الدكتور الغتيت يقتل هيكل(1/2)
 

 

د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com
 الضربة الهائلة التي وجهها الفقيه القانوني الدولي الأستاذ الدكتور على الغتيت إلى محمد حسنين هيكل وقناة الجزيرة أصابتني أنا بالدوار فهل شعرا بها؟!
لقد قتل الدكتور الغتيت محمد حسنين هيكل.. وفجر قناة الجزيرة..
ولقد نقل موقع صوت المقاومة للأستاذ صلاح بديوي ما نشرته صحيفة المسائية عن تصريحات خطيرة للدكتور على الغتيت، وهو من كبار أساطين القانون و حجة عالمية في القانون الدولي وعضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين، وهو قيمة وطنية كبرى وعقل منهجي جبار، عزوف عن الشهرة بعيد عن الأضواء إلا إذا اضطر مثلما حدث عندما كان هو المحامي العربي الوحيد الذي تطوع للدفاع عن الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي.
إن النص من الخطورة بحيث لا يجدي اختصاره أو الاستشهاد بفقرات منه..
إنه حكم بالإعدام لابد من قراءته كله.. ذلك أن القارئ هو المكلف بتنفيذ حكم الإعدام!!
قال الدكتور على الغتيت بالنص:
" فوجئت وغيري كثيرون بما أعلنه الأستاذ محمد حسنين هيكل في قناة «الجزيرة» طيلة فبراير الماضي عن أن مصر أممت شركة قناة السويس فقط، أما المرفق نفسه فيخضع لاتفاقية القسطنطينية، وهو كلام بالغ الخطورة لأنه يمس السيادة المصرية في الصميم، فالمرفق متواجد في ثلاث محافظات مصرية وهذا الكلام مضمونه الإلغاء العملي لتأميم قناة السويس، كحق مصري أصيل، خاصة وأن خطورة هذا الكلام تتزايد عندما نعلم أن هناك مؤامرة دولية تجري الآن في الظلام، وتستهدف قناة السويس كهدف استعماري أصيل وكجزء من الحملة التي تستهدف استعادة النفوذ الاستعماري القديم في المستعمرات السابقة ويكفي أن نعلم أنه تم تكوين شركة في باريس من أحفاد فرديناند دي ليسبس تستهدف استعادة قناة السويس من المصريين أصحاب القناة والبلد والمؤسف أن لهذه الشركة وكلاء مصريين في القاهرة يعملون لحسابها علنا، ويؤسفني أن أقول أن ما ادعاه الأستاذ هيكل في قناة «الجزيرة» عار من الصحة ويفتح الطريق لعودة قناة السويس للأجانب، وللعلم فقد أثارني ما أعلنه هيكل علي مدار أربع حلقات في الجزيرة طيلة فبراير من تشكيك في أحقية مصر في قناة السويس ودفعني ذلك إلي إرسال خطاب رسمي إلي وضاح خنفر مدير عام قناة الجزيرة بتاريخ 12 مارس 2008، وأطالبه بعرض الرأي الآخر وإتاحة الفرصة لي للرد تليفزيونيا علي هيكل من نفس المنبر، خاصة وأن كلام هيكل شكل تشويشاً خطيراً علي السيادة المصرية علي قناة السويس وطالبت قناة الجزيرة بإتاحة الفرصة لي لتوضيح الوضع القانوني الصحيح لقناة السويس بعد تشويش هيكل، لكن لم أتلق رداً من قناة «الجزيرة» مما دفعني لإرسال خطاب آخر إلي وضاح خنفر أيضاً بتاريخ 27 مارس الماضي أطالبه للمرة الثانية بإتاحة الفرصة للرد علي مزاعم هيكل دون فائدة، مما جعلني أتيقن من أن «الجزيرة» تلعب دوراً في مخطط التشويه والتشويش علي مصر في قضية قناة السويس، خاصة وأنه تشويش يفتقر للحقائق القانونية الدولية المحسوم جوهرها وشكلها منذ أكثر من 120 عاماً. ورغم ذلك رفضت الجزيرة إتاحة الفرصة للدفاع المصري، ومن جانبي أرسلت خطاباً شخصياً إلي الأستاذ محمد حسنين هيكل بتاريخ 18 فبراير 2008 أكدت فيه حق مصر التاريخي والقانوني في قناة السويس شركة ومرفق وأن اتفاقية القسطنطينية لا تتضمن سوي ضمان مصر لحرية الملاحة لأي دولة في قناة السويس؛ طالما أن هذه الدولة ليست في حالة حرب مع مصر؛ أما خلاف ذلك فليس هناك أي التزامات علي مصر ومما يؤسفني أن مزاعم الأستاذ هيكل تأتي في وقت تتعاظم فيه مؤامرات دولية مهددة لمصر ومشروعات صهيونية بحرية مهددة لمصر في قناة السويس وسيناء وبأحداث وشيكة في لبنان وفلسطين وسوريا؛ فضلاً عن أن هذا الكلام يعد استدعاء غريباً لمعركة استعمارية بين انجلترا والدول الاستعمارية ألمانيا وفرنسا وروسيا والنمسا بعد الاحتلال البريطاني لمصر مباشرة خلال الفترة من 1882 إلي 1888 عموماً المعركة مستمرة ولن نسمح بتنفيذ مخططات شركة أحفاد ديليسبس."
***
الدكتور على الغتيت من أبرز الشخصيات الحيادية المتوازنة ذات الثقل الدولي في العالم العربي، وقد قدمته قناة الجزيرة في حلقات عديدة خاصة مع المذيع المشهور أحمد منصور، الذي وصفه في إحدي حلقات برنامجه:"أكثر من رأي" بما يلي:
الدكتور على الغتيت عضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين، وُلد في القاهرة عام 1940، حصل على ليسانس الحقوق عام 1961 في جامعة القاهرة وعلى الماجستير في القانون في الجامعة وفي عام 1974 حصل على الدكتوراه في جامعة بريكلي في الولايات المتحدة الأميركية عام 1972، ثم عمل أستاذا مشاركا بها مع كبار أستاذة القانون لعلم الفلسفة الدستورية والمضمون الجوهري لقوانين المقارنة والمنازعات، متخصص في القانون الاقتصادي الدولي والمقارن وعضو بمجلس التحكيم الدولي ويعمل أستاذا لعلم الاقتصاد المقارَن والقانون الدولي الخاص بكلية الحقوق جامعة القاهرة ومعهد قانون الأعمال الدولي في جامعة السوربون في باريس، عضو بالمجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين وعضو بمجلس إدارة المفوضية الدولية للمحاكمين في باريس، نائب رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي، رئيس مشارك لتحرير مجلة التحكيم الدولي التي تصدر ربع سنويا في كلٍ من ميلان والقاهرة، عضو نقابة المحامين بمدينة نيويورك الأميركية والمعهد البريطاني للقانون المقارن والقانون الدولي بمدينة لندن، عضو في المعهد الدولي لقانون الأعمال الدولي بباريس وعضو بجمعية القانون الدولي الأميركية وعضو سابق بلجنة تمثيل الدول العربية للجمعية الدولية للأعمال في لندن والممثل الإقليمي للمجموعة العربية بقسم القانون الدولي بالنقابة الدولية للمحامين، مستشار قانوني للجمعية العربية لمكافحة التمييز وعضو في اللجنة القانونية العليا للتحكيم الاقتصادي الدولي وعضو بمجلس إدارة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم الدولي وعضو في مجلس إدارة الجمعية الدولية للمرافعين أمام القضاء الدولي منذ العام 1980، ترافع في كثير من القضايا الدولية المعروفة ولعل أبرز مرافعاته كانت فيما يتعلق بالدفاع عن المفكر البارز روجيه غارودي في باريس، يجيد العربية والإنجليزية والفرنسية.
***
لماذا لم تستجب قناة الجزيرة لرجاء هذا العالم الكبير بتصحيح الخطأ.. ولماذا لم يستجب هيكل؟!
الإجابة عن السؤال تفضح الأمر كله..
***
لقد انتهي كلام الدكتور على الغتيت.. وانتهى معه ما ربطني طيلة نصف قرن بهيكل.. وكان ما ربطني به هو الاحترام والاختلاف والاعتراف بأستاذيته في الصحافة.. وظني أنه لا يكذب وإن كان يخفي كثيرا من الحقائق.. وكنت مدركا أن ذلك يكون أحيانا كثيرة أسوأ من الكذب الصريح..
صحيح أن هذه العلاقة ظلت في تدهور مستمر حتى مات هيكل في قلبي وفي عقلي منذ أعوام.. ولم تفاجئني مقالة الدكتور علي الغتيت إلا في المدى الذي يمكن أن يكون هيكل قد وصل إليه..
وبرغم الموت.. فإن لعملية الدفن أحزانها.. ولقد كانت مقالة الدكتور الغتيت تصريحا بالدفن..
الآن ينتهي هذا كله..
أحسست بألم في قلبي..
وأحسست بنار في قلمي!..
غالبت رغبة عنيفة في البكاء..
وشعرت بحاجة دونها الموت للعزاء..
وانهارت أمام ناظري الأشياء..
بكى عقلي وبكي عمري وبكت الأيام والشهور والسنين..
بكت آلاف الصفحات التي صدقته فيها..
بكت الأرصفة التي وقفت عليها باحثا عن كتبه المصادرة المهربة..
بكت ذكريات الأصدقاء الذين دافعت أمامهم عن هيكل..
بكى احتجاجي على جلال كشك الذي كذبته وصدقت هيكل فانطبق على الزمان وعلى شخصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزمان يأتي يُكذب فيه الصادق ويُصدق الكذاب.
بكت دهشتي على اتهام مصطفى أمين بالجاسوسية..
وبكت أكثر دهشتي على اتهام أشرف مروان..
بكت الحروف والألم والسهر والانفعال والدهشة ..
بكى التحليل والمنطق والفلسفة..
بكى الاقتناع..
بكى السراب الذي حسبته ذات يوم يقينا.
بكى الفؤاد الفجيعة وبكى المنطق الخديعة..
بكى التاريخ..
بكت حتى الدموع..
الآن تستقر النقاط على الحروف ويستقر الجمر في القلب ويتأجج..
الآن أنظر إلى رف كتبه في مكتبتي.. وكان رغم الاختلاف الشديد في الرؤى من أكثر أجزاء مكتبتي أهمية..
الآن أنظر له فتغرورق عيناي بالدموع..
يــــــــا للخديعة..
يــــــا للخيانة..
رحت أنظر إلى كتبه نظرة أب – في نهاية عمره- إلى أبنائه الذين كشف له اختبار الحمض النووي "الدي إن إيه" أنهم ليسوا أبناءه..
ولم يكن الحزن والألم لمحض الخديعة والخيانة..
بل كانت المعضلة تعود كألم لم يبرح أبدا رغم أنه يظهر حينا ويختفي حينا آخر..
تلك المعضلة التي تنغرس في القلب كسكين:
- إذا كان ما تيقنا ذات يوم أنه عين الصواب هو بذاته عين الخطأ.. فكيف نأمن على أنفسنا اليوم وغدا.. وكيف نحصن أنفسنا.. كيف نأمن وقد بلغنا الزمن الذي أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم.. الزمن الذي يصبح فيه المرء مؤمنا ويمسي كافرا..
رحت ألوك مرارة الألم مرددا لنفسي:
على أي حال لقد كان الدكتور على الغتيت هو اختبار الحمض النووي"الدي إن إيه" الذي أثبت لنا أن هيكل ليس منا..
***

لماذا لم تستجب قناة الجزيرة لرجاء هذا العالم الكبير بتصحيح الخطأ.. ولماذا لم يستجب هيكل؟!
الإجابة عن السؤال تفضح الأمر كله..
وهي إجابة أحاول الوصول إليها طيلة الأعوام الأخيرة وكتبت فيها بالفعل مقالات عديدة..
***


يا هيكل: من اَلْمَسْئُول؟ من؟ من؟ !

فليس فى مـصر اليوم حر وليس في ... دارها امرؤ بالحق والعقل يحكم
وهاهي أقدار الرجــــال تدهورت ... فويل لمن يســـتاء أو يتبرم
وقد ألغيت فيها العـقول فكل من ... يشير إلى جـرم العساكر مجرم

نكسة هيكل على قناة الجزيرة


هل يمكن إذا ما جاء أحد بالقرآن مرقوما على جهاز الكمبيوتر فحذف منه كل آيات التوحيد وكل الكلمات التي تشير إلى الله سبحانه وتعالى.. إذا ما فعل هذا الرجل – شلت يمينه – ذلك فهل يكون الباقي قرآنا؟!
و إذا ما جئنا بكتب السيرة فحذفنا منها كل ما يشير إلى قصص الأنبياء أو اسم الرسول صلى الله عليه وسلم.. فهل تبقي بعد ذلك سيرة..؟ و أن نتناولها بالنقد والتمحيص وبالجرح والتعديل على أنها السنة والسيرة؟!..
ولو جئنا بدول العالم لنحاسب أكثرها إجراما.. ووضعنا استثناء أن يتم الاختيار من جميع الدول ما عدا أمريكا وبريطانيا و إسرائيل.. فهل هناك ثمة عبث أسخف من هذا..؟
ولو جئت في أي بلد من بلاد عالمنا العربي وقلت للناس: بدأنا عصر الطهارة والأكفان التي لا جيوب لها.. أمسكوا كل اللصوص.. ما عدا أبناء الحاكم و زوجته وأشقائه فهل ثمة عهر أكبر؟!
لو جئنا في مصر على سبيل المثال لتقول للناس افعلوا ما شئتم لضمان نزاهة الانتخابات لكن وزارة الداخلية خط أحمر.. أو أن تقول لهم فتشوا كل مكان في البلاد لكشف الجلادين المجرمين الذين يقومون بتعذيب الناس الذي تتوهمونه أو تزعمونه.. فتشوا كل مكان إلا مقار أمن الدولة و غرف المباحث في أقسام الشرطة..
لو أنك فعلت أي شئ من هذه الأشياء فهل يمكن أن نتخذ فعلك بأي درجة من الجدية؟!
أم أنه يكون منذ اللحظة الأولي عبث وباطل لا يجدر بمن يحترم نفسه وعقله التوقف عنده.
***
المعني واضح..
ففي كل هذه الأمثلة كان الخطأ يقصد لذاته والصواب يُتجنب من أجل ذاته..
و أخشى أن يكون هذا هو ما يفعله محمد حسنين هيكل مساء كل يوم خميس على قناة الجزيرة والذي تناول القضية ( هل يحتاج القارئ لأي تعريف؟.. وهل هناك من سيتساءل: أي قضية؟) دون أن يظهر الإسلام فيها رغم أنه هو المبتدأ والخبر والبداية والنهاية..
إن الإسلام هو القضية..
ولا قضية خارج الإسلام..
ولست أقصد بذلك مجرد الزخم الوجداني والتأثير العاطفي للإسلام.. و إنما أقصد أن الإسلام هو منبع القيم ومبعث الأخلاق. مما يعني أن الإسلام هو ما يجعل الظلم رذيلة والقتل كبيرة والسرقة ذنبا.. بدون الإسلام تسقط القيم جميعا..
نعم.. تسقط القيم جميعا..
وبدون الإسلام تصبح العبودية لأمريكا ( قد ننال فيها الفتات) خيرا من العبودية لحكام لا ننال معهم إلا السجن والقهر والموت..
أتذكر أحمد.. ذلك الشاب من العريش.. والذي قال لي أنه جرب تعامل الموساد وتعامل مباحث أمن الدولة في مصر.. و أنه لولا الإسلام لاختار الموساد.
أتذكر أيضا الحلقة الثامنة لهيكل، عندما قال أن الأمريكيين المجرمين، عندما كانوا يحتاجون إلى درجات من التعذيب للمعتقلين يخشون من مواجهة عواقبها أمام شعوبهم، عندما كان يحدث ذلك، كانوا يرسلون هؤلاء المعتقلين ، إلى أجهزة أشد إجراما، بل أشد كفرا، في أربع عواصم عربية، القاهرة وعمان ودمشق والرباط، حيث وصلت تكنولوجيا التعذيب في هذه العواصم إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ.
نعم..
خارج الإسلام لا توجد قضية..
وخارج الإسلام فإن مأمون فندي وفريدمان وحتى مايلز كوبلاند أفضل من هيكل!!..
***
وبادي ذي بدء، فإنني أقولها للعلمانيين العرب، بمنتهى المرارة والألم والاحتقار والازدراء، أنني عندما أقارنهم بالعلمانيين اليهود، أجد أن اليهود حتى بعد أن كفروا بالدين، و ألحدوا، إلا أنهم أخذوا كل محتوى دينهم المحرف، و أساطيرهم المختلقة، لا ليسخروا منها، ولا ليعلقوا لمن ما يزال يتبعها المشانق، أو يتهموهم بالإرهاب، بل أخذوا هذا المحتوى كله، وليس فيه شئ يمكن احترامه أو تقديره عقليا، ومع ذلك، فقد أخذوه بمنتهى الاحترام، وصبوه في وعاء القومية اليهودية، إدراكهم مدى قوة الدين كرابط ومكون للدولة..
علمانيونا الأشرار فعلوا العكس، هجروا ديننا الصحيح المحترم الذي يكاد يذهل العقل بما فيه من إعجاز وحكمة، وجعلوا منه سخرية وهزوا وتهمة. ونكلوا به وبأهله، ونصبوا لهم المشانق، رغم أن هؤلاء الأهل يشكلون الأغلبية الساحقة في المجتمع، ولم يكفوا عن الملاحقة والتشهير بالباطل أبدا، حتى أنني كنت أقول لنفسي دائما أنهم الوجه الآخر لحمزة البسيوني وصلاح نصر وصفوت الروبي و أحمد أنور وحسين عرفة، نعم، الوجه الآخر، و أن هؤلاء لم يكونوا بقادرين على القيام بعملهم لولا وجود أولئك، والعكس صحيح.
أفرغوا محتوى الإسلام كله وجعله مرمى تصويبهم، متجاهلين أنه كان الرابط والضام والضامن لاستمرار الدولة، ولطالما حذرناهم، ولم يستمعوا إلينا أبدا، حتى تحقق ما قلناه كله.
أفرغوا محتوى الإسلام ووضعوا مكانه محتوى غربيا فاجرا، لا محتوى العلم والاجتهاد وعلوم الطب والزراعة والصواريخ والفضاء والذرة، لا ، لم يأخذوا أيا من ذلك، إنما أخذوا الشذوذ والفجور والعهر، وراحوا يسومون الأمة العذاب كي تسير على ضلالهم وتؤمن بشياطينهم.
لم تكن لهم براجماتية العلمانيين اليهود. ولكن هؤلاء كانوا يبنون دولة، أما علمانيونا فكانوا يفككون دولة.. بل دولا..
ولو أن أساسهم النظري كان قويا لالتمست لهم العذر، ولو ظهر في القرآن- كما ظهر في التوراة على سبيل المثال- خرافات و أساطير مضحكة، و أباطيل يعرف تلميذ المدرسة الابتدائية زيفها، لالتمست لهم العذر، لكنهم لم يعتبروا حتى بالألوف الذين يعتنقون الإسلام في الغرب كل عام، وجلهم من صفوة المجتمع، ولا راجعوا أنفسهم، بل اندفع كل واحد منهم اندفاع كلب أجرب مسعور، يمزق بمخالبه و أنيابه أصحابه و أهله ودين قومه.
لا أجد أي سبيل لالتماس المعاذير لهم، وحتى على أرضية الفلسفة ، وما أشد بغضي لها – دون خصام- ، فإنهم إن كانوا يدعون أن العلم والفلسفة لا يعرفان دليلا يقينيا على وجود الله، دعونا الآن من أن ما يقولونه حماقة وباطل، ونقول لهم: فهل عندكم في العلم والفلسفة دليل يقيني على عدم وجوده ( تعالى الله.. لا إله إلا هو)..
هل لديكم دليل يقيني على عدم وجوده؟!..
فإن كنتم لا تملكون دليلا يقينيا على عدم وجوده، فلماذا مزقتم أمتكم وهدمتم دولتكم وفعلتم بأهلكم ما فعلتموه دون أي دليل علمي .
طرح اليهود الملاحدة الأمر هذا الطرح فلم ينقلبوا على أمتهم.
لكن ملاحدتنا لم يكتفوا بالانشقاق.. فبرغم أنهم قلة عددية لا تكاد تذكر، إلا أنهم بمعونة الأجنبي الصليبي اليهودي استولوا على مقاليد الأمور، وانشقوا عن الأمة، ثم اعتبروا ماءهم العطن العفن هو مجرى النهر الرئيسي، أما النهر، الأمة، نحن، فقد كان عليهم أن يحاصرونا.
***
كانت هذه مقدمة لازمة قبل أن أتجه للتعليق على هيكل في الجزيرة. هيكل، ذو الشهرة الطاغية، و أكثر صحافي عربي يتابعه الجمهور، لكن الجمهور الذي يجتمع ليتابعه هذه المرة لم يجئ للمتعة العقلية ، ولا حتى لحل مشكلة، و إنما جاء مدفوعا بالوهم في إمكانية استعادة حلم تحول إلى كابوس، أو على الأقل في حدوث معجزة على يد الساحر العجوز الذي أعطته الجماهير ذات يوم: ليس قلبها بل عقلها ووعيها، ولقد تناقض ما بشر به الساحر في البدايات مع النهايات الفاجعة، والناس حين تجتمع الآن حوله، لا أظنها – رغم كل محاولات صناعة النجم- تجتمع تمسكا به أو حبا فيه، و إنما كما يتجمع الدائنون حول المدين العائد، الذي أخذ منهم كل ما يملكون كي يستثمره لهم، فبارت التجارة وخربت الديار، وهاهو يعود، وهاهم أولئك يتكأكئون عليه ويتكالبون، على أمل استعادة ولو جزء من ديونهم.
ولكن هذا التصور المأساوي الأسود لا ينفي وجود استثناءات في كل اتجاه، يحركها المنى والوهم والخرافة، كذلك الذي قال أنه – هيكل - سيحرك بخبرته الفذة، في إحدى الحلقات، الشارع المصري لمواجهة نوايا التوريث الفاجرة، بل ويصل الأمر بالبعض لتصور أنه في الحلقة التي ستذاع أسبوع الانتخابات الأمريكية، سيكشف أسرارا تسقط بوش، ومن قائل أنه بعد أن ظل ستين عاما يصقل فكره، سيخرج على الناس بمشروع لا يختلف عليه اثنان، ولا ينتطح فيه حزبان: أحدهما قومي والآخر شيوعي. مشروع يمسح الهزائم كلها ويقودنا إلى وحدة عربية لا يغلبها غلاب طالما بشرنا بها في الأيام الخوالي وقد آن الأوان لتنفيذ وعده وسداد دينه، مشروع يتجنب فيه السقطات والكوارث التي قادنا إليها هو أو أصحابه فيما مضى، مشروع يتجنب أن يتستر على الجرائم المخزية، التي كان مقترفوها بشكل أو بآخر زملاء وأقرانا في صدر السلطة وواجهتها، فلم أسمع على سبيل المثال أنه تحدث عن مجرمين كشمس بدران وحمزة البسيوني ولا حتى صفوت الروبي، ولا عن مختلسين، تحدث عنهم غيره، ولا عن اتهامات لم يواجهها بل صادر أو طالب بمصادرة المجلات التي تنشرها، مثل الاتهامات التي وجهها له مايلز كوبلاند.
أقول أن مثل هذا الجمهور الواسع المتعقب لحلقات الأستاذ جمهور خطر، ( يقال أن كلمة الأستاذ حين تنطق مفردة فلا تعني إلا الأستاذ هيكل، تماما كما أن كلمة "المعلم" المفردة تعني أرسطو ) أقول أن هذا الجمهور جمهور خطر سرعان ما ينقلب، عندما لا يجد ما يريد، أوحينما يجد ما لا يريد، و أخشى أن يحدث ذلك في حالتنا هذه، فالرجل المعجزة لم يأت بأي معجزات، ولا هو أبرأ الأكمه ولا شفى الأبرص ولا أحيى الموتى، ولا هو حتى علم ما قلوب الناس وكم خاب أملهم فيه، وما يطلقون عليه "سيكلوجية الجماهير الحاشدة تختلف كثيرا عن سيكلوجية الفرد، فالجماهير التي فقدت معنى الولاء والبراء وتمرست على عبادة غير الله، الجماهير المخدوعة بالتغييب والمغيبة بالتغريب، الجماهير المطعونة في عقلها، لا في قلبها، إما أن تعبُدَ و إما أن ترجُمْ، فإذا ما ثبت لها أن معبودها ليس نبيا ولا صاحب معجزة فإن تحولها الخطر لن تجعلها تكتفي بالانصراف عنه، بل ستنظر إليه كمشعوذ أو دجال أو عميل، لابد من رجمه..
( أثق في بقايا عقل عند العلمانيين.. بقايا تجعلهم يفهمون بعضا من أساليب البلاغة.. لكي لا يندفع منهم من يقول أنني ناديت برجم هيكل!!.. أو أنني ذكرت عنوانه الذي يتحدث فيه: قناة الجزيرة.. تحريضا على قتله..)..
أقول أن الرجل يتحدث في حلقاته بالجزيرة عن موضوع آخر، حتى أنني قلت لنفسي أن الأمر لا يستحق المتابعة ولا التعقيب، و أن ما أشعر به من حسرة ليس بسبب أن الرجل لم يقدم حلا، أو أنه أقل توهجا مما كان، لكن بسبب أنني أكتشف أنني عشت وهما تطاول فتجاوز نصف قرن. ولم يكن الأمر سوى سراب – نعم.. سراب.. أو على الأحرى قوس قزح كي يوافق التشبيه.. السير( بالراء) هيكل!..
***
لا يحتاج القارئ منى أن أطيل في شكوكي تجاه الأمر كله، ولقد صارحت القراء في أكثر من مقال لم يكن أولها بعد أحداث 11 سبتمبر ، بل قبلها بكثير، أنني أتوقع أن أمريكا ستدفع للصدارة القوميين ( من شيوعيين وناصريين) كي يزيحوا الإسلاميين الحقيقيين من الساحة، كما أنها ستدفع الفكر الصوفي بكل سلبياته كي يخفف أو يميع من عقيدة الجهاد ، ذلك أن المخابرات الأمريكية عندما تختار، ستختار الأكثر خسة والأكثر انحرافا و كفرا في كل مجال واتجاه.
كنت أرى الزحف يتقدم تجاه كل مؤسساتنا حتى يكاد يغطى العالم العربي كله، مزيحا المسلمين من طريقه، موفرا البيئة المثالية لتـَـخفّـي ونمو الجواسيس والخونة، الصهاينة المباشرين، والصليبيين بفكرهم، وبالطبع، لن يمثل القوميون والشيوعيون، وحتى الصوفة، سوى مرحلة انتقالية، يتم بعدها التخلص منهم، كمرتزقة تفوق نفقات إعاشتهم فوائدهم.
أقول كان الهاجس داخلي..
و أقول أيضا أنني أحترم قناة الجزيرة.. كما أن في داخلي تاريخ طويل من احترام هيكل.. (اعذرني بجهلي يا رب).. أحترم قناة الجزيرة.. رغم يقيني بأنها تخضع لضغط أمريكي مباشر يجعل ثلاثة أرباع ما تذيعه يصب في النهر الأمريكي ( كنت أنوي أن أقول 90%).. و أن الباقي يفلت بالكاد.. وهو حين يفلت، لا يفلت سليما بل مثخنا بالجراح. وبهذا الفهم، و لإدراكي لحجم هيكل، فقد كنت على يقين أن المخابرات الأمريكية قد استشيرت وباركت دعوة هيكل ليكون ضيفا للقناة على مدى ستين حلقة..
هيكل.. سلاح إستراتيجي لا يستعمل إلا لمنع كارثة .. أو لإحداث كارثة .. أو للأمرين جميعا..
إنني أعلم أن الجزيرة تستأذن المخابرات الأمريكية في شخصيات دون هيكل بكثير.. فكيف بهيكل؟!..
والأمر لا يعني الآن إدانة لهذا أو لذاك.. الآن!..
ولكنني فقط أذكركم بما حدث منذ شهور عندما طلبت الإدارة الأمريكية، متخفية خلف فريدمان إن لم تخني الذاكرة، قد طالبت صحيفة الأهرام المصرية أن تفرد مساحات أوسع و أماكن أبرز ومقالات أكثر لصحافيين مصريين، هما رضا هلال و مأمون فندي ( هل هي صدفة أنهما يساريين.. وبالمناسبة إلى كل من يريد أن يطلع على الفكر المتعفن لليسار المصري بدون تمويه ولا أقنعة أن يقرأ مقالات مأمون فندي)..
نعم..
هيكل ضرورة هذه المرحلة.. فالساحة خالية.. ولا يجب أن تظل خالية و إلا احتل الإسلام الساحة كلها و أثبت أنه لا بديل سواه..
لاتوجد قوة أخري في المجتمع.. لأن قوى التغريب المباشر والصهيونية الكاملة ما زالت أضعف بكثير من أن تواجه في العراء، إنها تحتاج – كالطفيليات – إلى عائل وسيط.. هذا العائل الوسيط لا يمكن أن يكون أمريكا و إسرائيل (إلا في حالة خاصة كالعراق) و لا يمكن أن يكون الدول الإسلامية، والتي ستتكفل حتى مناعتها المنهارة بالقضاء عليه..لذلك فإن العائل الوسيط المثالي هو رحم القوميين واليسار..
هل كان يمكن مثلا أن تدعو الجزيرة الشيخ أسامة بن لادن كي يعطينا ستين محاضرة يعلمنا فيها كيف نحل مشاكلنا؟..
بالطبع مستحيل..
ولهذا جئ بهيكل..
ليس مجرد حب فيه..
ولكن..
لأنه إن لم يظهر على الشاشة أحد ستتجه عيون الأمة إلى هناك.. حيث ساكن الجبال العظيم.. الشيخ أسامة بن لادن.. رضى الله عنه.
***
في الحلقات المذاعة حتى الآن لم يذكر هيكل الإسلام كعامل سلبي أو إيجابي كما لا يذكر أي دور له، ومنذ عام وبعض العام في قناة دريم لم تكن العراق – طبقا لرؤيته - تمثل أي هدف إستراتيجي لأمريكا في حد ذاتها، لم يكن الأمر حتى صراع حضارات فأظنه لا يرى إلا حضارة واحدة، ولم تكن حربا صليبية جديدة، ولا هدفها التبشير والقضاء على الإسلام، كل ذلك لم يكن واردا، لأنه لو كان واردا لأصبحت العراق مقصودة، ولكانت مهمة لأنها مقصودة، لكن الأستاذ غير مقتنع بذلك، ولذلك يرى أنه بمجرد الصدفة كان من سوء حظ العراق أن تكون ميدانا لاستعراض النار والخراب والدمار أمام الصين والهند بل وفرنسا واليابان، أما العراق، بما فيها من إسلام و عروبة، العراق عاصمة معمورة عدة قرون، فإن الأستاذ يراها أذل و أقل و أهون من أن تموت مستهدفة، ويرى أنها إنما تموت بالصدفة كالحيوانات الضالة.
ومن أجل ذلك، ومن أجل غيره، بلغ الأمر بالكاتب " سيار الجميل" أستاذ التاريخ في عديد من الجامعات العربية، أن يتصور أن هيكل يحمل قدرا كبيرا من الازدراء للعراق بالذات، بل إن هذا الازدراء يتعداها للعالم العربي كله أما فلسطين فالباقي منها شظايا قضية.
يقول سيار الجميل:
" إن أبرز إشكالية عند هيكل.. لابد أن يلتفت إليها النقاد والمحللون العرب في المستقبل، أنه يفكر سلبا في كل ما هو عربي أنتجه العرب في التاريخ، وخصوصا في تاريخهم الحديث، وهو لا يطمئن إلى أي سياسة أو قرار أو حوار أو مفاوضات أو حركة أو خطاب أو نتاج.. الخ مهما كانت طبيعته التاريخية والفكرية والسياسية، إذ يقلل من شأنها جدا حتى تلك التي تأتي من قبل تقدميين وقوميين عرب! وليفحص القراء الكرام ذلك مقارنة بإعجابه الشديد لكل ما يأتي به الغربيون: زعماء وقادة وساسة وصحافيين (أسطوريين) ومنهم صهاينة وجواسيس وسفراء ومتآمرين".
***
تمنيت أن يقف هيكل في أول الحلقات ليجيب على أسئلة جوهرية لا يجوز إغفالها..
فمن حق الناس أن يعرفوا من أي منطلق يتحدث، و على أي أساس سيقدم لهم العلاج، وما هي مرجعياته.
أن يقف ليقول هل يتحدث من منظور عربي أم من منظور غربي..
لن ندخل في تفاصيل ألوان الطيف للمرجعية الغربية لكننا كنا نود أن نعرف إذا كانت مرجعيته قومية، فأي قومية يعني؟ هل هي القومية الطيبة الحنون التي تسمح ( بالمسلمين الفقراء أما الإسلام فلا)..وتسفك دماء بضع مئات فقط وتعذب وتسجن عشرات الآلاف فقط.. أم القومية القاسية التي ترفض الدين كله وتقتل أربعة آلاف في ليلة و أربعين ألف في نهار..
نعم .. أي قومية؟.. قوميته هو وجمال عبد الناصر؟ أم قومية صدام حسين؟ أم قومية حافظ الأسد؟..
وكان على " الأستاذ" أن يطمئن مستمعيه عن الآليات التي تحمى الكيان القومي الذي يدعو إليه، وبصورة أكثر تحديدا، في إطار مشروعه، كيف يتصور اكتماله، هل ستتوحد الدول العربية بالتراضي، بالاتفاق بين الصباح والقذافي وعلاوي وعبد لله ومبارك؟.. وهل حدثت الوحدة في التاريخ دون حروب ( كالحرب الأهلية الأمريكية مثلا) ، وهل هو مباح أو متاح في عالمنا العربي أن نستعمل القوة للتوحيد؟.. ثم على فرض المستحيل، لو أننا نجحنا في تحقيق الوحدة بمجرد النوايا الطيبة، والحلقات التليفزيونية، ولو كانت على فضائية الجزيرة، لو أننا توحدنا، ثم فوجئنا بأن دولة كالكويت، فضلت القومية الأمريكية على القومية العربية، فكيف لمشروع الأستاذ أن يمنع هذا الانخلاع والتفتت، وكيف يواجهه إذا حدث، وبأي وسائل..
( أتذكر في أسي بلا حدود إهدار العقل والمنطق والفن في أغنية لبلبل العهد الناصري عبد الحليم حافظ.. حين هدد الرجعيين بأنه سيغني ضدهم: " يا عدو الاشتراكية.. يا عديم المسئولية" ثم يردف ذلك بتهديد مرعب:" ونطبل لك كدهه.. ونزمر لك كدهه"!!..
وينطلق الطبل والزمر..
فهل نفعل لدولة مثل الكويت مثل هذا؟!..
بل لعلى أستدرك: هل فعلنا غير هذا؟!!
***
الحل والوسائل والآليات كلها واضحة في بلاد مرجعها الإسلام ، لن يختلف اثنان في أن دولة توالي أعداء الله، وتجعل من ثلاثة أرباع أرضها قاعدة لمن يحاد الله ورسوله، هي دولة مهدرة الدم لكل من سعى إلى ذلك، وكل من كرسه بل وكل من أيده، نعم، يدرك الإسلام خطورة مثل ذلك، ويكافحه بحكمه الحاد الباتر القاسي، خسارة الدنيا والآخرة، ويجعل قتال حكامها وجيشها، و أهلها إن أيدوا جيشها، فرضا على المحيطين جميعا.
كما أنني أواصل التساؤل: وماذا يفعل مشروع "الأستاذ" في بلاده نفسها: مصر الرسمية، التي تفضل الآن القومية اليهودية على القومية العربية، و إسرائيل على فلسطين ( وراجعوا والقلب يتمزق، موقف الأزهر بقدره ورمزه يسجد راكعا لا لله، بل لصحفية يهودية في السفارة الأمريكية في القاهرة ، حيث احتجت السفارة على إنكار الكاتب رفعت سيد أحمد للهولوكوست في مقال له نشرته مجلة لواء الإسلام، فأوقف الكاتب، وضغط على رئيس التحرير لا لكي يعتذر فقط بل لكي يركع لغير الله، فأبى واستقال، فأتوا بأزهري – لا غفر الله له- قدم الاعتذار وكتبه في مقال فجعلوه رئيس تحرير المجلة لا بارك الله له، و لم يكتف العملاء بكل هذا فإذا بوزير الإعلام بنفسه يكتب اعتذارا في الصفحة الأولي للمجلة يثبت الهولوكوست ولا يذكر مذابح الصهاينة في فلسطين..
صرخت – حين علمت – :
- وزير الإعلام شخصيا.. حتى صفوت الشريف - رغم حكايات الفنانات و أفلام الجنس والمخابرات.. وما هو أكثر – أشرف منه.
***
قضية لواء الإسلام هي قضية اختراق الأزهر وامتهانه، وهي أهم و أخطر من أن أمر بها مرورا عابرا، لكنني ذكرتها لغرض آخر سوف يتبينه القارئ على الفور.
باختصار شديد، فإن قضية الهولوكوست، يجب أن تكون قضية تاريخية علمية يحكم فيها أساتذة التاريخ وعلماؤه، بعد أن يدعموا دراستهم بمختلف الأسانيد ليضعوا مختلف الاحتمالات.
( كتطبيق للمنهج العلمي في الطب، فليس من حق الطبيب أن يضع تشخيصا واحدا للمرض، بل هو يرسب في الامتحان إذا ما شخص المرض تشخيصا واحدا، مهما كان هذا التشخيص صحيحا، إذا ما أغفل الاحتمالات الأخرى للمرض)..
فإذا ما أحيطت قضية علمية بوسط غير علمي، فإن الأمر يخرج عن نطاق العلم تماما إلى نطاق الكذب والدجل والتزوير. تماما كما لو أنك أتيت بطبيب وأمرته أن يشخص تشخيصا معينا والمسدس على رأسه: فإما أن يطيعك و إما أن تطلق عليه الرصاص.
إن قضية الهولوكوست، مثل صارخ على ذلك لكنها ليست هي المثل الوحيد، بل ربما يوجد فيها بعض عناصر تجعلها أقل فداحة وفظاعة من قضايا أخرى يتبع فيها نفس المنهج غير العلمي.
يحضرني في ذلك على سبيل المثال قضايا بعضها تافه وسطحي والآخر جوهري، وسوف أذكر مثالا من كل ، فقط لأجعل القارئ يعيش معي هذا الوضع الكارثي لمن يدعون أنهم يتبعون المنهج العلمي.
لقد أنفقت شركات صناعة السجائر مئات الملايين من الجنيهات في شكل رشاوى مباشرة وغير مباشرة لجهات طبية كي تقلل من الحديث عن مخاطر التدخين، كما أن شركة أدوية عملاقة، طرحت في الأسواق منشطا جنسيا (الفياحرا).. وبعد أن تشبع السوق العالمي، تفتق نهم الشركة عن وسيلة لمضاعفة مبيعاتها وبالتالي أرباحها، فقدمت عشرات الملايين رشاوى إلى أطباء النساء والولادة، كي يجروا أبحاثا تثبت أن فائدة الفياحرا للنساء لا تقل عن فائدته للرجال، ونشرت الأبحاث، وكانت مزورة.
لكن القضية الأكبر، التي أود أن أكتب عنها منذ أعوام طويلة، دون أن تتيح لي الحوادث أي فرصة، هي نظرية التطور لدارون، والمقالة معدة، لكن لا الوقت ولا الظرف يسمح، ولقد تعمدت فيها أن تكون كل مراجعي غربية، وعلى الأخص أمريكية، حيث يتناولها العلماء بقدر من السخرية لا يكاد يتصور، لكن هؤلاء، لا ينشر لهم أحد ، بل يطاردون في جامعاتهم ويحاصرون، تماما كما يطارد ويحاصر كل من ينكر الهولوكوست. ولقد بلغ الأمر أن علماء كبار قد لفقوا أدلة بالغة السذاجة لإثبات النظرية ( أحدهم وهو "جارلسن داوصن" أتى في عام 1912 بفك قرد وزرع فيه أسنانا بشرية ثم ركبه على جمجمة بشرية) وظلت الفرية عشرات الأعوام كأقوى دليل على وجود الحلقة الوسيطة الدالة على صحة نظرية دارون، بينما العشرات تلو العشرات من العلماء يصرخون أن الدليل دليل زور.. و أن تزويره غير متقن حتى يمكن لأي مبتدئ أن يكشفه على الفور، وظلت الميديا الإعلامية في العالم كله تتجاهل ذلك، حتى اعترف العالم المزور بنفسه عام 1953، أن الجمجمة والفك والأسنان التي ركبها، يعود أقدمها إلى ألف عام فقط وليس إلى مئات الآلاف من الأعوام، كما اعترف العالم، بأنه إن كان قد زور كي يشتهر ويغتني، فإن 90% من العلماء يفعلون نفس الشيء. ( فكرة الحلقة الوسيطة دليل من آلاف الأدلة التي تجعل من نظرية دارون تهريجا، فعلى سبيل المثال تدل الحفريات على أن الجراثيم التي كانت موجودة منذ مئات ملايين الأعوام ما زالت كما هي، دون أي تطور، ومن ناحية أخرى فلم تفلح كل الحفريات في العثور على زرافة واحدة قصيرة الرقبة، من تلك التي ادعي دارون أنها ماتت وعاشت ذوات الرقاب الأطول لتمكنها من التهام أوراق أعالي الأشجار.. دون أن يفسر لنا أيضا كيف عاشت الخراف.. والحمير!!)وكان أحد من تناولوا تلك القضية هو العالم الأمريكي: البروفيسور دوان ت كيتش، حيث اعتبر أن التطور ليس حقيقة علمية ولا حتى نظرية، وإنما مجموعة من التلفيقات الساذجة التي لا يقبلها أي عقل علمي، نعم، يقول الرجل، إنها ليست نظرية، إنها عملية غسيل مخ قام بها الساسة كي يسوغوا التهام الأقوى للأضعف. إن الرجل يصرخ أن نظرية التطور عقيدة لا يمكن تصديقها، وهي ليست علما على الإطلاق.. عقيدة وليس علما.. .
وتتناول إليانور كلايمر الأمر بسخرية لتقول:
انظروا كيف تحولت الأسماك إلى برمائيات حسب تصور التطوريين: (... وظهر الجفاف بالقرب من نهاية الزمن الباليوزي، واستطاعت الأسماك القديمة – بعد جفاف البرك والأنهار- أن تزحف على الأرض للوصول إلى ما تبقى من تلك البرك، وكان لهذه الأسماك التي استطاعت أن تتحرك على سطح الأرض أحفادا استطاعت هي نفسها أن تبقى خارج الماء لفترات أطول)..
وتواصل المؤلفة في سخرية: ولا تسألوهم كيف استطاعت الأسماك أن تزحف على الأرض أو أن تتحرك على سطح الأرض، إنها لا تستطيع هذا ولا ذاك، و إنما تستطيع فقط أن تتقافز في مكانها خارج الماء، بضع دقائق ثم تموت!!
***
إن كان يمكن للتزوير الكامل الشامل أن ينجح هذا النجاح المذهل في مجال العلم التجريبي فكيف به في علوم إنسانية غير خاضعة لوسائل البحث العلمية.
وبرغم كل ذلك فما زالت نظرية التطور تحاط بحصانة شاملة و تدرس في مدارسنا وجامعاتنا كحقيقة علمية غير قابلة للنقاش إلا من الظلاميين المتحجرين الحمقى، أو من السلفية الدينية والرجعية السياسية، وكلها تعبيرات لا يقصد بها إلا الإسلام.
***
لم يفلت مني الخيط يا قراء..
فقط أريد أن أقول لكم أن الضجة الإعلامية المصاحبة لحلقات هيكل على قناة الجزيرة أيقظت الإحساس بالخطر عندي..
ومنذ البداية الأولي..
هل هي عملية غسل مخ جديدة؟..
خاصة أن هيكل واحد من الناس المحاطين بحصانة عجيبة – خاصة في العقود الأخيرة- تجعل معارضته إدانة للمعارض وليس له.. كما أن أفكاره تُتَلقى من أنصاره على الأقل، بوله المريد الصوفي، الذي يكسر القواعد إذا ما عن له أن يسأل بله يختلف.
جعلوا منع صنما و نشروا حوله هالة من التقديس و أوهموهم أن هذا هو من يملك الحقيقة المطلقة..
أقول أن هيكل محاط بنوع من الحصانة تثير قلقي، حصانة كحصانة الهولوكوست ونظرية التطور، وهو بذلك يتحول شيئا فشيئا، إلى واحد من تلك الرموز التي تتمتع بنفس الحصانة ابتداء من الطهطاوى ومرورا بشبلي شميل وسلامة موسى وعلى عبد الرازق وطه حسين ولويس عوض – سجن العلامة محمود شاكر لمجرد أنه فضحه.. وكان هيكل شاهدا.. ومسئولا.. فقد كان يفسح أقوى صحيفة في مصر للويس عوض- .. الآن ينضم هيكل إلى هذا الرعيل.
و لست ضد تبجيل أي مفكر، لكنني ألاحظ نوعا من غسيل الدماغ في تبجيل هؤلاء، غسيل للدماغ يمحو كل مساوئهم ويضخم مزاياهم، و أولئك، أصحاب المنهج التجريبي العلمي، لا يريدون منك الاقتناع العقلي بل الإيمان القلبي.. الإيمان الذي أنكروه على الله – لأنه يخالف المنهج العلمي التجريبي- يطالبون به لأنفسهم!!..
سبّ من شئت من شيوخ الأزهر مهما كانت عظمتهم وجهادهم.. ستجد ألف قلب تدافع عنك معتبرة ذلك جزءا جوهريا من حرية الفكر.. هاجم من شئت من شيوخ الأزهر متطاولا على ثوابت الدين.. ستجد ألف قلب – بل ألف كلب- تؤيدك..
لكن حاول أن تنتقد على عبد الرازق و أن تفضح دور السفارة البريطانية في كتابة كتابه "الإسلام و أصول الحكم"..
حاول وجرب..
و إن أتيحت لك الفرصة بعد أن يمزقك وينهشك ألف كلب فتعال وقل لنا..
نفس الأمر ينطبق على الباقين.. شخوص معينة.. يضعونها موضع القديسين في الديانة المسيحية.. فهي منارات على الطريق.. مناقشتها خطيئة ومعارضتها كفر.. وكل هذه الشخصيات .. كلها بلا استثناء توجد أدلة قوية على ارتباطها المباشر بأجهزة مخابرات أجنبية.. و أنها استعملت للنيل من الإسلام..
كلهم..
حتى محمد حسنين هيكل.
***
إنني أحذر القارئ من أن ما يمكن وصفه بظاهرة حصانة الهولوكوست أو نظرية التطور، و أعني بهذه الظاهرة وجود قوة جبارة فاجرة لديها القدرة على إحياء الأساطير وطمس الحقائق، وقسر الناس على الإيمان بالأوهام، هذه الظاهرة في شقها الأعظم تنتمي لقوة خارجية عن الإنسان الفرد.
هذا معروف ومفضوح ومشهور.. وكنا جميعا بعض ضحاياه في فترات من حياتنا.. والكثيرون منا يموتون دون أن يعرفوا فيم خدعوا وكم خدعوا ومتى خدعوا ولماذا خدعوا..
معروف ومفضوح ومشهور.. وكيف لا وكل وسائل الإعلام والفضائيات ومنشورات الكتب الحكومية ومكتبة الأسرة ووزارات الثقافة وكتاب في صحيفة.. كل ذلك مكرس لترويج غسيل المخ وتكريسه..
لكنني في هذه الفقرة لا أقصد ذلك كله.. إنما أقصد سواه.. الهولوكوست القابع داخل كل واحد منا.. وكل من لا يرى بنور الله..
نعم.. أتحدث عن هذا الجزء من الهولوكوست الموجود داخلنا، حيث يصيب فكرنا بما يصيب مفاصلنا بترسب الكلس فيها، لتصبح الحركة الطبيعية مستحيلة.
نعم..
عنصر داخلي في فطرة الإنسان نفسه يجعل تصديق الأكاذيب أيسر من الإيمان بالحقائق.. فالحق ثقيل و إن كان أبلج.. والباطل خفيف ولو كان لجلج.. ولنلاحظ: كم مسلما آمن بالرسول الخاتم صلوات الله وسلامه عليه في سنوات الدعوة الأولى.. والإجابة: عشرات لا يزيدون.. ولنقارنهم بمن آمن بالدعي الكذاب مسيلمة في شهور دعوته الأولى.. عشرات الألوف!!
ولنسأل الآن على الفور نفس السؤال..
كم واحدا آمن في بداية الخمسينيات (بعد حملة التشويه والتشهير والتمزيق) بالشهيد سيد قطب..
وكم واحدا آمن بمحمد حسنين هيكل!!
***
مثال على ذلك، لو أنني قلت لك أن ثمة دلائل قوية على بصمات أمريكية واضحة على ثورة 23 يوليو، فإن الرفض سيسبق السؤال عن الدليل وفحصه، حتى لو كان هذا الدليل هو أقوال الضباط الأحرار أنفسهم.
وفي الاتجاه المضاد، فإن أي محاولة لتبرئة السادات من تهمتي الجاسوسية اللتين نسبتا إليه، أو تبرئة حسن التهامي وعبد المنعم أمين من العمالة للأمريكيين.. وجمال سالم وسامي شرف وعلى صبري من العمالة للروس..أي محاولة محكوم عليها بالفشل.. رغم أن المنطق المجرد المحايد يقول: أن الإمكانية موجودة ولا عصمة ولا استثناء لأحد.وأنه إذا جاز أن يكون السادات عميلا للمخابرات الأمريكية فلماذا لا يجوز ذلك بالنسبة لعبد الناصر.. و إذا جاز أن يكون مصطفى أمين جاسوسا للمخابرات الأمريكية فلماذا يستحيل أن يكوم هيكل مثله.
والعلمانيون الذين يطلبون منا الشك حتى في الله كدليل على تطورنا يرفضون الشك في الهولوكست أو دارون.. أو محمد حسنين هيكل!!
***

يتساءل عادل حمودة: هل كان الضباط الأحرار على علاقة تحت الأرض وقبل الثورة مع المخابرات المركزية الأمريكية؟ وأين موقع هيكل على هذه الخريطة؟ فبعد 35 سنة على الثورة وبعد 17 سنة على رحيل جمال عبد الناصر خرج من يقول علنا: (أن الثورة وقائدها هما (صناعة) أو (صنيعة) أمريكية, وان تغيير النظام في مصر في يوليو 1952 هو مسرحية ألفتها أخرجتها المخابرات المركزية, وقام ببطولتها جمال عبد الناصر ورفاقه, وجاءت هذه الاتهامات في وقت كانت معظم الأشياء في مصر مباحة ومهزوزة وبلا حصانة, كما أن الذين تحمسوا لذلك الاتهام وروجوا له كانوا من أنصار العقل مثل الدكتور فؤاد زكريا (كتابه: كم عمر الغضب؟) ومن أنصار التشهير وتصفية الحسابات مثل جلال كشك (كتابه: ثورة يوليو الأمريكية) وكان بعضهم طرفا مباشرا في اللعبة الرسمية للسلطة مثل حسن التهامي.
ويواصل عادل حمودة:
وفي الحقيقة كان ذلك الاتهام قديما, فقد سبق أن قاله رجل المخابرات المركزية (مايلز كوبلاند) في كتابه الشهير (لعبة الأمم) الذي صدر في عام 1969 كان (كوبلاند) الساعد الإقليمي لمسئول الوكالة في الشرق الأوسط (كيرميت روزفلت) أو (كيم) على حد اسم تدليله, وقد أثار كتاب (كوبلاند) الكثير من عواصف الغضب عليه, لكن المثير للدهشة انه طلب تأشيرة لدخول مصر وحصل عليها بعد نشره الكتاب, ولم يجد من يوقفه في مطار القاهرة, ووجد طريقة من دون مشقة إلى فندق (هيلتون ـ النيل) ولابد أن ذلك جعله يشعر بالزهو والغرور, فها هو جمال عبد الناصر الذي اتهمه في كتابه بأنه من إنتاجهم لا يقدر على منعه, أو الوقوف في وجهه, ثم إنها فرصة لان يكسب من ابتزازه, ولكن ذات ليلة وهو عائد إلى فندقه فوجئ بشاب قوي يعترض طريقه ويصر ـ في استفزاز واضح ـ على أن يبيع له بعض منتجات (خان الخليلي) التي يشتريها السياح, وبدا واضحا أن البائع (المزعوم) له هدف آخر, على أن تدخل بعض المارة أفسد خطته, في اليوم التالي في ميدان (العتبة) كان هناك من كان قادرا على تنفيذ الهدف, فقد عاد (كوبلاند) من جولة لم تكتمل في الميدان القديم وقد امتلأ وجهه بالجروح وجسده بالكدمات, لقد افتعل رجال الأمن السريون معه مشاجرة كان هو الوحيد الخاسر فيها وفهم (كوبلاند) الرسالة وغادر القاهرة على أول طائرة, ولم يعد إليها إلا بعد رحيل جمال عبد الناصر.
وفي كتابه (قصة السويس) يقول هيكل: إن كوبلاند كغيره من موظفي الوكالة لا يستطيع أن يكتب أو ينشر بغير إذن (ومعنى ذلك أن ما كتبه ونشره كان محل موافقة من وكالة المخابرات المركزية التي يهمها تلطيخ الثورة المصرية والإساءة إلى قائدها جمال عبد الناصر.

وقد نشر كوبلاند في كتاب آخر هو (بلا خنجر وبلا عباءة) لم يحظ بشهرة كتابه (لعبة الأمم) وإن كان قد أضاف فيه بعض التفاصيل وكشف فيه بعض الأسرار, منها أن كيرميت روزفلت جاء إلى مصر قبل الثورة وحاول إقناع الملك فاروق بالقيام بثورة (سلمية) بيضاء لتقوية نظام حكمه المعتدل لتفويت الفرصة على قوى الشيوعيين والإخوان في القضاء عليه, وكانت الخطة ـ التي سميت في ملفات المخابرات المركزية بعملية (الزير السمين) ـ تقضي بأن يقوم الملك بحملة تطهير كبيرة للقضاء على الفساد المستشري في أوصال النظام, وبأن يعيد تقديم نفسه في صورة الحاكم التقي الورع, ولكن (كيم) شعر باليأس بعد أن قابل الملك فاروق أكثر من مرة, ووجده على حد وصفه (من أصحاب الأجسام الثقيلة والعقول الخفيفة) وهو ما جعل (كيم) يبحث عن بديل آخر, وهكذا اتجه بصره إلى الجيش, على حد رواية كوبلاند.
ولم يمر وقت طويل حتى أدرك إن كيرميت روزفلت هو حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت
أن تحريك الأحداث في الظلام يجذبه ويثيره أكثر من مجرد جمع المعلومات, وانتقل بذلك من التحليل إلى التآمر, وحتى يقفز رجل مخابرات هذه الخطوة الواسعة فإن عليه أن يكون شبكة معقدة من العملاء والعلاقات تفيده في الوقت المناسب, وقد تحقق له ذلك عندما كوّن في عام 1951 جمعية الصداقة العربية الأمريكية التي اتخذت من بيروت مقرا رئيسيا لها وامتدت فروعها إلى القاهرة ودمشق وعمان وبنغازي وتونس والرباط, وكما يقول آلن جران في كتابه عن رجال المخابرات المركزية (ترجمه جورج عبدو ونشرته دار المروج في بيروت) فإنه تحت شعار تعزيز الروابط الثقافية والعلمية بين الولايات المتحدة والعالم العربي قام (مناضلو) هذه الجمعية بنشاط تجسسي خطير للغاية, وقد حانت الفرصة لكيرميت روزفلت لتجريب مواهبه في تدبير الانقلابات في إيران عندما طرد الدكتور محمد مصدق وأعاد الشاه للسلطة
ما زلنا مع عادل حمودة:
حسب رواية كوبلاند: فإن كيم أمضى في القاهرة الشهرين الأولين من عام 1952 مع الملك فاروق يلهوان بتنفيذ مخطط الثورة السلمية, وذلك بدفع رجل الحكم القوي مرتضى المراغي لخلق أزمة وزارية, وقام الملك بتكليف نجيب الهلالي (الذي كان هيكل على علاقة متينة به) لتسلم الوزارة, وقد اتصل به كيم وطلب منه تطهير جهاز الدولة من الفساد, فربما أصبح زعيم الثورة السلمية, لكن ما جرى هو أن الضباط الأحرار قد سارعوا بالاستيلاء على السلطة ولم يتسن لنجيب الهلالي تنفيذ مخطط محاربة الفساد, فهل كان كيرميت روزفلت وراء ما فعله الجيش كما يدعي خصوم جمال عبد الناصر؟

لقد قال كوبلاند أن كيم عرف بأمر تنظيم الضباط الأحرار في شهر مارس 1952, أي قبل الثورة بأربعة أشهر تقريبا, ويقول كوبلاند أيضا: (انه سعى إلى الاتصال بهذا التنظيم بعد أن أدرك أن المراهنة على الجيش هي الحل الوحيد المتاح) ولأن كيم لم يبدأ ـ حسب المصدر نفسه ـ في رهانه على الجيش إلا في شهر مايو 1952 فإن الفترة التي يكون قد تم فيها الاتصال بينه وبين تنظيم الضباط الأحرار هي ما بين مايو ويوليو أي حوالي الشهرين فقط.
وفي الجزء الأول من كتابه الشهير (قصة ثورة يوليو) يقول أحمد حمروش: (إن منشورات الضباط الأحرار وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط استثارت رجال المخابرات المركزية في القاهرة, فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم) . و(كانت حلقة الاتصال مع ضابط في المخابرات المصرية تسمح طبيعة عمله بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب بينما هو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبد الناصر شخصيا) . لم يذكر أحمد حمروش اسم هذا الضابط.. وربما يكون علي صبري, وهو بالمناسبة سافر قبل عام 1952 في بعثة إلى الولايات المتحدة لدراسة المخابرات الحربية, وبصفة خاصة مخابرات الطيران, وعندما عاد عين مديرا لمخابرات الطيران, وأصبح على صلة بالملحق الجوي الأمريكي في القاهرة.
***
يقول الدكتور فؤاد زكريا - وهو مفكر لا أحترمه ولا أحبه- أن هيكل لم يكن قادر لوحده أبدا أن يجمع كل المعلومات الوثائقية، ويرتبها بمنتهى الدقة.. " ولكنني كلما أمعنت الفكر في هذه الظاهرة بدا لي أنها أعقد وأوسع نطاقا من إمكانات أي فرد، بل من إمكانات أي جهاز في دولة متخلفة، وخيل إلي أننا نجد أنفسنا هنا على مستوى يكاد يصل لأجهزة المخابرات في الدول الكبرى " ..كما يقول أنه لاحظ عرضا لمرض خطير في كتابات هيكل، ذلك أنه يستثني نفسه تماما من اللوم وكأنه كان طوال الوقت مشاهدا محايدا، أو ناصحا أمينا لا يستمع إليه أحد..
***
ويقول سيار الجميل - أستاذ التاريخ في جامعة الموصل وفي الجامعات الأردنية والإمارتية- :
..".. في الأرشيف قضايا كثيرة لهيكل لو استخدمت استخداما عاديا فستصيب مقتلا منه.. ذلك أن جملة كبيرة من الوثائق تتضمن معلومات خطيرة عنه، و أن هناك مادة أرشيفية هائلة يمكن أن تستخدم ضد هيكل بسهولة تامة. و أن الأشخاص الذين اتهمهم هيكل كونهم من الحاقدين عليه والحاسدين له، ويعتقد الباحثون الأكاديميون بأن كلاما قاله كل من: محمد نجيب ومايلز كوبلاند وخروتشوف..لم يصدر كونهم حقدوا عليه أو حسدوه، فلقد اتهمه الرئيس محمد نجيب بالخيانة لحساب دولة أجنبية.(كتابه: كلمتي للتاريخ ).. كما أتهمه مايلز كوبلاند بالعمالة المخلصة.. كما اتهمه خروتشوف بالتهمة نفسها، وذكره بالمبالغ والشيكات التي تسلمها من وكالة المخابرات- المركزية في اجتماع كان يعقد في موسكو أمام جمال عبد الناصر، مما اضطر هيكل إلى أن يقفل راجعا إلى مصرفي اليوم الثاني من الرحلة!
ويذكر حسنين كروم في كتابه مقاطع من حوار أجرته مجلة الحوادث اللبنانية مع محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر اثر سقوط النظام الملكي عام 1952 والذي أبعد عن الحكم عام 1954 من قبل عبد الناصر أنه رفض أن يقابل محمد حسنين هيكل أربع مرات لأن معلومات زوده بها جهاز الاستخبارات المصرية تقول بأن هيكل هو عميل لدوائر المخابرات..
ويواصل سيار الجميل:
لعل أبرز ما يمكن أن يهتم به الباحثون والدارسون في قابل الأيام: مسألة التهم التي وجهت إلى محمد حسنين هيكل من قبل أكثر من جهة وطرف، حول ارتباطه بالمخابرات المركزية الأمريكية.. والتي لم يدافع عنها الرجل دفاعا قويا! وبرغم عدم وجود مستندات قوية بيد خصومه، فقد كان عليه أن يكون أقوى مما بدا عليه.. إذ وجدته ضعيفا إزاء ذلك! فلماذا يهرب من وجه خروتشوف مثلا؟ ولماذا لم يذكر قيمة الأجور التي تسلمها من الصحف الأمريكية لقاء نشر مقالاته فيها؟ ولكن الأمر الملفت للنظر، أن هذه التهم التي حبكها خصومه ضده.. لا تختلف في شيء من الأشياء عن التهم التي كان قد نسجها هو نفسه ضد كل من أساتذته في المهنة: علي أمين ومصطفى أمين..

لقد ثارت ثائرة هيكل بطبيعة الحال، إذ كتب عدة مقالات في جريدة الأهرام وكان لم يزل رئيسا لتحريرها، وطالب السادات أن يوقف توزيع مجلة الحوادث في مصر.. ولقد زادت الحوادث من تصعيدها للموقف خصوصا وان حدة الضجة الإعلامية ضد هيكل قد لها أبعادا جديدة بعد أن نشر مايلز كوبلاند كتابه الثاني الذي قدم أدلة جديدة.. فضلا عن أن مجلة الحوادث قامت بالكشف عن معلومات مضافة مستندة إلى مصادر سوفيتية.. إذ تقول تلك " المعلومات " أن نيكيتا خروتشوف رئيس مجلس السوفييت الأعلى اتهم محمد حسنين هيكل أثناء عقد أحد الاجتماعات في موسكو عام 1957 وكان في وفد يرأسه جمال عبد الناصر بأنه عميل لأجهزة المخابرات الأمريكية، إذ كانت السفارة الأمريكية تزوده بمعلومات ينتقد من خلالها الاتحاد السوفييتي، وأنه تلقى مبالغ من الأموال بشيكات إبان زيارته للولايات المتحدة الأمريكية..
وينقل سيار الجميل عن جمال الشلبي في أطروحته التي أعدها في جامعة باريس (السوربون) بفرنسا عام 1995، معتمدا على حوار شخصي مع هيكل أجراه معه بالإسكندرية عام :1995 "غير أن هيكل نفى هذه المعلومات وقال أن المال الذي تلقاه كان لقاء المقالات التي نشرها في نيويورك تايمز وواشنطن بوست حول حرب كوريا، لكن خروتشوف لم يقتنع بهذه التوضيحات مما اضطر هيكل إلي مغادرة الاتحاد السوفييتي في اليوم التالي"..
كما أن هيكل نفى التهمة عنه في أكثر من كتاب له مقدما حججه ضد أولئك الذين اتهموه، وخصوصا نيكيتا خروتشوف.. ولكنه لم يرد على مايلز كوبلاند وغيره من الخصوم المصريين الذين لم يكتفوا بمقالاتهم في الصحف المصرية ضده، بل وصل الأمر بأحدهم واسمه محمد جلال كشك أن يؤلف كتابا كاملا ضد التجربة الناصرية التي يتهمهما، مركزا على هيكل بشكل خاص وعنوان الكتاب: " ثورة يوليو الأمريكية وعلاقة عبد الناصر مع المخابرات الأمريكية "). كما أن الصحف الرسمية المصرية إبان عهد السادات كانت توجه انتقاداتها واتهاماتها لهيكل.. ووصل الأمر إلى السادات نفسه الذي وصف هيكل دون أن يذكر أسمه علنا، بل قال بأن: (لهذا الصحفي موقف مختلف من السوفييت: فهو يطالب دائما بحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية لأنه كان عميلا ذا علاقات منتظمة معها قبل عبد الناصر( الشلبي ص291- نقلا عن الأهرام 21 أبريل عام 1977) ""
***
يقول سيار الجميل أن سر عقدة هيكل أنه يتوهم أنه يكشف أسرارا لم يكشفها سواه ولم يكن يعرفها غيره، و أنه صانع تاريخ لا كاتبه فقط، و أن الزعماء العرب لا دراية لهم من دون أن يوجههم محمد حسنين هيكل! وانه مستودع أسرارهم وحركاتهم وسكناتهم، وهو يعرف مخادع نومهم وتفصيلات برامجهم ومناهـج بروتوكولاتهم، لقد توضح لنا الآن عند نهايات عمر محمد حسنين هيكل ورؤية نتاجاته، مما كتبه من الأسرار والمعلومات والأفكار والأخبار والآراء التي قالها وحكاها له زعماء عديدون لم ينشرها في حياتهم، إنما أبقاها- إن كانت صحيحة كما يدعي- كي ينشرها بعد وفاتهم واحدا بعد الآخر، ومنهم: جمال عبد الناصر ومحمد رضا بهلوي، شاه إيران أنور السادات والملك الحسين بن طلال والملك الحسن الثاني وغيرهم من الزعماء والمسؤولين العرب وغير العرب.. وهو الآن، ينتظر أجل أحد من الزعماء العرب في دولة عربية كبيرة أو أكثر من دولة كي يبدأ بنشر تفصيلات وأسرار سياساته، وطبيعة علاقاته.. ثم يكرس الصفحات الطوال لتدبيج لقاءاته به، وما حكاه إليه، وما ساقه عنه.. إلي آخره من البضاعة المعهودة .. ناهيكم عن دور هيكل في رسم طريق تلك الدولة فضلا عن دوره في الكشف عن أسرار زعيمها وعلاقاته وارتباطاته وزياراته! وعليه، لماذا تمكث المعلومة الخطيرة حسب ما يراه هيكل، طويلا في أرشيفه الخاص ولا يفكر بنشرها إلا حين يكون شهودها غائبين.
يضع هيكل نفسه باستمرار في مركزية الأشياء محاولا أن يضع الآخرين من حوله مهما بلغت قيمة ذلك الآخر؟ انه دوما يختارهم أو بالأحرى يلتقطهم من ذوي الكاريزمات التاريخية الباهرة.. وسرعان ما يضعهم جميعا في نقاط خلاف سياسية معه، بعد أن يجعلهم مهتمين به أشد الاهتمام وان لا عمل لديهم إلا السعي لملاقاته والتحدث إليه ساعات وساعات.. وانه يستجيب لذلك من خلال المهام الموكولة إليه، يدخل معهم في جدل مصورا إياهم كونه في مستواهم.. فيعطي لنفسه الحق في أن يجيبهم بحدة!! كما ويحرص على أن يشعر القراء أنه يعرفهم منذ زمن طويل وان ثمة ذكريات يحملها حتى عن مشتريات خاصة بهم من أحد أسواق القاهرة..
***
من أجل ذلك كله دقت أجراس الخطر داخل رأسي.. واشتعلت المصابيح الحمراء تنذر..
لماذا لم يبدأ هيكل – وكان أولي به أن يفعل- أن يبين لنا موقع الإسلام من منظومته الفكرية وموقعه في مشروع إنقاذ الأمة..
هل يعترف له بدور خارج نطاق المسلمين الفقراء؟..
بل كان عليه أن يقول لنا خاصة بعدما اتهمه الرئيس السادات و آخرون بالإلحاد، كان من حقنا عليه أن يقول لنا هل ما زال مسلما، فذلك هام لتقبل مشروعه أو لرفضه، و أعترف، أنا شخصيا، أنه مما قربه كثيرا إلى قلبي ذات يوم إجابته على سائل سأله: هل قرأت القرآن؟ فإذا به يجيب إجابة أذهلتني: تقول قرأته؟.. بل حفظته كله!!..
جزء مهم من مشروعه الفكري إذن أن يحدثنا عن منطلقاته ومرجعياته والأسس التي سنتحاسب في النهاية عليها.
لا أعتقد أنني مجبر على كثير من الاعتذارات لأنني أسأل الرجل عن دينه، فقد تفضل هو نفسه بإباحة هذا، وبإبراز أهميته في التأثير على الرأي العام وعلى رأس الحكم، وذلك عندما كتب في العديد من كتبه متهما الملكة نازلي بالخيانة الزوجية والعلاقات غير الشرعية والارتداد عن الإسلام.. واتهام ابنتيها باتهامات مماثلة.. هيكل إذن يهتم بدين الشخصية العامة لانعكاساتها السياسية.. إذن.. الحديث عن الشخصية العامة لا يعتبر السؤال عن الدين كفرا يُذهب إلى النار أو إرهابا يرسل إلى جوانتانامو.
دعنا الآن من باقي الاتهامات الجنسية التي لم يكتف هيكل بالرمز إليها بل ذكرها في تفصيل مقزز، كما ذكرت في مقالة سابقة ( من ذلك وعذرا للغثيان الذي سأسببه للقارئ كتابته عن أن الملك فاروق كان مصابا بالتهاب صديدي في اللثة، و أنه بسبب كراهيته لناريمان، كان يتعمد نقل العدوى إلى لثتها أثناء علاقتهما الخاصة.. وهو ما أقصده بأنه لا يمكنه إثبات ذلك ولو كان شريكهما في الفراش).. دعنا من ذلك، فالأهم هو المنهج الذي واجه به هذه الاتهامات، هل قدم الدليل؟ هل قدم الشهود؟ هل قدم الإقرار؟
بل من الأصل: هل يمكن إثبات أي من ذلك بصورة تستحق أي قدر من التقدير والاحترام..
ودعنا من الأدلة الشرعية الآن فالمسافة بعيدة بعد المشرقين..
والإجابة عن السؤال : لا.. عدا رواية يتيمه مصدر الثقة الوحيدة فيها عند هيكل أن كاتبها "خواجة"..
وهذه واحدة أخرى.. فلو أننا تناولنا ما كتبه مايلز كوبلاند .. الموظف الكبير في المخابرات المركزية الأمريكية، في كتابه الشهير: " لعبة الأمم" والذي نفدت طبعته اللندنية الأولى في ثلاثة أيام.. لوجدنا أن اتهاماته لهيكل مستندة إلى أدلة وقرائن أقوى بمئات المرات من أدلة وقرائن هيكل حين يكتب التاريخ.
إذن..
مع كل احترامنا للأستاذ إلا أننا نقرر أن قرائنه ضعيفة و أدلته مشكوك فيها ورواياته بذلك يمكن أن تكون مطعونا عليها.
لكننا قبل أن نترك هذا الجزء نذكر عرضا تعليق صحافي عربي على ما كتبه هيكل عن التفاصيل الجنسية لحياة الأسرة المالكة بحجة أن ذلك كان له تأثيره البعيد على السياسة. يقول الصحافي العربي: ولماذا لم يتحدث هيكل عن الفضائح الجنسية التي كان المشير وحاشيته أبطالها، وتأثيرها على السياسة كان أفدح بكثير من تأثير والدة الملك وشقيقتيه.
***
كنت أود أن يبدأ هيكل حديثه عن أمة الإسلام ببيان موقفه من الإسلام..
لكن هيكل لا يريد أن يراه على الإطلاق..
لسبب جوهري..
أدركته فجاشت مشاعري..
ذلك أن هيكل ينظر إليه كبقايا جسم جريمة.. هو فاعلها..
وكالقاضي.. كان يجب أن يستشعر حرجا يجعله يتنحى عن نظر القضية.. أقصد عن إلقاء المحاضرات..
***
تذكرت الدكتور إسماعيل بطل رواية قنديل أم هاشم للأديب الشهير يحيى حقي، الذي ذهب إلى الغرب حيث حصل علمه وشهادته وفقد أخلاقه ودينه، وعاد ليصيب مريضته وحبيبته (يمكن أن نقرأها: شعبه و أمته) بالعمي، وعندما يندفع لتحطيم قنديل أم هاشم ( كرمز للإيمان) لا ينقذه من فتك الناس إلا شفاعة الحارس "الشيخ درديري" الذي يقول للجماهير: "اتركوه، إنني أعرفه هذا هو إسماعيل ابن الشيخ رجب من حتتنا، اتركوه، ألا ترون أنه مربوح :(ركبه عفريت) ..
تمنيت أن يقول هيكل في بداية الحلقات أنه آخر من يصلح للحديث فيها، ليس لأنه " مربوح" ولكن لأنه يمثل ثقافة أخرى، و أن هذه الثقافة تجعله جزءا من الداء فكيف يصف الدواء.
تمنيت أن يدرك هيكل كما أدرك الدكتور إسماعيل أنه لم يستطع شفاء حبيبته إلا بعد أن استرد إيمانه..
***
محمد جلال كشك، موسوعة فذة، شد ما كرهته في البداية، كنت أكرهه بفعل ظاهرة الهولوكوست، التي جعلتني أنا نفسي لا أطيق من يأتي ليقلب جزءا مهما من أفكاري رأسا على عقب، أو بفعل ظاهرة مسيلمة، التي تجعل الباطل أعلى نفيرا، وكان من أسباب كراهيتي له إحساسي أنه يظلم محمد حسنين هيكل( وهذا منشور في بعض كتبي)، واستمر الحال على ذلك حتى اكتشفت مع كل قراءة جديدة، كم كان هذا الرجل صادقا.
ولقد ساعدني على الخطأ في الحكم على جلال كشك نزق ينتاب قلمه أحيانا يبتعد به عن الوقار.. لكنه لم يبتعد به عن الحقيقة ولا عن الصدق أبدا.. ومن ذلك كتابه في المسألة الجنسية.
***
يصرخ جلال كشك أنه ناقم على محمد حسنين هيكل ، الذي لم يقاض مؤلف ولا ناشر كتاب " حبال على الرمال" حيث ذكر المؤلف أن هيكل قد جندته المخابرات الأمريكية منذ بداية الخمسينيات.
ورغم أن قضايا التعويض في الغرب يمكن أن تخلف ثروة، وعلى الرغم من سعة اتصالات هيكل في الخارج، فلم يفكر أبدا في رفع قضية.
نفس الموقف الذي اتخذه مع مايلز كوبلاند.
و على الرغم من ذلك، أصبح هيكل بطريقة ما، المتحدث الرسمي باسم الوطنية الناصرية والقومية العربية.
***
ولنأخذ هذه الفقرة الساخرة من حديث لجلال كشك، وبرغم نبرة السخرية العالية فيها إلا أنها تحتوى معلومات في غاية الأهمية والخطورة لا أتذكر أن هيكل قد أبرزها قبل ذلك بهذا الوضوح، إلا في الحلقة الثامنة على قناة الجزيرة، فعندما كانت الحرب على إسرائيل هي الدافع الرئيسي للثورة كان عبد الناصر بطل الحرب الأول، والآن ، مع الهزيمة والانهيار، وليس النكسة، عندما أصبحت المودة هي السلام، أصبح عبد الناصر رجل السلام، بل إنه خفض ميزانية الجيش في مصر في أول عام بعد الثورة بنسبة 15%.
والآن لنر كيف يصف محمد جلال كشك أحد المواقف بسخريته اللاذعة:
ننتقل الآن إلى السؤال الكبير.. ما موقف عبد الناصر من المواجهة المصرية- الإسرائيلية؟ هل حقا كانت هذه المواجهة- في تصوره- هي قضية الأمن القومي لمصر ومستقبل القومية العربية، ومن ثم تحتل قائمة الأولويات في استراتيجيته..؟ نحن نقول: لا.. بل ونضيف إن العكس تماما هو الذي حكم سلوك عبد الناصر في الفترة من 1952 إلى 1967.. ونحب أن نبدأ بناصري شديد الحماسة، بل لعله من أطهر الناصريين نفسا وأعفهم يدا ولسانا، وفي مقدمة الذين قيل فيهم: إن الطريق إلى جهنم مرصوف بذوي النوايا الحسنة" وهو أمين هويدي " من ضباط عبد الناصر المقربين له- أو هو يعتقد ذلك- المؤمنين به، عمل في فترة الثورة العراقية في بغداد، ثم وزيرا للحربية كفترة انتقال ثم مديرا للمخابرات.
يهاجم أمين هويدي " (السذج) و " المغرضين، الذين يقيمون الأحداث الآن، قائلين: إن عبد الناصر كان عليه أن يترك فلسطين في ذمة التاريخ لنتفرغ لأحوالنا ومشاكلنا، وأنه كان عليه أن يقفل عليه حدوده، وبذلك يتفادى الصدام مع إسرائيل)..
ويواصل جلال كشك:
احترنا والله ما بين الهويدي أمين والأمين هيكل..
الأول يقول: إن الدعوة إلى التفرغ لمشاكل مصر وتفادي الصدام مع إسرائيل لا تصدر إلا عن السذج والمغرضين. والأمين هيكل الواصل للخزائن والوثائق يؤكد لنا: أن أول من طرح هذا الشعار في مصر بل في الوطن العرب هو الزعيم عبد الناصر الذي قال لـ: ر. ك (اختصار ريتشارد كروسمان) الذي بدوره قال لـ:ب. ج (إشارة إلى بن جوريون) وهذا وحده دليل أكيد على صحة الرواية!!
قال الزعيم أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل ، وإنما يركز عل التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنيه عن السنة الماضية ".
حتى أن بن جوريون هرش شعره المنكوش " لما سمع ذلك " وتمتم بصوت خفيض وهو يهز رأسه: هذه أنباء سيئة.. أنباء سيئة جدا.
ولا أظن أن هناك مجالا للشك بعد هذا الوصف الدقيق للطريقة التي تصرف بها ب. ج عند سماع الخبر.. فهو أولا كان منكوش الشعر كما وصفه شاهد عيان وأخبر هيكل، وهو ثانيا هرش شعره هذا المنكوش ولم يمسح عليه أو ينتفه تماما.. ثم "تمتم" .. لا "همس" ولا "صرخ".. إنما "تمتم".. وبصوت خفيض.. كل هذه الأدلة تجعلنا نصدق انزعاج بن جوريون لأن عبد الناصر غير مشغول بإسرائيل ويعمل على خفض قدرات مصر العسكرية! وهي حالة معروفة بين العشاق.. حتى أن أم كلثوم تشكوا حتى الجفا محروم منه.. ياريتها دامت أيامه ، والأغاني المصرية حافلة بمثل خليني ع البال يا خلي البال " ولا شك أن بن جوريون كان يعاني من هذه الحالة التي للأسف هيكل هو المصدر الوحيد للإعلام عنها..
دعنا من الجزء الخاص برأس بن جوريون ومشاعره.. المهم أن عبد الناصر- وهذه واقعة مؤكدة يخفض الميزانية وبخطب الرئيس وبمسلكه- كان يرى عدم التحرش بإسرائيل، عدم الانشغال بها، والتركيز على مشاكلنا الداخلية.. فلماذا يهاجم (هويدي " هذا الموقف وينسبه للسذج والمغرضين إلا إذا كان قد قرر الانضمام إلى (جوقة عدم الوفاء " وتشويه سيرة الزعيم الخالد؟! أو لم يقل حمروش أنه بقبول مصر قوات الطوارئ لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات تحققت أفكار عبد الناصر وهي: " ليس هناك محل للحرب مع سياستنا الإنشائية التي قررناها لتحسين مستوى الشعب ". وهو أيضا الذي جزم وقدم أدلة: مما يظهر أن عبد الناصر لم يكن ضد إسرائيل ولم يكن من دعاة تدميرها) خريف عبد الناصر ص 33.
على أية حال بعد سطر واحد اندفع أمين هويدي يثبت أن مصر لم تتحرش قط بإسرائيل.. وأنها فعلا كانت تود لو أن بينها وبين إسرائيل جبلا من نار فلا يصلون إليها ولا تصل إليهم.. إذ يقول: ا ولكن هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما قامت بغارتها الوحشية في غزة وأتبعتها بغاراتها في مناطق عديدة بعد ذلك؟ هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما انضمت الأخيرة إلى بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي.
***
تتحدث كلمة الغلاف على الطبعة الإنجليزية من ملفات السويس عن أن الأهمية الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في أنه لأول مرة يمكننا من رصد أحداث معروفة في ضوء جديد تماما، فهي ليست مجرد كارثة نهاية إمبراطورية ولكن كفصل من العملية التي حاولت بها الولايات المتحدة استبدال الاستعمار القديم بنوع جديد من الهيمنة، وهي ليست مجرد حدث تطويه كتب التاريخ بل فصل في دراما تجري أحداثها.
إذن.. هذا اعتراف كامل بأن ثورة 23 يوليو كانت فصلا في تاريخ التحول الإمبراطوري الأمريكي.
وتتحدث كلمة الغلاف في كتاب ثورة يوليو الأمريكية فتقول: منذ 75 سنة نفذت المخابرات البريطانية ما أسمتها الثورة العربية! ومنذ أربعين سنة نفذت المخابرات الأمريكية ما أسموه ثورة يوليو الأولى أعطت نصف فلسطين لليهود والثانية مكنت اليهود من السيطرة على العالم العربي.

***
وفي جزء آخر، تصل فيه السخرية إلى آفاق غير مسبوقة، وهو يرفض رواية هيكل والتي يدعي فيها أن السفارة الأمريكية لم تعلم بالثورة إلا صباح يوم 23 يوليو، حيث تم إبلاغ السفارة الأمريكية بقيام الثورة، وطلب منها التدخل الأمريكي لمنع بريطانيا من التدخل العسكري.
ومن رأي جلال كشك أن أي ثورة محترمة في التاريخ لا يمكن أن تترك نقطة كهذه للصدفة، و إنما لابد أن تكون مخططة سلفا ومتفقا عليها، وليس في ذلك عيب، ولا عيب أيضا أن يتصل الضباط الأحرار بضباط المخابرات الأمريكية، قبل الثورة، العيب أن يستمر الاتصال بهؤلاء الضباط بعد الثورة وهو ما حدث، إذ كان يجب بعد نجاح الثورة أن تنتقل العلاقات من طور السرية مع ضباط المخابرات إلى طور العلنية مع السفير وموظفيه..
أقول أن جلال كشك يرفض تماما رواية هيكل عن كيفية إبلاغ السفارة الأمريكية بنجاح الانقلاب.. ويضع هذا التصور الهزلي الخيالي لما حدث:
لاشك أن اضطرابا شديدا قد وقع في صفوف الناصريين والمتاجرين بالناصرية والكائدين لمصر باسم الناصرية، عندما نشرت كتابي "(كلمتي للمغفلين) حيث طرحت فيه لأول مرة دراسة كاملة بالوثائق لطبيعة الانقلاب العسكري الذي نفذه جمال عبد الناصر ولم يكن- في بدايته على - الأقل- أكثر من واحد من عشرات الانقلابات العسكرية التي نفذتها المخابرات الأمريكية في شتى أنحاء العالم الثالث.. ولم يجرؤ ناصري واحد على أن ينقد حرفا في هذا الكتاب، ولكن لما نصب المولد، وجاء الحاوي الطروب وأحاطت به القردة، في ذكرى هزيمة سيناء الأولى، ومرة أخرى وجدوني أتصدى لهم ناقلا المناقشة من أعظم ثورات العرب التحررية، كما يخلعون على انقلاب ناصر الذي أفضى بالعرب إلى أحلك وأذل مرحلة في تاريخهم.. نقلت المناقشة إلى " أمريكية الانقلاب، وهل كان عميلا.. أم مجرد متعطش للسلطة قبل أن يحقق هدفه بمساعدة المخابرات الأمريكية..
ولما كان نفي الاتصال بالأمريكان أو إنكار دعم الأمريكان للثورة مستحيلا بعدما قدمنا من أدلة ووثائق ومنطق، وبعدما نشر في العالم كله من حقائق، فقد دب الاضطراب في صفوفهم، وراحوا يحاولون إخفاء الدور الأمريكي في انقلاب يوليو بمحاولات وتصريحات وتفسيرات مضحكة إلى حد البكاء، وقد تغلبت غريزتي المسرحية (وأنا كاتب لمسرحية واحدة يتيمة) وأسلوبي الذي يقول البعض إنه ساخر، تغلب عليّ فكتبت على ظهر تصريح للسيد علي صبري، التعليق التالي، ورأيت أن أنشره ترويحا للنفس قبل أن نخوض في كآبة ما أنزلته بنا ثورة يوليو الأمريكية! .
فاقرءوا السطور التالية كنكتة..
أدلى " علي صبري" بتصريح قال فيه إنه قابل عبد الناصر لأول مرة في حياته ليلة الثورة وطلب منه عبد الناصر في أول مقابلة: حاجة بسيطة خالص.. يخطف رجله للسفارة الأمريكية ويطلب منهم منع بريطانيا من التدخل ضد الثورة!..
واسمعوا القصة: وكان من الطبيعي أنه في ليلة 23 يوليو أن الرسالة التي يراد أن تبلغ إلى السفارة الأمريكية تبلغ من خلالي بحكم العلاقة الشخصية مع الملحق الجوي الأمريكي وقد اتصل بي البغدادي ليلة الثورة واستدعيت إلى القيادة وقابلت عبد الناصر وكانت هذه أول مقابلة، وأبلغني نص الرسالة الشفوية التي من المفروض أن أبلغها للملحق الجوي الأمريكي والرسالة بسيطة جدا فالجيش قد قام بحركته لتطهير القوات المسلحة من العناصر الفاسدة وليس للحركة أية أبعاد سياسية والشعب كله سيؤيدها لأنها ستتمشى مع مصالحه، والمطلوب أن تتدخل سفارة الولايات المتحدة لمنع أي تحرك للقوات البريطانية من منطقة القناة وقد ذهبت إلى الملحق الجوي الأمريكي وأبلغته الرسالة واتصل أمامي بالسفير الأمريكي في الإسكندرية لينقل إليه ما سمعه منى وفعلا وصلت الرسالة إلى السفارة البريطانية فيما بعد وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى عدم تدخل عسكري بريطاني في الأيام الأولى ".

وتفسير ذلك بالبلدي أن الملحق الجوى الأمريكي قاعد لا بيه ولا عليه بياكل همبرجر.. دق الباب..
- مين؟
- آنا علي صبري.
- أهلا علوة.!.. اتفضل همبرجر.. بيبسي!
- ألف هنا وشفا.. أصل أنا مستعجل..
- خير كفى الله الشر..
- لأ أنا قصدك في خدمة..
- تؤمر ياعلوة.!
- إحنا احتلينا القيادة العامة والإذاعة ومسكنا البلد.. لكن وحق العيش والهامبرجر.. ولا ينقلب على عيني عدس يا شيخ لا إحنا بتوع سياسة ولا لينا أهداف سياسية.. غيرشي كام ضابط عايزين نطهرهم!!
الملحق الجوى- أنا تحت أمرك عايز مطهرات من أمريكا؟!
علي صبري- لأ.. أبسط من كد... عايزين السفارة تشد تليفون للسفير البريطاني وقائد جيش الاحتلال البريطاني.. وتقول لهم حسك عينك تقربوا ناحية الجيش وحركة الجيش..
الملحق الجوي- غالي والطلب رخيص يا علي!.. والله ما تقوم إلا مبسوط هاتي التليفون يابت.
ألو- السفير كافري؟! حذر فزر مين هنا؟!.. لأ.. هيكل مشغول معاهم؟!.. علي صبري صاحبي اللي كنت بأسهر عنده... هو الحقيقة جاي قاصدني.. وأنا قلت بقى إنك مش حتكسفنا.. هو أصله قاصدنا ندى إنذار لبريطانيا العظمى حليفتنا رقم واحد في حلف الأطلنطي، والمسئولة رقم واحد عن مصر.. لأن هم عملوا حركة قصدها تطهير الجيش.. وأنا صدقته وقلبي انشرح له.
السفير الأمريكي- على ضمانتك؟ أوعوا يكونوا بتوع سياسة..
الملحق الجوي- أعوذ بالله.. دا وشه سمح ولا يمكن يكذب!
واتصل السفير الأمريكي على الفور بوزير الخارجية في واشنطن:
اتشيسون: خير الساعة كام دلوقتي.. فيه ايه؟. الملك عايز حاجة؟!
كافري: ملك مين؟ كل سنة وأنت طيب.. في واحد اسمه علي صبري.. طبعا ما تعرفوش ولا أنا أعرفه.. لكن هو بينه وبين الملحق الجوي بتاعنا عيش وملح.. الستات زي الأخوات.. وهو اتصل بالملحق الجوي علشان التطهير..
- تطهير ايه يا سفير الكلب!!.. تصحيني من النوم علشان عاوز شوية مبيدات..
- لأ اسم الله على مقامك.. دول مش عايزين حاجة غير إنذار صغير يرسل للندن الليلة علشان ما حدش يتدخل.
واتصل وزير الخارجية الأمريكي بالرئيس الأمريكي..
اتشيسون: صباح الخير يا ريس.
رئيس الولايات المتحدة: خير ايه وبتاع ايه الساعة كام؟!
وزير الخارجية: متأسف يا ريس.. إنما تعرف سفيرنا اللى في مصر؟ لأ. اسمه كافري.. عنده ملحق، والملحق مراته تعرف مرات واحد اسمه علي صبري.. لأ .. بالإس يا ريس!!..
أيوه طول بالك.. علي ده زار الملحق النهارده وطالبين إنذار لبريطانيا.. هم مش بتوع سياسة أبدا، ولا ليهم أهداف سياسية.. دا مجرد تطهير.
- طب ما يكلموا منظمة الصحة العالمية؟ ..
- لأ هم عندهم مستشفى المواساة وعندهم مطهراتية بس عاوزين تليفون منك لتشرشل تقول له إذا تدخلت بريطانيا الأسطول السادس حيضربها..
وقد كان واتصل ايزنهاور بتشرشل وشلت يد بريطانيا ولم تتدخل بفضل زائر الفجر علي صبري ووجهه السمح الذي كسب قلب الملحق الجوي!
***
يواصل جلال كشك جادا هذه المرة:
هل يليق هذا العبث؟.. ولماذا هذا اللف والدوران.. مادام عبد الناصر يخشى تدخل اَلْإِنْجِلِيز ضد الثورة، فهل يعقل أن ينتظر إلى أن تصبح أمرا وَاقِعَا، وماذا يحدث لو رفض الأمريكان.. تضيع البلد؟ أليست رواية جميع المصادر العاقلة أكثر منطقية.. وهي أن عَبْد الناصر الحريص على تأمين الثورة، اتصل قبل الثورة بالأمريكان شَارِحًا أهدافه، عَارِضَا التعاون، وعلي صبري نفسه يشهد حرفيا بالتقاء المصالح عندما قال: أعتقد أن الأمريكان قد وجدوا فِي الثورة فرصة، فهم بمساندتهم لها يستطيعون أن يقلصوا نفوذ اَلْإِنْجِلِيز وتحل أمريكا مكان الإنجليز، وكان هذا هَدَفًا استراتيجيا لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ومصر مفتاح الشرق الأوسط وَإِذَا استطاع اَلْأَمْرِيكَان أن يزعزعوا النفوذ اَلْبِرِيطَانِيّ في مصر وبالتالي المنطقة العربية، وَكَانَتْ هذه هي الأرضية اَلْمُشْترِكَة التي عمل عبد الناصر على اللعب بها فهناك تَنَاقُض بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية البريطانية. وهذا لا يعنى أن تأييد الأمريكان للثورة كان تَأيَيَّدَا مُطْلَقًا ولكنه بهدف تثبيت أوضاع الثورة ثم الانطلاق منه إلى تقليص النفوذ اَلْبِرِيطَانِيّ تمهيداللسيطرة " (حَرْفِيًّا حديث صحفي- نوفمبر 1986).
صدقنا وآمنا.. وقلنا كما قال النجاشي.. هذا وَالْإِنْجِيل مثل هذين! وسبحان من ضرب مَثَلًا ما جناح بعوضة..
• اَلْأَمْرِيكَان استراتيجيتهم هي إخراج بريطانيا من مصر.
• وجدوا في ثورة عد الناصر فرصة لتحقيق ذلك.
• عبد الناصر وجد أن هذه أرضية مشتركة، تمكنه من الحصول على الدعم الأمريكي لثورته.
• اَلْأَمريكان رأوا أن دعم هذه الثورة وتثبيتها يحقق لهم تصفية النفوذ البريطاني والسيطرة على مصر..
وكل امرأة طالق وكل رقبة حرة إن كنا قَدْ قلنا أكثر من ذلك، إلا أن اِسْتِرَاتِيجِيَّة أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن تنام عليها أمريكا حتى ينبهها علي صبري ليلة الثورة أو صباحيتها.. واستراتيجية خطيرة مثل هذه. لا يمكن أن يكتشفها عبد الناصر ليلة اَلثَّوْرَة، ولا يمكن أن يُؤَجَّل دَرَاسَتهَا وتجربتها ومحاولتها إلى أن يغامر بها مرة واحدة يوم الثورة..
لقد اتفق الطرفان على تنفيذ اَلثَّوْرَة، ولا يضير الناصريين اَلشُّرَفَاء أبدأ الاعتراف بهذه الحقيقة فهي لا تجعل من عبد اَلنَّاصِر عَمِيلَا، وإنما متآمرا.. وقد قلنا إن هذه المؤامرة ضمنت نجاح الانقلاب، ومنعت تدخل اَلْإِنْجِلِيز وحققت الكثير من النجاح، ولكن لأنها كانت مؤامرة ومع المخابرات الأمريكية فقد انقلبت بعد ذلك على اَلْمُتَآمِر ودمرت كل شيء ومكنت إسرائيل من إلحاق الهزيمة التاريخية بمصر والعرب..
فلا داعي للف والدوران وتغطية الرأس بكشف السوءة، الاتفاق اَلْاِسْتِرَاتِيجِيّ بين" انقلاب يوليو وَالْأَهْدَاف الاستعمارية اَلْأَمْرِيكِيَّة متفق عليه.. نحن نقول " قبل " وهم يقولون " بعد".. فأي الروايتين أكثر مَنْطِقًا وعقلانية؟!

***
ويذكر مايلز كوبلاند أن هيكل كان حلقة الوصل بين الضباط الأحرار وبين المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية بالقاهرة وليام ليكلاند.
***
الغريب أن بعض الكتاب الذين يحترمون هيكل احتراما كبيرا، يصدقون في نفس الوقت ما ذكره مايلز كوبلاند.
فهمي هويدي على سبيل المثال، في مقالة بصحيفة الأهرام، كتب مشيدا بهيكل العظيم الذي عاد ليرسخ الثوابت، لكنه منذ أسابيع، وفي مقال بعنوان لا وقت للمماحكة يكتب عن :
"وقد تحدث الأمريكي «مايلز كوبلاند» في كتابه «لعبة الأمم» عن الدور الأمريكي في انقلاب حسني الزعيم بسوريا عام 1949، وانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق عام 1958، وهناك انقلابات أخرى حدثت في الستينيات لم تكن الأصابع الأمريكية بعيدة عنها. في الوقت ذاته فان ظهور النفط في العالم العربي أضاف سبباً جديداً لمضاعفة دور قوى الهيمنة في المنطقة، وهي التي أدركت أن من يسيطر على منابع النفط يسيطر على العالم الصناعي بأسره. وهو ما لفت الانتباه إليه الأستاذ محمد حسنين هيكل أثناء غزو العراق حين قال أن المعركة ليست ضد العراق، ولكنه ميدان لضرب النار في التنافس على المستقبل بين الولايات المتحدة وأوروبا."

الغريب حتى الدهشة، أن هويدي، أغفل تماما أن الموضوع الرئيسي لكتاب مايلز كوبلاند هو ثورة يوليو الأمريكية وتجنيد هيكل بواسطة المخابرات الأمريكية..
ولو أن هويدي لا يصدق كوبلاند فلماذا يستشهد به.. وإن كان يصدقه فلماذا يخفي الحقيقة.
***
لدينا شاهد آخر على صدق كوبلاند..
ففي حوار مع الدكتور مصطفى خليل رئيس الوزراء الأسبق في مصر، والوزير في عهد عبد الناصر يسأله أحمد منصور سؤالا فيجيبه:
د. مصطفى خليل:
دور الولايات المتحدة أعتقد إن المرجع فيه لكتاب لعبة الأمم ..
أحمد منصور:
ما يلز كوبلاند.
د. مصطفى خليل:
أيوه مايلز كوبلاند، والكتاب شائع.
أحمد منصور:
هل تعتقد إن اللي ذكره كوبلاند -وأنت كنت وزيراً ونائباً لرئيس الوزراء في عهد عبد الناصر- إن ما ذكره كوبلاند صحيح كله؟
د. مصطفى خليل:
أعتقد إنه قال: الحقيقة في جزء كبير من الكتاب بتاعه .
***
يقول سيار الجميل عن نفس الواقعة:
د. مصطفى خليل وهو شخصية مصرية سياسية معروفة تقلد عدة مناصب عليا في عهد عبد الناصر وعهد السادات، بأن كل ما كتبه مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الأمم صحيحا " شاهد على العصر " " قناة الجزيرة الفضائية، مساء يوم27-2-2000م
والحقيقة أنني أعاتب المؤلف هنا، فمقتضيات الأمانة والتجرد تقتضي أن نذكر الكلمات التي قالها مصطفي خليل حرفيا.. رغم أنه من الناحية العملية لا يكاد يوجد أي فارق.
***
ثمة رواية أخرى شاهدتها بنفسي في حوار تلفازي، وفات علىّ توثيقها، وسأكون ممتنا لمن شاهد البرنامج أن يوثقها لي.
والواقعة تتعلق بالدكتور عبد العزيز حجازي، وهو واحد من أقوى و أنظف و أكفأ رؤساء الوزارات في مصر ، قد أكد أنه بعد أن تولى الوزارة في أوائل عهد السادات، جاءه مايلز كوبلاند يعرض عليه أن يعمل لصالح المخابرات الأمريكية.
ما يلز كوبلاند ليس صعلوكا إذن ولا مبتزا، إنه واحد من كبار المسئولين في المخابرات الأمريكية وقد استمرت علاقته بكل الضباط الأحرار وهيكل ومصطفي أمين لفترة طويلة.
يقول إيفيلاند، وهو ضابط مخابرات أمريكي آخر، مؤيدا كوبلاند:
منذ أوائل الخمسينيات جند كيم روزفيلت ومحطة السي آي إيه في القاهرة ثلاثة من الصحفيين المصريين البارزين كعملاء للمخابرات الأمريكية هم محمد حسنين هيكل والأخوان أمين.. مصطفى وعلى.. و أن عبد الناصر كان يعرف ذلك .
***
ما زال التساؤل يطاردني : لماذا لم يحدد هيكل موقفه من الإسلام.. أو على الأقل دور الإسلام في الصراع..
هل نشهره؟..
هل نقتله؟؟
هل نخفيه كعوره؟؟!!
ولككني أقرأ في لعبة الأمم:
" وقد بذلت المخابرات الأمريكية كل جهودها في استبعاد الإسلام عن أي سلطة، فقد أشار مايلز كوبلاند عميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي أشرف على تنفيذ كثير من الانقلابات في العالم العربي، أشار في كتابه الشهير (لعبة الأمم) إلى أنهم قرروا أن يرفع جمال عبد الناصر في مصر شعار القومية العربية على الرغم من أن الشعار الإسلامي سيعطيه مساحة جماهيرية أكبر، ولكنهم خافوا من انتشار الإسلام، كما أرادوا أن تكون القومية العربية أداة لكبح جماح التيار الإسلامي المتنامي، فحصل المراد وتم ضرب ذلك التيار في مصر وكثير من الدول العربية ضربة كبيرة."
***
لا يثق سيار الجميل بصدق روايات هيكل ولا بقوة توثيقه ويرى أن كتاباته كلها تهدف إلى هدف سياسي بغرض معين .. والغرض مرض تموت فيه الحقيقة.. يقول سيار:
دعونا نتوقف عن واحد من أبرز كتب محمد حسنين هيكل وأهمها.. عنوانه "سنوات الغليان " في جزئه الأول الذي يتضمن حالة العرب وأوضاعهم، وخصوصا في المشرق العربي أبان عقدي الخمسينيات والستينيات، وقد عالج فيه صاحبه جملة من الموضوعات الساخنة التي عايشها عندما كان هو نفسه في قلب الأحداث على عهد الرئيس جمال عبد الناصر.. وقد آليت إلا أن أقف عندما أثارتني بعض النصوص التي أوردها هيكل، وكأنه كتب الكتاب على هواه دون أي مرجعيات ومصادر تاريخية ووثائقية.. (...)
في مقدمته، يسهب هيكل في الحديث عن نفسه، ولم يستطع- كعادته- إلا أن يضفي عليه هالة من النوع الذي عرفناه في بقية كتبه.. فهو يكتب في مقدمته: " وأتذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران دعاني يوما إلى غداء كنا على مائدته وحدنا في مطعم ليب بـ: سان جرمان، وناولني نسخة من كتابه السنبلة وحبة القمح وهو يحوي طرفا من مذكراته وخواطره.. " (سنوات الغليان، ص 8) وراح يكتب عن حوار بينه وبين ميتران حول فلسفة الحرب والسلام، حتى يصل إلى أن يقول: "ثم آثرت أن أغير الموضوع وانتقل منه إلى غيره! " (سنوات الغليان، ص 9).. نعم، إنه لوحده على مائدة فرانسوا ميتران، وأنه أهداه نسخة من كتابه، وأنه حاوره في الحرب والسلم.. ولما لم يعجب هيكل بما قاله ميتران آثر أن يغير الموضوع، وينتقل منه إلى غيره!
***
يقول جلال كشك في كتابه ثورة يوليو الأمريكية – دار الثقافة الجديدة ط 3 - :
" كانت التقاليد المصرية العريقة تقضى بدفن الجثة بعد أربعين يوما، ولك هاهي رمة تاريخية مر عليها أربعون عاما ويرفض البعض أن نواريها التراب أو أن يفتح ملفها السري ليعرف المصريون سر ما حاق بدولتهم وأمتهم. سر هذه المعجزة- الكارثة التي غيرت خريطة الشرق الأوسط- وحسمت الصراع العربي الإسرائيلي فيما يبدو، وكأنه الهزيمة الشاملة لمصر والعرب والانتصار الإسرائيلي الساحق في حجمه وسهولته.. ولابد أن نواجه الحقيقة.. إن كان ثمة أمل في خلاص لابد أن نقول إن عبد الناصر كان ضرورة لقيام إمبراطورية إسرائيل، ولم يحدث أن تحقق خلال سبع عشرة سنة أن انهارت دولة وتألق خصمها مثلما حدث في عهد عبد الناصر بين مصر وإسرائيل.
إن الصراع بين مصر و إسرائيل لم يكن أبدا مجرد غضبة لحقوق الشعب الفلسطيني، و إن دار فترة على أرض فلسطين، إنما المواجهة الرئيسية بين مصر و إسرائيل كانت حول الشرق الأوسط، (...) وقد استطاع انقلاب يوليو أن يمنع الشعب المصري من القيام بمهمته التاريخية، وهي التصدي للاستعمار الإسرائيلي.(...)..
والآن بعد أربعين سنة تبدو النتيجة شديدة الوضوح غير قابلة للمكابرة. إسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط، ومصر تراجعت إلى الدرجة الرابعة بعد أن تفوقت عليها إسرائيل وتركيا وإيران. (...) إسرائيل في رعاية الولايات المتحدة وبفص صدام التي أسقطت التكليف عن دول الخليج، تتفاوض من أجل التطبيع مع العرب كلهم وبلا أي تنازل من جانبها، بل لاقتسام ثروة وماء العرب، وأخذ حصة الأسد في أسواقهم. وما كان يمكن أن يتحقق ذلك إلا بفضل ثورة يوليو وما أفرخت من ثعابين! (...)
***
يقول جلال كشك في مكان آخر من نفس الكتاب أن إسرائيل لم تكن تبحث عن دولة بل عن قاعدة لإمبراطورية.
***
إنني أرجو القارئ أن يلاحظ أن تعبير الإمبراطورية الإسرائيلية ، والذي لا بد روع معجبي هيكل، فاعتبروه دليلا على نفاذ بصره وسعة بصيرته، هذا التعبير بحذافيره استعمله جلال كشك قبل هيكل بعشرين عاما على الأقل، أما محتواه ومضمونه فقد كان معروفا منذ الفراعنة، وأنه، قبل قيام دولة إسرائيل، كان هناك من يقول – لعله الشيخ مصطفي صبري- أنه طوال ألف و أربعمائة عام فإن المنطقة الممتدة من الصين إلى المغرب قد تعودت أن تعيش بعاصمة مركزية واحدة، و أنه يخشى أن تكون هذه العاصمة – بعد انهيار دولة الخلافة – دولة يهودية.
ولقد أدرك كل المفكرين الإسلاميين هذه الحقيقة..
وكان منهم أولئك المفكرون الذي شارك هيكل في إعدامهم.. وعلى رأسهم الشهيدين سيد قطب وعبد القادر عودة.
الإمبراطورية الإسرائيلية التي تمتد خارج العالم العربي ليست إذن اكتشافا عبقريا مذهلا لهيكل، وليست حتى سرا، إنما حقيقة جاهد هو أن يطمسها نصف قرن حتى لم يعد إلى طمسها سبيل فعاد ليطرحها بصورة أخرى.
بل إن هيكل نفسه يعترف أن ثورة 23 يوليو نفسها كانت جزءا من هذا التصور والتطور، تطور الإمبراطورية الأمريكية وفي بؤبؤ العين منها إسرائيل وكان هذا شديد الوضوح منذ البداية، وليس الأمر وضوحه فقط، بل وتم الاتفاق عليه، فلماذا أجل هيكل اكتشافه خمسين عاما ليبدو لنا مزهوا باكتشافه ضائقا بغبائنا.
***
لقد حاولت كثيرا يا قراء أن أنقل لكم وجهة نظر جلال كشك كاملة، لكن وجهة نظره تستعصي على التلخيص. لذلك أنتهز فرصة قيام الجميل بعرض فصل من فصول ثورة يوليو لأستعين به. وقد أورده الكاتب كدليل ليس على عدم مصداقية هيكل فقط، بل على تعمده التزوير..
يقول الجميل:
التاريخ البلاستيك: وقفة عند اتهامات كشك لهيكل..
كان هذا هو عنوان الفصل الأول من كتاب محمد جلال كشك الذي خصصه في الهجوم الصارخ على محمد حسنين هيكل.. وخص الفصل الأول في نقد كتاب "ملفات السويس" في طبعتيه العربية والإنجليزية، علما بأن عنوان الطبعة الإنجليزية للكتاب هو: "السويس قطع ذيل الأسد: نظرة مصرية". ويعد جلال كشك من أقسى المهاجمين الذين تعرضوا لهيكل ، فقد وصم كشك محمد حسنين هيكل بالكذب والتزوير والاستهتار والتهريج (المرجع نفسه، ص 37- 38)الكتاب بل ووصل في هجومه عليه ليصفه بالعمالة والخيانة والمأجورية والتجسس (المرجع نفسه، فصول الكتاب.
يقول الجميل أنه راجع بدقة مقارنات جلال كشك، و أنه يشهد بأنها كلها صحيحة..
ملحوظة: ولعل القارئ يذكر ما نشرته منذ شهور، عندما تعرضت لكون لإصلاح الزراعي هو فكرة أمريكية، ألح بها الرئيس الأمريكي روزفيلت على الملك فاروق منذ عام 1945. وساعدني صديقي الأستاذ محمد طاهر في كندا في العثور على نسخة من الطبعة الإنجليزية كي أتأكد بنفسي من تعمد هيكل للتدليس.. ولقد تأكدت!! انتهت الملحوظة.
نعود إلى سيار الجميل في قراءته لكتاب جلال كشك: ثورة يوليو الأمريكية:"
1. الطبعة العربية من كتاب " ملفات السويس "- يقول كشك- " هي التي سقطت منها وقائع وحقائق في غاية الأهمية، وأنها طالت بشقشقة اللسان والتهريج ببطولات كاذبة استحى هو أن يعرضها للقارئ الأجنبي، أو أخطر ناشرة الإنجليزي إلى حذفها تمسكا بشرف الكلمة، واحتراما لهذا القارئ الأجنبي.. الذي كان عند حسن ظنهما فاستقبل هذه الطبعة ببرود لم يجابه به أي كتاب لهيكل ذاته.
يكتب هيكل في الطبعة العربية من ملفات السويس عن مجموعة من الناشرين الإنجليز والفرنسيين والأمريكان والألمان واليابانيين يطالبونه بكتاب عن السويس.. وهذا ما كرره هيكل في مقدمة كتاب قصة السويس (بالعربية)، وسنراه يكرره في مقدمة كتاب حرب الخليج (بالعربية).. أما في الطبعة الإنجليزية، فلا نجد فيها هكذا كلام وادعاءات .. لماذا؟ إن ذلك ببساطة هو جزء من صناعة دعائية واضحة للمؤلف هيكل بنفسه عن نفسه لترويج نفسه عربيا.. وقد نجح كثيرا في مهمته هذه، إذ كان معظم القراء العرب وما زالوا يصدقون ما يكتبه هيكل وما يروجه عن نفسه بنفسه.

2. لقد سجل الناقد على هيكل بعد مقارنته بين الطبعتين من " الكتاب مسألة تشويه هيكل لوثيقة روزفلت والتي أرسلها إلي الملك فاروق، إذ حذف من الطبعة العربية جملة خطيرة جدا تقول: " واقترح الرئيس الأمريكي على ملك غير متجاوب، اقترح تقسيم الملكيات الكبيرة في مصر وتسليمها للفلاحين لزراعتها (وكلمة الفلاحين بالأحرف اللاتينية إذ ظهرت بشكل Fellahin) ( ) السويس: قطع ذيل الأسد وقارن ذلك مع الطبعة العربية التي حذفت منها الفقرة كاملة، لا لسبب إلا لأن القارئ العربي سيعلم بأن مشروع الإصلاح الزراعي هو أصلا مطلب أمريكي منذ 13 فبراير / شباط 1945، أي قبل ثورة يوليو المصرية بسبع سنوات!

3. تشويه هيكل قضية الأمة العربية في صراعها الاستراتيجي ضد الصهيونية، واعتباره في النسخة الإنجليزية " قطع ذيل الأسد " بأن إسرائيل خاضت حربا ضد بريطانيا وعملاء بريطانيا من الحكام العرب وان الإنجليز أرادوا الدخول المصري في حرب فلسطين لحرف أنظار المصريين عن النزاع معهم، وكان في وسع الإنجليز الاعتماد أبدا في الطبعة العربية الموسعة. أما هذا الكلام الذي كتبه هيكل، فما هو إلا تشويه متعمد لطبيعة الصراع المبدئي بين العرب والصهاينة.

4. وبصدد وحدة وادي النيل، نرى هيكل يقول في كتابه " قطع ذيل الأسد " (بالإنجليزية): " مسألة السودان أو ما يسمى بوحدة وادي النيل لعبت دورا هاما في مفاوضات ما بعد الحرب، فقد كان مفهوما أنها قضية عزيزة على قلب الملك فاروق، الأمر الذي لا يستطيع أحد من وزرائه تجاهله. لكن عندما اختفت الملكية أصبح الطريق سالكا للسودان لكي يستقل عن كل من مصر وبريطانيا " (قطع ذيل الأسد) إلا أن هذا الكلام ينافي الحقيقة التاريخية، فلقد صوت السودانيون بأغلبية ساحقة مع وحدة وادي النيل في أول انتخابات حرة تشهدها بلادهم. وأن أول خطاب أذاعه محمد نجيب بصوته كان موجها إلي : "إخواني أبناء وادي النيل ". وان البرلمان المصري على امتداد عهده شهد مشروعية وحدة وادي النيل (ثورة يوليو)..

5. ونشهد قراءة النص التالي في الطبعة الإنجليزية " قطع ذيل الأسد " والمفتقد من الطبعة العربية، إذ يقول: " كان ناصر وصحبه يتطلعون بأمل للأمريكيين، لم يكن عالم اتصال مباشر سابق مع الأمريكيين " (قطع ذيل..، ص 33). ونسأل أيضا: لماذا لم نجد هذه "المعلومة" فعلا في الطبعة العربية "ملفات السويس، وإذا لم يكن هناك ثمة اتصال مباشر سابق.. معنى ذلك أن هناك اتصال غير مباشر سابق! علما بأن هيكل نفسه كتب قبل عشر سنوات من نشره هذا الكلام، وبالذات في كتابه "قصة السويس "، أي في سنة 1976 كتب يقول: لم يكن هناك اتصال بين الثورة (1952) والولايات المتحدة قبل ليلة 23 يوليو " (قصة السويس، ص 68). في حين يغير النص في طبعة سنة 1986 المزيدة والمنقحة، ليقول: لم يكن لهم اتصال مباشر مع الأمريكيين (قطع ذيل الأسد، ص 33).

6. عندما يتحدث انتوني ايدن وزير خارجية بريطانيا عن ذكرياته مع الملك فاروق وباشوات مصر.. فان هيكل يخفي النص كاملا في الطبعة العربية " ملفات السويس "، في حين ينشره كاملا في الطبعة الإنجليزية "قطع ذيل الأسد "، لماذا؟ لأن نص كلام إيدن يمتلأ بالكراهية للملك والاستصغار بمصطفى النحاس وتحذير ساسة مصر القدماء. إذ يقول انتوني ايدن بحكم معرفته بحكام مصر السابقين من طراز فاروق والنحاس، فان الثورة لم تفاجئه، وأنه طالما حذر السياسيين القدامى من اللعب بالنار بإثارة مشاعر الجماهير بالدعاية ، وكان واضحا أن هذا تحذير موجه للجدد أيضا " (قطع ذيل..، ص 64).

7. في الطبعة العربية، يكتب هيكل بأن الولايات المتحدة هي المتبنية لحلف بغداد، وكانت مصممة على ضم مصر إليه، ولكن بسبب مقاومة مصر قررت عزلها فترة حتى "تستبعد مصر وتأثيرها عن الموضوع كله حتى يستقر رأيها على ما سوف تفعله، وسوف تجد نفسها (أي: مصر في النهاية مرغمة على اللحاق بالآخرين، وإلا وجدت نفسها معزولة" (ملفات السويس، ص 360). أما في الطبعة الإنجليزية، فلقد أقتصر هيكل على أن يقول: " أكد الأمريكيون لعبد الناصر أنه لا نية لديهم في الانضمام لحلف بغداد " (قطع ذيل الأسد، ص71).

8. ثمة انتقادات ومقارنات وتعليقات وملاحظات دقيقة أخرى سيجدها القارئ في الفصل الأول الموسوم: التاريخ البلاستيك وهيكل في كتاب " ثورة يوليو.. " لمحمد جلال كشك، وجميعها صحيحة بعد مطابقة الطبعات العربية من "ملفات السويس " بالطبعة الإنجليزية من " قطع ذيل الأسد "
ويستطرد سيار الجميل:
وبرغم الأسلوب السياسي الذي هاجم فيه محمد جلال كشك عدوه اللدود محمد حسنين هيكل، واختلافي مع اللغة التي استخدمها كشك في هجومه على هيكل، في استخدام الأسلوب السياسي ضده، إلا أن في كتاب " ثورة يوليو الأمريكية.. " إدانات "واضحة ومقارنات صحيحة لا حصر لها في المعلومات التي سجلها المؤلف على كتب هيكل، وان كشك قد وثق جملة كبيرة من مقارناته التي سيستخدمها الباحثون في نقد هيكل بمتابعاتهم عنه مستقبلا.. علما بأن هيكل لم يرد حتى يومنا هذا على اتهامات كشك وغيره ، وهذا ما يضعف من كتابات الرجل، خصوصا وان الاتهامات لم تكن قليلة، فلقد بلغت عدد صفحات كتاب كشك (645) صفحة. ومن يقرأ كتاب محمد جلال كشك سيقف جائرا جدا ليست إزاء رجل اسمه محمد حسنين هيكل، بل إزاء جملة من الأسرار التاريخية في حياة العرب إبان النصف الثاني من القرن العشرين.. والتي اعتقد أن ألغازها ستحلها الأجيال العربية القادمة في القرن الحادي والعشرين.
***
قلت لكم يا قراء ذات مرة أن المرض يصيبني كلما قرأت جلال كشك .. لا بسبب فداحة ما فيه.. ولكن بسبب آخر مضاف.. إذ كيف لم نكتشف الحقيقة مع وضوح الأدلة..
كيف لم نفهم بالدرجة الكافية موقف هيكل وانتصاره للصليبي الجاسوس لويس عوض على العلامة محمود شاكر..
و أنه جعل من الأهرام – وما زال- وكرا للملحدين حراما على المسلمين..
كيف التمسنا له المعاذير..
أذكر مرة منذ أعوام كان يتحدث عن عظمة سلامة موسى الذي لم تعطه الصحافة في مصر حقه..
ولو أنني أدركت ذلك في الوقت المناسب لوفرت على نفسي عشرين عاما ضبابية هاربة خلف ادعاء الموضوعية..
سلامة موسى لم يأخذ حقه..
وهيكل هو الذي يقول ذلك..!!
سلامة موسى.. أحقر من كتب في مصر في القرن العشرين و أكثر من اجترأ على الإسلام ..
عدو العروبة والإسلام.. عميل من أخطر عملاء الغزو الفكري.. أرادوه أن يمثل دورا بعينه.. أن يحمل معول الهدم، ليدمر تراثنا العربي، وعقيدتنا الإسلامية.
إن هناك مئات المصادر تكشف سلامة موسى وتفضحه، من أهمها رسالة للماجستير للكاتبة شروق محمد، لكنني أكتفي هنا باستعراض جلال كشك لفضائح موسى ومخازيه:
أرادوه أن يكون هو الأداة التي يحركها المستشرقون والمبشرون والخواجات.. فهو على الأقل يحمل اسما مصريا.. وان يكن فجوره وتوقحه وأغراقه في عداوة وطنه قد جعل شيخ العملاء " يعقوب صروف " يتشكك في مصريته ويصر على أن به عرقا غير مصري. وما كان غيره يقبل هذا الدور.. التقطوه من على مقاهي الإسكندرية، بلا مؤهلات، فشل في تعلم القراءة والكتابة حتى سن الحادية عشرة.. رغم تردده على مدارس الأقباط والمسلمين.. وعجز عن مواصلة الدراسة إلى أبعد من الشهادة الابتدائية.. وأرسلوه إلى أوروبا ليدرب ويعد للمهمة التي اختاروه لها. في لحظة حاسمة من تاريخ أمتنا.. ومصطفى كامل يمزق حجب اليأس، وينفث في الأمة روح الأمل. يحاول أن ينسيها مرارة هزيمة الثورة العرابية.. ويدفع في عروقها بحرارة اليقين، بقوتها، وقدرتها على هزيمة المحتلين.
أخذوه ودربوه.. ليعود فيبشر فينا بأننا جزء منهار من كل، والكل حكم عليه بالفناء والموت.. وأن الغرب هو القوة المسيطرة.. وهو المنتصر.. جاء يبشرنا بأن الدين رجعية، وأفكار بالية و مناقض للعلم.. و أن العروبة بداوة وجهل وخرافة.. وأن اللغة العربية هي أبشع لغات العالم، وأحراها بالزوال العاجل.. وكانت أصول اللعبة تقضي أن يحمل معول الهدم من له اسم مصري..
لأن خبرة الصيادين تعرف أن الفيلة لا يقودها إلي سجن الصياد الماكر، إلا فيل عميل أتقن تدريبه، ليتسلل بين القطيع، فيألفه القطيع لأن جلده مثل جلدهم .. ويسمعون له، لأن صوته يشبه صوتهم، فينقل من حقد قلبه المأجور، ما لقن من لفظ مسموم حتى يغرر بهم ويسوقهم إلي حظيرة الصائد، الذي ينتزع أنيابهم ليصنع منها منافض لسجائره ومقابض لعصيه وكرات يلعب بها، ويحيلها، من شموس سيدة الغابة، إلى مهرجة في السيرك و مطية لأطفاله العابثين.
وقد فهم سلامة موسى دوره هذا، فنراه في الوثيقة التي كتبها إلي وكيل وزارة الداخلية في حكومة محمد محمود يعرض خدماته بأن يتولى هو إحداث انشقاق في الأقباط الملتفين حول الوفد ليقودهم لتأييد المعاهدة مع بريطانيا.. ويقول بالحرف الواحد وبخط يده " قد كنت منذ أشهر طلبت الترخيص لي بإصدار جريدة يومية باسم " الدينا " لكي أخدم الحكومة في الدعوة لها بين الأقباط؟.....
عاش عدوا للعروبة والإسلام مبشرا بالحضارة الغربية والنفوذ الغربي ومات.. ولم يسر في جنازته من أهل الكتابة إلا تسعه وكان أحرى بنا أن نهيل عليه الترب وننساه.. لولا إلحاح البعض على العبث بجيفته.. في محاولة يائسة لصنع قديس من بقاياه.. وكل من درس أساطير القديسين والأشباح والعفاريت، يعرف أن ما قاله العفريت أو فعله لا يساوي شيئا بجانب ما تضفيه الأسطورة عليه وما تحكيه عنه.. ونفس الشيء هو ما يجري الآن حول " سلامه موسى " على أمل أن يعبد يوما، ما دام أجدادنا قد عبدوا القطط والبقر والكلاب والقردة والتماسيح والخنافس.. ولكي يعبد سلامه موسى.. يجب ابن يكفر الجيل الجديد بكل تراثه.. ولابد أن يشدو كبار القوم – مثل هيكل- بأفضاله ومديحه.. ولابد أن تعرض مجلة الطليعة " في دراستها بكل كتابنا " فاغلب المفكرين عندنا كانوا نقلة، أو أدباء يدورون حول حقائق جزئية وترجع أهمية سلامه موسى إلى أنه المفكر الذي حاول أن يعطينا هده النظرة الشاملة ".. نظرة شاملة.. وهو أكبر ناقل.. بل ليس في كل كتاباته إلا النقل.. قولوا لنا فكرة واحدة بخلاف الجهل والخطأ في الترجمة والفهم.ما هي أفكاره؟.. وما الذي أضافه؟. ما الذي بقى منه .. ما الذي عدله قبل موته وما الذي أنكره وما الذي أصر عليه؟.. نسمع كلا مضحكا.. انه أول من دعا إلى تحديد النسل؟.. ولم يزد دوره عن الترويج لما لا يؤمن به لأن زوجته هو أنجبت ثمانية..
أول ما يذكر من صباه.. انهم أخرجوه للدنيا في ثياب فتاة، وخرقوا أذنه، ووضعوا فيها حلقا، حتى استحال على " الرائي المدقق أن يكتشف إذا ما كان أنثى أو ذكرا " (1). فنشأ معقدا جنسيا مدمنا على العادة السرية " إن العناء والعذاب اللذين كان يلقاهما في المدرسة الثانوية أوقعاه في تلك العربدة الجنسية الذاتية التي انغمس فيها للترفيه عن نفسه، وأفضت به العادة السرية إلي العجز الجنسي.. فعندما سافر إلي أوروبا عجز عن معاشرة الفتيات " فقد أذهل سحر بدنها الأسطوري رجولته "تعالوا نقرأ ماذا كتب سلامة موسى للبوليس السياسي.. لوزارة الداخلية.. وكيف فضحوه ونشروا صورة تقريره بخط يده.. ففي يوم الجمعة 24 أبريل 1931خرج العدد 341 من مجلة المصور يحمل هذه العناوين داخل برواز اسود بخط يده..
وثائق فاضحة تبين من هو سلامه موسى
نود أن نعتذرإلي قرائنا لأننا شغلنا صفحة كاملة في الكلام عن سلامة موسى.. ولكننا لم نبح لأنفسنا ذلك إلا بعد أن اقتنعنا أن الكشف عن أمره وعن الأغراض الخفية التي يرمي إليها أصبح فرضا يجب علينا تأديته من قبيل محاربتنا للآفات الخلقية والأمراض الاجتماعية.
وقد وفقنا إلي العثور على وثائق تفضح سلامه موسى فضحا ليس بعده ستر.. وهذه الوثائق مكتوبة بخط يده.. (ووضعت المجلة خطا تحدت عبارة (خط يده)) ثم تقول:
ونبدأ اليوم بفقرة واحدة ممهورة بإمضائه وهي من خطاب أرسله
سلامه موسى . النزيه العفيف الأمين إلى موظف كبير بوزارة صاحب الدولة محمد محمود باشا في 22 أغسطس سنة 1929 أي قبل أن يفصل من دار الهلال (إذ فصل في أول أكتوبر من السنة نفسها.
اقرأ.. ثم اقرأ.. وتأمل.. ثم تأمل .
بخط اليد:
فأنا أكتب هذا لسعادتكم وإدارة الهلال تهيئ عددا خاصا من المصور " لسعد زغلول.. استكتبت فيه عباس العقاد وغيره من كتاب الوفد.. ومثل هذا العمل يتفق مع التجارة ولكنه لا يتفق مع الدعوة للحكومة الحاضرة ومشروع المعاهدة لأن الإكبار من ذكرى سعد وتخصيص عدد له هو في الحقيقة إكبار من شأن الوفد ودعوة إليه.. والمصور يرخص له بالصدور أسبوعيا مرة واحدة وليس مرتين.. فأنا أكرر لسيادتكم أني مستعد للدعوة للمساعدة.. فهل لي أن أنتظر معاونتكم... سلامه موسى ..
***
هذا هو سلامة موسى الذي قال فيه هيكل كلمة لم يقلها في محمود شاكر ولا سيد قطب ولا مصطفى صادق الرافعي!!..
هذا هو سلامة موسى الذي قضى نصف عمره يدافع بجهل ويكتب متعبدا في دارون ونظرية التطور..
هذا هو سلامة موسى ومن المؤكد أن هيكل يعجب فيه بما يوافقه عليه..
فترى ماذا..
التخلص من الإسلام تماما؟..
إلغاء الهوية..
الكتابة بالعامية وإلغاء الفصحى وتغيير الحروف إلى اللاتينية..
أم الطلاق البائن مع العرب والالتحاق كخدم بالغرب.
***