هل خذل القضاة الأمة أم خذلت الأمة القضاة ؟!   ( 1 )
أي رئيس هو المسئول وهو المجرم..!!
رحم الله إسماعيل صدقي.. وجلالة الملك.. والإنجليز!!
رسالة قديمة حديثة إلى النائب العام

 

د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com
منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، كان ذلك السؤال يدور داخل نفسي ويمور، كنت أري التاريخ يتمزق وتلحق به الجغرافيا، وكنت أرى المجتمع يتقوض، والأمة تتشظى، والدولة التي علمت العالم كيف يصنع دولا، تفقد مقومات الدولة يوما بعد يوم. كانت مؤسسة الأزهر قد أصيبت إصابة خطيرة على يد نابليون وتابعه محمد علي، و إصابة أخطر على يد كرومر والحكام العلمانيين، ثم حوصرت تماما بحكومات الانقلاب الثوري على يد جمال عبد الناصر وذيوله التي كلما انقطع منها ذيل نبت ذيلان، وكان السلاح المشترى بقوت الناس ودم الأمة قد انحاز كعادته دائما إلى جانب السلطان ليصبح خنجرا في يده مغروسا في قلب الأمة، وتحول عن وظيفته التي هي حماية الأمة في الداخل والخارج وتحريرها.. إلى تكبيل الأمة وحماية الحاكم.. بل وبلغ الأمر في أحيان كثيرة فاجعة إلى أن تكون الوظيفة الوحيدة للجيش هي حماية الأعداء وسحق الأبطال المجاهدين.
بعد كل هذه الانهيارات لم يبق من صرح شامخ قادر على المواجهة إلا القضاء. وكان هذا وحده كافيا –حتى دون عشرات الأدلة والظواهر- إلى تحفيز كل إشارات الإنذار للاشتعال في وجداني، وفي ذلك الوقت البعيد جالست مستشاريْن جليلين إلى قرب الفجر، في حوار حامي الوطيس، كان ملخص وجهة نظري أن القضاء وإن بدا أنه قد تعافى من مذبحة زعيم العروبة الملهم (وإلهامه ليس من السماء بالطبع) وقائدها المفدى إلا أنه لم يبارح منطقة الخطر، لقد فشلوا في ترويضه بالدم، لكن المحاولة ستستمر بالغواية أو بأساليب أخرى، وهو ما حدث بعد ذلك عندما قامت الحكومات العصابات بتحديد مكافأة تقدر باثني عشر ألف جنيه في يوم الانتخابات، ليس مقابل الإشراف على الانتخابات، بل مقابل الصمت على تزويرها، وهو موقف تكفل قضاة أجلاء بفضحه، وبفضح الحكومات العصابات التي دبرته وشجعته. واستمرت تلك المحاولات أيضا بالمواجهات غير المباشرة والإقصاء والحصار الإعلامي وبسيف المعز بذهبه. وكان المستشاران الجليلان يواجهاني بسؤال، وكأنما ألزماني الحجة، سؤال يقول:
- هل نجحت الحكومات العصابات رغم كل محاولاتها في إفساد القضاء؟..
وكنت أجيب:
- ربما لم يكتمل نجاحها حتى الآن .. لكن لا تتجاهلا أبدا تأثير الإصرار على الحصار والإقصاء والإفساد والكذب والتزوير ونشر الشائعات.. لا تتجاهلا ذلك.. ربما لم ينجحوا بعد عام أو عامين، لكن هل تتخيلان كيف سيكون الوضع بعد خمسة وعشرين عاما..
وكنت أواصل:
- المستندات التي تقدم إلى القاضي مزورة، والتحريات باطلة، والأجهزة المساعدة فاسدة بما خلق أو اختلق حولها من ظروف، سوف يظل صرح القضاء العالي متماسكا في الظاهر، لكنهم لن يكفوا طيلة الوقت عن الحفر تحت أساسات هذا الصرح لخلخلته، وسوف يكون نجاحهم الأقصى، ليس هدمه، بل الاستيلاء على قلبه، على كل ما خلف الواجهة.. فما يناسبهم تماما واجهة مهيبة لداخل خرب..
وكانا يقولان في هدوء:
- هب أنك ذهبت لشراء قطعة من الأرض واكتشفت أن البائع يغشك، وأنه أحضر مترا طوله ثلاثة أرباع المتر الحقيقي كي يزيد من المساحة فينعكس ذلك على الثمن! فهل يكون عليك حينئذ أن تهرع لإحضار متر آخر طوله مترا وربع المتر كي تواجه تزوير البائع وتعوضه، وماذا يكون الوضع إذا ما اختفى البائع صاحب المتر المزور وأتي بائعون أمناء لا يزورون، ماذا تفعل ساعتها إن كنت قد اعتمدت مترا مزورا بالطول كي تواجه تزوير البائع الأول؟ ..
- وكانا يواصلان :
- إن المتر هنا كناية على القانون، فحتى لو كان القانون باطلا ( والمتر مغشوشا) فإن على القضاء أن يحكم به، إنك تنظر إلى الأمر من وجهة نظر أخرى، من وجهة نظر أن الحكم بقانون جائر يعد إهدارا للعدالة، ونحن نرى أن احترام القانون – ولو كان جائرا- هو إعلاء لقيمة القانون وتقديس له وحماية له على المدى الطويل، إن سيطرة الحكومات العصابات لن يستمر إلى الأبد، ويوما ما سوف تأتي حكومات شريفة، وعلينا أن نحتفظ لها بممارسات صحيحة للقانون. إننا لو استبحنا امتهان القانون لأنه ظالم أو خطأ فسوف نعطي سابقة خطيرة جدا للحكومات العصابات تجعلهم يجترئون أكثر و أكثر على امتهان القانون.. وهنا تكون الكارثة والانهيار الحقيقي لصرح العدالة.. لأن الدولة بقدرتها الأسطورية أكثر قدرة منا بما لا يقاس على امتهان القانون وتزويره بل وتحطيمه..
- وكنت أقول:
- إن قولكما صحيح بشرط واحد.. هو أن يظل الجسد الرئيسي لصرح العدالة سليما رغم كل الضغوط.. لكن ما يخيفني.. ما يرعبني.. أن نأتي بعد ربع قرن لنبحث عن صرح القضاء فلا نجده.. أو على الأقل نجد جزرا معزولة مفتتة محاصرة كما حدث مع مؤسسات المجتمع الأخرى..
- ورحت أتمتم:
- هنالك تكون الكارثة..
أما هما فقالا:
- لن يحدث ما تظن.. لأن صرح القضاء أقوى مما تظن.. ثم قالا ضاحكين:
- دعنا نتفق على موعد بعد ربع قرن من الآن لنرى أي وجهة نظر ستتحقق..انتصار القضاء.. أم القضاء على القضاء!!
وكان الفجر قد اقترب و كان لابد للحوار أن ينتهي، وكان قلبي مثقلا بالشكوك والهواجس التي تلامس اليقين بأن المستقبل- تحت رايات الحكومات العصابات- أسود.. وأن صرح العدالة إن لم يتهدم سيمتلئ بالشروخ وسيكون بعد الحصار والإنهاك عاجزا عن العودة بالأمة إلى بر الأمان.
كانت العلاقة بيني وبين المستشارين الجليلين حميمة جدا رغم أنه كانت تمر أعوام دون أن نلتقي، لكنني لم أحس أبدا بأن التواصل بيننا قد انقطع..
ومنذ أسابيع رفعت سماعة الهاتف لأطلب أحدهما، لأقول له أن ربع قرن قد مر، وأن المتر المزور ساد، وأن المتر الصحيح الذي حاول المحافظة عليه اختفى، ولعله تهشم أو سُرِق، وأن بعض القضاء يستعمل لهدم كله، وأن ما كنت أخشاه قد حدث ما هو أسوأ منه.. دق الجرس على الجانب الآخر طويلا.. ثم جاءني صوت سرعان ما عاتبني بعد أن عرفني:
- سيادة المستشار مات منذ شهور و أنت لم تهتم ولم تأت للعزاء.
وراح الصوت يدوي داخلي .. ضخما هائلا كئيبا كصافرة إنذار لا يعقبها أبدا صافرة أمان ولو بعد ربع قرن.. سيادة المستشار مات منذ شهور و أنت لم تهتم ولم تأت للعزاء.. وكنت أسمعها على مستوى الواقع المحدود بشخص وأسمعها في ذات الوقت مجلجلة مدوية على مستوى النبوءة والرمز :
" القانون مات منذ سنين و أنت لم تهتم ولم تأت للعزاء"
تحاشيت أن أطلب الآخر فقد يكون قد مات هو أيضا.
ولكن.. لماذا أخشى من موت هذا أو ذاك..؟!
هل أنا حي وهل الأمة حية؟!..
ألم يأت بعد ذلك الزمن التي يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه؟!..
***
سوف يأتي مرتزق من مرتزقة الشيطان ليصرخ أنني أهاجم القضاء و أشوه صورته.. والله يعلم كم أجل القضاء ورجاله.. إجلالا جعلني طيلة الأعوام الماضية لا أتصور إنقاذا للأمة إلا بأن يتولى القضاء قيادة الأمة.. وأن يكون صرحا شامخا كالمستشار يحيى الرفاعي رئيسا للجمهورية!!..
ولست أهاجم القضاء، بل أهاجم المسيئين إليه ولو كانوا محسوبين عليه.
ثم أنني والله الذي لا إله إلا هو لم أهمل.. وحاولت قدر ما أستطيع.. لكنني ما ظننت أن الأمر قد وصل –بعد ربع قرن- إلى حال يستوجب عزاء لم أكن ممن أدوا الواجب فيه!..
حاولت كثيرا..
نافحت وجاهدت وكتبت وكشفت وفضحت ونددت واستنكرت وتبرأت وتوسلت.
وفي إطار هذه المحاولات كان الاشتباك الهائل الذي حدث مع النائب العام منذ ما يقرب من خمسة عشر عام.. حيث كتبت إليه رسالة نشرتها أوسع صحف المعارضة انتشارا أيامها.. صحيفة الشعب.. والتي حاول القضاء إنقاذها من مقصلة الحكومات العصابات بأربعة عشر حكم نهائي.. لكن الحكومات العصابات تحدت كل ذلك وداست عليه واغتيلت الشعب واغتيل الشعب وساد المتر المزور.. وماتت الشعب دون عزاء..!!
***

في ذلك الاشتباك الضاري كتبت أقول:
السيد النائب العام:

يحذرني الخلان من الكتابة إليك ..
و أنت تعلم أن منصبكم الجليل قد اقترن دائما في وعي الأمة بالرهبة والخوف ..
والإنسان مذ يولد حتى يموت يغالب خوفه..
وثمة درجات من الخوف لعلك توافقني أن أسماها هو الخوف من الله .. الله الذي لا إله إلا هو, الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار, القابض الباسط, الخافض الرافع المعز المذل الواحد الأحد, الفرد الصمد.
نعم يا سيادة النائب العام.. الله الواحد القهار الجبار المتكبر المهيمن المعز المذل.. المنتقم.. المهيمن الملك ..
وينبثق عن هذا الخوف الجليل النبيل الخوف من الضمير، ومن التاريخ، ومن الوقوع في الخطأ..و منك!..
نعم.. يحذرني الخلان من الكتابة إليك أو إلى الشرطة..
وقلت لهم لقد كتبت إلى الرئيس مبارك نفسه رسالات مستفيضة، فكيف تخشون من كتابتي إلى كبار رجاله، وأعوانه، أو إلى خدمه، حيث يعرف الفيروزابادي الشرطة بأنهم خدم السلطان..
وليست الشرطة وحدها هي خدم السلطان!..
و أجاب الخلان أن ثمة فرق بين أن تهاجم الأسد نفسه، وبين أن تهاجم مخالبه..
والحقيقة يا سيادة النائب العام أنني أظنهم على صواب..
وعلى الرغم من ذلك، أو على الأحرى من أجله أكتب إليك..
فقد اقترن منصبكم منذ آماد بعيدة في الوعي الجمعي للأمة لا بالخوف و الرهبة والتقدير فقط، بل وبالحب أيضا..
ولـطالما استمتعنا بأحلام اليقظة في طفولتنا، والخيالات بالنسبة لنا وقائع، والأوهام حقائق، رحنا ننسج حكاية الطيب والشرير على منوال خيالنا، فنتخيل الشرير رجل شرطة باطش جبار كبير ضخم قبيح مخيف وهو يكاد لا يعرف الخوف، لكن هذا الغول الشرير يرتعد فرقا أمام وكيل النيابة الخيّر، وهو- كما في خيالنا - شاب حديث السن لا يرتدي ملابس الشرطة بل مثل ملابسنا يلبس، و كانت خيالاتنا الصغيرة تجسد الخيال فنكاد نرى بعيوننا ونسمع بآذاننا كل محاولات الضابط الشرير الذي عركته السنون لخداع وكيل النيابة الشاب، الذي كالشاطر حسن، والسندباد، و أبي زيد الهلالي، يكشف كل حيلة، ويفسد كل خدعة، لينقذ الضحايا من براثن الوحش، في اللحظة الحاسمة..
وكانت تقف خلف الضابط الشرير سلسلة طويلة تمر حتى بالملك، وتنتهي بالشيطان..
لكن وكيل النيابة أيضا كان يظفر بدعم سلسلة طويلة لا تنتهي بالنائب العام في العاصمة، الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يقول للملك: لا، و أن يحبسه أيضا، لم تكن السلسلة تنتهي به، فقد كانت مدعومة بالعدل الإلهي ذاته..
(...)
ورحنا يا سيادة النائب العام ننخلع من جنات طفولتنا، ونفطم على مرارات علقمية، ونتسلق الطرق الوعرة، ونكبر، والفكرة تكبر معنا وتتطور، وتكتسب أبعادا جديدة ومرارات مختلفات وآفاقا أخرى..
(...)
.. كنا نكن للقضاء جالسه وواقفه كل تمجيد، حتى أنني أصبت بالدهشة وعدم التصديق ذات مرة، حين كنت أجالس أحد كبار المستشارين، وراح يحكي لي عن عمله، وفجأة، انبثق في عينيه ذلك الخوف النبيل وهو يقول: في مثل عملنا: إما أن يكون الإنسان أفضل من الملائكة، أو أشد سوءا من الشياطين ودهشت، لأنني لم أتخيل قبل ذلك وجود الصنف الثاني بين من يحملون على كواهلهم شرف تحقيق العدل: قضاء أو نيابة..
بعد ذلك عرفنا من الحديث النبوي الشريف أن قاضيا في الجنة وقاضيين في النار، وأدركنا لماذا كان أئمتنا يهربون من القضاء هروبهم من الوباء.. و أنهم كانوا يفضلون الجلد بالسياط، والسجن حتى الموت، عن أن يتولوه فيبوءوا بغضب الله..
نفس المعني أقره لي نائب عام أسبق أثناء توليه، حين التمع ذات الخوف النبيل في عينيه وهو يحدثني: منصبي شديد الوطأة على نفسي، فليس لي من مرجع أرجع إليه إلا الله، ولا رقيب عليّ سواه، وما من أحد له سلطة عليّ، ولا يستطيع إعفائي من منصبي سوى الموت، حتى رئيس الجمهورية لا يستطيع، وذلك كله يجعل من مسئوليتي أمام ضميري و أمام الله هائلة، إن أخطأت فلا أحد يشاركني الخطأ، كما أن سكوتي عن أي خطأ لأي سبب ليس إلا فسادا في خلقي وشرا يخالط روحي، لن أجد تبريرا، ففي منصبي: لا عذر لوزر ..
وطفقت أردد خلفه لا عذر لوزر، إلا في نفس تقمصها الشيطان..
لأن الله هو الأول والآخر يا سيادة النائب العام، وهو العدل، ولإدراكنا أن القائم بمنصبك، والجالس في مقعدك مكلف بإقامة العدل، فقد أدركنا أن الرهبة التي يتسم بها منصبك، ووكلاؤك، هي رهبة العدل لا رهبة الخوف، وقوة الحق لا سطوة البطش، وهي مشاعر كما لابد ترى لا تقتصر على شخص بل تسبغ طوفان جيشانها علي المنصب ذاته..
لذلك..
ما أشد ما روّعت يا سيادة النائب العام عندما قرأت تقارير منظمات حقوق الإنسان، وبعض الصحف والكتب التي تذكر ما يحدث في مصر لا في الغابة، الآن لا في عصور البداوة والهمجية والتوحش، تحت بصر القانون المدني، وليس في إطار قوانين محاكم التفتيش ..
حين قرأت تلك التقارير رحت أستعيد – يا سيادة النائب العام - أسطورة ذلك الطفل الذي صرخ أنه يرى الملك عاريا، وطفقت أفكر كم تعذب هذا الطفل، وهو يرى الأشياء عارية..
حجم الوقائع مخيف، وتكرارها مروع، والإصرار عليها مذهل، وعدم اتخاذ موقف منها يحاول أن يهدم يقينا طالما حاولت الحفاظ عليه..
يورد التقرير وتذكر الكتب النماذج المروعة للتعذيب وموقف النيابة منها..
هل تجاوز التقرير حده عندما اتهم النيابة في بعض الأحيان بالتواطؤ؟؟.
هل تجاوز التقرير الصدق عندما أعلن أنه أبلغ مكتبك - يا سيادة النائب العام - بمئات التقارير الموثقة عن حالات التعذيب وإهدار القانون دون رد؟.
فليكذبوا ما شاءوا لكن ليبتعدوا عن النيابة والقضاء، فهما الملاذ والحصن، ولو تطرق إليهما ما عمّ باقي الأجهزة في بلادنا فقد خسرنا كل شيء، إلا النيابة والقضاء، فهما القادران على تعديل الدفة المنحرفة، وإنقاذ السفينة التي توشك على الغرق، وددت أن أكذّب التقرير، أن يكذّبه وزير الداخلية مقيما الدليل، أن يكذّبه الرئيس، أن يكذّبه العالم، أو أن تكذّبه أنت يا سيادة النائب العام..
لم يتحدث إلا إبراهيم سعدة، تحدث متّهـِـما من يثيرون قضية التعذيب بأنهم عملاء للــ C.I.A. وأنهم يهددون الأمن القومي فقلت لنفسي: رمتني بدائها وانسلت ..
لكنني أعلم يا سيادة النائب العام أن هذه الوقائع لا يمكن أن تكون قد اتصلت بعلمك، لا دون رد فقط، بل دون أن تقلب الدنيا على رؤوس الجبابرة..
لقد أرغم النائب العام الأمريكي رئيس جمهوريتها على الاستقالة لأسباب أقل مما يحدث في بلادنا بكثير..
من سواك لها.. يا محامي الأمة الساهر على حقوقها، المروّع دائما بمسئوليتك المبهظة عن كل مظلمة تصيب أيا من أفرادها، بل أيا من حيواناتها، ولو كانت شاة في الصعيد ظلمت ..
من غيرك يستطيع..
تستطيع الأمة أن تستدرك أي خلل يصيبها من خلال سلامة أجهزتك..
أنت الحكم والفيصل والميزان..
ولا تستطيع الأمة مجرد تخيل أن بالميزان ميل..
عندما استبد بي يا سيادة النائب العام الألم، وغرقت في لجج الحيرة، لأنه من المستحيل أن أشك فيما يمثله منصبكم، ومن الصعب أن أشك في صدق تقارير المنظمات والهيئات العديدة المتواترة..
وفي خضم الحيرة بين صدق واجب هو صدقك، وصدق واقع يا سيادة النائب العام هو ما نراه كل يوم، لم أملك إلا الشك في المنطق..
تعلمت الشك في المنطق منذ بدايات دراساتي في الفلسفة واستبدلت الشك في تقارير المنظمات وفي رد فعلك بالشك في منطقي، في فهمي وفي عقلي..
تعلمت أن العقل البشري محدود، وقاصر، و أنه في قمة توهجه، وفي صميم ميدانه، في عالم المعادلات الفلسفية والرياضية قد يقع في أخطاء فادحة، فلننظر إلى هذه المسألة الرياضية مثلا ..
نصف أعمي = نصف مبصر..
وبضرب طرفي المعادلة في رقم 2 تكون النتيجة:
أعمي = مبصر !!..
وهي نتيجة يرفضها المنطق بالطبع حتى و إن قالت بها قوانين الفلسفة أو معادلات الرياضة..
لكنني بالشك في منطقي يا سيادة النائب العام حللت جزءا من مشكلتي، بلا منطق، وان بقيت في نفسي غصة..
وفكرت، أن آفتي، كآفة أمتنا، هي الاعتماد على عقل واحد قد يعجز عن حل مسألة، ربما لو تصدي لها ستون مليون عقل لاستطاعوا حلها..
ومن هنا كان قراري يا سيادة النائب العام أن أعرض ما حيرني وما أهمني على الأمة كلها، علّني أجد جوابا وحلا..
أعرض المشكلة على الأمة كلها، مدينا أشد الإدانة كل كاتب وكل مفكر في هذا البلد لم يعط للمشكلة الهائلة حقها، مدينا أيضا كل مسئول وكل هيئة وكل جهاز كان يستطيع أن يفعل فلم يفعل، أو كان يملك أن يمنع فما منع، أو كان يستطيع أن يقول فلم يقل..
أعرض المشكلة على الأمة كلها، أسرد عليها بعض ما ورد في تلك التقارير..
وأعرضها عليك أيضا، فقد يكون هناك شرطي شرير، حجب هذه التقارير عنك، واستولي عليها قبل أن تصل إليك، لأنه لم يتخيل هو الآخر أنها يمكن أن تصلك دون رد فعل منك .
تقول التقارير: إن تقاعس النيابة في إجراء تحقيق سريع وعاجل في بلاغات التعذيب، أو طول المدة التي تستغرقها التحقيقات، وتأخر عرض المجني عليهم على الطب الشرعي يؤدي إلى إفلات المسئولين المتورطين في جرائم التعذيب من المساءلة والعقاب الرادع، كما يؤدي إلى إهدار حق المجني عليهم في إثبات آثار التعذيب، حيث أفضي تقاعس النيابة في هذا الصدد من جانب ومماطلة مصلحة السجون في الإحالة إلى مصلحة الطب الشرعي من جانب آخر إلى زوال المعالم الإصابية أو التئامها..
ويضيف تقرير أنه رغم شيوع التعذيب في بلادنا، والذي أثبتته تحقيقات النيابة نفسها، و أثبتته أيضا تقارير الطب الشرعي، وحيثيات أحكام المحاكم، إلا أن الضحايا محرومون من مقاضاة جلاديهم، فالقانون يشترط أن يتعرفوا على شخصية الجلادين القائمين بالتعذيب من ضباط وجنود الشرطة الذين يحترزون لذلك بعصب أعين ضحاياهم، وفي الحالات النادرة التي يتمكن فيها الضحية من التعرف على جلاده، تسلبه المادة رقم 120 من قانون الإجراءات الجنائية حق مقاضاة جلاده أمام المحاكم، يقصر القانون ذلك الحق على النائب العام والمحامي العام، فإذا تقدم الضحية إلى النيابة بشكواه ضد معذبيه، وقررت النيابة حفظ التحقيق، لا يملك الضحية الحق في استئناف قرار النيابة..
يا إلهي..لست إذن المسئول الأول فقط.. بل والأوحد أيضا.. و حق كل معذب أمانة في عنقك أمام الله يوم القيامة..
في حالات عديدة، قررت النيابة حفظ التحقيق بأنه لا وجه لإقامة الدعوى لاعتبارات المحافظة على مستقبل الضابط الوظيفي ..
مستقبل الضابط الوظيفي ؟! كل المجرمين والخونة والسفاحين واللصوص لهم هم الآخرون مستقبل فلماذا لا نحافظ عليه هو الآخر؟!!.
لقد أصدرت منظمة واحدة من عشرات المنظمات 82 تقريرا موجزا ونداء عاجلا بحالات محددة من التعذيب وسوء المعاملة، كما تقدمت نفس المنظمة بثمانية وسبعين بلاغا إلى سيادتكم بحالات التعذيب الفردية والجماعية التي نمت إلى علمها، واحد فقط من هذه التقارير الثمانية والسبعين كان يضم أربعة وثلاثين وثلاثمائة ضحية للتعذيب..
ولقد أبلغت المنظمة مكتبكم يا سيادة النائب العام، كما أبلغت وزير الداخلية أيضا..
ولم تتلق أي رد..
إن المادة 410 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بأنه: لا يجوز لمأمور السجن أن يسمح لأحد من رجال السلطة بالاتصال بالمحبوس داخل السجن إلا بإذن كتابي من النيابة العامة وعليه أن يدون في دفتر السجن اسم الشخص الذي سمح له بذلك، ووقت المقابلة وتاريخ ومضمون الإذن ..
برغم القانون فان كل ما يتعلق بالسجناء السياسيين يخضع لمباحث أمن الدولة، للدرجة التي خصص لهم مكاتب داخل السجون والمعتقلات يقيمون فيها إقامة شبه كاملة على مدار اليوم، و أنه يتم فيها بعض طقوس التعذيب..
لا يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل إن ضباط مباحث أمن الدولة يقومون - ضد القانون - بسحب المعتقل من السجن واقتياده إلى المقر المركزي لمباحث أمن الدولة في لاظوغلي أثناء الليل حيث يتعرض لجرعات متكررة من التعذيب قبل أن تتم إعادته إلى السجن في الفجر، ولا تدون حركة الخروج والعودة في سجلات السجن بالمخالفة للقانون..
إن النيابة العامة تحت رئاسة سيادتكم هي الجهة المسئولة عن التفتيش على السجون وأماكن الاحتجاز والتأكد من عدم وجود أي مخالفات للقانون، والاستماع إلى شكاوي المسجونين، كما أن المادة 1747 من تعليمات النائب العام تقضي بتفتيش السجون مرة في الشهر على الأقل دون إعلان مسبق حتى تستطيع الوقوف على حقيقة ما يجري بداخلها..
هذا هو القانون، لكن العديدين ممن عذبوا يقرون بأنهم طوال شهور عديدة لم يلتقوا قط بأعضاء النيابة العامة..
يقول التقرير: لقد تخلت النيابة عن مسئوليتها التي أناطها القانون بها من تحقيق في شكاوي التعذيب، لتكتفي في أحسن الأحوال بإثبات آثار التعذيب في محاضرها، دون - حتى - أن تقدم مبررا لوجود هذه الآثار المثبتة بتقارير الطب الشرعي في كثير من الحالات..
و لقد تجلي تخلي النيابة عن اختصاصاتها بالتحقيق في وقائع التعذيب في اضطرار محكمة أمن الدولة العليا طوارئ في قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب إلى ندب عضو اليمين بالمحكمة للتحقيق في وقائع التعذيب التي تعرض لها المتهمون على ذمة هذه القضية ولقد ثبت هذا التعذيب حين أيدت تقارير الطب الشرعي أقوال الضحايا، و أثبتت هذه التقارير أيضا أن هذا التعذيب قد حدث بالكيفية وفي الوقت الذي حدده المتهمون في أقوالهم بالنيابة، ولقد سجلت النيابة أقوالهم، وتفضلت بإحالتهم إلى الطب الشرعي كما يقضي القانون، لكنها أغفلت متابعة تنفيذ قراراتها، مما ترتب عليه أن الضحايا لم يعرضوا على الطب الشرعي إلا بعد أسابيع من وقوع التعذيب..
إن تقصير النيابة في القيام بمسئولياتها لا يقف عند حد الاكتفاء بإثبات آثار التعذيب أو التراخي في عرض الأشخاص الذين يدعون تعرضهم للتعذيب على الطب الشرعي قبل أن تندمل الآثار الإصابية التي لحقت بهم، بل يمتد هذا التقصير ليشمل تقاعس النيابة عن تحريك الدعوى الجنائية ضد المسئولين المتورطين في أعمال التعذيب..
في عام 1986 حكمت محكمة جنايات عابدين ببراءة 44 متهما من ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب، لا لأن التعذيب لم يحدث، لكن لأن الضحايا عجزوا عن تحديد أي من المتهمين هو الذي قام بتعذيبهم لأنهم كانوا معصوبي الأعين طيلة فترة تعذيبهم واستجوابهم..
و نعت المحكمة على النيابة تقصيرها في التحقيق في وقائع التعذيب..
( قائد هؤلاء المتهمين عضو مجلس شعب الآن وأمين لجنة من لجان الحزن الوطني)..
ولقد اضطرت محاكم كثيرة إلى إهدار كافة الاعترافات المنسوبة إلى المتهمين نظرا لمناخ التعذيب والإكراه الذي تعرضوا له والذي تمثل في الضرب المتكرر وإدخال عصا وإصبع في الشرج ..
وفي حكم آخر تقول حيثيات حكم المحكمة: إنه تيقن لها أن المدعي قد لاقى صنوفا من العذاب أثناء فترات اعتقاله متمثلة في ضربه بالعصي والسياط والأسلاك الكهربائية، والحرمان من الطعام والشراب و إطفاء السجائر المشتعلة في جسده مع تعريضه لصدمات كهربائية في الأماكن الحساسة في جسده، وكذا تهديده بالقيام بأعمال غير مشروعة مع زوجته ووالدته ..
يا إلهي..
إن الأمر يزداد صعوبة، فان المنظمة تستشهد بأحكام المحاكم وتقارير الطب الشرعي..
يواصل التقرير :
المتهمون في القضية 546 حصر أمن دولة عليا المعروفة إعلاميا بقضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب: وعددهم 27 متهما بينهم عشرة هاربون وقد قضت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ في أغسطس 1993 بتبرئة المتهمين جميعا من تهمة الاغتيال، وطبقا لما هو موثق بمنطوق الحكم من أن المحقق قد أثبت إصابات المتهم منذ استجوابه وأن جميع المتهمين الماثلين لم ينج أحدهم من التعذيب وأثبت المحققون إصابات بهم كما أكدت التقارير الطبية تعرضهم لأبشع أنواع التعذيب من ضرب بالسياط وتوصيل شحنات كهربائية إلى أجسامهم وموطن العفة منهم وتعليقهم وهم معصوبو العينين بقصد انتزاع الاعترافات منهم، وتكرارها بعد كل استجواب وانتهت المحكمة إلى استبعاد كافة الأدلة المستمدة من اعترافات المتهمين باعتبارها قد صدرت تحت وطأة التعذيب بهذه الصورة النكراء التي وردت بتقارير الطب الشرعي ..
يا إلهي..لقد زورت الشرطة التحقيقات، ولفقت التهم، فأين كانت النيابة؟.
ويقول تقرير الطب الشرعي رقم 725 الخاص بالمتهم إبراهيم إسماعيل عبد المجيد علام بوجود كدمات داكنة بالوجه والظهر والكتف والساعدين والفخذ واليد وسحجات رقيقة وسطحية منتشرة أعلى وحول حلمتي الثديين وثمرة القضيب بأوضاع مختلفة وان هذه الكدمات تحدث من المصادمة بأجسام صلبة رضية وان سجحات تحدث من مثل ملامسة الجسم لمصدر كهربائي وأضاف التقرير بوجود إعاقات كاملة في حركة الطرفين العلويين تحدث من مثل الضغط والشد كمثل التعليق من خلف، وان البؤرات النزفية الموصوفة حول الثديين ومقدمة القضيب تحدث نتيجة تقريب جسم أو أجسام مكهربة لسطح الجلد...
ويقول تقرير الطب الشرعي رقم 72 الخاص بالمتهم عادل قاسم سيد شعبان بوجود كدمات بالوجنة اليمنى والظهر والطرف العلوي الأيسر والفخذ الأيسر واليد اليمنى وحذوذ بأسفل الرسغين وسحجات طولية حول حلمتي الثديين والقضيب وأن الإصابات الأولى تحدث من المصادمة بجسم صلب والإصابات التي أسفل الرسغ من القيود الحديدية والسجحات من ملامسة الجسم لتيار كهربائي ويشير تقرير آخر لذات المتهم بوجود خدل شديد بالطرفين العلويين وإعاقة كاملة في حركتهما الإرادية وبؤرات نزفية تحت الجلد حول منطقة الثديين وثمرة القضيب، وان الإصابات الأولي ناتجة عن الضغط والشد على الأطراف كمثل التعليق من خلف وان الإصابات الثانية تحدث نتيجة تقريب جسم أو أجسام مكهربة لسطح الجلد..
كما يشير تقرير الطب الشرعي رقم 717 الخاص بالمتهم صفوت عبد الغني بوجود بؤرات نزفية متقاربة ومتجمعة تحت الجلد في حجم رأس الدبوس حول الثدي الأيمن وأسفل جدار البطن وحول القضيب التناسلي، تحدث مثلها نتيجة تقريب جسم أو أجسام مكهربة لسطح الجلد، وما ينجم عن ذلك عادة من تغيرات باثولوجية بالشعيرات الدموية الدقيقة..
وعلى الرغم من تعرض هؤلاء المتهمين للتعذيب، ومناظرة النيابة والطب الشرعي، إلا أن النيابة لم تباشر أي تحقيق مع الضباط المسئولين عن أعمال التعذيب، مما دفع محكمة أمن الدولة العليا طوارئ التي تنظر قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب، إلى أن تقرر ندب عضو بها بدرجة مستشار للتحقيق في وقائع التعذيب..
وقد رصدت حيثيات الحكم في هذه القضية تقاعس النيابة في تحقيق وقائع التعذيب حيث جاء بنص هذه الحيثيات أنه رغم أن المحكمة أحالت وقائع التعذيب التي تعرض لها المتهمون إلى النيابات المختصة لتحقيق هذه الوقائع، إلا أنه حتى بعد 3 سنوات من التعرض للتعذيب، لم ترد هذه التحقيقات من النيابة العامة .
وأكدت هيئة المحكمة بنص حيثياتها على أن جرائم التعذيب التي تمس الكرامة وسلامة الجسم بل والحق في الحياة توجب تدخل المشرع بالنص صراحة على مسئولية رئيس الجهاز الذي يعمل به المتهم القائم بالتعذيب حتى ولو كان مجهولا أو تعذر على المعذب التعرف عليه لأنه كان معصوب العينين أو كان الذي قام بتعذيبه يخفي وجهه أو شخصيته، فان افتراض المسئولية الجنائية قبل رئيس الجهاز الذي وقع التعذيب فيه كفيلة بمنع التعذيب لأن التهديد بعقاب الرئيس الذي له الإشراف والرقابة يحمله على إحكام الرقابة والحيلولة دون وقوع جريمة التعذيب لأنه هو في الغالب الذي يخلق الظروف التي توحي به والإقدام عليه ..
***
ما أرق و أدق حكم المحكمة..
لكننا دون رقة ودون دقة نرى أن مسئولية رئيس الجهاز ليست مفترضة بل هي حقيقة واقعة، و أنه يأمر بالتعذيب ويشارك فيه ويخطط له ويأمر باستيراد الأجهزة الجهنمية له من الخارج، إنه كما يقول جون لوك أكثر جرما من مرءوسيه أجل:
الرئيس هو المسئول وهو المجرم..
أستميحك عذرا يا سيادة النائب العام - مؤقتا - عن الاستمرار في سرد وقائع التعذيب التي أثبتتها المحاكم وتقرير الطب الشرعي والتي يقول تقرير منظمة حقوق الإنسان أن النيابة لم تقم حيالها بعمل.. لأنني لو رويت كل ما هو منشور لما كفت كل صفحات هذا الصحيفة، لكنني أرغب أن أنهي هذه الوقائع بواقعة فادحة صارخة، كانت المحكمة، والنيابة نفسها هم الشهود الرئيسيين عليها..
فثمة متهمون آخرون قرروا أمام هيئة المحكمة تعرضهم للاعتداء بالضرب بمحبسهم بالسجن شديد الحراسة بمنطقة سجون طرة ويؤكد مندوب المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الذي تابع الجلسة أن المتهمين حصروا من محبسهم وقد ظهرت عليهم آثار إصابات واضحة وكانت ملابسهم ملطخة بالدماء وبعضهم جاء بالملابس الداخلية ملطخة بالدماء أيضا..
وقد قامت هيئة المحكمة بنفسها بمناظرة إصابات المتهمين السبعة عشر..
وقد قرر المتهمون أن هذه الإصابات نتجت من اعتداء قوات إدارة السجن ومباحث أمن الدولة والقوات الخاصة عقب اقتحامهم للزنازين وضربهم للمتهمين بالعصي والخراطيم المطاطية والعصي الكهربية إضافة للسب والركل بالأقدام وإجبارهم على الانبطاح أرضا بوجوههم ثم السير عليهم بالأحذية..
اللهم رحمتك وعفوك..
حتى أمام النيابة، وحتى في حضرة المحكمة يذهب المتهمون مضرجين بدمائهم..
أين محاضر تحقيق النيابة..؟؟.
أين القضية الهائلة التي فجرتها النيابة لتسفر في النهاية عن إسقاط الحكومة، لقد فعلتها النيابة منذ أكثر من سبعين عاما في قضية أقل بكثير، و أسقطت حكومة الطاغية الجلاد إسماعيل صدقي..
أين..؟؟؟؟؟
لكن حيثيات حكم المحكمة تقرر عدم اطمئنان ضمير المحكمة إلى محاضر تحقيقات النيابة، و إلى أن وكيل النيابة بدا كما لو كان يمنع عن المتهم الاستعانة بمحام، وأن المطاعن التي كانت توجه إلى محاضر تحريات مباحث أمن الدولة، قد استطالت حتى وصلت محاضر تحقيق النيابة، مثل الاتهام بعدم الحيدة، وعدم إثبات كل الأقوال، والتهديد بالإيذاء، ومجاملة رجال مباحث أمن الدولة..
يا إلهي....
حيثيات حكم محكمة يتهم النيابة بكل هذا..
لقد ناظرت هيئة المحكمة التعذيب أحيانا بنفسها، و أثبتته..
لم تعلن أبدا نتائج التحقيقات.. التي من المفترض أن النيابة العامة مسئولة عن إجرائها في جرائم التعذيب..
إن حيثيات أحكام المحاكم لم تكتف كتقارير النيابة بإسناد تهمة التعذيب إلى مجهول، بل يذكر أحدها صراحة: كثير من المتهمين وقع تعذيب عليهم من ضباط مباحث أمن الدولة ..
سامحني يا سيادة النائب العام على جرأتي التي تجعلني من فرط الألم أغامر بأمني، وحريتي، وربما بحياتي بترديد ما ذكره تقرير منظمة حقوق الإنسان، أغامر، رغم علمي أنني قد أمثل غدا أو بعد غد أمام أحد وكلائك، ليأمر بحبسي، لأحبس في محبس لا يقوم وكلاؤك فيه بواجبهم في التفتيش عليه طبقا لتعليماتك، محبس يتواجد فيه ضباط مباحث أمن الدولة ليل نهار ضد القانون، لكنني اخترت منذ زمن طويل يا سيادة النائب العام، أنه إذا كان هذا العالم ينقسم إلى جلادين وضحايا، يتفرج عليهم شياطين خرس أو متواطئون، أو مشاركون بجريمة الصمت عن الجريمة، لو كان العالم ينقسم إلى ذلك، وليس ثمت اختيار آخر، فقد اخترت أن أكون ضحية..
سامحني، بل و أتوسل إليك، أن يصدر مكتبك بيانا فوريا تفصيليا يكشف لنا ماغمّ علينا..
فمن المستحيل أن تكون الأمور بكل هذه البشاعة التي توردها الصحف وتقارير منظمات حقوق الإنسان، وتؤكدها حيثيات أحكام المحاكم وتقارير الطب الشرعي لا مجرد أقوال الصحف..
أتوسل إليك، من أجل هذه الأمة، وفي سبيل الله، و أتوسل أيضا إلى رئيس الجمهورية ومجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض..
وأتوسل إلى كل كاتب ومفكر في هذا البلد..
فما يحدث لو كان يحدث حقا، ولو استمر، فلن تقوم لهذه الأمة قائمة..
يا سيادة النائب العام ..
عندما اخترت منصبكم العالي لأوجه إليه مظلمة الأمة، لم أكن أقصده وحده، كنت أقصد الجهاز القضائي كله، والجهاز التنفيذي والتشريعي، بل و أقصد أيضا المفكرين والكتاب والمثقفين، فهم قضاة ضمير العدالة إذ أنتم قضاة نصوصها، أقصدكم، لا مطالبا بتقويض الحكومة بل مطالبا بحكومة !!.. ولا مهددا للدولة بل محاولا إنقاذها من الفناء والتلاشي، فقد أصبحت كالرجل المريض، الذي بلغ من سوء حالته في نظر أعدائه وبعض القائمين على الأمر فيه، أن أصبح لا يحتمل حتى العلاج، بله البتر، فكل حديث صريح أو صحيح إنما هو بعينه الخوض في حقل ألغام قد ينفجر في أي لحظة، والأسلم والآمن ترك هذا المريض يموت، ليحصل كلٌ على ميراثه من تركته، غير مدركين أن العدو الجاثم قد رهن المغانم منذ زمن، ولم تبق إلا المغارم.
الصراحة إذن مخاطرة غير محسوبة يقدم عليها من تروّعه احتمالات فناء الأمة، فهو إذ يقاوم، لا يقاوم العدو فقط، ولا المرض فقط، بل أولئك الأبناء السفهاء، الأوغاد، الذين لا يأبهون من الوطن إلا بما ينالونه منه، ما ينهشونه من لحمه، وما يغتصبونه من جسده، ويستنزفونه من دمه، حتى آخر رمق..
(...)
لقد علمتمونا يا سيادة النائب العام أنه لا يوجد متهم بريء ومتهم مذنب، فكل المتهمين أبرياء حتى تثبت إدانتهم في محاكمة عادلة وبالرغم من ذلك، فان ضحايا التعذيب والقتل، معظمهم أبرياء لم تصدر بشأنهم أحكام.. يكفي أن يصرح الشرطي أن الضحية متهم كي يسام العذاب أو يفقد حياته..
لعلك تلاحظ يا سيادة النائب العام أنني لم أتطرق إلى الأسباب التي تدّعيها بعض قطاعات الشرطة - وكتاب السلطة - تبريرا لجرائمها، بل لقد تعمدت أن يكون معظم حديثي عن أناس لا علاقة لهم بالسياسة، ولا حتى بالدين، حتى أن بعضهم يلتمس البراءة أمام المباحث مقيما الدليل على براءته بأنه لا يقيم الصلاة، ذلك مذكور ومنشور وموثق، لم أتطرق أيضا إلى ما تنشره الصحف الأجنبية عنا من أن المشكلة في مصر ليست مشكلة إرهاب بل مشكلة صراع سياسي اختارت السلطة أن تحله بالرصاص والعنف والتزوير والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان بدلا من حله باللجوء إلى صندوق انتخابات لا يزوّر، لم أتطرق إلى الأبعاد الدينية و التاريخية والثقافية و الاجتماعية والاقتصادية للمشكلة الكارثة، ولم أتطرق أيضا إلى هوية الضحايا وانتماءاتهم وأحزابهم، ولا إلى وجهة نظرهم، ودفاعهم عن أنفسهم، لم أسرد لك ما يدور في العالم عن فساد النظام في بلادنا، عن أنه يستعمل كل هذا البطش لا ليحمي الوطن من الإرهاب بل ليحمي إرهابه من القانون!! وليحمي نفسه وفساده ومتعه الحرام..الحرام قانونا لا دينا، لم أتطرق إلى ذلك كله، لأن ما يحدث للمتهمين الضحايا بغض النظر عن أي سبب وكل سبب جرائم مروعة، أجل.. جرائم مروعة، حتى لو كان كل المتهمين مجرمين..
جرائم مروعة تؤكد أن النظام كله مختل و أن المجتمع كله مريض..
جرائم مروعة يا سيادة النائب العام، المسئول عنها رئيس الجهاز الذي ترتكب الجريمة في كنفه وتحت حمايته وبأوامره، والمسئول هو الرئيس، أيا كان موقعه، ولأنها جرائم يا سيادة النائب العام فهي تقع في دائرة اختصاصك..
لقد شاهدت النيابة نفسها بعضا من الإجرام الذي يحدث..
ودعني يا سيادة النائب العام أسرد على مسامعك تلك الواقعة التي أشعلت في الطفل القديم حنينه الجياش لعدل النيابة وشجاعتها:
احتجزت الشرطة المتهم: عبد الناصر عبد الغفار علي: وعمره 34 عاما في قسم أول الزقازيق لسؤاله في جريمة قتل، حيث أجبر على خلع ملابسه، وتم تعصيب عينيه بقطع قماش وتقييد يديه من الخلف وتعليقه على باب و الضرب بعصا خشبية - ساق كرسي - وخرطوم سميك مبطن على الرأس والظهر والمؤخرة والقضيب الذكري والقدمين وقصبة الساقين.. وتنقل مذكرة النيابة عن الضحية قوله عنه تم ( وضع وإدخال عصا في دبره ثلاث مرات متفرقات في يوم واحد )، و أن الضباط غرسوا إبرة معقوفة في معصم يده اليمني ثم قاموا بتوصيلها بالكهرباء، مما سبب آلاما مبرحة، كما صعقوه بالكهرباء، خلف الأذنين وفي حلمة الثديين والأعضاء التناسلية..
وعلى إثر بلاغ تقدمت به أسرته إلى نيابة الزقازيق، انتقل رئيس النيابة إلى قسم أول شرطة الزقازيق إلا أن الضباط قاموا بتهريب الضحية إلى نقطة شرطة بردين المجاورة، وعندما علمت النيابة بذلك بادر رئيسها بمفاجأة نقطة الشرطة حيث شاهد بنفسه الضحية وهو معلق على الباب في حالة يرثي لها. ويوثق التقرير الطبي رقم 884 الصادر من مصلحة الطب لشرعي التابعة لوزارة العدل آثار التعذيب..
فهل كان يمكن يا سيادة النائب العام أن تجد النيابة على شيوع التعذيب دليلا أوضح من ذلك؟.؟.
هل كان يمكن؟.؟
وهل هو ممكن ألا تتخذ قرارا تهتز له الأمة كلها، لا إزاء هذه القضية فقط بل إزاء جريمة التعذيب، والمجرمين المرتكبين لها، والمجرمين المتسترين عليهم؟.
إننا لا نريد أن نصدق ما أوردته صحيفة متحالفة مع الحكومة، وبرغم ذلك تقول أنه بات من الصعب التفريق بين النيابة والشرطة، لا في التستر فقط، بل وفي الظلم أيضا ..
السيد النائب العام :
الساحة عابسة عابثة يائسة ميئسة..
وعنت الجباه ....
ليس لله الواحد القهار- وليتها - بل للطاغية الباطش الجبار..
وزير الداخلية يصرح: ( أي مكان فيه تجمعات أو محاولات لابد أن تطهر لأنها مثل السرطان لابد أن يستأصل بالكامل )، و أخشى أن يكون هذا يا سيادة النائب العام تصديقا لمن بات يحسب أن الشرطة استولت الآن على مهام النيابة والقضاء، و أنها تستأصل فعلا من لا يدينهم القضاء ومن لم تقدمهم النيابة إليه، وكنا نأمل من الوزير أن يتحدث عمن يموتون من التعذيب في أقسام الشرطة ومباحث أمن الدولة والأمن المركزي، والذين تحدثت عنهم منظمات حقوق الإنسان، التي يعترف بها العالم وتعترف بها الأمة، وإن أنكرها الوزير ..
لطالما ساءلت نفسي يا سيادة النائب العام إثر بعض اللقاءات مع ضباط شرطة: من الذي زين لهم ما يفعلون، أما الأمل الذي كان من المفترض أن ينعقد بناصية مجلس الشعب في أن يدافع عنا ويستجوب الوزراء ويسقط الوزارات فهو يتحول إلى كابوس.(...)
حين تلقي الشرطة القبض عليّ يا سيادة النائب العام، وتحيلني بعد أيام أو أسابيع إلى وكيلك، فإنني أحسب أن بعض اتهام سيوجهه إلي هو محاولة قلب النظام..
ويعلم الله أنني إلى قلبه لا أسعى... .
بل وجدته - لفرط الأسى والذهول - مقلوبا..
و أحاول من خلال القانون أن أعدله..
أجل.. النظام مقلوب..
التعذيب الهمجي الوحشي المجنون المجرم للناس نظام مقلوب ..
وتزوير الانتخابات نظام مقلوب..
و إهدار أحكام القضاء وتحديها نظام مقلوب..
قدرة بعض كبار المسئولين على الكذب الصريح البواح نظام مقلوب..
لا أحد يحاسب أحدا نظام مقلوب..
تخريب الاقتصاد نظام مقلوب..
حماية اللصوص دون الأبرياء نظام مقلوب..
(...)
إهمال الرد على ما نثيره رغم خطورته ويهدم - إن صح - كل شرعية مدّعاة نظام مقلوب..
احترام قرارات الأمم المتحدة على ليبيا والعراق و إهدارها مع إسرائيل و في حقوق الإنسان نظام مقلوب..
العلاقات مع إسرائيل لا مع إيران والعراق نظام مقلوب..
عجز الحكام عن سد الفجوة التي تتسع كل يوم بين قوتنا وقوة أعدائنا نظام مقلوب..
تطويع القوانين لصالح هوى الحكام ضد مصلحة الأمة نظام مقلوب..
الاعتداء على النقابات نظام مقلوب..
ادعاءات التنوير تحت القهر والسياط والبطش نظام مقلوب..
إنتاج إسرائيل أكثر من إنتاج مصر وسوريا والأردن ولبنان نظام مقلوب..
انضمام بعض العرب إلى أمريكا و إسرائيل لسحق وحصار العرب نظام مقلوب..
التخاذل والهوان والذل المفروض علينا في الداخل والخارج نظام مقلوب..
التهليل لمن يهاجم القرآن مدعيا وجود أخطاء به ومدعيا أن المعنى من الله والكلمات من الرسول صلى الله عليه وسلم و أنه يجوز تغييرها - نشرت مجلاتنا ذلك - والبطش بمن ينتقد الحكام نظام مقلوب ..
لست أسعى يا سيادة النائب العام إلى قلب النظام ..
علمني الزمن، والقهر، والتاريخ وخيبة الأمل مع كل عهد أن التغيير ليس تغيير فرد وإنما تغيير منهج، انتهت خرافة القائد الزعيم البطل الملهم الذي ينقذ أمته من الخراب ويقودها إلى الانتصار، فالأمة هي وحدها القادرة على إنقاذ نفسها من الخراب والدمار..
فقط: بأن نحطم الأغلال التي تقيدها، أن نسحب التفويض الذي استلبه منها من يزورون إرادتها..
إنها جريمة: أن تختزل الأمة في فرد، أو في عصابة ..
***
لطالما ذل كبرياء الطفل الذي رأى الملوك عراة وهو يرقب ذاهلاً الهزيمة الحضارية والعسكرية الشاملة لأمة تعدادها أكثر من ثلاثمائة مليون وراءهم ألف ومائتان وخمسون مليون آخرون أمام أمة تعدادها أقل من خمسة ملايين ..
لطالما عجز عن الفهم، ولطالما اجتر الألم..
وما أشد بؤسه عندما اكتشف كيف امتهنوا عقله وخدعوه وغالطوه في الحساب..
لم يكونوا خمسة ملايين ضد ثلاثمائة مليون بل كانوا خمسة ملايين عقل ضد اثنين وعشرين عقلا.. والاثنان وعشرون عقلا كانت متعارضة متضاربة.. لم تكن مجتمعة.. فكل منهم اعتبر الآخر سرطانا يجب استئصاله، وفي سبيل ذلك أغفل الدين والعقل والقانون والضمير..
ولم يكونوا نخبة عقول الأمة ولا خلاصة فكرها، بل إن معظمهم وصل إلى مكانه بالصدفة أو الوراثة أو الغدر ليمثلوا في النهاية أشكالا كاريكاتورية لعيوب الأمة ونقاط ضعفها لا لمزاياها ومكامن قوتها ..
كنا صفرا، أو أكثر من الصفر بقليل..وكانوا خمسة ملايين ..
الآن يفهم الطفل سر انتصاراتهم الكاسحة وانكساراتنا الفادحة..
كثرتهم كاسحة.... و قلتنا فادحة....
هناك، حيث لا زعيم ملهم، ولا قائد عبقري، ولا منقذ، ولا خليفة لله على الأرض، ولا خادم لحائط المبكي، ولا حاكم يرزح على قلب أمته لا ينقذها منه إلا الموت..
هناك حيث يستعمل كل فرد من الخمسة ملايين عقله لرفعة أمته لا لتأليه حاكمه..
هناك حيث يمكن لعضو واحد في مجالسهم المنتخبة أن يسقط الحكومة كلها..
هناك حيث يكرسون كل قوتهم وجهدهم لرفع شأن أمتهم واحترامها وسط العالم، لا لقهر شعوبهم وفرض احترام رجال السلطة فيها ومنع نشر جرائمهم بالقوانين والسياط والرصاص..
هناك حيث يستطيعون فرض إرادتهم والذل علينا، في نظام مقلوب..
هناك حيث يقول قائلهم: لو خيرت بين حكومة بلا صحف حرة وصحافة حرة بلا حكومة لاخترت الثانية على الفور، هناك.. وهنا، هناك كان من حقهم النصر وهنا كان من حقتا الهزيمة ..وما الله بظلام للعبيد..
هذا النظام المقلوب يا سيادة النائب العام تستطيع أنت وأقرانك أن تعدلوه، بقرارين فقط: منع التعذيب ومنع تزوير الانتخابات..
تأمّل إذن: إن إنقاذ أمتك مرهون بقرارين منك..
من المحزن يا سيادة النائب العام أن هناك جرائم لا أستطيع رغم فداحتها إبلاغك بها، لا أستطيع إبلاغك مثلا بجريمة قتل روح الأمة، وجريمة تشويه وجدانها، و دفع الناس إلى الذل والخنوع والسلبية والخوف والرضي بالظلم ، وذلك الذي حدث في ظل حكامنا الوطنيين لم يحدث حتى تحت ظلال الاحتلال، الذي لم يستطع رغم جبروته وطغيانه إطفاء جذوات النخوة والكرامة في نفوس الناس. قارن يا سيادة النائب العام بين رد الفعل الذاهل الميت في عصرنا وردود الفعل الحية في عصر سابق..
منذ أكثر من سبعين عاما.. وكان ثمة وزير داخلية جلاد – اسمه إسماعيل صدقي - يحكم مصر بسياسة الحديد والنار، وفي قرية أخطاب مارس الطاغية الباطش الجبار إحدى نزواته الإجرامية، عندما أصدر تعليماته للملازم أحمد فريد التهامي ملاحظ نقطة الشرطة لحشد أهالي القرية لتحية فريق من وزرائه كانوا سيمرون بالقرية كانت أخطاب وما يجاورها من القرى من مناطق نفوذ سعد زغلول، وكان إجبار أهل القرية على الخروج لتحية وزراء الطاغية الجلاد نوع من الإذلال المقصود..
وخرج أهالي أخطاب إلى الطريق الذي سيمر به الوزراء بلافتاتهم وحميرهم.. ووقفوا ينتظرون مرور موكب الوزراء، وقبل دقائق من مروره، علق الأهالي اللافتات على حميرهم، ثم تسربوا في خفة إلى الحقول المحيطة بالطريق الزراعي، وعبر الموكب، ودهش الوزراء حين لم يجدوا بشرا يستقبلونهم، بل وجدوا صفا من الحمير يحمل كل حمار منها لافتة تقول: ( نحن نؤيد حكومة جلالة الملك ).. بينما كانت ضحكات مكتومة تتصاعد من أهالي أخطاب المختفين في الحقول واستشاط الجلاد الطاغية غضبا، وأمر بتأديب القرية، فقاد الملازم أحمد فريد التهامي حملة التأديب وأمر بحظر التجول في القرية، وتعرض 300 من الفلاحين لضرب مبرح وتعذيب مهين..
استثار فعل الطاغية الجلاد الإجرامي مشاعر الأمة.. وبرغم كونه وزيرا للداخلية.. مدعما بالملك وسلطات الاحتلال.. لم يستطع التأثير على نائب عام عظيم و لا على قضاء مصري شامخ وجليل.. ولم يستطع أن يحول دون محاكمة الملازم أحمد فريد التهامي.. فعاقبته محكمة جنايات المنصورة بالسجن مع الأشغال الشاقة خمس سنوات وقضت على آخرين من رجال الشرطة بعقوبات أخرى ..
يا سيادة النائب العام.. حدث هذا في مصر منذ أكثر من سبعين عاما (...) ولو عزلنا حيثيات حكم المحكمة التي قضت على الضابط المجرم بالأشغال الشاقة عن سياقها التاريخي لبدت وهي الاستثناء في زمانهم تعبر عن القاعدة في زماننا.. تقول الحيثيات:
(ومتى انتهكت الحرمات على هذه الصورة، لم يقم للنظام في أمة قائمة، أليست في هذه الأعمال الشنعاء احتقار للشعب بتمامه.. وإذلال لطائفة لم تألف الإذلال.. وتعويد للناس على الاستخفاف بسلطة القانون، يسهل لكل فريق يود أن يتمادى في غيه إرضاء لشهوات حزبه، أو لتنفيذ مآرب له فيها مساس بالحريات العامة .. إن هذه الأعمال هي أفظع من الاعتداء على الحياة لأن الأمة لا تكون أمة حقا، إلا إذا تكاملت أخلاقها، وتمتعت بحريتها في حراسة القانون ..)
يا سيادة النائب العام :
لقد كانت حيثيات الحكم تقول للطاغية الجلاد المجرم، ولكل طاغية جلاد مجرم يحذو حذوه ويفعل فعله في أي زمان و أي مكان، أن الحكومات إنما هي هيئات نظامية تخضع للقانون وليس لهوى الذين يحكمون، وأن تخلي الحكومة عن صفتها النظامية، وخروجها عن القانون في معاملة الذين تحكمهم، هو إذنٌ لهؤلاء المحكومين بالخروج عن القانون، فيتحول المجتمع من هيئة نظامية إلى عصابات تتبادل أعمال العنف، ويتحول الوطن إلى غابة .
ولقد تكرر الموقف العظيم للقضاء - بعد سبعين عاما - في أحداث قرية الكوم الأحمر بمركز أوسيم في الجيزة.. .حين بدأت الأحداث بصدام بين مواطن وضابط شرطة بعد مسابقة بين سيارتين، كان ضابط الشرطة يركب إحداهما.. واستفز ضابط الشرطة الناس مستعرضا قوته وفتوته شاهرا سلاحه مطلقا الرصاص فجرده الناس منه - ربما خوفا من إصابة أحد - وألقوه - المسدس لا الضابط- في ترعة مجاورة انتقاما، قامت حملات هائلة من قوات الأمن باجتياح القرية واقتحام مسجدها وتخريب الممتلكات واعتقال المئات في معسكرات الأمن المركزي، تم اقتحام المنازل والمساجد وتدمير القرية بأسرها، وقتل البعض .. أما وسائل النقل والركوب من عربات أجرة وملاكي وجرارات بلغ عددها 143 فقد دمرت وأتلفت.. كانت قوة الحملة البوليسية تكفي محافظة بأكملها.. لكي تفرض إرهابا شاملا على القرية..
رحمك الله يا إسماعيل صدقي.. كنت أرحم من أي وزير داخلية في عصر الثورة المباركة.. وأطهر من عظم رؤساء الوزارات.. رحمك الله.. ورحم الله جلالة الملك .. ورحم الإنجليز واللورد كرومر!!..
***
و..
أظن أن الرسالة ما تزال صالحة..!!
لكننا في نفس الوقت لابد أن نعترف:
لقد كان حالنا منذ خمسة عشر عاما أفضل بكثير مما هو الآن..
أو هو الآن أسوأ بما لا يقاس..
ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..

العدد القادم : رد من النائب العام وشكواي منه إلي رئيس الجمهورية.

***

حاشية 1

جبهة علماء الأزهر

تحية من الأعماق.. يا نسمة ندية طرية وسط أنواء السموم.. يا دفقة طهر بين بحور دنس.. فتواكم الأخيرة بحرمة تصدير الغاز إلى إسرائيل استدعت وجع الدموع إلى مقلتيّ حين تساءلت:
أما زال بيننا من يذكر ويهتم..
فاللهم اذكرهم كما ذكروك ..
وغفر الله لشيخ الأزهر.
***

حاشية 2

أكره عمرو موسى.. وإسرائيل

من المؤكد أن عمرو موسى وزير خارجية جيد وإن كان لا يرقى أبدا لشموخ محمود رياض ومحمد إبراهيم كامل.. لكنه يثبت مقولات الكاتبة الراحلة أروى صالح على القوميين الذين سينتهون حتما على حجر إسرائيل.. موقف عمرو موسى الحاد ضد مذيعة المنار التي اعتذرت بأدب عن مصافحته-التزاما واتباعا لرأي فقهي- دفعني للاشمئزاز والتساؤل:
هل كان يجرؤ على اتخاذ مثل هذا الموقف من يهودية أو مسيحية أو حتى بوذية؟!
ثم.. أين الدبلوماسية؟..
أم أنها رسالة للغرب..
الغريب أنني أعرف من أصدقاء يعرفونه أنه يصلي.. أصلح الله حاله.
***


حاشية 3

محمود السعدني..

منذ أيام ألح محمود السعدني على خاطري.. إلحاحا مفاجئا وشديدا.. منذ أعوام لم أسمع شيئا عنه.. ليس بيننا ود مفقود.. رغم أن ما حدث بيننا يستدعى فقدان الود.. لا أحمل له ضغينة ففي المعركة الشرسة التي دارت بيني وبينه نصرني الله نصرا مؤزرا.. والحق أنني لا أعترف به كاتبا كبيرا لا بالمنظور الإسلامي ولا بالمقاييس النقدية.. ما يدفعني للتذكرة هنا هو أن اليساريين والشيوعيين لعنهم الله يخنقون من يحبونه بالمديح وتحويل الحق باطلا والباطل حقا.. ما يحتاجه السعدني- وأرجو أن يكون على قيد الحياة- هو ما نحتاجه جميعا.. التوبة.. التوبة النصوح.. وهذه نصيحة حب لا كره.

***

حاشية 4

وزير الداخلية

حتى لو كانت كل تبريرات وزارة الداخلية لجرائم بعض ضباطها في حق المواطنين صحيحة فقد كان على وزير الداخلية أن يستقيل منذ الحادثة الأولى..
أقول لو كانت كلها صحيحة..
فما العمل إن كانت كلها غير صحيحة..
وهذا سبب آخر كان يجب أن يدفعه للاستقالة!!..
***

حاشية 5

شخصية مرموقة

يا علماء المملكة العربية السعودية الأفاضل:
أستحلفكم أيها الواقفون على ثغر من ثغور الدين ألا يتحول ثغركم إلى ثغرة.. والله يعلم كم أجلكم وأحبكم وألتمس الخير فيكم والعون منكم..
يا علماء المملكة العربية السعودية الأفاضل:
إن بعض صحفكم أصبحت وكر أفاع تنفث السم في الإسلام والمسلمين وتتخذ من دين الله وشخص رسوله والقرآن الكريم هزوا سخريا.
إن ما تفعله صحيفة الحياة وصحيفة الشرق الأوسط من هجوم مركز مستمر على الدين هو أمر لا أتخيل سكوتكم عنه.. ولست أعطي بذلك شهادة براءة للصحف الأخرى لكنها أقل فجاجة ووقاحة وأكثر ذكاء وكياسة.
لقد تفجرت بداخلي براكين الغضب وأنا أقرأ في صحيفة الحياة 28-3-2008 تقريرا لمراسل نكرة اسمه جون إيهاب. يتحدث هذا الـ"جون" (تذكروا الاسم) عن الكتب الممنوعة في مصر والتي تُعّرض أصحابها للخطر، قلت لنفسي ساخرا: لا يمكن أن تنشر الحياة شيئا عن كتابي الأخير المصادر، كما أنني لم أسمع نباحا ولا فحيحا لكتاب الليبرالية والتنوير عن الكتب التي صودرت للمختار الإسلامي.
يتحدث الـ"جون " حديثا مرسلا لا تهمه الحقيقة ولا تهمه التفاصيل ولا يهمه المضمون، ولكن ما يهمه أن يلقي بظلال معينة استؤجر أمثاله لكي يلقوا بمثلها، وكانت الظلال عن فضائية إسلامية( إرهابية بالطبع) نشرت خبرا عن ناشر ليبرالي ( وعلامة الليبرالية المسجلة الآن: الكفر أو الشذوذ) نشر كتابا لكاتبة جديدة ليشجعها ( أستغفر الله) وكان الكتاب عن الحياة الجنسية لشخصية مرموقة في التاريخ. وبعد أن نشر الناشر الليبرالي هذا الكتاب الأكاديمي تحركت جماعة الأخوان الإرهابية المحظورة لتطالب بقتل الناشر والكاتبة ويتأسف الجون النكرة المنكر لتدخل الأزهر الرجعي في شأن مثل هذه الكتب.
لم يخبرنا هذا الجون الذي أصفه وأصف صحيفته بجميع الأوصاف التي وصفت بها حيدر حيدر ووزير الثقافة والطابع إبان أزمة وليمة لأعشاب البحر، لم يخبرنا هذا الصفيق عن الشخصية المرموقة في التاريخ الذي كتبت الكاتبة الشابة عن حياتها الجنسية.. جبن فلم يخبرنا أن هذه الشخصية هي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن جميع المراجع الدينية رفضت الكتاب لما ورد فيه من أخطاء وجهل لا لما ورد فيه من فجور وخسة.
يا إلهي..
هل أصبح من حق أي نصراني مجهول صفيق أن يشارك في الهجوم على سيد البشر وخاتم الرسول بينما يُمنع المسلمون من الدفاع عنه..
هل هنّا إلى هذا الحد..
ويا رئيس تحرير الحياة: أي شيطان رجيم أو حاخام أثيم يعلمك شئون دينك .
ويا علماء السعودية الأفاضل: بايعونا على الموت..!!
يا إلهي..
أكاد أموت من الغضب.. وليتني أموت!
***

حاشية 6

تحية إلى بطل

تحية من القلب لبطل مجاهد هو الشيخ الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق والذي أكد أنَّ المقاومة هي السبيل الوحيد لزوال الاحتلال، وإنَّ ما يحدث من تشويهٍ لصورتها ما هو إلا دليل علي فعلها الأكيد.
تحية تقصر دونها الكلمات.
***


حاشية 7

اعتماد خورشيد.. على عشماوي.. جمال البنا..

ظللت عشرين عاما مصرا على عدم قراءة اعتماد خورشيد رغم إلحاح الكثيرين من الأصدقاء علىّ لقراءته.. وعندما قرأته أخيرا وجدت أنني كنت على صواب.. إن رأيي في جميع من فضحتهم أسوأ من رأيها.. لكن علينا أن نرفض شهادتها منذ البداية.. فمثلها ترفض شهادته شرعا.. حتى برغم الملاحظة الذكية الطريفة التي قالها المرحوم الأستاذ جلال كشك من أننا عندما نحتاج لشاهدة عما يدور في دور البغاء والحانات والمواخير فإننا لن نبحث عن عابدة تقية كرابعة العدوية!!
ليس هناك داع للحديث عن العيوب الخطيرة في شخصية اعتماد خورشيد..
وهي عيوب عبرت عنها أحداث تدفع للاشمئزاز والقرف..
نفس الاشمئزاز والقرف اللذان شعرت بهما و أنا أقرأ مذكرات على عشماوي والتي تجعلني أكاد أوقن أن الرجل كان مدسوسا على الإخوان منذ البداية.. وأن من دسه خانه.. تماما كما حدث مع محمود عبد اللطيف و إن كان بدرجة أقل.. أما جمال البنا فإنني أشعر معه ذات الشعور.. وأضعه في ذات السلة الأخلاقية مع اعتماد خورشيد وعلى عشماوي.. إلا أنه جمال البنا- ولا مناص من الاعتراف- إنتاج مبهر.. لمباحث أمن الدولة!
***