الدكتور الغتيت يقتل هيكل(2من 2)
 

 

د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com

كان ذلك هو سلامة موسى الذي قال فيه هيكل كلمة لم يقلها في محمود شاكر ولا سيد قطب ولا مصطفى صادق الرافعي!!..
سلامة موسى الذي قضى نصف عمره يدافع بجهل ويكتب متعبدا في دارون ونظرية التطور..
هذا هو سلامة موسى ومن المؤكد أن هيكل يعجب فيه بما يوافقه عليه..
فترى ماذا..
التخلص من الإسلام تماما؟..
إلغاء الهوية..
الكتابة بالعامية وإلغاء الفصحى وتغيير الحروف إلى اللاتينية..
أم الطلاق البائن مع العرب والالتحاق كخدم بالغرب.
طوال الحلقات الماضية كنت أتابع في سأم وأسى متسائلا متى سيعترف بالأخطاء ويعتذر..
و أرجو ألا يجول بخاطر القارئ أننا ابتعدنا عما كنا فيه.. فهيكل شخصية مراوغة .. من الصعب جدا أن تمسك به.. لذلك فإنني أحاول الإمساك به بطرق غير مباشرة.. ومنها تعقب خلانه.. فالمرء على دين خليله، و أحد هؤلاء الخلان شخص آخر.. ليس حقيرا كسلامة موسي.. بل هو عروبي وقومي.. هو ناصر النشاشيبي..
كنت أتابع على قناة الجزيرة في سأم متسائلا : متى سيبكي ويصرخ طالبا المغفرة من الله والعفو من الناس..
و كنت أراقب في ملل متبرما : هل سيجيب على رسالة ناصر الدين النشاشيبي الدامية التي لم يجب عليها أبدا..
و ناصر الدين النشاشيبي صحافي فلسطيني و مؤرخ ودبلوماسي شغل عديدا من المراكز الصحافية العليا في مصر في الستينيات .. وقد كتب في رسالة تمزق القلب وجهها إلى هيكل.. رسالة تكشف كثيرا من الأمور.. رسالة أظن أن كل متابع للأستاذ على قناة الجزيرة يريد أن يوجهها إليه..
والآن.. إلى مقتطفات من رسالة النشاشيبي..
" ليس بالخبز- ولا بالقلم- وحده يحيا الإنسان، وقد عاش هيكل بالقلم وغير القلم. . معا. . وكانت حظوته لدى عبد الناصر لا تعرف الحدود، ولا القيود، ولا التقاليد، ولا المسافات ! وكان اقرب إلى عبد الناصر من أفراد أسرته وكان المؤتمن الوحيد على كل أسراره وعلى كل "قراراته " !
نعم "كل قراراته" ! أكرر : " كل قراراته" !
ومن بين هذه " القرارات " قرار دخول حرب حزيران "يونيو" 1967 ضد " إسرائيل " مع ضياع القدس والضفة، وسيناء، والجولان.
هيكل الصديق العزيز الصحافي المتميز كان على علم تام بكل الظروف والأحوال والملابسات والأسرار المحيطة بأحداث شهر حزيران (يونيو) 1967 التي أطلق عليها هيكل كلمة"النكسة" كلها، من أولها إلى آخرها، بمقدماتها، بفصولها، بالخلافات مع الأردن والسعودية، بالأخطاء القاتلة في الحسابات، كلها، بلا زيادة ولا نقصان ولا حذف ! كلها بما فيها أسرار الحشود المصرية، وقرار إغلاق المضايق، وخلاف عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر- وفضائح عبد الحكيم يوم ذاك- مع الممثلة برلنتي عبد الحميد، وموقف المسيو يوثانت، واختلاف وجهات النظر بين قيادة الجيش المصري والرئيس عبد الناصر !
كلها ! . . كلها ! . . بكل أهوالها وأخطارها وفصولها !
يهمني أن اقف لحظة واحدة فقط لكي أسال صديقي وزميلي هيكل عن اَلْمَسْئُول الحقيقي عن ضياع بلدي، وأعني : القدس الغالية ! وأعني التاريخ والمقدسات. وأعني أحلى المدن وأم الأنبياء.
- ترى، من الذي قرر ومن الذي نصح ومن الذي رفض؟
- من الذي تصور شيئا ثم جاعت الأحداث لتنسف تصوراته؟
- ومن هو المستشار اَلْأَوَّل والأكبر والأوحد، لأكبر وأشهر واهم رئيس عربي في غمرة اخطر فترة من تاريخ العرب الحديث المعاصر؟
- من؟
من زاوية انتمائي لمقدسي وهويتي الفلسطينية، ولوني القومي العربي، أجد أن من حقي أن أتلوى ألما، وأتحرق غيظا وكمدا، بانتظار أن يصلني من زميلي وصديقي محمد حسنين هيكل، مستشار عبد الناصر، أي اَلْمَسْئُول الأول والأكبر عن هزيمة 1967، ما يجيب عن أسئلتي ويرد على الكلمتين الاثنتين اللتين تحجرتا كالصخر فوق لساني منذ 1967 حتى اليوم، وهما :
- من اَلْمَسْئُول؟ ! من اَلْمَسْئُول؟ !
يا صديقي هيكل من اَلْمَسْئُول؟ من؟ من؟ !
- هل تسمعني؟ !
- هيكل ! هل تسمعني؟ !
إذ ليس مهما أن نبرر النكسات، أو نفسر النكبات، أو نفلسف الهزائم والضربات ! أو نلقي الخطب والمحاضرات !
المهم هو ان نعرف من كان أكثر الناس أثرا وتأثيرا على جمال عبد الناصر؟ ..
من كان اضخم المستشارين نفوذا لدى عبد الناصر؟..
ومن كان الرقم اَلْأَوَّل في التمتع بأوفر ثقة وأوفر المحبة لديه؟ ومن كان يستهين بالمواقف، ويهزأ بالإنذارات، ويضحك من التهديدات لكي يبقى على مكانه لدى جمال عبد الناصر؟ من الذي كان يؤكد لكل الناس بان إسرائيل لن تحارب ولن تكون صاحبة الضربة الأولى ضد مصر أو سوريا أو الأردن، وأن العملية مجرد لعبة "بوكر" سلاحها قوة الأعصاب لا قوة الحرب، ولا قوة السلاح !
من الذي كان يستهين بالمواقف الحرجة القاتلة ويؤكد أن إسرائيل- إذا قامت بالحرب- فإنها إنما تقوم بحفر قبرها بيدها؟ !
من الذي كان يردد كلام فلان وفلان بان لقاء العرب القريب قد أضحى في قلب. . تل أبيب !
إنني أتلفت اليوم حولي- يا زميلي العزيز- فلا أرى إلا يهودا !
وابحث عن القدس فلا أجدها !
وابحث عن عشرة آلاف مقال وحديث ومحاضرة وكتاب لي وكلها عن القدس وفلسطين والقضية فلا اعثر لها عن اثر ولا أجد لها أي صدى !
لقد سقط الكل ! ضاع الجميع ! ومازال هيكل يكتب، ومازال هيكل يخطب، ومازال هيكل يفلسف الأحداث، وما زال هيكل يعدنا بالغد الوردي !
ومرة أخري :
- يا أخي ويا عزيزي ويا رفيق العمر الصحفي ! لقد ضاعت بلدي. . في عهدكم وعلى يديكم ! فمن هو اَلْمَسْئُول؟ !
من؟ من؟ من؟
كنت أنت، أنت المقرب اَلْأَوْحَد إلى عبد الناصر، وكنت أنت، أنت المؤتمن اَلْأَوْحَد على كل أسراره وعلى كل قراراته. . قبل التنفيذ وبعد التنفيذ !
وكنت أنت اقرب إليه من أفراد عائلته، وكانت خطواتك لديه لا تعرف الحدود ولا القيود ولا التقاليد ولا مراسم الرؤساء !
وكنت أنت، أنت المستشار اَلْأَوَّل والأوحد والأكبر لكل نبضة فكر في عقله وتفكيره. .
فمن أضاع بلدي في غمرة قرار مرتجل أمر بإغلاق المضائق وطلب سحب القوات الدولية، وجرنا إلى الكارثة ا لأعظم في تاريخ العرب والإسلام؟
من؟ من أضاع بلدي. .
من يا هيكل؟
أنا شخصيا انعم على الدوام بذكريات صداقتي مع اشرف رجالات مصر القدامى- قبل ثورة 23 يوليو- من أمثال عبد الرحمن عزام، وصالح حرب، وعزيز المصري، وفؤاد اباظة، والشيخ البنا واردد وعلى رؤوس الأشهاد أن مصر هي البطل الحقيقي لمعركة "عين جالوت "، وان مصر هي التي أوقفت زحف التتار، وان مصر هي التي أنقذت المغرب العربي من مصير بغداد وحلب، وان الغزو الصليبي ما كان بالإمكان تصفيته لولا الشجاعة المصرية، وان صلاح الدين حارب وانتصر بعسكر مصر، وقطز، وبيبرس، وا لناصر قلاوون. . .
لا ! لن أقول ما يردده أعداء مصر عن حرب يونيو 67 من أن الحشيش ضمن نصف النصر في هذه الحرب لإسرائيل، والنصف الثاني تكفلت به شلة عبد الحكيم عامر. . . ! او ان الجيش المصري قد القى السلاح قبل بدء القتال ! هذا كلام هراء !
مصر حاربت بشرف. وهزمت بشرف. ولكني أسال :
- من اَلْمَسْئُول عن الحرب قبل المسئولية عن الهزيمة؟ من يا هيكل؟
حسنا أن نلوم أنور السادات على الانحراف المعيب في عملية "السلام "، ولكن الأحسن أن نعرف من يستحق اللوم في انحرافه بل وفي هزيمته في ساحة " ا لحرب "!
إن في انحراف المستسلمين، ما يبرر لهم سلامهم واستسلامهم بعد استسلام المحاربين !
ان أنور السادات لم يأت من فراغ، وإنما جاء من هزيمة عسكرية دامية كان بطلها- يا هيكل- من تعرف أنت، واعرف أنا.
أقولها، وكلي دمع ودم وألم وزفرات لا تسامح، ولا تنسى !
. . . ولا تغفر !
***
أعترف للقارئ، أن علاقتي الفكرية بهيكل، قد مرت بمنعطف حاسم يوم أمس( الخميس 3 سبتمبر).. ذلك أنه وهو يتحدث عن السودان تخيلت أن السفير الأمريكي هو الذي يتحدث كي يكرس مؤامراته ويبرر تفكيك السودان..
كان ما يقوله باطلا..
وبلا مستندات..
وبلا مراجع.. إلا لطفي السيد.. وهذا هو المصيبة التي سنعود إليها بعد قليل.
لقد تدني هيكل إلى مستوى لم يكن يليق إلا بفكر أناس من فصيلة عبد المحسن أبو النور وحسين عرفة و أحمد أنور وأمين شاكر والطحاوي والصاوي ومجدي حسنين.. مستوى الهروب من الاعتراف بالخطأ بل بالجريمة في موقف انفصال مصر عن السودان.. السودان الذي كان أحد الأسباب التي دفعت المخابرات الأمريكية لمساعدة الضباط الأحرار.. كان اللقب الرسمي لفاروق ملك مصر والسودان.. ولم تكن ثمة حكومة سواء كان الوفد أو سواه ..تجرؤ على الموافقة على فصل السودان.. وقامت الثورة.. وتم إعلان الجمهورية.. وكان من ضمن الأسباب.. أن تكون جمهورية مصر دون السودان.. كان الحكم العسكري الباطش الغبي قد دفع أربعة آلاف جنيه ثمن مظاهرات طعيمة والطحاوي التي غيرت مستقبل مصر وقضت على الإخوان ومحمد نجيب. جمال عبد الناصر الذي قال بالحرف أنه لم يعد يأبه كثيرا بالشعب بعد أن عرف ثمنه.. جمال عبد الناصر هذا الذي انتصر بأربعة آلاف جنيه.. كان واثقا أنه سيشترى السودان بنصف مليون جنيه, وهو المبلغ الذي وزعه صلاح سالم.. لكن السحر انقلب على الساحر، لأن ما انتصر في مصر، لم يكن الأربعة آلاف جنيه، بل مكر السوء والخداع والخسة والقتل والتعذيب ومحاكم الشيطان النجسة وصحافة مدنسة شهرت بالباطل بخيار الناس عندما قامت الدبابات بلإطلاق العنان لأخس مافي الناس من صفات و أكثرها شرا.. حتى أن الضباط الأحرار حين رفضوا أن يعودوا إلى ثكناتهم استجابة لرغبة الأمة.. لم يرفضوا ذلك رغبة في السلطة بل خوفا من أن يتهموا ويحاكموا كمجرمين .. ثم يأتي هيكل.. بعد خمسين عاما.. لا ليعتذر ولا ليذرف دموع التوبة.. بل ليؤكد أنه وسيده الفرعون كانا على صواب.. دون أي مرجعية إلا ذاته.. مدعمة بحكمة أستاذه و أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد.. حين ذهب إليه.. فلم يقل له شيئا..
وكان هذا هو المرجع..
كل حكومات مصر وسياسييها منذ عهد محمد علي حتى عهد عبد الناصر كانوا سذجا وسطحيين ولم يفهموا السودان أبدا.. هيكل وحده هو الذي فهمها..
بل إنه منذ خمسين عاما رأى مشكلة دارفور وشخصها باسمها..
أي رجال هم؟!..
السادات يهبط عليه وهو يطير فوق جبال آرات وحي يأمره بالذهاب إلى القدس..
وهيكل يتنبأ منذ خمسين عاما بمشكلة دارفور ( لم يخطر بباله أبدا أن دولا تتنافر أعراقها أكثر بكثير ومع ذلك توحدت عندما وجدت زعيما حقيقيا )..
أما حسن التهامي فيرى الخضر عليه السلام..
فأي رجال هم..
نعم .. ها هو هيكل يشرح لنا قضية السودان بأثر رجعي..
فماذا فهم..
ستجد كلاما غبيا غير مترابط كذلك الذي تسمعه من دبلوماسي أمريكي أو إسرائيلي وهو يدافع عن باطل..
فالحقيقة المذهلة التي اكتشفها العبقري هيكل أن السودان مؤهل للتفكيك دائما.. وبيقين كاليقين بنظرية التطور وبالهولوكوست.. يقين كيقين مسيلمة يقول هذا الكلام الذي ليس له أي معنى.. كما يمكن أن يطبق على أي بلد أو حتى جزء من بلد في العالم..
يقول: الجنوب بطبيعته يميل إلى الجنوب.. أما الشرق فيميل إلى القرن الأفريقي..
لكن دارفور قضية أخرى.. فهي تميل إلى ناحية تشاد!!..
إنني أكتب من الذاكرة.. ولكن لا يهم على الإطلاق تبديل كلمة أو تقديم معني.. فكل الكلام باطل وهراء.. و هو إذا ما تعاملنا بحسن الظن فهو محاولة غير كريمة للدفاع عن إحدي جرائم الثورة الكبرى: فصل السودان عن مصر.. فإذا لجأنا إلى سوء الظن فليس الأمر سوى تلقين ضابط مخابرات.
ولنستشهد بشاهد يعرفه هيكل، شاهد من الأهرام، إذ يقول الدكتور محمود شكري في 25 يونيو 2001 :
لا استطيع أن أتحلل من عقيدة راسخة في ضميري أن الشأن السوداني بالنسبة لي يعتبر شأنا مصريا‏,‏ كما الا أنسي أنني عندما سمعت نبأ استقلال السودان عن مصر دمعت عيناي‏,‏ وشعرت أن جزءا من وطني قد اقتطع مني‏,‏ فلقد فتحت عيوني علي دولة مصر والسودان‏,‏ وعشت في ربوعها رغما عن أني لم أشرف بزيارة السودان إلا بعد التحاقي بالسلك الدبلوماسي ردحا من الزمن‏,‏ ودرست في مستهل حياتي أن حدود دولتي لاتقف عند أسوان أو النوبة وانما تمتد الي الخرطوم وأم درمان وبورسودان وكسلا وكردفان وبحر الغزال‏,‏ ولم أكن أتعامل مع الشقيق السوداني كمواطن لدولة أخري بل كأحد أبناء المحافظات‏,‏ فهذا شرقاوي وذاك دقهلاوي وهذا منوفي وذلك من الصعيد أو النوبة وهؤلاء من السودان‏.‏
وعندما كبر وعيي السياسي وبدأت في الدخول في معترك الفكر الاستراتيجي والأمن القومي العربي والمصري خرجت بتصور قد يراه البعض متجاوزا الواقع‏,‏ إلا أني أراه من منطلق التحليل الاستراتيجي أمرا منطقيا وهو أن فصل السودان عن مصر كان خطأ تاريخيا كبيرا‏,‏ وذلك للأسباب التالية‏:‏ـ
• ‏ أن التكامل المصري السوداني هو أكمل اشكال التوحد في المصالح بين دولتين‏...‏ فنهر النيل يربطهما‏,‏ والتوازن الجغرافي والديموغرافي المشترك بين البلدين مثالي‏,‏ ففي الوقت الذي يعاني فيه الشمال من زيادة بشرية ونقص في المساحات التي تصلح للمعيشة‏,‏ نجد أن الجنوب يعاني من العكس‏,‏ فهناك مساحات شاسعة لايستطيع الفراغ الديموغرافي أن يملأها‏..‏ فضلا عن أن هناك منظومة مثالية للانتاج الزراعي بين البلدين تقوم علي العمالة الزراعية المصرية والاراضي الخصبة المروية وغير المستغلة في السودان‏,‏ويدعمها التقارب بين الشعبين المصري والسوداني بما يؤهلهما ليكونا مزرعة الدول العربية بل ويزيد فضلا عن أن المصالح المائية للدولتين سوف تزيد بعد توحد المصالح المشتركة لهما‏.‏
• ‏ أن فترة تكريس الانفصال المصري السوداني كانت تشهد وبكل جدية مساعي حقيقية لفصل الشمال عن الجنوب بأطر تعدت مجرد التبشير الديني لتصل الي تجنيد المنظمات السياسية وتلك التي تعمل في اطار حقوق الانسان والأخري التي تناهض الرق والعبيد والمنظمات الكنسية العالمية لتكريس عملية الفصل تلك‏,‏ وكان من غير المنطقي أن يقبل بمبدأ انفصال السودان عن مصر في هذا التوقيت فاحتواء الموقف كان يستدعي وجود حكومة مركزية قوية قادرة علي التصدي لهذه الهجمة الكبيرة لتمزيق وحدة السودان خاصة في اطار دولة مثل السودان والتي تجمع مايقارب‏500‏ طائفة وجماعة أشية وعرقية ودينية مختلفة‏.‏ ولعل الفكر الاستراتيجي المجرد كان محقا عندما وصل الي أن بدء انفصال السودان الحقيقي يرجع الي عام‏1955‏ عندما انفصلت السودان عن مصر‏,‏ فالشمال السوداني يقوي شماله المصري وليس بالانفصال عنه‏.‏
***
نكتفي بهذا القدر من كلام السفير..
وهذا هو نوع الكلام العاقل الذي تمنينا أن نسمعه من هيكل وليس مجرد تهويمات ذاتية لمشاعر داخلية غامضة تذكرنا بشخص يسخر هيكل منه كثيرا.. وهو حسن التهامي.. وهو الآخر ضابط من الضباط الأحرار، و أيضا.. عميل للمخابرات الأمريكية.
***
أعود إلى مقال سابق لي:
كانت كل الحكومات قبل الثورة ترفض فصل السودان عن مصر.. وترفض أي استفتاء لتقرير المصير فهو لا يجوز إلا إذا جاز إجراء مثل هذا الاستفتاء لأهل أسيوط..
وكان الإخوان المسلمون ككل المصريين والسودانيين على هذا الرأي..
ممارسات الهمج الهامج الذين قاموا بثورة 23 يوليو روعت الشعب السوداني ومكنت أعداء الأمة وعلى رأسهم الإنجليز من تحذير الشعب السوداني من أنه لو استمر في الوحدة مع مصر فسيعامله العسكر بالطريقة التي يعاملون بها الشعب المصري..
وكان هناك صمام أمان هو محمد نجيب..
كان لمحمد نجيب – بغض النظر عن جدارته – شعبية هائلة في السودان، وكانت أمه سودانية وكان قد عاش في السودان ردحا طويلا من عمره..
وافقت الثورة على استفتاء لتقرير المصير..
وعزلت محمد نجيب..
وذهب صلاح سالم يرقص عاريا في الجنوب فلم يفد رقصه..
وارتكب خطيئة كبرى عندما وزع الهبات والرشاوي على القبائل والعشائر.. ومع الخطايا السياسية والدينية الأخرى تصاعد الاتهام كل من ينادي بالوحدة مع مصر بأنه تلقى رشوة من صلاح سالم..
و أجري الاستفتاء..
وانفصلت السودان عن مصر..
***
لكن هيكل يأتي الآن.. وبدلا من أن يقول أخطأنا في كذا وكذا.. و أنه لو لم نفعل كذا وكذا لما انفصلت السودان عن مصر..
إذا به بمنهج أصبح يثير اشمئزازي يقول أن السودان كان قضية خاسرة منذ البداية.. لا في مجرد انفصاله عن مصر.. بل على قدرته على الاحتفاظ بتماسكه.. رغم أن أي مبتدئ في علوم السياسة والحرب سيفهم على الفور أن وحدة مصر والسودان، وعدم انفصالهما.. كان هو الحامي الرئيسي للسودان من التفكك..
أقول أن هذا المنهج أثار اشمئزازي.. فقد ذكرني بمقال له بعد يونيو 67 وهو يشرح أبعاد الكارثة.. مؤكدا.. أن الطائرات التي دمرت على الأرض كانت ستسقط كلها في الجو.. و أن الفارق الوحيد هو أن الحالة الثانية كانت ستستغرق يوما أو يومين أكثر..
منهج يثير الاشمئزاز..
كان يدرك أن الإهمال الكارثي للجيش وتدمير الطائرات على الأرض سيغير قلوب الأمة تجاه الزعيم وسيقلل من هيبته.. فلم يجد إلا هذه الطريقة البائسة للتبرير والعزاء.. فالمشكلة هنا ليست في تدمير الطائرات على الأرض بل في تدريب الطيارين الذي لا يمكن لأحد أن يعتبر الزعيم مسئولا عنه..
تماما كما حدث قبل ذلك بأعوام مع كتاب للدكتور أحمد شوقي الفنجري، يتحدث فيه حديث شاهد عيان على دفن الأسرى المصريين أحياء في عام 56، وطبع الكتاب في بيروت فعلا ولكنه منع من دخول مصر.. وكانت حجة أجهزة الأمن أن معرفة الناس لذلك سوف يقلل من هيبة الزعيم خاصة أنه لم يرد عليه ولم يثره ولم يبدي النية في ذلك..
***
بعد خمسين عاما يأتي هيكل أيضا مدافعا عن هيبة الزعيم فلا يعترف بجريمة الخيانة العظمى.. جريمة فصل السودان عن مصر..ويتحدث عن انفصال السودان كقدر – قدر أمريكي أو بريطاني وليس قدرا إلهيا- لا مفر منه.. وتجاهل كل من سبقوه ومن لحقوه ليصدق فقط إحساسه العابر الغامض الذي أحس به ذات ليلة عام 50 أو 51..
نعم.. إحساس ذاتي غامض..
ذاتي..
ذات مسيلمة..
ولم يقل لنا مسيلمة أن حكومة الثورة كانت أول من أمد أهل الجنوب الوثنيين بالسلاح نكاية في أهل الشمال المسلمين الذين تعاطفوا مع محمد نجيب ومع الإخوان المسلمين.
***
لن أسرد هنا، أو على الأحرى لن أعيد سرد اعترافات الضباط الأحرار بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم من أن عزل محمد نجيب كان المسمار الأخير في نعش الوحدة.. كلهم تقريبا و أولهم خالد محيي الدين و أحمد حمروش..
لن أسرد ذلك.. ولكنني أنقل صفحات من كتاب محمد نجيب: "كنت رئيسا لمصر" ..
وعندما دخل عبد الحكيم عامر وحسن إبراهيم. ليبلغاني يوم 14 نوفمبر، بقرار إعفائي من رئاسة الجمهورية، قلت لهما في وضوح !
- بصراحة أنا لن أستقيل. .
فسأل عبد الحكيم عامر :
- لماذا؟. .
قلت :
- حتى لا ينسب إلى يوما أنني كنت السبب في انفصال مصر عن السودان.
وفى الحقيقة. . أنا تحملت كل ما جرى لي بعد تمكن عبد الناصر من السلطة، بعد أزمة مارس، حتى لا تؤثر استقالتي على نتيجة الاستفتاء حول الوحدة مع مصر، في السودان. . خاصة أن الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يؤيد لاتحاد، والوحدة مع مصر، قد فاز في الانتخابات.
لكن. . عبد الناصر ورجاله في مجلس الثورة لم يكن ليشغلهم في ذلك الوقت موضوع السودان. . كان كل ما يهمهم هو كيف يمكن إزاحتي والتخلص منى. ولست هنا أعطى لنفسي أهمية في ارتباط السودان بي. . بحيث ينفصل عن مصر، إذا أنا تركت الحكم. . لكنني اقرر حقيقة يعرفها الجميع في البلدين. مازالوا. . فأنا جزء من السودان والسودان جزء منى. . وبيني وبين شعبه زعمائه علاقات دم وصداقة وارتباط قوى. . كما أن السودانيين بطبيعتهم لا مميلون إلى الديكتاتورية. . ويصرون على ممارسة حقوقهم السياسية مهما كلفهم لأمر. . وهذا ما جعلهم يشعرون بالخطر على أنفسهم وعلى بلادهم بعد أن نشبت واشتعلت أزمة مارس في مصر، وأحسوا أن هناك حاجزا من الديكتاتورية يقف حائلا بين الوحدة مع مصر. و لأنني كنت أقف مع الديمقراطية كانوا ! يقفون معي. .
ولأن عبد الناصر كان يتجه بالبلاد إلى الديكتاتورية كانوا يخشون الوحدة مع مصر.
لذلك. . .
كان قرار تنحيتي عن رئاسة الجمهورية هو في نفس الوقت قرار انفصال السودان عن مصر. !
مرة أخرى أؤكد أن. . هذا ليس حديثا شخصيا، ولا كلاما نرجسيا، وإنما أمر واقع لا يزال ! يوجد من يقره ويعترف به، خاصة في السودان.
! عندما سئل كثير من زعماء السودان،- بعد ذلك عن سر تدهور العلاقات بين البلدين، قالوا، كلمة واحدة :
- نجيب !
لما قال لهم جمال عبد الناصر
- إن نجيب فرد. . والفرد زائل. . والعلاقة المتينة بين البلدين خالدة. .
كرروا :
- نجيب !
وفقد عبد الناصر أعصابه وقال :
- ليس معقولا أن نضع فردا في كفة وعلاقة بين شعبين فى كفة أخرى.
فقالوا له :
- إننا جعلنا من نجيب رمزا " لوحدة الوادي". . شماله مع جنوبه. .
ثم أضافوا في اتهام واضح :
- وأنتم حطمتم هذا الرمز.
و أنهى عبد الناصر الحوار الذي لم يعجبه. . لكنه سمع مرة أخرى، من أحد الوزراء المصريين، الذي كان يتكلم في نفس الموضوع مع أحد الزعماء السودانيين قال الوزير المصري :
- إن إصراركم عل نجيب.. إصرار بلا تفسير يقبله العقل ولا المنطق.
فرد الزعيم السوداني :
- بصراحة إننا في السودان نخشى على بلادنا بعد إن انقلبتم على نجيب. . ماذا يضمن لنا عدم الانقلاب علينا لو اتحدنا معكم. . لقد تصرفتم مع رجل كريم بأسلوب مهين. .
قال الوزير المصري :
- لكن. .
فسارع الزعيم السوداني قائلا :
- لا معنى في السودان لكلمة لكن. . ولا نحب هذه الكلمة المائعة. . نحن بلد وحكومة ديمقراطية حرة. . لا نقبل الانطواء تحت علم وحكومة أو توقرا طية.
وقبل موعد الاستفتاء واصل السودانيون نفس الكلام. . وقالوا :
- إننا سنقرر الانفصال عن مصر، ولو أراد المصريون أن نتحد معهم فلا مفر أمامهم من إعادة نجيب وتغيير نظام الحكم وعرف عبد الناصر هذا الكلام، الذي لم يصلني إلا بعد رفع القيود عنى. لكنه لم يستجب له، ولم يفكر فيه، بل ورد عليه بكلام جارح جدا.
ولم ينفصل السودان عن مصر فقط، بل وتدهورت العلاقات بين البلدين أكثر
وفي ذلك الوقت كنت أطالع الصحف السودانية : "الناس "" والصراحة، " و"السودان الجديد"، و " النيل"، و" الأيام". . وكنت أسجل ما تنشره هذه الصحف. . ولازلت احتفظ بما سجلته إلى الآن.
وللتاريخ أعيد الآن نشر بعضا مما سجلته. .
ففي جريدة النيل نشر صالح عبد القادر قصيدة من 83 بيتا، جاء فيها :
فكم باسم مصر سالت دماؤنا . . . وكم باسمها شعبنا قام مأتم
فمن عهدنا عهد اللواء ونحن ما . . . نزال نعاق ما نعاني ونغرم
وكنا نرى فيها الصديق وعندما . . . اطمأنت بدت أطماعها تتجسم

وجاء فيها :
إذا هان مثلك يا نجيب فما هو . . . الضمان بأنا لا نهون ونهضم
فهل ينتهي أمر الرئيس إلى هنا . . . ومستقبل الأحزاب في مصر مبهم
فليس في مصر اليوم حر وليس في . . . دارها امرؤ بالحق والعقل يحكم

وجاء فيها :
وهاهي أقدار الرجال تدهورت . . . فويل لمن يستاء أو يتبرم
وقد ألغيت فيها العقول فكل من . . . يشير إلى جرم العساكر مجرم
فهل يطمئن لهم بربك عاقل . . . وأطماعهم في أرضنا تتضحم

وفي اليوم التالي لإقالتي، قالت جريدة الأيام في صفحتها الأولى :
حكومة مصر تبعد نجيب.
الرأى العام فى السودان يستنكر القرار.
مبارك زروق يقول : هذا العمل يؤثر على الفهم العاطفي للوحدة..
وقالت الأيام : إن الديكتاتورية الفاشية التي تحكم مصر بقوة الحديد والنار لا يرضيها أن يرتفع صوت واحد ينادى بالديمقراطية.. وكانت جريمة نجيب أنه لم يخضع لحكم البكباشية ..ولم يرض سيطرة الديكتاتورية. . إن الشعب المصري سينتصر في معركته القادمة ومعركة الإطاحة بالحكم الديكتاتوري، والشعب السوداني الذى يؤازر شعب مصر في محنته لن يرضى مطلقا أن يتحد مع ديكتاتورية أو يرتبط بفاشستية.. وليعلم حكام مصر هذا وليعلموا أن أقوالهم وكلماتهم المعسولة لن تجدي في كسب السودانيين.
وتحت هذا الضغط بدأ إسماعيل الأزهري الذي كان يناضل من أجل الاتحاد مع مصر، يتراجع عن موقفه قليلا. . لكن هذا التراجع المحدود لم يرض السودانيين. .
ونشرت جريدة الأمة يوم الأحد 23 يناير 1955 على صفحتها الثالثة البيان التالي من اتحاد طلبة كلية الخرطوم الجامعية :
..(..) إن ارتباط السياسة الخارجية والدفاعية والتجارية مع مصر يعرض سيادتنا للقضاء المحقق خصوصا إذا كان مع حكومات رجعية استبدادية كالحكومة الديكتاتورية التي تحكم مصر الآن والتي حددت موقفها نهائيا من المعسكر الاستعماري بعد أن وقعت معه عدة اتفاقيات خائنة كاتفاقية النقطة الرابعة وهى في طريقها الآن إلى إبرام اتفاق دفاعي جديد يكبل الشعب المصري بمزيد من الأغلال. .
وفى 30 يناير 1955، كان العنوان الرئيسى لجريدة الأمة هو :
" هل يعاد نجيب إلى رئاسة الجمهورية لإنقاذ الموقف الاتحادي بالسودان؟.
وفى 3 فبراير 1955 قالت صحيفة " التلغراف " :
"نجيب باق فى المرج ويعامل معاملة سيئة".
ولم تجد حكومة عبد الناصر ردا مناسبا على كل هذا الكلام، سوى أسلوبها المبتكر، وهو تلفيق التهم والتشهير بالسودانيين. . فقد قبض على الوزير السوداني السيد خضر حمد في القاهرة بتهمة حمل قصيدة كتبها الأستاذ أحمد محمد صالح. . وكانت هذه القصيدة- الأزمة تقول :
ما كنت غدارا ولا خوانا . . . كلا ولم تك يا نجيب جبانا
يا صاحب القلب الكبير تحية . . . من أمة أوليتها الإحسانا
وكانت تقول :
الثورة الحمقاء كنت صمامها . . . من كل شائبة وكنت ضمانا
أخذت من اسمك روحها وحياتها . . . ومضت فكانت رحمة وحنانا
وكانت تقول :
يا ويح مصر ما دهى أبناءها . . . فمضوا على أحفادهم عميانا
ركبوا رؤوسهم فكانت فتنة . . . هوجاء ما تركت لهم إخوانا
وكانت تقول :
باعوا رئيسهم ورمز كفاحهم بيع السماح وحالفوا الشيطانا
ومضى كبيرهم يفاخر جهرة . . . بصنيعه متبجحا فتانا
وكانت تقول :
قالوا أردت تسلطا وتجبرا . . . ومشيت تبغي الحياة والسلطانا
كذبوا فعرشك في القلوب مكانه . . . أتريد من بعد القلوب مكانا
وكانت تقول :
هل يحجبون الشمس في إشراقها . . . أو يطمسون جمالها الفتانا
ما حطموك و إنما قد حطموا . . . أمل البلاد وصوتها الرنانا
هذا جزاء المحسنين وقلما . . . تلقى على إحسانك الإحسانا..
وهكذا ضاع السودان كما ضاعت الديمقراطية.
وكان لا بد أن يقدم عبد الناصر كبش فداء. . ولم يجد بالطبع أفضل من صلاح سالم فأجبره على الاستقالة. . فقد استغل عبد الناصر الأخطاء التي وقع فيها صلاح سالم في السودان، وذبحه. . وخرج هو بريئا من هذه الجريمة. وتمنيت أن أرى صلاح سالم بعد ذلك. . لكن القدر أختطفه قبل أن يحقق أمنيتي وسحبت بريطانيا جيشها من السودان وخرج الجيش المصري من هناك أيضا..
انسحب من جزء من وطنه وتم الجلاء فعلا. . فى نوفمبر 1955. . ولم يكن الانفصال عن مصر في حاجة إلى استفتاء لتقرير المصير. . فلم يجر استفتاء. ولكن الجنوبيين اعتبروا التخلي عن هذا الاستفتاء تخليا عنهم وإساءة لهم، فقامت ثورة في الجنوب على الشمال.
وأعلن قيام الجمهورية السودانية في 19 ديسمبر 1955.
وأعلن استقلال السودان فى أول يناير 1956.
وعند ما ذهب عبد الناصر لزيارة الخرطوم بعد ذلك لم ينس السودانيون مواقفه القديمة وخرجوا لاستقباله وهم يصرخون في وجهه ويلقون موكبه بالطماطم والبيض.
***
زيارة هيكل للسودان إذن لم تعطه أي شئ، ولا تزيد رؤاه فيها عن رؤى حسن التهامي ( لم يقل لنا هيكل أبدا سر احتفاظ عبد الناصر بالتهامي.. مع أن هناك اتفاقا بين كل الفرق أن التهامي: CIA !!..
***
وحيرة هيكل وعدم فهمه لما يجري فيها كانت أشرف مما يفعله الآن من تمهيد لنا بتقسيم السودان..
نعم ..
تمهيد للأمة..
تمهيد لا يدين الخارج أبد.. بل كل إدانته لنا.. للداخل.. وبكل ما يملك من وسائل للازدراء والتبخيس والإدانة لأهله.. قومه الذين ولد فيهم وتحدث بلسانهم..
تمهيد قال أن أحمد لطفي السيد لم يساعده فيه..
ولا أظنه صادقا..
لأن أحمد لطفي السيد قد ساعده قبلها و أثناءها وبعدها.. ساعده بمنهجه وفكره.. أليس أحمد لطفي السيد من رفض أن تساعد مصر ليبيا عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي..
فكيف نتصور منه حديثا طيبا عن السودان؟!!
فأحمد لطفي السيد الذي يتحدث عنه هيكل بوله وثني يثق في صنمه ثقة اليقين المطلق.. أحمد لطفي السيد هذا ليس له أي إنجاز إيجابي في حياته سوى أنه عمّر عمر السلحفاة.. وفي عمر السلحفاة هذا ظل الإسلام عدوه الأول.. وهذا سر تزكيته.. بل ولقد صرح الرجل جهارا أنه إن كان لابد فهو يفضل حكم لندن على حكم استنبول .
وهو لا يكتفي بالدعوة إلى محاسنة الإنجليز ومسالمتهم، ولا إلى إسداء المجاملة لهم، وهو يدافع عن فكرة الاحتفال بتوديع اللورد كرومر، بل إنه يتورط في موبقة أخرى، هي دعوة مواطنيه إلى الإقرار بفضل كرومر على البلاد، وكرومر، هو ممثل الاحتلال، والذي قال للمصريين في هذه الحفلة ذاتها أن الاحتلال باق إلى أبد الآبدين. انظر ماذا قال لطفي السيد في هذا المعنى:
" ما بال بعض الجرائد أخذت- تشهر ببعض الكبراء الذين انضموا إلى لجنة الاحتفال وتغمزهم كل يوم بضروب من ألفاظ السخرية غير اللائقة؟ قال بعض علماء الاجتماع: إ ن الاعتراف بالجميل هو الإحساس بانتظار جميل آخر في المستقبل فإذا كانت الجرائد تريد من الناس ألا يحتفلوا بوداع اللورد كرومر إظهارا لعدم رضاهم عن الإدارة الإنجليزية في عهده، وكان الناس في بلدنا على مذهب ذلك العالم من علماء الاجتماع، وأنهم لا يعملون العرف لذاته بل للاتجار به. أفليس من المصلحة أن يحتفلوا باللورد لينتظروا بذلك خيرا من خلفه؟"..
***
هذا هو أستاذ الجيل الذي لا يجد الأستاذ فتحي رضوان وصفا يصفه به إلا وصف البغي:
" وليس نجد وصفا أليق بالدعوة التي تتضمنها هـذه السطور، مع الأسف المحض، إلا أنها دعوة إلى القيام بدور البغي، مع تحسين هذا الدور، والاستعانة بعلم الاجتماع، وما جرى جرى هذه الرطانة الفارغة، لإسباغ مظهر وقور على هذه الدعوة الخبيثة، لتبدو أنها العلم أو الأخلاق، وهو شئ يأباه العلم، وتثور له الأخلاق بغير جدا. فلطفي السيد يريد من أبناء شعب اقتحم الإنجليز عليه بابه، وفرضوا عنوة إرادتهم على كل مقدراته، أن يتلطفوا لممثليهم، وحاملي سياطهم، فيودعوا الراحل أحسن توديع، ليثيروا في نفس القادم العطف عليهم، فيسخو في معاملتهم. ويصعب على (لطفي السيد) فكرة أن يفهم أن التسليم بالاحتلال هو تنازل عن (مبدأ) لا يحق لأمة تتحلى بأدنى درجات الكرامة، أن تطيق الحياة بعيدا عنه، وإن اختلفت طرائق أبنائها في تنفيذ هذا المبدأ، وفى تطبيقه، ففي كل أمة طوائف من الوطنيين منهم من يتخذ الثورة الصريحة سبيله المقاومة، ومنهم من يتخذ التدرج والتطور، والخطابة والكتابة، سبيله الكفاح، ومنهم من يلجأ إلى العمل العنيف السري، ومنهم من يهيئ المقاومة المسلحة مستعينا بأعداء عدوه في الحلبة الدولية. أما الطائفة التي تقبل يعد جلادها، وتذكر له بالفضل والعرفان بالجميل، إذ هو أطال في حبل أسرها، أو ابتسم لها، مع أنه يعلن في كل لحظة أنا السيف والنطع جاهزان، وأنه مصمم على الإجهاز والقتل، فطائفة لا تمت إلى الوطنيين ولا تنتمي إلى الوطنية."..
ومن يبدأ السير في هذا المنحدر فإنك لا تعرف إلام ينهى، وقد قاده هذا المنطق، فعلا إلى تفضيل حكم بريطانيا لمصر إن كان لا مفر من أن يحكمها أجنبي ونحن ندع للدكتور محمد حسين هيكل ( حسين وليس حسنين) الكلام في هذا الموضع، قال في صفحة 66 من مذكراته:
عدت إلى القاهرة، مصمما أن أعلن رأيي وأن أدافع عنه، وزادني تصميما أنى رأيت صحيفة المقطم تروج لفكرة رأيتها غاية في الخطورة ة تلك أنه إذا خيرت مصر بين من يحكمها من الدول إنها تختار إنجلترا (...) ولم ألبث حين نزلت القاهرة أن ذهبت إليه وسألته وقد ملكتني ثورة الشباب، حتى لقد قلت: ومتى كان لعبد أن يختار سيده؟ إن الأمة المستبدة يحكمها القوى فإن هي تابعته وأظهرت الرضا به، كان شأنها شأن العبد، أو شأن البغي، وأنا أربأ بمصر أن تكون عبدا أو بغيا "
لطفي السيد وجريدته وحزبه جميعا ، كانا في واقع الأمر، خالصين للاحتلال وقد أغنانا اللورد جورج لويد عن الاستنتاج فقد جاء في كتابه " مصر في عهد كرومر" ما ترجمته:
و بفضل مجهود اللورد كرومر، تأسس في أ أكتوبر سنة 1907 حزب جديد، هو حزب الأمة، وصحيفة (الجريدة)، وقد كان أكثر أعضاء هذا الحزب، بعثا للأمل، رجل اصبح فيما بعد أهم الأسماء في تاريخ مصر الحديثة، ذا هو سعد زغلول.. كان قد أظهر صفات عظيمة منها الاعتدال في الرأي والشجاعة وقد كان مصريا صميما ومؤمنا بالصداقة البريطانية " وكان خصما شديدا قويا لسياسة الخديوي ونشاطه السياسي ".
فحزب الأمة باعتراف الإنجليز أنفسهم هو صناعة أيديهم.
وما قاله لورد لويد قاله أيضا تشارلز آدامس في كتابه عن الإسلام والتجديد، قال:
كان سعد في الجانب الأكبر من حياته صديقا للاحتلال ، صادق النية مخلص الرأي وعاون البريطانيين في خطتهم التي أرادوا بها إصلاح الإدارة و اختياره لوزارة المعا رف في الوقت الذي كانت فيه المدارس منبع التهييج الوطني..
فدور هذه المدرسة- التي كان لطفي السيد لسانها، وسعد زغلول زعيمها، والشيخ محمد عبده راعيها الروحي، هو إلقاء الماء البارد على الجذوة الوطنية، والدعوة إلى الإنجليز ، وإلى التودد إليهم، والتحدث بمزاياهم وصفاتهم, وما تجره مصر من الخير بالإخلاد إليهم والثقة بهم فالدعوة إلى المصرية، لم تكن غاية في ذاتها" وإنما كانت التواء، في الدعوة إلى ما هو شر خالص وهو مسألة الاحتلال، والرضاء بحكمه.
ومن ثم فإن نسبة الدعوة إلي (المصرية) إلى لطفي السيد، ليست إلا افتراء على التاريخ، وتزييفا له.
نعم..
راجعوا الجملة الأخيرة يا قراء..
فقد كان الشعار " مصر للمصريين" مجرد ذريعة لفصل مصر عن الدولة الإسلامية الأم..
ليس لصالح الاستقلال التام..
بل لصالح الاحتلال الإنجليزي..
وكان هذا هو لطفي السيد الذي يعجب به هيكل أيما إعجاب.
***
هذا هو أحمد لطفي السيد الذي يعتبره هيكل أستاذ الجيل..وهو بالفعل أستاذ جيل لكنه الجيل المستعبد للغرب المعلن عداوته للثقافة الإسلامية واللغة العربية، ولطفي من أشهر زعمائه ، أما أعضاء هذه العصابة فزميله ورفيق عمره عبد العزيز فهمي ، وزوج أخته إسماعيل مظهر ، ثم صديقه الحميم طه حسين .
كان أحد زعماء حزب الأمة ، باعتباره رئيس تحرير "الجريدة" صحيفة الحزب، واشتهر بعدواته لفكرة الجامعة الإسلامية، ورفعه شعار مصر للمصريين، وشعار: سياسة المنافع لا سياسة العواطف.
أما فكره فكان متأثراً جداً بـداروين ومل وروسو وأضرابهم من الغربيين، وكان مع كل ناعق من دعاة التفرنج والعصرية، فقد حظيت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة من تأييد لطفي السيد بما لم تحظ بها من كاتب أو صحفي آخر.
وعندما أصدرت الحكومة قراراً بنقل صديقه وشريك دعوته طه حسين من الجامعة - بسبب الضجة التي ثارت حوله وحول إيمانه - لم يسع لطفي السيد إلا أن يقدم استقالته من منصب وزير المعارف احتجاجاً على ذلك .
ومع زعمه أن الفصحى معقدة وقديمة نراه يمضي ربع قرن من حياته في ترجمة كتب أرسطو ( يسخر منه فتحي رضوان فعمر الرجل 93 عاما ترجم فيها ألف صفحة من أرسطو بمعدل أقل من صفحة في الشهر!!)..
وقد ذكر مؤرخ حياته حسين فوزي النجار بعض الحوادث التي تدل - كما يرى - على أنه كان لا يؤمن بالغيبيات والقوى الخفية.
وقد علل لطفي السيد لتأخر مصر وتقدم الغرب، بأن مصر تستعمل لغتين: لغة للثقافة وأخرى للتخاطب، والحل الذي رآه وقدم له الاقتراحات الكثيرة هو النزول بالفصحى إلى مستوى العامية، حتى يتم مع الزمن توحيد اللغتين في لغة واحدة هي -بالطبع- العامية .
***
نفس التفاصيل ينادي بها كل عميل..
نعم..
لقد كان كل دعاة العامية أناساً مشبوهين وصلتهم بالدوائر الاستعمارية واضحة، وذلك ما يؤكد أنها كانت جزءاً من المخطط اليهودي الصليبي للقضاء على الإسلام، بل إنه من المؤكد أن الدعوة العامية إنما ظهرت أصلاً من أفكار المستعمرين وفي أحضان المبشرين يتضح ذلك من أسماء دعاتها الأوائل، أمثال بوريان وماسبيرو .
وكان من ضمن القائمين بهذه الحركة إسماعيل أحمد أدهم ، الذي حاول نشر الأفكار الإلحادية في مصر، وقد ألف رسالة صغيرة عنوانها: لماذا أنا ملحد ؟ وطبعها في مطبعة التعاون بـالإسكندرية وكان نتيجة ذلك تحويل اسم الجماعة إلى المجمع الشرقي لنشر الإلحاد، متعاونا مع إسماعيل مظهر والذي كان في ذلك الوقت - 1928- يصدر مجلة العصور في مصر ، وكانت تدعو للإلحاد . و تُعتبر جماعة ( العصور ) المجموعة الفكرية الأولى التي اقتحمت ساحة نقد الدين والفكر الديني ، ويرجع الفضل – إن كان في ذلك أي فضل- في تأسيس هذه الجماعة إلي إسماعيل مظهر الذي أسس مجلة ( العصور ) والتي كانت لسان حال هذه المجموعة والناطقة باسمها
كان المؤثر الأكبر على إسماعيل مظهر والسبب في إلحاده هو تأثره بخاله..
فهل تعلمون يا قراء من هو خاله..
إنه معبود محمد حسنين هيكل:
إنه أحمد لطفي السيد.
والحق أن إسماعيل مظهر لم يكن إلا نموذجاً لكتاب كثيرين يتفاوتون في درجة التصريح بما يعتقدون لكنهم متساوون في المنطلق والغاية، مثل منصور فهمي ولطفي السيد وأمين الخولي وطه حسين ، وأخيراً صادق العظم صاحب كتاب (نقد الفكر الديني )، وآخرين ممن لا تأويل لما يكتبون إلا الخروج على الإسلام، غير أن بعضهم تخفى تحت أقنعة البحث العلمي أو التمذهب الأدبي، حتى لا يصدم مشاعر الجماهير فتنصرف عن إنتاجه.
***
هذا هو أحمد لطفي السيد مثل هيكل الأعلى و أستاذ جيله..
كان يدعو إلى حياد مصر في هجوم إيطاليا على ليبيا، حين رأى تعاطف المصريين مع الدولة العثمانية، وقيامهم بجمع التبرعات، وحشد المؤن والأسلحة لإرسالها إلى الجيش العثماني في طرابلس بليبيا، يقول لطفي السيد: "وقد أخذت أنبه على استحياء إلى واجب مصر من هذه الحرب، وهي أن تكون على الحياد، وأن سيادة تركيا لا تجلب لمصر منفعة ولا تدفع عنها ضرًا. انضم إلى سعد زغلول ثم انشق عليه وكان من أكبر مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين الذين انشقوا عن سعد زغلول سياسيا، وكان يدعو إلى الإقليمية الضيقة وهو صاحب العبارة المشهورة التي أطلقها عام 1907م وهي مصر للمصريين.
تحدث عن الديموقراطية وشارك في أشد حكومات الأقلية بطشا: إسماعيل صدقي ومحمد محمود..
***
أحمد لطفي السيد هو الشخص الوحيد الذي ذكره هيكل بعد تسع ساعات من الحديث الممل الطويل كأستاذ له لذلك أرجو من القارئ ألا يمل من حديثي عنه ، فمنه سنستشف مواصفات هيكل نفسه..
نعم..
ليسمح لي القارئ أن أستعرض دراسة وافية عن أستاذ الجيل ( أستاذ ماذا ولماذا .. لا أدري كما يقول فتحي رضوان)..خاصة أنها تعتمد على عدد كبير من المراجع.
***
نظرة شرعية في فكر (أحمد لطفي السيد)
بقلم / سليمان الخراشي
انحرافاته :
1. أعظم انحراف له، بل هو من الكفريات –والعياذ بالله- أنه –كما يقول ألبرت حوراني- :" لم يكن مقتنعاً كأساتذته! بأن المجتمع الإسلامي أفضل من المجتمع اللا إسلامي" !! [الفكر العربي في عصر النهضة، ص211] وتوضيح هذا كما يقول حوراني : أن "الدين –سواء كان الإسلام أو غيره- لا يعنيه إلا كأحد العوامل المكونة للمجتمع" . (...)
قلت: فلطفي السيد إذاً لا يفرق بين الإسلام وغيره من الأديان أو النِحل! فجميعها –في نظره سواء- ما دامت تجعل معتنقها يحب الخير ويفعله، ويكره الشر ويبتعد عنه! فنعوذ بالله من خلط الكفر بالإسلام.

2. دعوته إلى (العلمانية) وعزل الإسلام عن أن يكون مرجعاً لسلوك الفرد والمجتمع إلى كونه مجرد علاقة بين العبد وربه يحتفظ بها في ضميره!!.
يقول مجيد خدوري في كتابه (عرب معاصرون) :"إن تأكيد لطفي السيد على العلمانية وإحالة الدين إلى ضمير الفرد أثار النقاد الذين نددوا به واتهموه بالإلحاد" [ص 329].

3. إلحاده !! –إن صح النقل عنه- فقد قال مجيد خدوري في كتابه (عرب معاصرون) :" أخبرني عبد الرحمن الرافعي المحامي المؤرخ مرة أن لطفي السيد كان شيخ الملحدين . ولكن عبد الرزاق السنهوري الذي سمع هذه الملاحظة قال: إن شيخ الملحدين هو شبلي شميّل وليس لطفي السيد، على الرغم من أن لطفي نفسه من الملحدين!! وقال الرافعي إن لطفي كمدير للجامعة المصرية دافع عن ملحدين آخرين ؛ كطه حسين ومنصور فهمي وحسين هيكل " [ص329] .
"وقال لي السنهوري –وهو صديق حميم للطفي السيد- إن لطفي أثار شكوكاً جدية في المعتقدات الدينية التقليدية" وأنه "أعرب عن شكوك خطيرة فيها، وقد ظل مشككاً حتى آخر حياته" !! [ص330].

4. طعنه في الشريعة الإسلامية بأنها غير صالحة لهذا العصر!! يقول مجيد خدوري في كتابه (عرب معاصرون) : "قال لي -أي لطفي السيد- مرة في سياق الحديث: إن الشريعة الإسلامية وهي في حالة ركود منذ زمن بعيد لم تعد تتفق والأوضاع الجديدة للحياة"!! [ص330].

5. دعوته إلى الوطنية الضيقة التي رفعت شعار "مصر للمصريين" ! فأعادت النعرة الجاهلية من جديد، حيث استبدل لطفي السيد رباط الأخوة الإسلامية بهذا الرباط الجاهلي.
يقول ألبرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة) : "كان لطفي كغيره من المفكرين المصريين لا يحدد الأمة على أساس اللغة أو الدين، بل على أساس الأرض، وهو لم يفكر بأمة إسلامية أو عربية، بل بأمة مصرية: أمة القاطنين أرض مصر" [ص216].
وأن "لمصر في نظره ماضيان: الماضي الفرعوني والماضي العربي، ومن المهم أن يدرس المصريون الماضي الفرعوني، لا للاعتزاز به فحسب! ، بل لأنه يلقنهم قوانين النمو الارتقاء" [ص 216-217] .
وقد ذهب لطفي السيد في غلوه الجاهلي إلى القول بأن "القومية الإسلامية ليست قومية حقيقية، وأن الفكرة القائلة بأن أرض الإسلام هي وطن كل مسلم إنما هي فكرة استعمارية تنتفع بها كل أمة استعمارية حريصة على توسيع رقعة أراضيها ونشر نفوذها" !! [ص 218].
ويقول –أيضاً- : "أما الأمة الإسلامية فكادت تقع خارج نطاق تفكيره" [ص 224] .
ويقول مجيد خدوري في كتابه (عرب معاصرون) : "كانت فكرته –أي لطفي- في الأمة –كما استقاها من الفكرة الأوروبي ! إقليمية، لا إسلامية" [ص328].
ويقول –أيضاً- : "نادى بهوية مصرية وطنية تستند إلى تاريخها المتواصل، الذي لم يكن الحكم الإسلامي فيه إلا مجرد فصل واحد" [ص328].

6. الدعوة إلى العامية: وقد سار في هذا التيار مؤيداً الخطوات التي كان قد قطعها المستشرقون والمنصرون قبله، وكان أبرز ما دعا إليه:
أ‌ - إبطال الشكل وتغييره بالحروف اللينة.
ب‌- تسكين أواخر الكلمات.
ج‌- إحياء الكلمات العامية المتداولة، وإدخالها في صلب اللغة الفصحى" [انظر: رجال اختلف فيه الرأي، لأنور الجندي، ص 4، بتصرف].
قلت: وانظر للتدليل على ما سبق من كلام لطفي السيد، كتاب (قمم أدبية) للدكتورة نعمات أحمد فؤاد.

7. دعوته إلى مذهب (المنفعة) دون ضوابط شرعية لهذه المنفعة، وقد استقى هذا المذهب كما يقول الدكتور حسين النجار من الفيلسوف الإنجليزي (جون ستيوارت مل) .
قال الدكتور: " فمذهب المنفعة هو القاعدة في تفكيره السياسي والاجتماعي، فالمنفعة هي الحافز الأصيل للعلاقة بين الدول بعضها ببعض، وبين الحكومة والأفراد، أو بين الأفراد فيما بينهم" [أحمد لطفي السيد، للنجار، ص202-203] .
قلت: وتطبيقاً لهذا المذهب الغربي فقد عارض لطفي السيد "مساعدة المصريين لجيرانهم في طرابلس الغرب أثناء الغزو الإيطالي الاستعماري عام 1911، وكتب في هذا المعنى تحت عنوان (سياسة المنافع لا سياسة العواطف)! مقالات متعددة دعا فيها المصريين إلى التزام الحياد المطلق في هذه الحرب الإيطالية التركية وإلى الضن بأموالهم أن تبعثر في سبيل أمر لا يفيد بلادهم" [رجال اختلف فيهم الرأي، للجندي، ص5].

8. دعوته للديمقراطية: ولم يعد يخفى على عاقل مخالفة هذا المذهب للإسلام، وأنه مذهب يحوي الكثير من الكفريات، بداية بتحكيم ما لم ينـزل الله، وانتهاء بنقض مبدأ الولاء والبراء الشرعي… الخ.
يقول الدكتور حسين النجار: "أما لطفي السيد وأضرابه من المثقفين فقد استهوتهم الديمقراطية كمذهب" [أحمد لطفي السيد، ص 82].
ويقول عنه بأنه : " بهرته الحياة السياسية للدولة القومية في الغرب، فكانت وحياً لفلسفته السياسية التي أخذ يبشر بها المصريين" [المرجع السابق، ص199].

9. دعوته لمذهب (الحرية) بالمفهوم الغربي، دون أي ضوابط شرعية لهذه الحرية!
يقول الدكتور النجار: "الفكرة في عقيدة لطفي السيد هي الحرية، الحرية في كل صورها ومعانيها" [أحمد لطفي السيد، ص 331].
ويقول –أيضاً- : "أما مذهب الحرية الذي نادى به جون ستيوارت مل أساساً للنظام الاجتماعي فقد اتخذه لطفي السيد أساساً لما أسماه "مذهب الحريين" للدولة" [المرجع السابق، ص 203].
ويقول مجيد خدوري : "ازداد حب لطفي السيد للحرية بدراسته للفكر الأوروبي" [عرب معاصرون، ص 326].
ويقول ألبرت حوراني: "كان مفهوم لطفي السيد للحرية –كما يعترف هو نفسه باعتزاز – مفهوم ليبراليي القرن التاسع عشر" [الفكر العربي في عصر النهضة، ص 213].

10. أنه كان مهادناً للاستعمار الإنجليزي لمصر، بل كان صنيعة لهم؛ ليحقق هو وأضرابه أهدافهم بعد الرحيل عن مصر.
يقول الأستاذ أنور الجندي: "لقد كان الاستعمار حريصاً على صنع طبقة خاصة من المثقفين، عمل كرومر على إعدادها، ووعدها بأن تتسلم قيادة الأمة بعد خروج الإنجليز، ووفى لها، وكان أبرزها: لطفي السيد" [عقبات في طريق النهضة، ص 59].
ويقول –أيضاً-: "إن حزب الأمة الذي أنشأه لطفي السيد كان بإجماع الآراء صناعة بريطانية أراد بها اللورد كرومر أن يواجه الحركة الوطنية بجموع من الإقطاعيين والثراة والأعيان (الذين وصفهم بأنهم أصحاب المصالح الحقيقية) وقد كان هدف حزب الأمة والجريدة بقيادة الفيلسوف الأكبر لطفي السيد تقنين الاستعمار والعمل على شرعية الاحتلال والدعوة إلى المهادنة مع الغاصب، وتقبل كل ما يسمح به دون مطالبته بشيء" [رجال اختلف فيهم الرأي ، ص 7].
ويقول مجيد خدوري :" وكان اللورد كرومر قبل مغادرته مصر بقليل، قد أعجب باعتدال هذه الكتلة –أي مدرسة محمد عبده- وراح يشجعها على تأسيس حزب الأمة، بغية مجابهة نفوذ أتباع مصطفى كامل من الوطنيين" [عرب معاصرون، ص315].
ويقول فتحي رضوان: " إنك لتقرأ كل ما كتب لطفي السيد في الجريدة في موضوع علاقة مصر ببريطانيا، وفي موضوع علاقة مصر بتركيا، فإذا به في الموضوع الأول لطيفاً، كأنه مر النسيم، يخاف أن يخدش خد الاستعمار، أما في الموضوع الثاني فهو متحمس غضوب فما سر هذا، وما تفسيره؟ " [عصر ورجال، ص 443].
قلت: ولأجل هذا نفهم تمجيده ومدحه للورد كرومر الحاكم البريطاني الذي أذل المصريين لمدة ربع قرن!! حيث قال يوم خروجه من مصر:" أمامنا الآن رجل عظيم، من أعظم عظماء الرجال، ويندر أن نجد في تاريخ عصرنا نداً له يضارعه في عظائم الأعمال" !! نشر هذا في "الجريدة" في نفس اليوم الذي ألقى فيه كرومر خطاب الوداع، فسب المصريين جميعاً وقال لهم: إن الاحتلال البريطاني باقٍ إلى الأبد !! [انظر : رجال اختلف فيهم الرأي، لأنور الجندي، ص 5-6].

11. دعوته ومؤازرته لحركة تحرير المرأة التي قادها صاحبه قاسم أمين –عليه من الله ما يستحقه- قول الدكتور حسين النجار: "حظيت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة من تأييد لطفي السيد بما لم تحظ به من كاتب أو صحفي آخر" [أحمد لطفي السيد، ص 243].
وقال –أيضاً- :" ويقيم لطفي السيد من دار "الجريدة" منتدى للمرأة تقصده محاضرة ومستمعة" [المرجع السابق، ص248].
قلت: ولذا فقد كتب في جريدته مقالات بعنوان: "قاسم أمين القدوة الحسنة" !! يقول فيها مخاطباً الشباب المصري: "ليعتنق كل عامل منهم أنماط قاسم في حُسن تفكيره" [المنتخبات (1/11)]
وأثنى كثيراً على دعوته الفاجرة، [انظر:المنتخبات، (1/268 وما بعدها)]
***
هذا هو الأستاذ.. فهل علمتم كيف يكون التلميذ والمعجب..
ولكن بقي أن تعلم ما قاله الأستاذ أنور الجندي في هذه الترجمات التي قام بها لطفي السيد .
قال الأستاذ أنور: "تبين أن مترجمات لطفي السيد عن أرسطو (التي ترجمت من الفرنسية) (السياسة. الكون والفساد. الأخلاق) وهي منسوبة إليه، تبين أنه ليس مترجمها وأن مترجمها الحقيقي هو قسم الترجمة في دار الكتب المصرية!! وذلك بشهادة عديد من معاصري هذه الفترة" [رجال اختلف فيهم الرأي، ص6]
***
هذا هو الرجل.. أستاذ الجيل.. وقد تعرفتم على الفور على ابن أخته الذي كان عظيم التأثير به.. وكان رائدا لجمعية تدعو إلى الإلحاد.
والآن.. هيا لنتعرف على ابن أخيه.. وهو مجنون آخر لا يقل عن إسماعيل مظهر ولا عن أحمد لطفي السيد نفسه.
فلقد تقدم المحامي "محسن لطفي السيد"- ابن شقيق المفكر الراحل "أحمد لطفي السيد"- بأوراق حزب جديد للجنة شئون الأحزاب يحمل اسم "مصر الأم"، وقد حمَّل الحزب الجديد حركة الضباط الأحرار المسئولية عن تهميش الثقافة والهوية المصرية، لصالح الثقافة والهوية العربية، مطالبًا بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري، والتي تنص على أن "الدين الرسمي لمصر هو الإسلام"، وكذا إلغاء خانة الدين من كافة الوثائق الرسمية في البلاد، درءًا لشبهة التمييز على أساس العقيدة التي يلتزم بها الدستور في مواضع أخرى. وأكد "محسن لطفي السيد" رئيس الحزب الجديد، أنه لا ينبغي أن يكون هناك دين رسمي للدولة العصرية، وأنه ليست هناك سوابق مماثلة في مختلف التطبيقات الديمقراطية حول العالم، وحتى بافتراض إقرار ذلك- جدلاً- فلماذا لا تؤخذ بعين الاعتبار مصالح وثقافة شركائنا في الوطن والتاريخ والمستقبل من الأقباط المسيحيين، فينص الدستور على الكتاب المقدس أيضًا إلى جانب القرآن الكريم، والمسيحية جنبًا إلى جنب مع الإسلام، خاصةً وأن النص الدستوري بالغ الأهمية ويقرر مصير أجيال. ويهدف ابن شقيق أحمد لطفي السيد إلى فك الارتباط بالعروبة، وإعادة ربط المصريين بقوميتهم المصرية وحدها .. ويستند البرنامج السياسي للحزب في العديد من أفكاره إلى أدبيات "أحمد لطفي السيد" عم رئيس الحزب، ومنها عبارته الشهيرة التي نشرت في الخامس من فبراير عام 1908م، والتي قال فيها: "إن من بيننا من لا ينفك يفخر بانتسابه للعرب الأولين، كأنما انتسابه إلى الجنس المصري نقص وعيب، كما أن منا من يفضل الرابطة الدينية على رابطة الجنسية الوطنية، فإن لم نذهب عنا هذا التحلل نمت أسبابه، وفشت نتائجه وتعذَّر علينا أن نوسع دائرة المشابهات وتضيق دائرة الفروق"..
وفي رد محسن لطفي السيد على سؤال حول طلب حذف المادة التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي لمصر، قال مسؤول الحزب العلماني: إذا كان لك كتيار إسلامي سند من الدستور فلا شيء يعوقك عن أن تتمادى، فأنا ضد تطبيق الشريعة الإسلامية في الحدود، وأنادي بألا تقطع يد السارق أو يرجم الزاني أو تقطع الأيدي والأرجل!!
كما يطالب الحزب أيضاً بإلغاء لفظ (العربية) من الاسم الرسمي للبلاد، ليصبح الاسم "جمهورية مصر" فقط.
وأضاف : ما الذي يمنع التيار الإسلامي إذا وصل إلى الحكم، استنادًا لهذه المادة أن يفعل هذا، ربما يأتي التيار الإسلامي على رأس الحكم، وقتها ما الذي يمنعه إذا كان لديه سند من الدستور أن يطبق الشريعة في العقوبات، كلنا مسلمون نؤمن بالله، على حد قوله، لكن نريد أن يكون الإسلام علاقة بينك وبين الله، والسياسة شيء آخر..
ويوضح البرنامج السياسي للحزب الجديد أن كون اللغة العربية هي اللغة السائدة الآن، فإن ذلك لا ينبغي أن ينسينا لغتنا القومية وهي "العامية المصرية" التي يدعو الحزب إلى تدريسها بتطوراتها المختلفة، من الهيروغليفية إلى الديموطيقية إلى القبطية، وصولاً إلى المرحلة الحديثة المسماة بالعامية، في المدارس والجامعات المصرية، ويدعو إلى إعادة كتابة التاريخ المصري .
ويصف البرنامج السياسي لحزب "مصر الأم" دخول العرب إلى مصر بالغزو، الذي أدى إلى خسارة قيم مصرية كثيرة " ثم يقارن بين القومية المصرية وبين القومية العربية الغازية"، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أن هؤلاء الغزاة ينتمون إلى بدو أقل حضارة ويعتمدون على القمر في توقيتهم كما أنهم تربوا على احترام التكوين القبلي وليس المجتمع المدني، كما أنهم أحاديو الفكر، عصبيو المزاج يستبيحون دماء مخالفيهم، وليست في ثقافتهم مسألة قبول الآخر، فضلاً عن مواقفهم السلبية حيال كثير من الفنون والآداب".
***
هذا هو أحمد لطفي السيد.. حبيب محمد حسنين هيكل.. وهذه هي عائلته غير الكريمة .. وهي عائلة تثير قدرا من الشبهات لا تمر ببساطة على عقل فذ مثل عقل محمد حسنين هيكل..
لقد كان اختيار محمد حسنين هيكل لأحمد لطفي السيد اختيارا مقصودا وهو يحمل رسائل مجهولة إلى جهات مختصة..
رسائل تقول : أفكارهم أفكاري ومبادئهم مبادئي و أنا ما زلت على العهد..
نعم.. اختيار أحمد لطفي السيد هو اختيار غريب وشاذ وناب ومقصود..
و إن كان يمثل اتجاها أصليا في الثورة كلها.. فقد كان أحمد لطفي السيد هو الذي وقع اختيار الضباط الأحرار عليه ليشغل مكان اللواء محمد نجيب كرئيس للجمهورية.. عبر واحد آخر من العائلة غير الكريمة وهو ابن أخته الشيوعي لطفي واكد ( من الضباط الأحرار). لكن لطفي السيد كان قد تجاوز الثمانين.. فنصحهم بأن يكون عبد الناصر هو رئيس الجمهورية..
الاختيار مقصود وشاذ في البداية والنهاية..
والثورة كلها امتداد لفكر الرجل الشاذ غير المؤمن.
***
نعم..
تطاول الأسى والسأم والملل طيلة الحلقات حتى كانت الحلقة الأخيرة – التاسعة- حين تحولت من الشعور بالسأم إلى الشعور بالغضب.. أقصى درجات الغضب..
وفي أجزاء كثيرة.. كنت أسأل نفسي والقلب يعتصر:
- لماذا دافعت عنه ذات يوم..
في مذكرات كرومر ارفع اسم كرومر وضع اسم روزفيلت أو مايلز كوبلاند.. وارفع اسم أحمد لطفي السيد وضع اسم جمال عبد الناصر أو محمد حسنين هيكل..
افعل ذلك.. يستقيم المعنى..
***
في البداية كنت أقول لنفسي: أنت كمن جاء ليسمع محاضرة عميقة في الطب آملا أن تحل بها مشكلة في ذاتك أو في أعز بنيك، محاضرة سيلقيها أشهر طبيب ونطاسي في مجاله على الإطلاق، ولكنك فور أن تكلم الرجل، أدركت على الفور، أنه ليس طبيبا على الإطلاق، وليت الضرر يقتصر على ذلك، على كونه ليس طبيبا و أنه يتكلم عن مرض آخر..
لا ..
فالأمر أفدح من ذلك..
إنه مصر على أن داءك ليس ما تعرفه و إنما ما يدعيه..
ثم أنك تذكر فجأة أن هذا الرجل نفسه، ليس طبيبا، و إنما دعى طب، وهو بذاته من قتل ابنك وفلذة كبدك منذ ما يقرب من أربعين عاما، وبالتحديد في ينيو 1967. و أنه حين قتله، قتله بعلاج خاطئ كان هو الذي صنعه بيديه.. ولم يكن هناك أيامها من يصنع الدواء سواه، لم يكن مسموحا بذلك، بل إن من كان يحاول، كان يُعاقب بالموت.
يا هيكل يا مسئول..
لم يعد فينا سوى ذبالة حياة فهل تنقذها أم يقضي عليها؟..
***
كنت أظن أن هيكل سيفعل مثلما فعل جان فالجان ليرفع الثقل الهائل وحده..
ولكنه ليس "جان فالجان" في بؤساء فكتور هوجو..
كان جان فالجان يسرق الأغنياء والكنائس ليعطي الفقراء منها فيسعدهم ..
" جان فالجان" المجرم القديم ذي القوة الخارقة يضحي بكل ما يملك .. بالحاضر والماضي والمستقبل كي ينقذ إنسانا.. مجرد إنسان..
أما هيكل.. فقد فعل العكس..
لقد دمر الأغنياء والمساجد والفقراء جميعا..
وما زال يفعل بعد أن انتهت الحكاية.. ليسقط في أسوأ ما يمكن أن يقع فيه مواطن من أمة في محنة.. أن يسعى إلى خلاصه الشخصي وبراءته الذاتية من الاتهام.. حتى و إن كان بريئا.. فما بالك إن كان متهما.. وما بالك أكثر إذا كان المتهم الأول.
إن هيكل على عكس "جان فالجان" يضحي بالماضي والحاضر والمستقبل.. ويضحي بالصدق، لمجرد أن يثبت – بالباطل- أن جمال عبد الناصر – وبالتالي هو- لم يخطئ..
لقد سنحت الفرصة لهيكل لكي يكفر عن ذنوبه لكنه أبى.. ولنلاحظ أن جرم هيكل أكبر حتى من جرم الفاعل.. لأنه يحمل جرم الفاعل وجرم منع الإنقاذ.. فهو شريك رئيسي في الفعل.. وهو في نفس الوقت شريك رئيسي في الشروع في قتل المعنى الذي كان يمكن أن يخرجنا الآن من الورطة المميتة التي نغرق فيها.. والتي كان هيكل دون سواه، من قادنا إليها، بعد أن اجتهد في قتل الدليل الذي كان يمكن – بل كان بالتأكيد- سيقودنا إلى طريق آخر.
هذا الشخص.. أو على الأحرى المعنى ..
اسمه الإسلام..
لكن هيكل كعبد الناصر كانا يحملان شعارا يقول:
" إسلام لا.. مسلمون فقراء نعم.."
وهو يقصد أنه مستعد لتقوية الثاني أما الأول فلا..
وليس عندي شك في الأصول الصهيونية والبروتستانتية لهذا الشعار
***
لا يحدثنني أحد عن التكفير فالرجل لم يتوان أبدا عن إبداء رأيه ولا عن ازدراءه للإسلام بل ومحوه.. وهذا باب في الفقه لابد أن يواكب المخاطر التي تواجهنا.. ليس بالتطوير أو التجديد.. بل بتفعيل نصوص فقهية موجودة فعلا.
ثم أن الاتهام بالكفر أيام كان لنا أمة ودولة ومجتمع وجيش كان بمثابة إعدام مدني وربما جسدي.. أما الآن فالاتهام بالكفر جالب للمنافع وواق من المخاطر..
ثم أننا لا نهزل..
ولا يسألنني أحد عن جمال عبد الناصر..
ذلك أنني أدرك بعد نصف قرن أن جمال عبد الناصر كان بطلا في رواية ألفها هيكل.. أو أُلّفت لهما معا..
و أقول صادقا أنني لا أقلل ولا أمتهن بهذا الأول ولا أضخم من الثاني.. لكنني أقوله لأسباب عديدة منها أنني أعتبر هيكل مسئولا عن كل ما فعله عبد الناصر.. لأنه كان يستطيع أن يستقيل على الأقل..
نعم..
العلاقة بين هيكل وعبد الناصر ليست إلا كالعلاقة بين نجيب محفوظ وعمر الحمزاوي..
كما أن هيكل نفسه ليس سوى ثلاثية، كان جزؤها الأول: صحيفة الأهرام، وجزؤها الثاني صحف الدنيا ودور نشرها، أما الجزء الثالث فهو الذي يجري الآن أمامنا.. جزء الجزيرة.. و أخشى أن يكون أكثر الأجزاء خطورة.. لأنني أخشى أن يكون تكريسا للفكر الذي أدى بنا إلى هزائم الماضي، كي نكرره فنكرر الهزائم.
يا إلهي..
هل يملك الجرأة على محاولة إقناعنا أن الفكر الذي قادنا إلى هزيمة 67 كان فكرا صحيحا..
***
نعم..
جاشت مشاعري حين رأيت أشهر فضائية عربية تأتي لنا بأشهر صحافي عربي ليتحدث عن مشكلتنا.. ومشكلتنا في جوهرها مشكلة إسلامية.. لكن الذي جاء ليس غير متخصص فقط في المرض الذي تعاني الأمة من نقصه.. بل هو أصلا يستنكر وجود بقاياه.
نعم يستنكر الإسلام كمنهج..
وطريق..
وخلاص..
بينما نحن لا نعترف بسواه..
نعم..
هيكل يتحدث – كما كتبت منذ أعوام- مثل لورد إنجليزي أو خواجة " أمريكاني"..
ومشكلتنا كلها إسلامية..
تخيل أن تأتي بحاخام ليعلمك الصلاة أو بلحاد ليمرضك..
و أنا لا أقصد الإساءة لهيكل..
والله الذي لا إله إلا هو لا أقصد الإساءة إليه..
ولكم وددت أن يخرج علينا في حلقة واحدة ليصارحنا في نبل وحزن أنه آن الأوان ليعترف لنا أنه كان معولا من أهم المعاول التي أدت إلى الكارثة.. و أن القومية التي جاء بها بديلا عن الإسلام كانت – بلهجة شمس بدران بعد هزيمة 67: " أما إحنا أكلنا حتة مقلب"!!.. و أن يصارحنا أنه لم يدرس الأمر ليكتشف أيامها أن القومية كانت إفرازا غربيا وكانت مفيدة للغرب حين جمعت المقاطعات والأعراق وجعلت منها دولا، أما عندنا فقد فرقت وهدمت دولة قائمة بالفعل.. وأن القومية، وصفته السحرية، قد جاءت بنتائج عكسية، فوحدت أشتات قبائل تفرقت في أصقاع العالم منذ أربعة آلاف عام.. بينما – في نفس الوقت – شرذمت أمة كانت من القوى العظمى حتى عام 1924.
لكم وددت أن يخرج علينا نبيلا حزينا ليملأ آلاف الأماكن الخالية التي لا يستطيع أن يملأها لنا سواه..
يملأ مكانا – على سبيل المثال – يملأه ضباط المخابرات الأمريكية مثل كوبلاند وليكلاند بالحديث عنه وعن ثورة يوليو..
و لكم وددت أن يخرج علينا نبيلا حزينا ليعترف: نحن لسنا خونة.. ولا عملاء للـ:CIA ولكنني أعترف بعلاقتنا مع المخابرات الأمريكية، علاقة لا عمالة، بدأنا ذلك قبل الثورة لحماية الثورة، لم يكن ذلك للبحث عن مغنم، وكنا بلا خبرة، وظننا أن الفهلوة المصرية كفيلة بتجنيبنا دأب الجهد وجهد الجهاد في كواليس السياسة.. ثم أغوتنا السلطة.. وتمت المقايضة بيننا وبين المخابرات الأمريكية.. بين كيرميت روزفيلت ومايلز كوبلاند وبين الضباط الأحرار بزعامة عبد الناصر وكنت أنا الواسطة.. و أعلم كل شئ.. لذلك دعوني أعترف به.. كان لأمريكا مطالب ثلاثة:
1. لا للإسلام..
2. لا للشيوعية.
3. لا لتهديد أمن إسرائيل
وكانت هناك نصائح مثل التخلي عن السودان.
وقد كانت مطالبنا:
1. منع بريطانيا من مواجهة الانقلاب عسكريا.
2. التمكين لمجموعة عبد الناصر دون الآخرين من الحكم ( باقي كتل الجيش- الإخوان- الوفد).
3. السماح لنا بتصنيع بلادنا..
كانت القسمة عادلة..
ووافقنا..
موافقة ند لند لا عميل لمخابرات..
وكانوا أكثر من مخلصين.. ولولا نصائحهم الرائعة ما سارت الأمور أبدا على ما سارت عليه.. هم الذين وضعوا سيناريو تحطيم فؤاد سراج الدين ومحمد نجيب، كانوا في غاية الكرم والتفهم فلم يعترضوا على المجازر التي سميناها زورا محاكم كمحاكم الشعب أو الثورة أو الغدر.. ولم يعلقوا ولا هم سلطوا علينا أجهزة إعلامهم لتفضحنا.
***
ووددت أن يواصل هيكل:
كنا كفرسي رهان و أعطينا لهم قدر ما أخذنا منهم.. حتى كانت لحظة التحول بعد حادث المنشية.. كانوا هم الذين وضعوا السيناريو.. ولقد تم التنفيذ منا بأخطاء قاتلة كادت تفضح الأمر كله.. لكنهم تستروا علينا وتم القضاء على العمود الفقري للإسلام..
لقد جال بخاطري حينها أننا دمرنا السلاح الوحيد الذي يمكن أن نستعمله في مواجهتهم ذات يوم إذا ما قلبوا لنا ظهر المجن..
لكنني كنت أدرك أننا قد قطعنا كل صلة بيننا وبين الإخوان المسلمين..
أعترف .. أننا نفضل الأمريكيين بل والصليبيين على الإخوان المسلمين..
إنهم أشد عداوة و أعظم خطرا....
***
كنا أندادا..
أو كنا نظن ذلك..
إلى أن فوجئنا بأن الأمريكان يعاملوننا كعملاء لا كأنداد..
كانوا كشخص سوقي ظل ردحا طويلا من الزمن يغوي فتاة حتى أفقدها أعز ما تملك.. وظنت التعيسة هي أنها سترتفع من مستوى الصديقة إلى مستوى الحليفة.. لكننا فوجئنا بالعكس.. كان السوقي يريد أن يعاملنا كبغي..
رفضنا..
غضبنا.. وقاومنا.. فسحقونا..
أعترف..
قتلنا عبد القادر عودة و إخوته ظلما وغيلة..
قتلنا سيد قطب .. أعظم مفكر في القرن العشرين ظلما و إجراما وغيلة..
حتى بريطانيا في سبعين عاما من الاحتلال لم ترتكب ما ارتكبناه من جرائم..
ولقد فوجئنا بعد بداياتنا مع المخابرات الأمريكية أننا وقعنا في فخ.. ذلك أننا نسير في طريق ذي اتجاه واحد غير مسموح فيه بالرجوع..
وظللنا نسير حتى سقطنا في الهاوية..
***
كنت أتصور أن يقول محمد حسنين هيكل ذلك وأن يفسر لنا ما غمض و أن يكشف لنا ما استتر كي لا نقع في هذه الكارثة مرة أخرى..
***
كنت أتمنى أن يملأ هيكل مكانا خاليا لم يسده بالرد على ما أثاره جلال كشك بالحديث عن ثورة يوليو الأمريكية..
وأن يملأ مكانا خاليا واجهه فيه الرئيس السوفيتي السابق خروشوف..
و أن يحكي لنا حقيقة العلاقات المتشابكة التي أحاطت بالثورة..(فهل يتناسب مع فخامة ألفاظه في الحديث عن العصر الإمبراطوري أن أمريكا لم تعرف بثورة يوليو إلا بعد أن حدثت)..
إن جلال كشك وكوبلاند وليكلاند و آخرين عديدين يقولون عن ثورة يوليو كلها أنها عملية أمريكية.. وكنا نود أن نسمع رأي هيكل.. رأي الحق لا رأي الكذب.. رد التوبة لا رد التستر..
كنت أتمنى أن يعترف على سبيل المثال : حتى في هذه المرة فقد أتيت لكم بطلب أمريكي، كان المطلوب أن أتحدث عن السودان ودارفور بهذه الطريقة التي تحدثت بها تمهيدا للناس.. نعم.. تمهيدا لهم لما سيفاجئون به عما قليل من هبوط القوات الأمريكية هناك.. فإذا كنت أنا أعرف أنه لا مناص من التفكك منذ خمسين عاما فلم تغضبون إذن ولم تفاجئون؟!..
وكنت أتمنى أن يعترف: عندما تكلمت عن العراق كنت أقصد استلال الغضب من قلوب الناس.. فالقتل قتل عارض لا قتل عمدي..
وكنت أتمني أن يعترف: لقد حكيت لكم طويلا عن فوزي بجائزة فاروق الأول ثلاثة أعوام متوالية قبل الثورة..
وكنت أعد هذا دليلا على نبوغي وتفوقي دون الحاجة إلى جمال عبد الناصر..
والآن دعوني أعترف.. لم يكن الأمر كذلك .. بل كانت الـ CIA تعرف أي مستقبل باهر ينتظرني فدفعتني إلى الصدارة.. ليس دفعا لعميل.. أنتم لا تفهمون.. هذه أمور بالغة التعقيد.. فلا أنا عميل ولا حتى مصطفى أمين كان جاسوسا.. وكيف يكون .. وكيف أكون ووضعنا الاجتماعي والسياسي هو الوضع الثاني بعد الحاكم.. وضع يفوق وضع رئيس الوزراء.. فلماذا نكون جواسيس إذن.. ولا السادات أيضا ولا التهامي ولا على صبري .. ولا..ولا..ولا..
وكنت أتمني أن يقول:
لا.. لسنا عملاء ولا جواسيس.. باختصار شديد نحن نؤمن بهم ونكفر بكم.. نحترمهم ونزدريكم.. ونحن نرى مثلما يرون الإسلام أكبر خطر على البشرية ولابد من مواجهته مهما كانت النتائج.. فالأمر أخطر مما تظنون.. الإسلام مطلق.. وما حوله كله نسبي.. فلو تركنا الأمر على ما هو عليه لالتهم المطلق النسبي.. من هنا تأتي خطورة الإسلام.. المطلق.. هو العدو الأول.. وغير مسموح بوجوده..
لقد كنا نحمل كل الخير للوطن.. كنا نأمل القضاء على الإخوان المسلمين بسرعة (كممثل للإسلام و إن اختلفت طوائفه) كي نتفرغ لبناء الوطن.. لكن كل شئ ضاع وانهار وتبدد..
نعم.. كنا نريد أن نقصر قضية الإسلام على قضية فقراء يحتاجون الصدقة..
وكنا نريد أن نختزل قضية فلسطين إلى قضية لاجئين يحتاجون المأوى..
كنا نريد ذلك كي نتفرغ لبناء الوطن.. لكننا –لا أدري كيف- حطمنا الوطن ودمرناه.. وها أنذا هنا اليوم كي أشرح لكم كيف حدث ذلك..كي تتجنبوه.. ولا تقعوا فيه مرة أخرى..
إلا أنني غير واثق من استطاعتي قول الحق..فالحق نفسه نسبي والحقيقة كذلك..
وهذا بالذات ما جعلني أحتفظ بعلاقتي بهم في الخارج حتى الآن....
نعم .. أعترف..
نحن ننتمي إليهم لا إليكم..
نحن منهم لا منكم..
ملحوظة - أرجو أن يلحظ القارئ أنني في هذا الجزء أتقمص شخصية هيكل و أتحدث على لسانه – إنني أدرك أن الغالبية الكبرى من القراء سيدرك ذلك دون تنبيه، لكننى أنبه من قد يلتبس عليه الأمر، أنني أتصور أن هذا رأي هيكل، وهو مرفوض بالطبع.

***
كنت أود ذلك كله..
لكن أيا منه لم يحدث ..
بل كان هيكل يبدو مزهوا بذكائه وموسوعيته حتى أنني قلت لنفسي: لشد ما خسرت أوروبا و أمريكا.. وربما اليابان أو حتى الهند ..خسروا لأن هيكل ليس أوروبيا أو أمريكيا أو يابانيا أو حتى هنديا.. فلو أنه كان كذلك لأفادهم.. أما بالنسبة لنا فليس للرجل قيمة.. بل إنه ضار.. لأنه ينصحنا بإعادة تناول نفس الدواء القاتل.. والذي كان هو بنفسه من أعطاه لنا في المرة الأولي.
بل إننا نحن أيضا خسرنا لأنه لم يكن من أي بلد من تلك البلاد..
***
في الحلقة الأخيرة كنت أرقب الرجل في غضب هائل وحزن كظيم..
وكنت أتذكر كتاب سعد زهران المسمى:" الأوردي: مذكرات سجين" الصادر حديثا عن المركز الثقافي العربي (بيروت- الدار البيضاء2004) ويستعرض في بعض صفحاته نماذج التعذيب المروعة في سجون عبد الناصر التي لم يعتذر هيكل عما جرى فيها على الرغم من كونه مسئولا ..
ولقد روى الكاتب واقعة حدثت في نهاية الخمسينيات أو بداية الستينيات.. واقعة حقيقية بطلها الشاويش أمين تومرجي الأوردى، كان الشاويش يعمل في أحد السجون العمومية، وذات ليلة اشتد المرض بأحد المسجونين فحضر الطبيب فوجده قد فارق الحياة فكتب محضرا بذلك، وترك للشاويش أن يقوم بتشريح الجثة..
و في اليوم التالي .. وصل الشاويش أمين إلى السجن في الصباح ليجد جثة السجين المتوفى تنتظر التشريح. ولكن، يا للعجب، حين ضرب الشاويش أمين المشرط في بطن المتوفى، بدأت الجثة تتحرك ".. أدرك الشاويش بسرعة أن طبيب السجن أخطأ في تشخيص الحالة. لم يكن السجين قد توفى وإنما كان في حالة غيبوبة شديدة بسبب المرض، فلما ضرب المشرط أحشائه حركة الألم.
و لم يتردد الشاويش أمين لحظة، اتجهت يداه المهولتان بسرعة نحو عنق السجين وكتـم أنفاسه حتى أجهز عليه هو يصيح بانفعال شديد:
- ارقد يا ابن الكب! ارقد: الدكتور كتب في الأوراق الرسمية أنك مت.. موت يا ابن الكلب حا تعمل مشكلة للدكتور. موت. ! موت "..
حدث هذا على مرأى ومسمع من اثنين من المسجونين العاديين ممن يعملون نوبتجية في مرافق السجن " (صفحة 161)..
انتهت القصة الفاجعة في كتاب سعد زهران..
وتجسدت الصور أمامي حتى كدت أراها..
كان محمد حسنين هيكل هو الطبيب وهو الشاويش أمين في نفس الوقت..
وكان المريض هو الأمة..
وكان الطبيب هو الذي أخطأ التشخيص طيلة خمسين عاما.. لكنه لم يجرؤ على مواجهة الخطأ.. فبادر عبر قناة الجزيرة بالإجهاز عليه..
موت..
موت..
لقد أوفت أمريكا بتعهداتها.. فما زال مبارك في السلطة.. وليس مبارك سوى امتداد لعبد الناصر.. ونحن يجب أن نوفي بتعهداتنا التي لم يبق متاحا لنا منها سوى:
- لا للإسلام..
فقد انتهت الشيوعية ولم يعد لنا أي سبيل إلى إسرائيل بعد أن انقلب الوضع..
لم يعد من مهامنا إلا:
- لا للإسلام..
و لقد سلطنا كل وسائل القهر والتزوير والتشهير والسحق والقتل ضد الإسلام والمسلمين طيلة خمسين عاما.. أتريدهم أن يكتشفوا الآن أن الإسلام ما يزال حيا..
موت..
موت..
موت..
***
فهل أدركتم الآن يا قراء لماذا لم يتناول هيكل الإسلام أبدا طيلة الحلقات على قناة الجزيرة؟!.

***
***
***

مراجع الدراسة:

سيار الجميل- تفكيك هيكل- مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل- الأهلية للنشر والتوزيع- عمان – بالاشتراك مع: الزمان- لندن- ط1 .

- دار الصحوة- حلوان. - في نظرية التطور: هل تعرضت لغسيل الدماغ- بروفيسور دوان ت. كيتش
- قصة الحلقة المفقودة- إليانور كلايمر- ترجمة د محمد رشاد الطوبي- مكتبة الأنجلو المصرية
هيكل.. الحرب والحب- عادل حمودة- صحيفة البيان- 10-10-2000
يؤخذ على عادل حمودة الكذب في روايته، و إنما نستعرضها استعراضا للأدلة، فأول من قال بأمريكية الثورة هم الوفديون والشيوعيون والإخوان، فإذا كان يقصد كتاب مايلز كوبلاند لعبة الأمم، فالكتاب نشر وعبد الناصر موجود كما يذكر عادل حمودة في نفس المقال بعد قليل
د. فؤاد زكريا، فؤاد، كم عمر الغضب؟، هيكل وأزمة العقل العربي، دار القاهرة
م س
لجلال كشك عدة كتب عن ثورة 23يوليو منها الكتاب المشار إليه، وكلمتي للمغفلين، كما أن في كتبه الأخرى إشارات مستفسضة إلى الموضوع نفسه : على سبيل المثال: الناصريون قادمون، والحوار أو خراب الديار
ثورة يوليو الأمريكية- م س.
- برنامج شاهد على العصر- قناة الجزيرة- أحمد منصور: الإثنين 8/9/1421هـ الموافق 4/12/2000م.
أربعون عاما من الهزيمة- ثورة يوليو الأمريكية- علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية- المكتبة الثقافية- القاهرة- ط3
محمد جلال كشك- الغزو الفكري- المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزيع
ناصر الدين النشاشيبي- حضرات الزملاء المحترمين- استحلوا الكرامة والأعراض والأموال والأسرار- دار أخبار البلد- القدس.
مذكرات محمد نجيب - كنت رئيسا لمصر- المكتب المصري الحديث.
عصر ورجال- فتحي رضوان- الهيئة العامة لقصور الثقافة
- العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة- الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي.
- مفكرة الإسلام- موقع محيط- الشبكة العنكبوتية.