هل خذل القضاة الأمة أم خذلت الأمة القضاة ؟!   ( 2 )
ليت أبا طالب أسلم.. وليت مبارك استسلم..!!
 

 

د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com
كنت مذبوحا من الألم إذ رحت أرقب المعركة الخاسرة بين القضاء وبين السلطة، وكتبت أيامها أن الشر سينتصر وأن الخير سينكسر، وأن الأمة المشلولة لن تنهض ولن تتحرك لتحيط قضاءها بسياج يحميه من الطاغوت، وكنت أرى أن ما أصاب بعض القضاء من خلل كان سببا فيما ألمّ بالأمة من شلل..
كنت أرقب النماذج الشامخة المبهرة مثل المستشار يحيى الرفاعي والمستشار طارق البشري والمستشار زكريا عبد العزيز والمستشار أحمد مكي والمستشار هشام البسطويسي والمستشارة نهى الزيني وعشرات وعشرات فتستدعي ذاكرتي من التاريخ كربلاء وأرى سيد شباب أهل الجنة مجندلا وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى.. رأيت سنابك خيل اللواء ابن زياد تهرس جسد الحسين.. ورأيت مساعديه.. لواءات أمن الدولة والداخلية.. وكانوا – قتلة الألم وأناادهم- يحاصرون ظاهرة من أكثر ظواهر العصر الحديث في مصر جلالا وإيلاما وحزنا، ألا وهي الوقفات الاحتجاجية للقضاة، وكانوا يمنعونهم من السير والاستمرار، بل وكان بعضهم-تحت قيادة أبي جهل وأبي لهب وبرعاية قيصر- يسحلون قاضيا في الشارع ويضربونه بالأحذية ويحطمون ضلوعه، ويحيلون آخرين للمحاكمة لأنهم قالوا كلمة حق عند طاغوت جائر، ورأيت آل البيت يُمتنهنون من الأذلاء المهانين الذين كان أحفادهم يحاولون النيل من نهى الزيني.
كنت مذبوحا من الألم وأنا أرى الجلال والطهارة في جانب.. وأرى الدنس والشيطان في جانب آخر.. وفي هذا الجانب الآخر بعض القضاء الذين استزلتهم السلطة واستذلتهم ، وفي كل مرة كنت أرى فيها انحرافا من قاض أكون كابن بار يرى أباه الحبيب في وضع مشين.. فلا هو بقادر على ردعه ولا هو بقادر على فضحه.. وبين العجز والعجز ينفث الشيطان والسلطان والطاغوت سمومهم..
كنت أرى بعض القضاة يستجيبون للطاغوت فيكذبون ويزورون فيتساقط لحم وجهي خجلا وحزنا ودهشة و أصرخ في صمت:"ما كان أغناكم عن هذا".
استدعيت من الذاكرة ثلاثية نجيب محفوظ.. وصدمة الأبناء الهائلة عندما اكتشفوا أن أباهم الهائل الرائع المخيف الذي شكل في وجدانهم رمز الصواب المطلق يرتكب من الموبقات ما لا يقع فيه العامة.. وانعكاس ذلك عليهم.. تحطمت عندهم المثل العليا.. وسقط الرمز وانمحى عالم المثاليات فتحطموا وانكسروا وتلاشوا.
تذكرت ذلك وأنا أري الهبات تنهال على من يهون والعطايا تُغدق على من يخون .. والريادة لمن يشق الصف والقيادة لمن يحطم العدل تحطيما.
لماذا فعل بعض القضاء بالقضاء ذلك؟
وهل يجوز لي أن أخوض فيه؟
لقد علمت دائما أن القضاء مقدس و أن العدل مقدس ولكن القضاة بشر يصيبون ويخطئون و أنهم غير مقدسين!..
وإنني أذكر منذ ما يقرب من عشرين عاما عندما أردت أن أفضح وأندد ببعض مواقف بعض علماء الأزهر فرجاني زملاء ومفكرون ألا أفعل خوفا على قداسة الرمز، وقلت لهم:
- سينتهك الرمز وستقترف الموبقات محصنة بالقداسة..
وتحقق ما حذرتهم منه.
وأظن نفس الشيء يحدث مع القضاء..
في كل المهن الأخرى يحتمل الأمر وجود الصالح والطالح، أما في القضاء فالأمر حساس جدا، ومشاعر الناس أكثر حساسية، لأنه لا توجد نصف عدالة ولا ربع نزاهة ولا ثلاثة أرباع شرف. الكل أو لا شيء.
كنت أدرك قبل الصدام بين السلطة والقضاء أن القضاء قد قام بدوره كمفجر للشرارة وقائد للمسيرة، ولكن الناس هم المحرك والموتور فإن لم يدر الموتور بعد إشعال الشرارة فلا أمل في التحرك. بل إن العاقبة الأسيفة هي أن نفقد حتى القدرة على إطلاق الشرارة.
فلماذا لم تشتعل الشرارة؟..
لماذا لم تستجب الأمة وتتحرك؟ٍ
وجدت الإجابة في حدث يعيد يكاد يكون منبت الصلة عما نحن فيه..
ففي إحدى رحلاتي العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية قرأت عن معمل لعلم النفس، واندهشت، فكيف يكون لعلم النفس معمل، وكان المعرض مفتوحا للجمهور فذهبت، ما أذكره بعد عشرة أعوام كان يتعلق بقدرة الإنسان على اتخاذ القرار. ماذا يساعده وماذا يمنعه وكيف تشوشر عليه؟. كان هناك جهاز يشبه مبرد السيارة( الرادياتير) أو أنابيب جهاز التكييف، كان الجهاز مكونا من عدد كبير من الأنابيب النحاسية الرفيعة، وكان يمر في هذه الأنابيب ماء شديد البرودة، وطلب منا أن نضع أيدينا على الجهاز، لكن رد الفعل الطبيعي حتى دون أن نفكر دفعنا إلى سحب أيدينا على الفور بسبب الألم الذي سببته البرودة الشديدة، الخطوة التالية كانت أمام جهاز يشبه السابق تماما لكن الماء الذي يجري في أنابيبه كان ساخنا جدا، وأيضا سحبنا أيدينا على الفور قبل أن يطلب منا ذلك بسبب الألم الذي أحسسنا به. الخطوة الثالثة كانت أمام جهاز مماثل، ووضعنا أيدينا، وأحسسنا بشعور غامض بالألم لكننا لم نسحب أيدينا. ومرت فترة طويلة قبل أن ندرك أن أذي شديدا سيصيبنا في أيدينا، فاتخذنا قرارا إراديا بسحبها، بينما في المرتين السابقتين كان سحب اليد لا إراديا. وشرحوا لنا السبب ، ففي الجهاز الثالث كان الأمر يختلف عن الأول والثاني، في الأول كانت المياه كلها شديدة البرودة، وفي الثاني كانت شديدة السخونة، أما في الثالث فقد كان الماء شديد البرودة في أنبوب وشديد السخونة في الأنبوب المجاور مباشرة، وهكذا دواليك، ولقد تسببت الإشارات المتناقضة بين الساخن والبارد في إرباك الجهاز العصبي ففقد القدرة على المبادرة.
لقد فعلت السلطة بالقضاء والأمة شيئا من ذلك، كان بعض القضاة نماذج بشرية سامقة، وكان البعض الآخر على العكس من ذلك. وتناقضت الإشارات عند جهاز الأمة العصبي، فعجزت عن اتخاذ قرار حين تعرض القضاة لبطش السلطة.
وقد يقول قائل أننا لا نستطيع مواجهة السلطة، فنحن لا نملك دبابات ولا طائرات ولا صواريخ، وأظن أن السلطة على استعداد لسحق الأمة بالدبابات وقصفها بالطائرات ورجمها بالصواريخ إذا ما استشعرت خطرا على استمرارها في الحكم، وربما يفسر ذلك موقف السلطة العنيف ضد القضاء خاصة في الفترة الأخيرة.. فقد كان ضبط العمالية الانتخابية ومنع التزوير ليس كفيلا فقط بإزاحة الطواغيت عن مقاعدهم بل وبسجنهم بتهم جنائية.
وربما أفهم – وبالطبع لا أقبل- دفاع الطواغيت عن مناصبهم واستمرارهم في الحكم ومحاولتهم سحق أي محاولة من القضاء للتدخل في هذا الشأن لضبطه. أفهم ذلك، لكن ما لا أفهمه هو أن السلطة لم تكتف بعملية قصف جراحي لما يخشون منه من القضاء، لقد حاولوا تدمير القضاء كله.. وسعوا سعيا حثيثا إلى إفساده كله..
نعم، إن هناك إهدارا هائلا في مجهود إفساد القضاء، كان يكفيهم أقل من ذلك بكثير كي يمرروا التزوير و التوريث، فلماذا كانت محاولات سحق القضاء على كافة مستوياته وبكل درجاته وبكل هذه الحدة. لماذا؟! ولماذا أطلقوا كلابهم تمزق ملابس الشرفاء الأجلاء وتنبح علهم.. لماذا؟..
كنت أستشعر المحاولات الدءوبة لإفساد القضاء منذ زمن طويل جدا، وكنت أرى قضاة النار فيشتد انزعاجي، كانوا قاضيا في الجنة وقاضيين في النار، تقسيم تصنيف لا تقسيم عدد، ولم أكن أحتمل الصمت عما يحدث، لذلك كتبت عشرات المقالات، وكان أحدها هو ما ورد في العدد السابق من هذه المجلة، حين كتبت مقالا بعنوان" رسالة إلى النائب العام" . ولقد جاءني أيامها ردان، رد بالغ الرقة والدماثة من وزارة الداخلية وقد قمت بالرد عليه شاكرا الدماثة مفندا الأكاذيب التي احتوى عليها الرد، أما رد النائب العام فقد كان غليظا متنائيا متعاليا يرعد وينذر ويبرق، وكان مما جاء فيه:
... ونذكّر أن النيابة العامة شعبة من شعب السلطة القضائية ونائبة عن المجتمع وممثلة له، فهي تسعى دائما إلى تحقيق موجبات القانون على جميع أفراد المجتمع سواء كانت التبليغات أم الشكاوي التي تتلقاها متعلقة بأحد رجال السلطة العامة أو غيرهم من الأفراد، وكان الأحرى بكاتب المقال أن يذكر الحقيقة كاملة بالنسبة للواقعة التي ذكرها دون أن يقف عند القدر الذي أراد أن يذكر للقارئ ولا يغفل جهد النيابة العامة في ممارستها عملها مما لا تسمح بأن يكون مجالا للتشكيك فيه .
و إزاء ما تقدم نطلب منكم نشر هذا التوضيح في ذات المكان ومراعاة عدم تكرار مثل هذه المقالات التي لا تتحرى الدقة فيما تنشره..
وتقبلوا تحياتنا..
النائب العام
المستشار رجاء العربي
***

كان حريا بي أن أرفض الرد احتجاجا ورفضا للهجة الوعيد والتهديد والتنديد في رد النائب العام رغم احترامي لمنصبه الجليل وأن أبادل الكبرياء بكبرياء، ولم أكن أستطيع في نفس الوقت التخلي عن القضية التي أثرتها، فقررت اللجوء إلى الطريق الطبيعي لمواطن عندما يختلف مع النائب العام، فكتبت أشكوه إلى رئيس الجمهورية، إلا أنني أستأذن القارئ هنا أن أختصر ما سأورده الآن على الفور لسببين، أنه منشور في بعض كتبي، والثاني أنني لا أقصد رواية ما مضى بقدر ما أقصد ألقاء ضوء كاشف على أساس خرب سأتناوله بعد ذلك بمزيد من التفاصيل، كي ننقذ آخر فلول الأمة المتراجعة من آخر خطر يتهددها قبل فنائها أو إفنائها بالقضاء على قضائها.
السيد رئيس الجمهورية :
أرفع إليك اختلافي مع سيادة النائب العام لتحكم فيه

هل أنا مضطر يا سيادة الرئيس أن أبدأ حديثي معك بالمديح فيك؟
هل أنا مرغم على ذبح كينونتي الإنسانية، وإحساسي ككاتب وكمواطن بالكرامة كي أقدمهما قربانا بين يديك؟.
وهل استنزل الرحمات على عصور خوال، لو أنني عشت فيها لتمكنت أن أطلب من فرعون أو قيصر أو كسرى الأمان فيمنحنيه فأقول ما أريد، دون أن تكون آخر كلمة ينطق بها له لساني، هي بالضبط آخر كلمة مسطورة في كتاب حياتي..
هل الكاتب هو خليفة مهرج الملك إن فشل في إرضائه وإسعاده وإضحاكه، أو أغضبه، حكم عليه بالموت أو أمر بإلقائه في غياهب السجون..(...) هل يمكن يا سيادة الرئيس أن أكتب إليك دون خوف، فلكم هو مذل ومهين ومدمر أن يخضع الكاتب إذ يكتب لخوف غير خوف خالقه، ولسلطان غير سلطان ضميره، فهو والأمر كذلك إما أن يسجن أو يتحول من كاتب إلى إرهابي، أو إلى مسخ بشري، لا مبدأ له، ولا حرام عنده، ولا ضمير..
(...)
هل يمكن أن ألجأ إليك في اختلاف مع السيد النائب العام (...) لقد كتبت يا سيادة الرئيس - حتى الآن - عشرة مقالات متتالية، ست منها في صحيفة الشعب، وفوجئت على غير توقع برد من سيادة النائب العام ومن وزارة الداخلية. كانت لي مآخذ كثيرة على الردّين لكنها لم تنل من قيمة تطور محمود في الرد بدلا من التجاهل، كان من المآخذ مثلا أن الرد قد اقتصر على حادثة واحدة مما أوردته،حادثة واحدة لم تشغل سوى سطور محدودة، حادثة واحدة من مئات الحوادث(...) أي أن ما نشرته في عشرة مقالات طويلة، لم يشمل سوى نزر يسير من قطرة في محيط، ورغم ذلك لم يشمل الرد سوى سطور محدودة، وفي هذه السطور القليلة لم ينف الرد ما ذكرت، لم ينف التعذيب، كما لم يتعرض مطلقا لما ورد في بقية المقالات، وبرغم أن رد وزارة الداخلية يعاتب برقة، ورد السيد النائب العام يدينني بحزم، ويحذر الصحيفة التي أكتب فيها(...).
في هذه المقالات التي تفضل سيادة النائب العام بالرد عليها كنت قد أوردت يا سيادة الرئيس نماذج مروعة للتعذيب، موثقة من جهات عديدة، منها حيثيات أحكام المحاكم، ومنها تقارير الطب الشرعي وهو هيئة حكومية، ومنها التقارير الصحفية، وتقارير منظمات حقوق الإنسان (...) حرصت أيضا في معظم ما ذكرت، أن أتجنب ذكر الانتماء السياسي، بل و أن تكون معظم النماذج التي أتعرض لها نماذج لا علاقة لها بالسياسة، وكنت أعلم أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم، لذلك أسقطت التواريخ، وكان حريا بي أن أسقط أسماء الضحايا أيضا، لولا أنني أردت أن أضرب الأمثلة، كي يبدو الواقع المروع في صورته الدامية، لم تكن الأسماء تهم، ولا التواريخ، فالقضية ليست تعذيب فرد في مكان وزمان معينين، بل قضية شيوع المنهج نفسه..(...) ذكرت قصة شاب عذب حتى الموت لعدم امتثاله لأمر ضابط شرطة طلب منه الانصراف من حفل زفاف فتلكأ، وكتبت عن خفيرين من رجال الشرطة ماتا من التعذيب من رجال الشرطة، وكتبت عن المواطن حسام الدين عبد الشافي الذي عذب بقصد انتزاع اعتراف منه بارتكاب جريمة سرقة، وقد قامت نيابة دمياط بمعاينة حجرة ضباط المباحث وأثبتت آثار الدماء الناجمة عن تعذيب المواطن المتهم، كما قامت بتصوير الجثة قبل تشريحها نظرا لبشاعة الإصابات الواضحة بالقتيل، ومنها خروج جزء من العين اليمني للخارج، وانفصال الساق اليمني من عند الركبة من جراء التعليق لفترات طويلة، مع انتفاخ بالرقبة، وكدمات بجميع أجزاء الجسم، وانفجار في الخصيتين.. كتبت أيضا عما حدث لمواطن في قسم باب الشعرية، وكتبت عن المواطن مخلوف عبد العال أحمد، وعمره 22 عاما فقد اختطف - هكذا في نص تقرير منظمة حقوق الإنسان - بواسطة ضباط مباحث قسم الظاهر بالقاهرة بدعوى تنفيذ أحكام صادرة ضده، وهناك تعرض لتعذيب وحشي تعرض فيه للضرب في مؤخرة رأسه بكعب طبنجة ودبشك بندقية فضلا عن ركله بالأحذية الثقيلة في صدره، ويقول أهله أن ضابط الشرطة فقأ عينه وهتك عرضه وحطم عظامه، وساءت حالته، فنقل في اليوم التالي مباشرة إلى المستشفي القبطي، حيث مات. ويشير تقرير الطبيب الشرعي بشأن إصاباته أنها: كسر بالجمجمة وضلوع الصدر والجبهة والرسغ الأيسر بسبب الضرب بجسم صلب .
وتحدثت عن القضية المعروفة بقضية الأطفال الذين ضربوا وأهينوا وحجزوا لمدة يومين، كانت أعمارهم يا سيادة الرئيس تتراوح ما بين ست وعشر سنوات ورغم ذلك تعرضوا لذلك الهول كله..(...) كتبت عن أماكن حجز المسجونين والأطفال أيضا، و أوردت ما ذكره تقرير للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان على لسان أحد المحتجزين بقسم شرطة قصر النيل في أعقاب ندوة نقابة الأطباء عما سمّي بتنظيم الأطفال فكان " هناك نحو خمسين شخصا في حجرة لا تتعدى مساحتها 4 في 5 أمتار مما اضطر البعض للنوم في دورة المياه القذرة، من بين المحتجزين لاحظت انفراد شخص واحد ضخم الجثة بنحو ربع مساحة الحجرة يتمدد فيها ويحيط نفسه بمساحة خالية يتصرف فيها، بينما تكدس بقية المحتجزين في المساحة المتبقية في وضع القرفصاء، وكان لهذا الشخص الذي يبدو من عتاة المجرمين سطوة بالغة على كافة المحتجزين، وينادي على بعضهم بأسماء مؤنثة، فيلبون النداء بسرعة بالغة خوفا من بطشه، كان هذا البلطجي صاحب الكلمة النافذة في شئون الحجز، ويقوم بتأديب بعض المحتجزين في حالة مخالفتهم لأوامره وأحيانا بدون سبب واضح تحت سمع وبصر المسئولين عن القسم من ضباط وجنود الشرطة، بعض المحتجزين، من أصحاب الأسماء المؤنثة كانوا يضطرون لتلبية رغبات البلطجي بممارسة الجنس بالإكراه معهم أمام بقية المحتجزين، وأغلب هؤلاء الضحايا صبية لا تتجاوز أعمارهم 15 أو 16 عاما" .
لقد تعمدت اختيار نماذج بعيدة عن السياسة، لأنني كنت أريد يا سيادة الرئيس أن أقول أن تعذيب أي إنسان مهما كان انتماؤه ومهما كانت جريمته، هو بنص حكم محكمة: إجرام في إجرام، وأن القائمين بالإجرام مجرمون.
تحدثت عما حدث للأستاذ الدكتور زكريا الشامي حين احتكت سيارته بسيارة ضابط شرطة، وتحدثت عن المضيفة ميرفت عبد الحميد التي حاولت الانتحار من قسوة التعذيب، وتحدثت عن الاختفاء القسري، وعن هتك عرض سيدة وطالب، وتحدثت عن نوارة الانتصار أحمد فؤاد نجم، وعن مصطفي محمد عبد الحميد، وعن نصرة فتحي إبراهيم، وعن العقاب الجماعي وانتهاك القرى وكيفية مواجهة العمال والطلبة، وأنهيت مقالي المنشور بتاريخ 5 مايو بما حدث للدكتور محمد السيد سعيد، والذي كان قد أصدر بحثا قيما عن سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها الشرطة، فقلت :
كان من المقبوض عليهم الدكتور محمد السيد سعيد (...) كان سلاح محمد السيد سعيد القلم والفكر، وكان ردهم عليه جرعات مكثفة من التعذيب تعرض خلالها للإغماء أكثر من مرة بسبب عنف التعذيب، سحلوه من قدمه اليمني عشرين مترا على أرض السجن، أجبر على غمر وجهه أكثر من مرة في برميل مملوء بالمياه القذرة، واستعملوا معه ومع زملائه العصي العادية والكهربائية والهراوات والكرابيج بالإضافة إلى الضرب بالأيدي و الركل بالأقدام، وتعرضوا لتهديدات بينها الاعتداء الجنسي، فضلا عن توجيه أقذر أنواع السباب لهم، استعملوا كذلك الكلاب البوليسية لإرهابهم أثناء التعذيب الذي قام به عشرون ضابطا يرتدون ملابس عسكرية بين رتبة العميد والملازم أول، فضلا عن عدد مماثل من الضباط يرتدون ملابس مدنية وكان ثمة ضابط يحمل رشاشا في تهديد صريح بالموت. وأجبر محمد السيد سعيد وزملاؤه على المرور بين صفين من جنود الشرطة والكلاب البوليسية وراح الجنود يتناوبون ضربهم بالأيدي والأقدام والهراوات والعصي المكهربة..
و تصادف أن وفدا من نقابة الصحفيين قد توجه لزيارة زملائهم المسجونين بعد ساعة واحدة من تعذيبهم بهذا الشكل الوحشي ..
قيل أن مكرم محمد أحمد أصيب بنوع من الانهيار العصبي، وأنه انصرف إلى بيته عازما على الاستقالة من مناصبه احتجاجا صارخا على ما رأى.
لكن السلطة والشرطة صالحاه، و أفرج عن محمد السيد سعيد دون محاكمة، فلم تكن هناك قضية..
لقد كنت حريصا يا سيادة الرئيس أن أتناول فترة زمنية واسعة، أدلل أنه قد تم خلالها تعذيب مروع لمختلف فئات الشعب، ولم يكن ما أكتب حصرا لما تم، وإنما فقط، بلاغا إلى المسئولين بما علمت(...) وكان مما أوردت في مقال بتاريخ 2 مايو حيثيات حكم قضائي عن التعذيب جاء فيه :
"إن التعذيب المادي وصل إلى حد وضع قطع خشبية في دبر بعض المتهمين، فذكر أحدهم ذلك، ولعل الآخرين أمسكوا عن هذا القول بالذات، صيانة لأعراضهم من الفضائح ..
إن ضمير المحكمة ليفزع، وضميرها يجزع، وهي ترى أن أي متهم قد تعرض للتعذيب المادي أو النفسي أو العقلي، ويزداد الفزع ويتضاعف الجزع، أن التعذيب حدث بصورة وحشية فظيعة، كوضع قطع خشبية في دبر المتهمين، وهو أمر وصفته محكمة النقض في الثلاثينيات من هذا القرن بأنه :إجرام في إجرام، ولا تجد المحكمة في عصر حقوق الإنسان وزمن حرية الوطن والمواطنين وصفا ملائما تصفه به، ولا تريد أن تتدنى لتصفه بوصفه البشع، غير أنها ترى في التعذيب عموما عدوانا على الشرعية من حماة الشرعية.. "
وتحدثت عن حيثيات حكم المحكمة في قضية التعذيب المتهم فيها 44 ضابطا، فحكمت المحكمة ببراءتهم، لأن الضحايا قد عجزوا عن تحديد أي من المتهمين هو الذي قام بالتعذيب، ونعت المحكمة على النيابة تقصيرها في وقائع التعذيب.( ملحوظة: كان رئيس هذه المجموعة اللواء محمد عبد الفتاح عمر، عضو مجلس الشعب الآن، والذي صرح مؤخرا بأن شهداء المحلة: في ستين داهية!! اهـ)
وتحدثت عن منطوق حكم يقول: أن المحقق قد أثبت إصابات المتهم منذ استجوابه وأن جميع المتهمين الماثلين لم ينج أحدهم من التعذيب وأثبت المحققون إصابات بهم (...)
سيادة الرئيس: حرصت فيما أكتب لسيادة النائب العام أن أنحي جانبا كل انفعال، و أن أبتعد عن تصوير ما كان يعتمل داخل نفسي من غضب هائل واحتجاج، تاركا لتقارير المنظمات والمحاكم أن تعبر بأسلوب علمي عما أود قوله..
وقلت لسيادة النائب العام :
تزعم منشورات المنظمة أن ثمة تعليمات منكم ألا يتم التصرف في الجرائم المنسوبة إلى أي من رجال الضبط - ضباط مباحث أمن الدولة - ضد الأفراد إلا من خلال مكتبكم ثم تردف فإن هذه التعليمات تغل يد باقي أعضاء النيابة عن التصرف في تلك القضايا وهم ما يمثل استثناء ينافي أبسط مقتضيات العدالة والمساواة بين الأفراد..
يقول تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان: لقد تخلت النيابة عن مسئوليتها التي أناطها القانون بها من تحقيق في شكاوي التعذيب(...) و تقول حيثيات حكم محكمة: إنه تيقن لها أن المدعي قد لاقى صنوفا من العذاب أثناء فترات اعتقاله متمثلة في ضربه بالعصي والسياط والأسلاك الكهربائية، والحرمان من الطعام والشراب وإطفاء السجائر المشتعلة في جسده مع تعريضه لصدمات كهربائية في الأماكن الحساسة في جسده، وكذا تهديده بالقيام بأعمال غير مشروعة مع زوجته ووالدتها.
ذكرت أيضا يا سيادة الرئيس تفاصيل نماذج تقارير الطب الشرعي عن آثار التعذيب..
وتوسلت إلى سيادة النائب العام فقلت: أتوسل إليك، أن يصدر مكتبك بيانا فوريا تفصيليا يكشف لنا ما غمّ علينا فمن المستحيل أن تكون الأمور بكل هذه البشاعة التي توردها تقارير منظمات حقوق الإنسان، وتؤكدها حيثيات أحكام المحاكم وتقارير الطب الشرعي لا مجرد أقوال الصحف أتوسل إليك، من أجل هذه الأمة، وفي سبيل الله، و أتوسل أيضا إلى رئيس الجمهورية ومجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض، و أتوسل إلى كل كاتب ومفكر في هذا البلد..
(...)
سيادة الرئيس :
كان قلبي إذ أكتب لسيادة النائب العام ينزف، وكنت أدعو الله أن يستجيب لندائي، و أن يصدر بيانا شاملا جامعا يرد على كل هذا لا على واقعة واحدة، لم أتجاوز حين نشرتها الصدق قيد أنملة، والشاهد على صدقي فيها رئيس النيابة، لم يشمل الردان أيضا ما ذكرته منسوبا إلى تقرير منظمة حقوق الإنسان المزلزل: إن تقاعس النيابة في إجراء تحقيق سريع وعاجل في بلاغات التعذيب، أو طول المدة التي تستغرقها التحقيقات، وتأخر عرض المجني عليهم على الطب الشرعي يؤدي إلى إفلات المسئولين المتورطين في جرائم التعذيب من المساءلة والعقاب الرادع، كما يؤدي إلى إهدار حق المجني عليهم في إثبات آثار التعذيب، حيث أفضى تقاعس النيابة في هذا الصدد من جانب ومماطلة مصلحة السجون في الإحالة إلى مصلحة الطب الشرعي من جانب آخر إلى زوال المعالم الإصابية أو التئامها..
تحدثت أيضا عن سحب المعتقلين من السجون، وعن تفتيش النيابة عليها، حيث يزعم العديد من المعتقلين أنهم طوال شهور عديدة لم يلتقوا بأعضاء النيابة العامة .
كتبت أيضا :لقد شاهدت النيابة نفسها بعضا من الإجرام الذي يحدث..
ثم تحدثت عن الواقعة الأخيرة، وهي الواقعة الوحيدة التي تصدى لها الردان معا - رد النائب العام ورد وزارة الداخلية- حيث اتفق الردان على الاقتصار على نفس الواقعة في مصادفة أصابتني بالإحباط، وهي واقعة ما حدث للمواطن عبد الناصر عبد الغفار علي، الذي قامت النيابة نفسها بضبط الشرطة أثناء قيامها بتعذيبه، وقلت :
احتجزت الشرطة المتهم: عبد الناصر عبد الغفار علي: 34 عاما في قسم أول الزقازيق لسؤاله في جريمة قتل، حيث أجبر على خلع ملابسه، وتم تعصيب عينيه بقطع قماش وتقييد يديه من الخلف وتعليقه على باب و الضرب بعصا خشبية - ساق كرسي - وخرطوم سميك مبطن على الرأس والظهر والمؤخرة والقضيب الذكري والقدمين وقصبة الساقين وتنقل مذكرة النيابة عن الضحية قوله إنه تم وضع وإدخال عصا في دبره ثلاث مرات متفرقات في يوم واحد، و أن الضباط غرسوا إبرة معقوفة في معصم يده اليمني ثم قاموا بتوصيلها بالكهرباء، مما سبب آلاما مبرحة، كما صعقوه بالكهرباء، خلف الأذنين وفي حلمة الثديين والأعضاء التناسلية..
وعلى إثر بلاغ تقدمت به أسرته إلى نيابة الزقازيق، انتقل رئيس النيابة إلى قسم أول شرطة الزقازيق إلا أن الضباط قاموا بتهريب الضحية إلى نقطة شرطة بردين المجاورة، وعندما علمت النيابة بذلك بادر رئيسها بمفاجأة نقطة الشرطة حيث شاهد بنفسه الضحية وهو معلق على الباب في حالة يرثي لها ويوثق التقرير الطبي رقم 488 الصادر من مصلحة الطب لشرعي التابعة لوزارة العدل آثار التعذيب..
فهل كان يمكن يا سيادة النائب العام أن تجد النيابة على شيوع التعذيب دليلا أوضح من ذلك؟.؟.
هل كان يمكن؟.؟!!
وهل هو ممكن ألا تتخذ قرارا تهتز له الأمة كلها، لا إزاء هذه القضية فقط بل إزاء جريمة التعذيب، والمجرمين المرتكبين لها، والمجرمين المتسترين عليهم؟.
إننا لا نريد أن نصدق ما أوردته صحيفة متحالفة مع الحكومة، وبرغم ذلك تقول أنه بات من الصعب التفريق بين النيابة والشرطة!!.
(...)
سيادة الرئيس:
عندما وصلني رد من وزارة الداخلية انشرح قلبي لما ذكره الرد من اهتمام وزير الداخلية شخصيا بما ورد فيه، وكنت معجبا أيضا بذكاء الرد الذي لم ينف واقعة التعذيب (...) وبقدر ما كانت سعادتي يا سيادة الرئيس برد وزارة الداخلية كان إحباطي من رد سيادة النائب العام، فهو المشكو إليه لا منه، ولم يكن لي حيلة يا سيادة الرئيس في ذكر صرامة حيثيات أحكام المحاكم عندما تعرضت للنيابة العامة ولم أكن أستطيع أن أخففها..(...) بيد أني يا سيادة الرئيس حين تجاوزت الخاص إلى العام، إلى القضية التي بدأت هذه السلسلة من المقالات من أجلها، وجدت نفسي غير قادر على مواصلة الحديث إلى سيادة النائب العام، لا لجرحي منه، بل لأنني أحسست بالعجز عن إقناعه، كما أن الأمر لا يستقيم حين أكتب إليه ما اعتبره سيادته: مقالات لا تتحرى الدقة فيما تنشره، والحقيقة أنني أختلف مع سيادته فيما ذهب إليه، ولم أجد سواك يا سيادة الرئيس من أرفع إليه هذا الاختلاف ليحكم فيه..
لقد كان اقتصار الرد على واقعة واحدة من كل الوقائع التي كتبت عنها مثار إحباطي..
وكان توافق الرد مع رد وزارة الداخلية في الاقتصار على واقعة واحدة من كل ما ذكرت مثار دهشتي .
وكان اتهامي بالإغفال المتعمد لذكر تاريخ الواقعة - واقعة المتهم عبد الناصر عبد الغفار - مهيجا لشجوني، (...) لقد حدثت الواقعة إذن، واستمر حدوثها ستة عشر يوما، ولقد كان موقف النيابة فيها عظيما ونبيلا، وقد أشرت إلى ذلك حين سردت الواقعة، ولقد قام رئيس النيابة بمفاجأة نقطة شرطة بردين التي هربه الجناة من رجال الشرطة إليها، وشاهده بنفسه معلقا، وفي حالة يرثي لها كما يذكر تقرير للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ولم ينف رد سيادة النائب العام كل ذلك بل يقول: أن النيابة بادرت بالتحقيق في الواقعة و إجراء تفتيش وقامت بإثبات إصابات المجني عليه وعرضه على الطب الشرعي وقدمت المتهمين من الضباط والشرطة السريين الذين اقترفوا الواقعة إلى محكمة الجنايات، لقد احتوي رد سيادة النائب العام على كل ذلك بل وما هو أكثر، فقد كانت التهم التي وجهتها النيابة للمتهمين من رجال الشرطة كما يتفضل خطاب سيادة النائب العام بسردها هي: جناية تعذيب، جناية هتك عرض بالقوة، جنحة القبض والحجز. ويذكر الرد أن المحكمة قد قضت حضوريا ببراءة المتهمين مما هو منسوب إليهم، لعدم اطمئنانها إلى أدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام..
لكن..هل معني حكم المحكمة أن الواقعة لم تحدث؟.
و أقرر هنا أن جريمة بهذه البشاعة تحدث، ويضبطها رئيس النيابة بنفسه ويراها بعينيه، ثم لا يتم التوصل فيها إلى الجناة تصيبني بالرعب من عجز آليات المجتمع عن حفظ كرامة الإنسان و إقرار العدالة..
ماذا يحدث إذن في الأماكن الأخرى..؟.؟
سأقوله لك يا سيادة الرئيس، وسوف أعاتبك أيضا إن أذنت: ألم تكن هذه الجرائم المروعة، ومن يرتكبونها من حيوانات بشرية مجرمة أكثر قسوة وبشاعة من الوحوش الضواري، أولى بتشديد قانون العقوبات بدلا من سن قوانين تسجن الصحفيين و تغلق النقابات؟..
سيادة الرئيس :
أرجو أن تأذن لي بأن أوجه إليك مباشرة ما كنت أنتوي توجيهه إلى سيادة النائب العام، لا مجرد رد فعل للجرح الذي أصابني من رد سيادته، ولا مجرد عزوف عن اختلاف مع النائب العام أدرك خطورته، ولكن الأمر أبعد من ذلك و أشد هولا، أمر يضعنا أمام إشكال قانوني خطير لا يملك البت فيه سواك يا سيادة الرئيس .
فالنيابة صادقة لا شك في ذلك..
وحيثيات أحكام المحاكم صادقة ولا شك في ذلك أيضا، لكنها تشير في إحدى القضايا إلى عدم اطمئنان ضمير المحكمة إلى محاضر تحقيقات النيابة، و إلى أن وكيل النيابة بدا كما لو كان يمنع عن المتهم الاستعانة بمحام، و أن المطاعن التي كانت توجه إلى محاضر تحريات مباحث أمن الدولة قد استطالت حتى وصلت إلى محاضر تحقيق النيابة، مثل الاتهام بعدم الحيدة، وعدم إثبات كل الأقوال، والتهديد بالإيذاء، ومجاملة رجال مباحث أمن الدولة من كتاب: دفاعا عن حقوق الإنسان، الناشر المنظمة ومركز الحضارة العربية للإعلام والنشر،صفحة 143.
لا نلقي القول على عواهنه إذن يا سيادة الرئيس، وما نقول إلا الصدق، سيادة النائب العام يقرر أن النيابة قامت وتقوم بدورها، وحيثيات حكم محكمة تقول عكس ذلك، كلاهما صادق إذن، لكن ثمة تعارضا بين الصدقين، وهذا التعارض ينبئ عن فتق بالنظام لا يملك رتقه سواك، إنه ليس أمر النيابة والقضاء الآن بل همّ الأمة ودعائم المجتمع الذي وليته، لذلك أرجوك و ألح في رجائك، أن تشرك معك في التصدي لهذا الخطب: المحكمة الدستورية العليا ومجلس القضاء الأعلى ووزير العدل والنائب العام وكبار المفكرين..
منذ ستين عاما يا سيادة الرئيس كانت قضية واحدة مثل هذه القضية كافية لإسقاط الحكومة كلها، فهل تأذن لي أن أروي لك ذلك إن يشأ لي قاهر الجبابرة المعز، المذل، المهيمن، الملك..الله الذي لا شريك له والذي يأمرني أن أقول، فهل تسمح؟ هل تسمع؟ هل تصدع؟.
وهل يتيح أبناء الأبالسة المتكأكئين حول كل سلطان لي المجال كي أقول؟.
***
سيادة الرئيس:
ماذا أقول لك؟.
ماذا أقول لك؟.
كيف أستطيع أن أسمعك صوتي وابن سبأ بينك وبيني..
تتردد في حنايا الذاكرة أصداء حوار حزين ..
والله ما أدري ما أقول لك، ولا أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك إلى أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما أعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه..
فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبـصّر من عمى، ولا تعلّم من جهالة..
وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنم .
بدأت الفتنة الكبرى يا سيادة الرئيس في تاريخ الإسلام والمسلمين بشيطان في بطانة ذي النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان منع تواصل الحوار بينه وبين جمهور الأمة، شيطان تجسد في بشر اسمه عبد الله بن سبأ، وشياطين آخرين أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف كانوا في بطانة ذي النورين، وهو من هو، فلا تستكبر يا عبد الله يا رئيس الجمهورية أن يكون في بطانتك شياطين سوء يدفعوننا جميعا إلى حيث بئس المصير..
كم سيفا من سيوف آلة الشياطين تشحذ الآن لذبحي بعد قراءتهم صدر مقالتي لك(...)
ليس السيف ملكك يا سيادة الرئيس بل هو مرتهن لديك، زمن لك وأزمنة عليك، فانظر لغدك، فالحكم يتعشى به قوم ويفطر عليه آخرون..
إنني أضع أمر التعذيب الآن أمامك، لا أستطيع مجرد تصور أنك تعرفه وتسكت عليه، كما لا أقدر على خداع نفسي بأنك لا تعلم فهو تعذيب يدمر الأمة ويزلزل دعائم مشروعية أي حكم، في تعذيب أقل من هذا بكثير منذ نيف وستين عاما صرخ العملاق عباس محمود العقاد: " لقد فضح الحكم في قضية البداري شيئا قليلا من أوزار هذا الزمان، ولو افتضحت كل أوزاره لعجب الناس في غير هذه الأمة كيف بقيت في نفوس المصريين سورة للعدل ونخوة للغضب الشريف".. وكانت حيثيات الحكم في القضية تقول: " متي انتهكت الحرمات على هذه الصورة لم يقم للنظام في أمة قائمة، أليس في هذه الأعمال الشنعاء احتقار للشعب بتمامه"..
التعذيب هو الاحتقار حقا يا سيادة الرئيس وهو الازدراء بالشعب بتمامه وهو - لا حرية القول والنشر - ما يجب أن يسهر مجلس الشعب حتى الصباح كي يسن القوانين لمنعه فيرفعها إليك فتمهرها لساعتك فينشرونها في عدد خاص من الجريدة الرسمية في نفس اليوم..
تواصل حيثيات حكم المحكمة قولها أن التعذيب : "أفظع من الاعتداء على الحياة، لأن الأمة لا تكون أمة حقا إلا إذا تكاملت أخلاقها وتمتعت بحريتها في حراسة القانون" ..
ما حدث في البداري أيامها يا سيادة الرئيس لا يكاد يقارن بما يحدث الآن، فلا تندهش إذن للصخب والعنف بل اندهش لكل هذا الصمت، ترى هل دمر ما يحدث من بعض المنحرفين في النظام ما حذر منه العقاد وما تنبأ به، وهل انتهت في نفوس المصريين سورة العدل ونخوة الغضب الشريف..
كان أحمد جعيدي مواطنا من البداري، مثل عبد الناصر عبد الغفار ومخلوف عبد العال وزكريا الشامي وميرفت عبد الحميد وحسام الدين عبد الشافي ومحمد السيد سعيد ومحمد عفيفي مطر ومئات و آلاف ممن ذكرت وممن لم أذكر، وكان مأمور المركز ضابط شرطة اسمه يوسف الشافعي كان يسيطر عليه إحساسه كمعظم أقرانه بالتفوق والقوة والتعالي وربما الازدراء لمجتمعة، كان ضابطا كبيرا في جهاز الشرطة الذي يسود أفراده إحساس بأنهم السلطة الحقيقية والدائمة في الوطن، فالملك هو الملك، يتغير اسمه ورسمه لكنه يبقي هو الملك، والوزراء يأتون ويذهبون والمحافظون يتغيرون ويتبدلون أما الثابت الدائم مع الملك فهم تلك الشبكة من ضباط الشرطة التي تنتشر كخيوط العنكبوت فوق رقعة الوطن، وكان يوسف الشافعي كوزيره الجلاد إسماعيل صدقي حريصا على أن يبدو أمام الجميع نموذجا للحاكم المخيف الذي يرهبه الجميع، ومن سوء حظ المواطن أحمد جعيدي أنه لم يعجبه فوضعه على قوائم المشبوهين، حيث كان يقاد إلى مبني المركز ليتولوا عملية تأديبه، ليضرب بالسياط ومؤخرات البنادق ويجبر علي أن يقول (أنا مرة) ويطلق عليه المأمور اسم حمدية ويجبره أن يجيب إذا نودي به، ويربطه بالحبال إلى مرابط الخيل، ويوضع أمامه التبن ويؤمر بأكله ومضغه، ويمتطي الجنود ظهره، كما لو كان فرسا، ثم يضعون عصا في دبره..
وقرر أحمد جعيدي أن يثأر لكرامته.. فتربص بالمأمور وأطلق عليه الرصاص فقتله.. (...)
واحتدم الخلاف بين الجلاد وبين وزير العدل المصرّ على موقفه من ضرورة التحقيق في كل البلاغات وطلب الجلاد من الملك فؤاد التدخل، حاول الملك فعلا إثناء وزير العدل عن تشدده مع رئيس الوزراء.. فقال له علي ماهر:
- إنني لو كنت مكان أحمد جعيدي، وفعل بي المأمور ما فعله فيه، لقتلته أنا أيضا ..
ولم يشأ الملك فؤاد أن يتدخل في سير العدالة..
حتى الملك لم يشأ يا سيادة الرئيس أن يلوث عهده بدنس محاولة التأثير على القضاء.. حتى الملك ....
أما موقف النائب العام فقد كان وسام فخر ومنارة كبرياء أبىّ نبيل، يرى العدل الذي يمثله، الذي اؤتمن عليه، يسمو فوق كل هامة حتى هامة رئيس الوزراء والملك، و أبى الرضوخ لأي ضغط ولو حتى بمجرد تأجيل المحاكمات حتى تنتهي الأزمة ..(...)
وإزاء موقف وزير العدل ووزير الخارجية اللذان رفضا المساومة في حقوق الإنسان رفضهما المساومة على شرفهما الشخصي، الوزيران اللذان لم يستجيبا حتى لوساطة الملك، اضطر الجلاد إلى إعادة تشكيل الوزارة وإخراجهما معا من الوزارة الجديدة..
وراح الطاغية يحاول أن يثبّت أركان حكمه الذي اهتز بعنف إزاء ما حدث.. لكنه إزاء المجهود العنيف والتوتر البالغ سقط مصابا بالشلل النصفي.. ليسقط بالوزارة كلها بعد ذلك..
يا سيادة الرئيس: لقد كان أحمد جعيدي قاتلا لضابط شرطة، ورغم ذلك سقطت بسبب تعذيبه الوزارة كلها وتغير نظام الحكم، والملك فؤاد لم يشأ أن يصمه التاريخ بالتستر على تعذيب ..
ولقد ذكرت في هذه المقالات أسماء أبرياء، فعل بهم أسوأ مما فعل بأحمد جعيدي مئات المرات..
لا سلامتك - رغم أنها مطلب مشروع - ولا استمرارية النظام - الذي ندعو الله ونحاول بالقانون أن تنقطع - يا سيادة الرئيس كانتا تقتضيان ذلك، فبالعدل لا بالظلم يؤمّن الحكم ..
حتى الفرعون رع مس سو " رمسيس الثالث " عندما تعرض لمؤامرة أصيب فيها إصابة كبرى كادت تقضي على حياته جاء في أمره لتشكيل المحكمة التي أمرها بمحاكمة محاولي اغتياله:" نحن رمسيس الثالث سيد هليوبوليس وملك الأرض قاطبة في الشمال والجنوب وسيد ما عليها من الناس والحيوان أقول :.... وعند قيامكم بهذه المهمة عليكم أن تبذلوا الدقة والعناية حتى لا توقعوا العقاب ظلما بمن لا يستحق العقاب.."..
لم أضرب لك الأمثال يا سيادة الرئيس بمثل ما فعله عمر وعلي رضي الله عنهما، وهما يريان قاتليهما يمشيان على الأرض فلا يستحلان حتى اعتقالهما توقيا للاغتيال، لم أضرب الأمثال بذلك، ولن أقص عليك تفاصيله رغم أنه حقي وواجبك..
(...)
يا سيادة الرئيس: (...) سوف يحين يوم بعدك تنفجر الأسئلة فيه كالنزيف وتنهمر كالسيل وتشتعل كالنار عن حجم التعذيب في عهدك مقارنا بالعهود الأخرى، عن قسوته وبشاعته مقارنا بالعهود الأخرى، عن الأعداد مقارنة بالعهود الأخرى، عمن قتلوا في عهدك من رجالك أو من شعبك لا يعلم إلا الله من منهم في الجنة ومن في النار، عن عدد من أعدموا وروّعوا واتّخذوا رهائن، هذا فضلا عن آلاف الأسئلة الأخرى..
هل تعتقد أن الإجابات سوف تكون في صالح عهدك يا سيادة الرئيس..
دعني أقولها لك فإنني والله واحد من قلة يصدقونك القول، دعني أقولها لك فقد تغير فيك أمرا فتكون وجاء لك من النار يوم القيامة، دعني أقولها لك حين يمكن أن تنفع بدلا من أن يقولها الملايين للتاريخ ولات ساعة ندم، فدعني أقولها لك عبر هذه القصة المحزنة :
لقد مكثت طويلا أرقب تساؤلا يثار كل آن وآخر، كان التساؤل يقول: في ضوء المحصلة النهائية هل كان من الأفضل أن تقوم ثورة 32 يوليو 1952، أم كان الأفضل أن يستمر النظام القديم بكل عيوبه ليتم التطور الطبيعي من خلاله؟.. (...) كنت أحادث ضابطا من الضباط الأحرار الذين ضحوا ذات يوم بأرواحهم من أجل الثورة، وكان الرجل عظيما في حزنه جليلا في أساه وهو يقول:
لقد بكيت طويلا لأنني شاركت في الثورة التي وصلت بالوطن والأمة والنظام إلى ما صاروا عليه، ليتني ما شاركت فيها، ليتنا ما قمنا بها..
رحت يا سيادة الرئيس أواسي الرجل، ترددت في مسامعي أصداء عزف ناي حزين وكبحت دمعة، تخايلت لمرآي صورة التاريخ - وقد تجسد - تنزف، أحسست بجزء من قلبي يموت، وبعيني وقد أصابها البوار تنزع، وبطرف من أطرافي وقد استشرى فيه السرطان والعفن ولم يعد - بموافقتي ورضاي - مناص من بتره، كان قلبي ينزف مع قلب الرجل وهو ينزف، لكنني لم أقل له أنني أتخيل الأمة كلها تفعل بنفسها ما يفعله بعض الشيعة بأنفسهم في عاشوراء من جلد وتعذيب للجسد وصرخات ندم، في ذكرى كربلاء، ورحت يا سيادة الرئيس أنادم الألم.. في كرب و بلاء ..
***
***
***
انتهت الرسالة ..
***
انتهت كنص وضاعت كمعنى وكمجهود وكأمل.. ضاعت هباء رسالتي ومظلمتي للرئيس.. الذي لم يسمع ولم يجب.. وصار الحال أسوأ مما كان.. بل وواصلت السلطة شق صفوف القضاء.. فكانت كالمسيخ الدجال تغري بالذهب وترهب بالسيف.. فمن أغراه ذهبها هلك ومن أهلكه سيفها نجا.
تعرض القضاء لضغوط هائلة..
وكانت السلطة هي التي تضغط فكانت كقائد يقتل أبطاله ويدمر جيشه ويخرب حصونه..
ولقد أدرك المستشار يحيى الرفاعي ذلك منذ زمان طويل.. منذ مؤتمر العدالة الأول الذي عقد منذ نيف وعشرين عاما.. ولقد سمعت ما حدث منه.. وربما ضاعت مني التفاصيل.. لهذا أهيب بأحد الصحافيين النابهين أن يذهب إليه لاستنقاذ تلك اللحظات المضيئة من تاريخ مصر من براثن النسيان والموت.
قال لي المستشار (وإن كان ثمة عتب فعلى ذاكرتي التي أنهكها الزمن ومزقها العذاب والألم) أن ذلك كان قبل عقد مؤتمر العدالة الأول –والأخير- بأيام حيث كان في عزاء في مسجد عمر مكرم، والتقى المستشار أسامة الباز الذي دعاه بعد العزاء إلى مشروب في مكتبه المجاور بوزارة الخارجية، وهناك أحس المستشار أن الدعوة لم تكن صدفة، فقد طلب الرئيس مبارك أسامة الباز فعرف منه أن المستشار الكبير ضيفه فطلب أن يتحدث إليه، قال الرئيس أنه سيحضر حفل افتتاح مؤتمر العدالة الأول بعد أيام، وأنه يطلب منه- من المستشار يحيى الرفاعي- باعتباره رئيس المؤتمر ألا يطالب بإلغاء الطوارئ لأنه سيجددها، يقول المستشار الجليل أنه أخذ يحاول إقناع الرئيس بمزايا إلغاء قانون الطوارئ، وبأن أحوال البلاد لن تنصلح إلا بإلغائه كي يسود القانون حقا وفعلا وتسود الشفافية ويجتث الفساد، أخذ يتوسل إليه، ويناشده باسم الدين والوطن والأمة، باسم مستقبل أسود إذا جددت الطوارئ، باسم الخراب إذا جددت الطوارئ، خراب الدولة ومؤسسة الرئاسة والأجهزة بل والقضاء أيضا، ويغريه في الوقت نفسه بما سيحقق من مجد إذا ما ألغاه..يقول المستشار أن المعني تجسد في قلبه ووجدانه.. رأى المخاطر في جانب والمزايا في جانب، رأى الكوارث في جانب والمجد في جانب.. رأى النجاة في جانب والهلاك في جانب.. ولم يتمالك نفسه، ودونما إرادة وجد نفسه ينزلق على المقعد ويجثو على ركبتيه متوسلا بدموعه:
- ألغها يا سيادة الرئيس أضمن لك بها مجد الدنيا والآخرة..ألغها أرجوك وأتوسل إليك.. من أجل مصر ألغها.. من أجل العرب ألغها.. من أجل المسلمين ألغها.. من أجل البشرية جمعاء ومن أجل الحق والعدل والخير ألغها.. ألغها طاعة لله.. ألغها ولن ينتقص إلغاؤها من سلطاتك مثقال حبة خردل.. على العكس.. ستتحول إلى رمز ولن تتخلى عنك الأمة أبد الدهر.. ستظل زعيمها المفدى حتى تلقى الله.. ألغها تكن بطلا عند شعبك وأمتك وزعيما للعالم الثالث....ألغها تغير مسار التاريخ في هذه المنطقة.. ألغها يتبعك العرب ثم المسلمون ثم المستضعفون في الأرض لتكون في غضون أعوام أهم زعيم وأقوى قائد فالقوة ليست بترسانات السلاح فقط.. .. ألغها كي تحول ضعفنا إلى قوة.. وفشلنا إلى نجاح.. وهزائمنا إلى انتصارات.. ألغها يخلدك التاريخ.. ألغها تظفر بسعادة الدارين..
كنت أستمع إلى المستشار الجليل تكويني دموعه وقد ارتفع بي الشجن حتى جعلني أفارق الواقع و أبحث في التاريخ عن عزاء.. وحاشا لله أن أشبه أحدا بسيدي وحبيبي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن الله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة في النبراس.. تفجر الألم واحتك الألم بالألم فانبثقت شرارة رأيت على ضوئها موقفا لا أكاد أذكره إلا بالدموع.. ذلك الموقف الذي رواه ابن إسحاق : حين انطلق أشراف قريش: عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب فطلبوا منه التوسط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.. على أن يدعوه ودينه ويدعهم ودينهم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم .
فقال أبو جهل:
- نعم وأبيك .
قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه:
- تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه
فقال بعضهم لبعض إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه . ثم تفرقوا فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا ، قال فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسلامه فجعل يقول له أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة . قال فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قال يا ابن أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها .
ذكرني الموقف بالموقف والأمل بالأمل والألم بالألم والطهارة بالطهارة والرجاء بالرجاء والطمع في الهداية بالطمع في الهداية والشر بالشر..
قال المستشار الجليل أنه كان يتمنى أن يستسلم الرئيس لمنطقه لكنه شعر به يتناءى ويصمت رغم أنه لم يسأله شططا، بل لقد طمع فيه أن يوافق ويسلم أمره لله ويستسلم للحق فيملك باستسلامه ذلك زعامة العرب والعجم. وحملت الرسل النذر إلى المستشار ألا يفتح موضوع الطوارئ في مؤتمر العدالة الأول الذي أصبح الأخير. لكنه فتحه بقوة وشجاعة وتجرد. فأعرض عنه الرئيس من يومها .. ولم يزل.
لو أنه استسلم لمنطق الصواب والحق لتشفعنا فيه أمام الله يوم القيامة..
ألم يجعل الله لنا- نحن الأمة- حق الشفاعة؟ّ
***
تذكرت ذلك كله فتهاطلت الأماني بطعم ملح الدموع هامسة:
ليت أبا طالب أسلم..
وليت مبارك استسلم..
***
***
***