك.. غضبة بطل شهيد..

أشهد أمامك يا رب أننى فوجئت بأنه ينزل  إلى الساحة بنفسه.. ويحمل هو لواء الدفاع عن دينك.. ويكرس الصحيفة بعناوينها الرئيسية ذودا عن الإيمان بك..

هنيئا لك يا عادل حسين أنك نلت شهادة ظللت عمرك تسعى إليها فشاء الله جل جلال جلاله أن تنالها في أعظم وأشرف و أقدس قضية..قضية الدفاع عن أصل الإيمان..

ما زلت أذكر يا عادل حسين ويا طلعت رميح ويا عامر عبد المنعم ويا خالد يوسف ويا باقي أبناء عادل حسين وكأنما عادل حسين يمون من جديد مع إهمالكم والازورار عنكم بل وخيانتكم حتى من أبناء جلدتكم ودينكم ورفقاء نضالكم بل إن مجلس الشورى القديم كان أكثر إنصافا من المجلس الجديد. بل ويلجأ المجلس الجديد إلى حلول مشوهة مبتورة لا تراعي جذور القضية فتأمر بعودة صحيفة الشعب دون أن تدرك أن يد السلطة الباطشة قد مزقت الإخوة وفرقتهم فإلى أي مجموعة يعيدون الصحيفة ؟ وكيف يعيدونها دون عودة الحزب؟ وكيف يعد هذا أو ذاك بعد نيف وعشرة أعوام تم التخريب فيها بالكامل..

ألاف التفاصيل التي أعادت إلى ذكرى استشهاد عادل حسين..

***

 

تنحدر الذكرى كالسيل..

أذكر أيامها.. أذكر يوم موته.. أيقظ الذكرى ظلم ذوي القربى..

 أذكر حين راح اليراع يرتجف بين أناملى ، ينفطر القلب. لكننا لا نملك إلا أن نقول إنا لله و إنا إليه راجعون..

لكننا أيها الشهيد العظيم نغبطك .. يا أول شهيد في معركة الدفاع عن  القرآن..

أقدس معركة وأعظم معركة خضتها بنا فخضناها تحت قيادتك أيها القائد العظيم..

حاصروك يا معلمنا يا شيخنا يا أخانا لأنك قلت ربى الله..

حاصروك بالطواغيت .. ولا أسميهم فالله يعلمهم والأمة تعلمهم..

نغبطك .. فهنيئا لك هنيئا ما قدمت يداك..

نغبطك.. فلم يخل يوم من أيام حياتك من سعى نحو الحقيقة أو جهاد في سبيل الله..

قدمت لنا أيها الشهيد العظيم النموذج والمثال على شجاعة القلب وطهارة النفس  وتوثب  الروح..

لن أذكر تفاصيل عن نماذج الأمثلة التى قدمتها فالأمر  أجل .. و أنت أجل..

لن أذكر تفاصيل المرسيدس  التى أهديت لجميع رؤساء التحرير فقبلوها بامتنان  شاكرين - ولا أقول ساجدين- إلا أنت.. أبيت أيها  الأبى.. وبعد اتصالات مكثفة ورجاءات دبلوماسية لتجنب حرج سياسى وأنت تأبى مجرد استعمالها مرة وحيدة قررت بيعها وتقديم ثمنها  للحزب..

لن أذكر تفاصيل مكافأتك عن ربع قرن من العمل  في الصحافة.. ثلاثون ألف جنيه..قسمتها  نصفين.. نصف لتجهيز ابنتك للزواج ..والنصف الآخر تبرعت به للحزب..

أقرانك يا حبيبنا يدفعون مثل هذا المبلغ كله منحة لخدم الفنادق ليلة زفاف بناتهم..

لقد نشرت إحدى  الصحف المصرية أن ثروات رؤساء تحرير الصحف المصرية القومية الثلاث تتجاوز المائة مليار دولار لكل واحد منهم، أما أنت.. فقد كانت هذه الثلاثون ألف  جنيه هى أكبر مبلغ تعملت معه  في حياتك.. وتخلصت منه في يوم أو بعض  يوم..  وعندما حكمت المحكمة عليك بغرامة قدرها خمسة آلاف جنيه.. لم تجد ما تسدد به الغرامة..

يا حبيبنا : تعودنا  أن  تعزينا وتخفف عنا فمن يعزينا اليوم فيك؟!

تعودنا أن نلجأ إليك حين تحيط الخطوب وتحاصرنا الخيانة..

لا إله إلا  الله..

خسارتنا فيك فادحة.. ولا نقول إلا إنا لله وإنا إليه راجعون..

يكتنف  القلب ذلك الإحساس المبهظ، الذى لا نعرف هل هو الألم المجرد أم الإحساس بالكارثة لحادث جلل أصاب مفكرا إسلاميا عملاقا، عاش الفكر في حياته اليومية، ومثلت حياته الفكرية سعيا دؤوبا لم يتوقف أبدا للبحث عن الحقيقة والحق والعدل والخير، ومنذ قادته الرحلة الطويلة المضنية إلى بحور الإسلام منذ أكثر من عشرين عاما وهو لم يهدأ لحظة واحدة في سبيل نصرة الإسلام و إعلاء كلمة الله..

 

هل كانت تلك النار التى اشتعلت في القلب ألما مجردا، أم كانت أيضا نار الغضب على من حاصروك  الحصار تلو الحصار، لأنك تقول ربى الله، و أبيت دائما أن تقول ربى الطاغوت ، أم كانت أيضا نار المرارة   ونحن نرقب أولئك الذين عبدوا الطاغوت فلا نملك إلا أن نشعر - بالقهر كله - بسعادتهم بموتك.. نعم  .. هنيئا لمن باعوا كل شىء.. حتى أنفسهم.. هنيئا لأنصار أمريكا وإسرائيل.. هنيئا لأنصار سحق العراق اليوم ومصر غدا.. هنيئا لأنصار الشيطان.. هنيئا ذلك النصر البائس لمن يمارسون الخنق بدلا من الذبح.. هنيئا للطواغيت والقتلة..

***

لقد بدا لى - يا حبيبنا  أن نزيف المخ الذى أصابك، هو موقف فكرى أكثر من كونه عارضا مرضيا..إذ كيف يجوز للمفكر، بل للإنسان في عمومه، ألا يصاب بنزيف في المخ إزاء كل ما يحيط بنا من نوازل هائلة وهوائل نازلة و أوطان تباع وشعوب تمتهن وتيه يدفعوننا إليه، قالبين  كل الحقائق، مزورين، كي نندفع في بحور ذلك  التيه، كقطيع يتجه إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان.

***

هل أحدثكم عن المنظومة الفكرية لعادل حسين.. أم أنه هو بذاته، وبفكره ، وبنضاله يشكل علامة رئيسية في ذات الطريق.. طريق السعى للدفاع عن الإسلام وتوحيد المسلمين.. كما أنه يمثل نموذجا معاصرا فذا للولاء والبراء حين اكتشف بعد تيه أن الولاء يكون لله وحده و أن البراء يكون  مما يبغضه الله حتى لو مالت أهواؤنا إليه..

***

لا أملك في إلا أن أدعوكم للدعاء معى لعادل حسين بالرحمة..

وهاهو ذااليوم شهيد لأعظم معركة خاضها في حياته..

معركة الدفاع عن قداسة لا إله إلا الله.. وعن القرآن والرسول e   والتى سموها زورا معركة الوليمة..

تلك المعركة التى حاولوا من حينها قتله بالخنق.. قصفوا قلمه و أغلقوا صحيفته وجمدوا حزبه وحاصروا فكره وزيفوا عنه الأقاويل.. حولوه إلى المدعى العام الاشتراكى و إلى النيابة وعشرات المحاكم  و إلى لجان خلف لجان .. ظلمات خلفها ظلمات.. وارتفع ضغط الدم فانفجر في المخ النزيف..

***

استشهد عادل حسين..

وبقيت صحيفة الشعب مغلقة وحزب العمل مجمدا ولو أنصفوا لجعلوا صخافيي الشعب رؤساء لتحرير الصحف القومية..

استشهد عادل حسين وكنا نحتاج إلى رد اعتبار له ولحزبه ولصحيفته .. لكن مجلس الشورى  يتجاهل كل ذلك وما زال أبناؤك يا عادل حسين معتصمين في مبنى نقابتهم لا يحق لهم أحد حقا ولا يبطل باطلبا.. ما زالوا ينكل بهم  فكأن الرمان يعود بي للوراء أربعة عشر قرنا  فأهتف بقلب مكلوم مع السيدة زينب رضي الله عنها:

محمداه يا محمداه                             صلى الله عليم وملك السماه

هذا حسين بالعراه                               مزمــل بالدمـــــاه

متقطـع الأعضاء                               يـــا محمــــــداه

وبنــــــاتك                              سبـــــايــــــا

وذريتــــــك                             مقتلـــــــــــة