في ظلال السيرة

قبل المقدمة 2/2

 

كيف حدث التحول

 

د محمد عباس :
mohamadab47@yahoo.com
mohamadab@hotmail.com

 

 

 

نعم..

كان اليقين موجودا في كتاب الله..

كان موجودا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم..

كان موجودا في ظلال السيرة النبوية!

كان موجودا في القلب وفطرة الطفولة الأولى..

قبل السادسة من عمري كنت واثقا أنني بمجهود قليل جدا سأزيل اللبس وسوء الفهم فيدخل الناس في دين الله أفواجا..

الآن.. بعد الستين أخشى - بعد ما نراه  من الخطوب والفتن وتحالف الطواغيت والعلوج - أن يخرج الناس من دين الله أفواجا..

عني أنا فكأنما أحمل وزر البشرية كلها على أم رأسي.. وكأن الله سيحاسبني على كل إنسان في الدنيا كنت أستطيع أن آمره بالمعروف وأن أنهاه عن المنكر.. وأن أنقل له نور السيرة وهدايتها.. فلم أفعل..

أخشى ذلك على نفسي.. بل ويكاد يقتلني..

وأخشاه عليكم أنتم أيضا يا ناس.. وأضع كل واحد منكم أمام مسئوليته بين يدي الله.. كل حسب قدره.. كل حسب قدرته.. كل حسب خوفه من الله.. لم يعد يكفي أن تقرأ وأن تتأثر.. بل يجب أن تنتقل إلى الفعل الإيجابي.. علِّم من حولك ما تعلَم .. واسعَ لتعلُّم ما لا تعلم.. في أيام الرخاء والسلام قد يكون ذلك فرض كفاية.. أما الآن فهو فرض عين..

قل لي أيها القارئ: لو أن نارا شبت في بيتك.. هل ستكتفي بالإنكار والاستنكار أم ستسعى بكل ما أوتيت من قوة لإطفائها وإنقاذ أهلك.. ثم إنني أواصل السؤال.. هل يبرئ ذمتك أمام الله لو أنك أنقذت أهل بيتك ثم تركت عامة المسلمين نهبا للنار تحرقهم..

هل تؤمن بالغيب.. باليوم الآخر.. بالجنة والنار.. فأي النارين أشد هولا؟!..

قارن بين نار الدنيا ونار الآخرة كي تدرك أي تقصير يجللنا وأي خزي يغرقنا وأي عار يخزينا..

أبناؤك في خطر..

أهلك في خطر.. بلدك في خطر..

أمتك في خطر..

دين الله وشرعه يهاجم من كل مكان وأمة لا إله إلا الله محمد رسول الله في خطر وقد ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحمينا إن اعتصمنا به.. كتاب الله وسنة رسوله .. لكن كتاب الله محاصر وسنة رسول الله محاربة .. وأنت أيها القارئ لاهٍ عن كل ذلك فأين وكيف تهرب من الله يوم الحساب..

لا تسلني كيف ..!!..  لأنني لن أفهم أبدا كيف يسأل أب عن كيفية إنقاذ ابنه وأهله من النار.. لن يكون لديه أي وقت يضيعه في السؤال..

ليست مجرد النار بل ما هو أشد وأنكى.. أن تكون مصيبتنا في ديننا..

إن أمتنا الإسلامية الآن أشبه بدولة انهارت وتشرذمت قواها وتحولت قبائلها إلى عصابات.. شئ  كذلك الذي حدث بعد انهيار يوغسلافيا.. عندما أصبح الجيش يقتل الناس والشرطة تسرقهم والجار يغتصب ابنة جاره والعالم الحر يتستر على كل هذا..وأصبحت حماية كل أسرة هي مسئولية ربها وأفرادها..

وضعنا الآن في العالم الإسلامي كله كذلك.. بل اشد..

نحن الآن نتناول ما هو أقسى من الموت والاغتصاب..

نتناول ضياع الدين..

نتناول خزي الدنيا وفي الآخرة العذاب الأليم..

كل مسلم منا مسئول عن حماية الدين  بأكثر من مسئولية كل فرد -في المثل الذي ضربناه عن البوسنة والهرسك وكوسوفا- عن حماية أهله..

إن آخرتنا ودنيانا في خطر.. لم يبق لنا إلا الذل.. اتخذنا القرآن مهجورا..  لم يبق لنا منه إلا رسمه، و لم يبق لنا من الإسلام إلا اسمه.

دين الله بات غريبا ويحتاج من يصله ويؤنس غربته..

دين الله بات غريبا.. والفتن تقع خلال بيوتنا كوقع المطر..  وقد عم البلاء وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ..  صار الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه.. وأمسى  قوم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل.. وأصبح المتمسك بدينه كالقابض على الخمر .

تُسلب شريعة الله منا، لم يبق منا سوى  عجاجة لا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرا (والعجاجة ما ارتفع من غبار حوافر الدابة).

يحاصر القرآن وتحارب السنة وتشوه السيرة  وكلنا لاهٍ عن ذلك وكأنما سقطت فريضة الجهاد وانتهى زمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد أن أصبحنا من قوم يشهدون و لا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون.. وقد تداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها. ونحن مليار ونصف مليار بل يزيد  ولكن ألقي في قلوبنا الوهن فأحببنا الدنيا واستنكرنا الجهاد بل وجرمناه..

دين الله يحاصر وسنة رسوله تحارب وسيرته تشوه في   سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة ويعلو شأنه ويرتفع ذكره ليصبح رئيس تحرير وكاتبا أول والضيف الوحيد على الفضائيات..  وتكون فتنةً.. فتنة وقع اللسان فيها أشد من وقع السيف . فتنة يفسح المجال للكافر للحديث عن الدين ولمنكر السنة كي يشوه السيرة ويرميها بالإفك والأباطيل بينما يحاصر ويمنع ويصادر ويخرس كل عالم أو صاحب كلمة حق..

أصبح المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وصار زعيم القوم أرذلهم وساد كل قبيلة رذالها.. واعتلى المؤسسات  أفسقها.. وصارت الفاحشة في كبارنا والعلم في أراذلنا والملك في صغارنا وخونتنا.. وأكرم المسئول مخافة شره ومنصبه وبطشه وظلمه وقدرته على التزوير وجرأته على الله.. أصبحت مكانة الناس تتحدد بمدى ولائهم لأعداء الله وبراءتهم من عامة المسلمين..  وتحت رايات التغريب والتنوير والحداثة راح آخر الأمة يلعن أولها ليسمي عصور النور عصور الظلام ويسمي الجهاد إرهابا والانحلال رقيا والتسافد كالبهائم  حرية ..  وأصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

أين أنتم من هذا كله يا ناس..

أتصمتون؟!

أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أُرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم؟ .

أتصمتون ودين الله يحاصر؟

أتصمتون وقد تعاهد الطواغيت والعلوج  وولاة أمورنا والعلمانيون على أن يزيلوا الإسلام الصحيح من على أرض المسلمين ليستبدلوه  ويعطون لنا إسلاما  غربيا لا ولاء فيه ولا براء ، ولا يدعى فيه لا لجهاد ولا لنصرة ، ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا تعظيما لشعائر الله ولا تطبيقا لشرعه.. إسلام بلا إسلام.. إسلام مسيحي لا مكان له إلا الكنيسة ولما كانت المسيحية بلا شريعة فعلينا أن نمحو شريعة الإسلام أيضا ونحن نسير خلفهم حذو القذة بالقذة (والقذة مؤخرة السهام كناية عن الترتيب الدقيق). وليس ثمة ما يدهش في أن يعملوا بما أخبر الله عنهم ، ولكن العجب أن نتخاذل نحن عن نصرة الدين وكأننا أنزلنا راية لا إله إلا الله محمد رسول الله لنرفع شعار:"للدين رب يحميه".

***

ما أريد أن أقوله لكم يا قراء أنه لم يعد هناك أمير للمؤمنين يقيم شرع الله ولا مؤسسات تدافع عن دين الله.. وأن الباقي منها إما محاصر وإما أسير وإما مشوه وإما منافق أو على الأكثر لم يعد يبقى إلا كلمة حق يراد بها باطل.. حتى المساجد أضحى الكثير منها مساجد ضرار تسجل المباحث روادها كمشبوهين بينما يسجل رواد الحانات :"فوق مستوى الشبهات"!..  أصبح يحسب ضد الناس علمهم وصلاحهم ويحسب لصالحهم فسادهم وجهلهم.. حتى أننا لم نسمع أبدا عن خطيب مسجد أو عالم دين نحي لفساده أو جهله بينما نسمع عن ألوف ينكل بهم لأنهم أخذوا على يد الظالم أو حاولوا..لم يعد هناك حاكم إذن ولا عالم ولا مسجد ولا مدرسة تعين الناس على تعلم دينهم.. بل كل المؤسسات الموجودة الآن تفعل العكس وتنفر الناس من دينهم..وقس على ذلك المجلات والصحف والفضائيات والإذاعات والندوات والجامعات والمؤسسات البحثية والمسرح والسينما والمسلسلات والشارع  والقمم حيث المثل الأوطى.. و.. و.. و..

لم يعد هناك أيها القارئ إلا أنت..!!

لن أقول لك ارفع سيف الله وجاهد في سبيله رغم أن ذلك حق..

ولن أقول لك اصدع بكلمة حق عند سلطان جائر رغم أن ذلك واجب..

ولن أقول لك حتى أأمر بالمعروف وانه عن المنكر مع ما في عدم القول من ذنب..

أقول لك فقط قم بالواجب الذي كان على ولي الأمر والأمة والدولة وأجهزتها أن تقوم به فنكصت..

واجب تفقيه الأمة بدينها ..

تخلوا –قاتلهم الله وأذلهم وبدد جمعهم وبدد ملكهم- فلا تتخلّ أنت أعزك الله ونصرك..

علِّم أبناءك وأصحابك أبجديات الإسلام..

نحن في الخندق الأخير..

لن يجزيك أبدا أن تقرأ هذا المقال أو هذه المجلة أو ما شابهها ثم تخلد للنوم مرتاح الضمير.. بهذا الموقف السلبي يتسرب الدين من أجيالنا.. وبدلا من غثاء القول الذي نضيِّع به دنيانا وآخرتنا اختر أي موضوع ديني وعلمه لأبنائك وأصحابك.. وسلهم أن يتعهد كل منهم بأن يعلم ما تعلمه لعشرة من أصحابه..كونوا حلقات للدرس.. لتلاوة القرآن وحفظ آياته.. للتفقه في الدين.. لدراسة التوحيد.. للرد على الشبهات..

ولكي تعلم أيها القارئ أي جريمة كانت.. وكان صمتنا عنها مشاركة فيها اسأل الآن من بجوارك عن أبسط معلومات يجب أن يعرفها أي مسلم.. لا أتحدث عن العلم بل عن أبسط معلومات.. اسأل من بجوارك عن الشهر العربي الذي نحن فيه الآن.. اسأله عن ترتيب هذه الشهور.. اسأله عن أركان الإسلام.. اسأله عن العشرة المبشرين بالجنة.. اسأله عن حروب المسلمين.. اسأله كي تدرك جرمك.. وستكتشف أن معلوماته عن أي راقصة تفوق معلوماته عن الصحابة أجمعين.. وهذه مسئوليتك..

هل تعلمون ما فعل الطواغيت والعلوج.. لقد أعطوا للشبهات المثارة ضد الإسلام –زورا وبهتانا- كل المنابر وأعلى الأصوات.. وأخرسوا في الوقت نفسه كل دفاع عن الدين..

أصبحت هذه المهمة مهمتك أنت أيها القارئ.. أنت خط الدفاع الأخير فلا تعتذر بجهلك أو بقلة علمك.. فليس سواك من يدافع.. وليس سواك من يطفئ النيران التي توشك أن تحرقك أنت وأبناءك وأهلك..

اقرأ واجعل من حولك يقرأون معك..تغلم وعلمهم..

فإن لم يعجبك هذا الكتاب فالجأ لذاك لكن لا تتوقف أبدا.. فقد كان فرض كفاية عليك أما الآن فهو فرض عين.

***

لعلك الآن أيها القارئ أدركت لماذا أكتب عن السيرة ..

أحاول أن أقوم ببعض واجبي.. فهل تحاول أنت؟.

***

أكتب عن السيرة.. أكتب لكي أتعلم وأعلم.. أكتبها لكي تكون المنظار الذي نفهم من خلاله الحاضر ونخطط للمستقبل.. فمن خلال هذا المنظار نرى مشاكل أمتنا وأساليب علاجها رؤية صحيحة  تحول دون الفوضى والتخبط وتمكننا من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ليصبح التقدم للمستقبل مأمونا وممكنا والتمكين للإسلام هدفا متاحا[1]. أكتبه لمواجهة الهجمة الشرسة المستمرة على وعي أمتنا وثقافتها.. وثقافة الأمة كما عرفها أشهر نقاد الغرب "تي إس إليوت" هي دينها..

أكتب وقد هالني الواقع المروع لأمة فقدت ذاكرتها ففقدت ثقتها بنفسها فلم يعد متاحا أمامها إلا الانهيار.. أكتب من أجل مليار ونصف مليار من البشر..أكتب لمن يتمرغون في الجهل.. ذلك أن قوى الجهل المنظم واستنزاف الوعي لم تعد تقتصر على الخارج.. بل أصبحت الدولة حليفة للعدو ضد الأمة.. وتكرست أجهزتها لهدم الدين والوعي والضمير ونشر الشبهات والترويج للنماذج الشائهة الشاذة وحصار النماذج المضيئة المبهرة وتشويهها وحصارها واعتقالها وتزوير القضايا ضدها وتدميرها اقتصاديا  بل وقتلها المادي إن لم ينجحوا في قتلها معنويا..

أكتبها بينما ترزح ذاكرتي تحت هم ثقيل وجرح لا يلتئم أبدا.. فلقد فقدت الأمة مناعتها وافتقدت آليات الدفاع عن نفسها.. ويكفي أن رعاة الغنم ذئابها وأن حراس الأمة لصوصها وأن أول من ينقض عرى الدين هم بعض علمائه.. وأول من يخونه بعض مؤسساته.. وأول من يجامل السلطان على حسابه بعض شيوخه.. ويكفينا مثلا.. أن كاتب الظلال حين أعدم.. قد قتل بفتوى رسمية من مفتي الديار.. ويكفينا مثلا.. أن المؤسسة الرسمية التي يفترض أنها تمثل قلعة الدين وحصنه.. هي التي تنقض عراه.. ولا تمانع معظم الوقت في الرضوخ للسلطان والشيطان والموافقة على علمنة الدين وعزله عن الدنيا. . ويكفينا مثلا أن الأجهزة التي حاربت وتحارب وقتلت وتقتل الإمام حسن البنا وأتباعه هي هي التي تكرم وتحتفي وتروج على أوسع نطاق لأخيه الذي حكم مجمع البحوث الإسلامية- أعلى هيئة سنية في العالم- على بعض كتبه بالكفر.. ويكفينا مثلا أن هؤلاء وأولئك.. هم الذين يثبطون الأمة عن الجهاد.. وفي سبيلهم لذلك فإنهم يحاولون –كبرت كلمة تخرج من أفواههم- أن يطفئوا نور الله.. وأن يعتموا على السيرة.. ليحاصروها في بؤر معزولة .. وليعزلوها عن أن تكون محركا للمجتمع وللأمة.

***

أكتب عن السيرة كتابة الواثق الغاضب.. فقد خضت طويلا في بحور التيه.. قسرت نفسي على محو اقتناعات الماضي والبداية من جديد.. بل وكنت أخضع كنوز السنة لاختبار مضاعف.. خشية أن يكون ميلي لها ميل هوى لا ميل اقتناع.. ونظرت إلى الشبهات باهتمام مضاعف.. خيفة أن يكون رفضي لها رفض وجدان وعاطفة لا رفض عقل وفلسفة..

ولقد من الله علىّ في رحلتي الشاقة الطويلة الدامية بأن استطعت أن أحمي عقلي من الانبهار وفكري من الانهيار.. لقد درست الفلسفة دراسة علمية متعمقة.. كنت أبحث فيها عن سر الوجود وإكسير الحياة.. وقد  استعملت في دراستها ذات القواعد الصارمة والمقاييس الحاسمة مع الدين  والعلم.. وما أكثر الأيام والأسابيع والشهور.. التي قضيتها عاكفا على فلسفة ما.. أقرأ مراجعها.. وأفك طلاسمها.. وأعود إلى القواميس علها تطرح معنى آخر لكلمة ملتبسة.. وإلى كتب التاريخ علها تفسر لي  انعكاس واقعة تاريخية على فكرة.. كنت أفعل ذلك بمنتهى الجدية والألم.. وكثيرا ما استمالتني البدايات الواعدة فأقول هذه هذه.. لكنني سرعان ما أنكفئ على نفسي حسيرا محملا بخيبة الأمل.. تعاملت مع كل فلسفة وكأنها الخلاص الأخير لكنني لم أكن  أتردد لحظة عندما تنجلي الحقيقة أمامي في أن أطوح بالكتاب من يدي هاتفا في ازدراء: ما هذا التخريف؟..

***

في القرن السادس قبل الميلاد كانت بدايات الفلسفة الإغريقية عندما رد طاليس الكون إلى الماء فخالفه  أنكسيمانس ليرده إلى الهواء لكن أنكسيمانيس يرجع بأصله إلى اللانهاية ثم يأتي فيثاغورث ليتحول من الأصل المادي إلى الأصل التجريدي فرد الوجود إلى العدد والنغم (كلاهما غير مادي).. ثم جاء من تحدث عن العناصر الأربعة ثم جاء من أضاف العقل إلى العناصر الأربعة ثم جاء السفسطائيون بفلسفة المنفعة التي لا تختلف في شيء عن الذرائعية أو النفعية "البراغماتية" وواجههم سقراط ثم جاء الرواقيون بعولمتهم وقيمهم الأخلاقية ليأتي الأبيقوريون الذين يعتبرون أن الانحراف هو دليل حرية الإنسان (هل هناك فرق).. ثم جاءت المسيحية باللاهوت وأوغسطين وتوما الأكويني ثم الإسلام بفلاسفته من الكندي والفارابي والغزالي وابن رشد ثم ديكارت بفلسفته العقلية وواجهه لوك  وهيوم بفلسفتهما التجريبية ثم  الوضعية والوجودية والحياتية والفينومينولوجية والبراجماتية والواقعية الجديدة والماركسية والوجودية والحداثة وما بعد الحداثة..

كنت أتقلب على الجمر.. كنت أتأمل أمريكا البراجماتية و روسيا والصين الماركسيتان وانجلترا تحت ظلال الفلسفة الواقعية لجون ستيوات ميل و برتراند راسل وألمانيا بفلسفتها المثالية وفيلسوفها الأكبر هيجل وفيلسوفها المتعالي كانط.  وفرنسا في الغارقة في التيار العقلي لديكارت لكنهم بعد الحرب كفروا بالعقل واندفعوا إلى الفلسفة الوجودية وبدلا من الشعار الذي رفعه ديكارت:"أنا أفكر إذن فأنا موجود"" رفعت الوجودية شعار:" أنا  حر إذن فأنا موجود"..

كنت أتساءل إن كانت الفلسفة روح الحكمة وعين اليقين فلماذا ينقض كل فيلسوف ما غزل صاحبه ويهدم ما بناه..

لماذا يؤله الغربيون فلاسفتهم ويقدسونهم تماما كما كان الرومان والإغريق يقدسون آلهتهم..

لماذا يرتفعون بالفيلسوف إلى عنان السماء ثم يتركونه يسقط ليرتفع غيره..

هل نستطيع أن نقول أن هيجل أذكى من أرسطو.. أو أن شوبنهور أعمق من أفلاطون..

لا..

سبحان من وزع العقول بعدل..

يقول ديكارت"العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس"

في ذلك الوقت قلت لنفسي مندهشا أن الفكر الإسلامي أرقى بكثير وأحكم بكثير وأكثر فلسفة من الفلسفة!!.. أليس المنطقي أكثر أن يكون الدين واحدا ولكن تختلف شرائعه من عصر لعصر و من أوان لأوان؟..

أليس من المنطقي أن يبني كل دين على سابقه لا أن ينقضه ويهدمه؟!

نحن لا نقدس فقهاءنا كما يقدسون فلاسفتهم.. فأينا أكثر إنسانية ومساواة؟!

يقول فقيهنا أنا صواب يحتمل الخطأ وغيري خطأ يحتمل الصواب أم هم فينزلون بالأغيار أسفل سافلين..

بعد أن خضت بحور الفلسفة وجدتني أهتف: ما أكثر ما في فكر الغرب من تخريف وتضليل وكذب وليّ لأعناق الحقائق!!.. إنني لا أقول ذلك من منظور إسلامي بل قلته وأقوله من منظور فلسفي.. ولو اتسع المجال لسردت مئات النماذج لكنني أكتفي بثلاثة نماذج:

النموذج الأول لاحظته أثناء قراءة كتاب:  أصل الأنواع – تشارلس دارون-  ترجمة مجدي محمود المليجي وتقديم  د سمير حنا صادق- المشروع القومي للترجمة- إذ يكتب الأخير في مقدمته أن نظرية التطور قد أصبحت حقيقة مثل كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وأصبح من يرفضها مثل من يرفض تلك الحقائق.

ملأني الاشمئزاز لفداحة الكذب والادعاء.. إن الكذب يفضح نفسه.. والجملة تحوي نفيها.. فإن كانت نظرية التطور قد أصبحت حقيقة ككروية الأرض فلماذا ما زالت تسمى :"نظرية التطور" وليس "حقيقة التطور"؟! دعنا الآن من الأكاذيب الأخرى حيث تجمع المراجع العلمية المحترمة -وجلها غربي- على فداحة الخطأ الذي وقعت فيه هذه النظرية التي يتناولها الكثير من علماء الغرب بالسخرية وأن من يتمسكون بها يفعلون ذلك لأن البديل الوحيد عنها هو الإيمان بالله .

النموذج الثاني كان مع الدكتور لويس عوض. كنت ضيفه في صحيفة الأهرام  عام 1969وكان مكتبه مليئا بمثقفين لا أعرفهم.. وكانت الصرعة في تلك الأيام تتعلق بالوجودية التي تقول بانعدام الأمل في هذا العالم وبأننا نحن الذين نعطي الحياة معناها وأن هذا الأمل يبدأ في الشاطئ الآخر من بحار اليأس. قلت لهم أن هذا الكلام مضحك كنظرية التطور التي تزعم أن جفاف الماء في البحار والأنهار قد جعل الأسماك تستبدل الأقدام بالزعانف ( الباء تدخل على المتروك).قلت لهم أن جفاف الأنهار سيؤدي إلى موت السمك على الفور وليس إلى تحول زعانفه إلى أقدام بعد مائة ألف عام!.. وأن هذا تخريف.. كذلك عن الأمل الذي يبدأ في الشاطئ الآخر من بحار اليأس.. ففي بحار اليأس لا يكون متاحا إلا خيار الانتحار.. وإلا فما هو الدافع والمحرك لعبور بحار اليأس.

أذكر أيامها أن لويس عوض نظر إلىّ في ذهول وهو يقول:

-         إنك تهدم الفلسفة الوجودية كلها..وبمقولة لم يقلها أحد قبلك.

النموذج الثالث يتعلق بالفيلسوف الوجودي كيركجارد والذي يقول: " ما هو موجود لا وجود له وما هو غير موجود هو الوجود الوحيد".. عندما قرأت ذلك صرخت: هذا تحريف كتخريف ابن عربي!

نجوت من الانبهار ومن الانهيار إذن..

عزفت عن دراسة فلسفاتهم عن الله  فقد كانت مضحكة وحمقاء..ذلك أن الله عندهم -حاش لله- موجود وغير موجود.. وهو خالق ومخلوق في نفس الوقت.. وهو متعال متناء وعاجز.. و.. و.. و..

وصرخت ذات يوم أن الفلسفة الغربية ليست بيت الحكمة بل قلعة الحماقة.

عزفت عن اللاهوت فقد كانت تفسيراتهم سواء الدينية أو الإلحادية تثير غضبي وسخريتي.. وربما يلخص هذا قول الأستاذ الدكتور عبد الواحد يحيى الذي تحول إلى الإسلام لأنه قد استحال عليه أن يقتنع أن 1+1+1=1  !!.. وهو يقصد التثليث والتوحيد..

...

كانت الفلسفة بالنسبة لي ما تزال مسألة حياة أو موت..

قلت لنفسي فلننح الشق الديني والميتافيزيقي كله ولنبحث عن تفسير ومبرر ووسيلة لإصلاح الحياة الدنيا.. عن وسيلة لفهم التاريخ ..ديوان المعارف كلها..

وكانت الأسئلة تزلزلني زلزالا شديدا..

فإذا كان التاريخ هو محتوى المعرفة وكان معنيا بـ"كتابة مجرى الحوادث الفعلي"أو على الأقل بـ"التدوين القصصي لمجرى شئون العالم كله أو بعضه" فإن الأسئلة التي تنفجر على الفور تتعلق بشيء أساسي جدا وهام جدا ومأساوي جدا.. ذلك أن السؤال الأول الذي يجب أن نطرحه قد يغنينا –أو حتى يمنعنا- عن طرح باقي الأسئلة.. و قد يكون زلزالا يهدم كل شيء أو بركانا يحرقه.. هذا السؤال يصرخ: " هل المعرفة ممكنة من الأساس؟".. سوف يكون علينا بعد ذلك أن نطرح أسئلة أخرى عن طبيعة المعرفة الإنسانية أو موضوعها ومحتواها.. عن استحالة التجرد المطلق لأن الإنسان كائن حي وليس ميزانا كما أنه ليس معادلة رياضية.. ولأنه جزء من التجربة فمن المستحيل التجرد..إذن.. من المستحيل الوصول إلى حقائق مجردة دون موضوعية مطلقة.. وفي نفس الوقت من المستحيل الوصول إلى موضوعية مجردة مطلقة.. كانت تلك هي الدوامة التي ظللت أدور فيها سنين عددا أحاول طول الوقت ألا يدوخني الدوار وألا يغيّب وعيي.. "هل المعرفة ممكنة؟" العلم الموضوعي المجرد يسأل أيّ.. وأين.. وكيف.. وماذا.. أما الفلسفة فتسأل لماذا.. أما موضوع السؤال فهو محتوى المعرفة لكن أي نوع من المعرفة؟ هل هي المعرفة الكلية التي تحيط بكل شيء.. ليست معرفة ما هو كائن فقط.. بل ما كان وما سيكون.. فهل يمكن لبشر أو لكل البشر أن يحيطوا بهذه المعرفة الكلية.. سنوافق على أن المعرفة الآن جزئية وناقصة.. وأن حصيلة البشر تزداد منها مع الزمن.. فهل نتصور إذن بعد مليار عام أو مليار مليار عام أن تصل البشرية إلى المعرفة النهائية المطلقة.. أن تكتشف على سبيل المثال سر الموت فتمنعه.. أو لغز الخلق فتصنعه.. هل تستطيع المعرفة البشرية بعد مليار عام أو مليار مليار عام  أن تقول للشيء كن فيكون.. فإن كان ذلك مستحيلا على البشر فهل يعني ذلك أن قدرتنا على الوصول إلى المعرفة والإحاطة بها مستحيلة لأن معرفتنا ناقصة بدرجة مذهلة من ناحية، ونسبية  بصورة مخجلة من ناحية أخرى..فهل يجب أن نقر ونعترف بأنه: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"؟.

 ولكن .. إن كانت المعرفة ناقصة ونسبية فكيف نبني أحكاما نهائية مطلقة اعتمادا عليها.. من أين أتتنا هذه الجرأة الوقحة..

المعرفة الكلية مستحيلة إذن.. سوف نعلن الاستسلام.. سوف نختصر آمالنا.. وسوف نسحب أذرعنا القصيرة.. وأيدينا المجذودة الأصابع.. التي أردنا بها أن نلمس الشمس وأن نملك القمر..  سنختصر.. وسنقبل ما هو متاح لنا.. فليس أمام البؤس الإنساني المخلوق في كبد إلا أن يسعى خلف المعرفة الناقصة.. لكن.. قبل هذا السعي ينفجر سؤال آخر.. ينفجر شلال دم ينبثق من داخل الجمجمة فيغطى العيون ويكاد يعمي البصر.. سؤال يقول كيف نصل إلى هذه المعرفة الناقصة ؟ بالعلم أم بالدين؟ بالعقل أم بالحواس أم بالقلب؟ فإن كان العلم –وهو المعرفة- ناقصا وجزئيا.. وكان العقل حتى إن اعتمد على المعلومات النظرية المجردة من الحواس محدودا بدرجة معذّبة جدا.. وكانت الحواس دائما خادعة مخدوعة.. وكان القلب مراوغا بين الهدى وبين الهوى وبين الكلال وبين الضلال وبين الملال وبين الحرام وبين الحلال.. وكان الحدس لا دليل عليه ولا قانون يضبطه.. إن كان كل ذلك فأين السبيل إذن وأين اليقين.. لا يبقى إلا الدين.. لكن الدين يحتاج إلى يقين.. وتبدأ الدائرة المدوّخة من جديد.

لم تنته الأسئلة بعد.. إذ أنه من الضروري أن نتساءل عن طبيعة المعرفة الناقصة النسبية التي نسعى إليها.. هل هي المعرفة الواقعية الخاضعة للتجريب أم المعرفة المثالية الرياضية المتسمة بالتجريد.. وبعد هذا كله لابد أن نتحدث عن كنه المعرفة التي نتوصل إليها بعد كل هذا العناء وكل هذا الكبد: هل هي معرفة ثابتة وقاطعة ونهائية أم أنها مؤقتة.. وأنها كالعقاقير ذات تاريخ صلاحية محدود!.. ألم يقض بذلك هيجل؟! فكل فكرة جديدة يظن أنها صحيحة لم تقم إلا بعد ثبوت فساد سابقتها فهل صحة المعرفة أم خطئها مرتبط بالزمن فتكون صحيحة في زمان وخاطئة في زمان ما..

***

على هذا المستوى كنت أفكر.. وبهذا الألم كنت أذوب وأنصهر.. لكنني في الجانب الآخر كنا أرى العلمانيين لا يملكون إلا السخرية والاستهزاء من الدين دون أي مضمون أو فكر أو معاناة أو ألم..

نفس السخرية التي يمكن أن يسخر بها جندي أمي من عالم صواريخ.. أو بغي من نبي..

لشدما لجأ العلمانيون والشيوعيون والليبراليون إلى تسطيح الأمر.. تسطيح جاهل ظالم شرير سفيه.. لكنه في بلادنا يزيد على ذلك أنه خائن أيضا ومدفوع الثمن..

كانوا يتهمون جانبنا بالسطحية والسذاجة والجهل.. وكنا أبرياء من ذلك وكانوا هم الغارقين فيه..

اهتزت ثقتي بالفلسفة وبهم.. بل تهاوت..

***

والآن أعود إلى المؤثرات الأولي.. ليس استعادة للذكريات.. وإنما لأنها ستفسر منهجي في كتابة السيرة.. ووجوب استيعاب بعض التناقض وعدم الفهم إلا في المطلق.. وكذلك إعطاء الزمن دوره لتفسير ما غمض وحل ما اختلف فيه ولطمس الغثاء وكشف النضار. فما أكثر الأشياء التي كنا متيقنين من صوابها وقتا ما فإذا بالزمن يكشف خطأها الجسيم.. والعكس صحيح.. وما أكثر الأشياء التي حسبنا ذات يوم أنه لا غنى عنها فإذا هي غثاء كغثاء السيل .. وما أكثر ما ظنناه بلا قيمة بينما هو القيمة الحقيقية. .أو كما يقول الفيلسوف الإسلامي الرائع على عزت بيجوفيتش :"لقد علمونا أن نفخر بما يجب أن نخجل منه.. وأن نخجل مما يجب أن نفخر به".. ولقد دفع هذا كله بي إلى وسطية تدرك أن كثيرا جدا من الخلافات التي تنشب بين المسلمين هي اختلافات في فهم المعنى وليست اختلافات في الجوهر.. وأننا لو اتفقنا على معاني الكلمات لضاقت شقة الخلاف. وأننا نتعلم من الصواب كما نتعلم من الخطأ وأن الموت  هو الوجه الآخر للحياة.

لم يكن ذلك كله في خاطري وأنا أعتزم تفسير القرآن الكريم في السادسة من عمري..

كان يبهظني ألم الناس .. الألم بشقيه .. الجسدي والروحي.. كنت أبكي بالدموع من أجل الجوعى في الهند ولاوس وكمبوديا حيث كانت الصحف والإذاعة تنشر أيامها أخبار موتهم جوعا.. وكان يقهرني الجزع أمام صور رهبانهم البوذيين الذين كانوا يحرقون أنفسهم احتجاجا على شيء لم أعد أذكره.. كان ألمي ألمين.. ألم من أجل آلامهم في الدنيا.. وألم آخر لأنهم لم يدركوا الإسلام في الدنيا وسيكونون من أهل النار.. وددت لو أعبر الحجب وأقهر المستحيل حتى أصل إليهم وأرشدهم إلى الإسلام. تمنيت بعقل الطفل أن أستطيع تأجيل موتهم حتى أتمكن من الوصول إليهم..

كان الموت عصيا على فهمي.. وكنت لا أستطيع تصور أن يموت هؤلاء الناس دون فرصة أخرى.. كما كنت لا أتصور أبدا أن يموت أبي الذي لم أحب أحدا كما أحببته.. إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فيما بعد.. في السابعة من عمري.. كنت في أول عطلة السنة الثالثة من التعليم الابتدائي .. وكنت ما أزال مهموما بشدة بقضية الموت.. كان هما طفوليا مزعجا قد يضحك منه ويسخر من لا يدركون كم تكون آلام الأطفال هائلة .

 قلت لنفسي أنه من الضروري حل لغز الموت قبل أن أتصدى لهداية العالمين..كانت مشاعر الفقد واليتم والترمل تحديا لي وكان عليّ أن أثبت للناس أنها من رحمة الله..  كانت الأسئلة غامضة.. وكان اليقين كاملا ولكن التفاصيل كانت غائبة.. قررت أن أذهب بنفسي لأعرف حقيقة الموت.. مُضِيّ ما يقرب من ستين عاما كاف  لطمس التفاصيل..ناهيك عما كان فيها من إحباطات وعذاب وألم..  لكن الأمر انتهى بي وقتذاك في المقابر.. تمددت على خشبة غسل الموتى.. قلت لنفسي أنني لو ركزت وتصورت أنني ميت فربما يفيض الله علىّ قبسا من الضوء يحل بعضا من اللغز.. غلبني النوم.. أحرقني لهيب شمس يونيو الحارقة.. ذاب فزع الأهل لغيابي في حرارة الحمى التي اجتاحتني.. قيل أنها ضربة شمس.. بلغت الحمى حد الخطر.. وكادت محاولتي لاستكشاف لغز الموت أن تدفع بي إلى الموت.. ظللت في مرحلة الخطر طيلة شهور الإجازة الأربعة.. بعد عقود أدركت رحمة ربي.. فماذا لو أوكل إلى الحكام التخلص من الرعايا كما يتخلصون من الخيول المسنة.. وماذا كان سيحدث لو تركنا هذا الأمر لهوى البشر..يقشعر بدني وأنا أرى ابنا يقتل أباه وابنة تئد أمها وحاكما يقتل نصف شعبه ودولة تقتل كل رعايا دولة أخرى.. ما أرحمك يا رحمن عندما جعلت هذا الأمر بقدرك وحده لا يجترئ عليه بشر إلا بحد لك أو بانتهاك محارمك.

***

انقضت سذاجات الطفولة.. و عاما بعد عام أدركت أن الأمر أصعب مما أظن وأنه ليس ممكنا هداية العالمين بمجرد قيامي بتفسير القرآن!.. لقد كنت أتمني أن أهدي البشر جميعا..  لكن.. لم يبق متاحا الآن إلا ربع تعداد البشرية وهو الربع المسلم.. فإذا كنت فقدت الأمل في دعوة  ثلاثة أرباع أهل الأرض فكيف أمزق ربعهم الباقي؟!.. كيف أستسيغ أن أفرقهم طوائف وشيعا فأكفر هذا وأفسق ذاك.

لقد استطردت أيضا-بل سبقت بالاستطراد- كي أوضح موقفي اليوم.. ولم يكن هذا هو فهمي في طفولتي أو صباي المبكر.. حيث اتخذت مواقف قاطعة اكتشفت بعد ذلك كم كانت خاطئة.

لا أنكر – على سبيل المثال- المضاعفات السلبية الخطيرة التي سببتها الممارسات الصوفية الخاطئة على وجداني.. لقد صرفتني إحدى تلك الممارسات عن الدخول في رحاب واحد من أعظم علماء الإسلام طيلة عشرين عاما.. تماما كما صرفتني-بعد عقود-  تخرصات العلمانيين عن العلامة محمود شاكر أكثر من عشرين عاما أخرى..

***  

بعد العاشرة بقليل وقعت عيناي على أجزاء من كتاب كان الصوفيون-وما يزالون-  يجلونه جدا وهو كتاب الفتوحات المكية لابن عربي.. ما أن أوغلت فيه حتى صرخت في أعماقي: هذا شعر يتبعه الغاوون وليس دينا.. هذا شرخ لأعظم ما في الإسلام .. لعقيدة التوحيد في صفائها ورونقها وبهائها.. هذا تحريف للدين كما فعل اليهود والنصارى بتراثهم.. بل تحريف وتخريف.. كنت غاضبا جدا من اعتباره كتاب دين وممن يعجبون به ككتاب دين.. كان هذا الموقف كفيلا بإنضاجي..  لكن موقفا سبقه بأعوام شكل منعطفا خطيرا في ذاكرتي.

لعل ذلك كان قبل مغامرة المقابر.. كنت طفلا صغيرا جدا أصلى الجمعة مع المصلين.. لا أذكر إلا أن الإمام كان على المنبر وقد شغفني بياض ثوبه الناصع النظيف.. لا أذكر شيئا مما قال.. ولم أفهم بالطبع.. لكنني تنبهت على همهمة اعتراض أخذت تتصاعد حتى اندفع أحد ذوي الحيثية إلى المنبر فصعد عليه ليجذب الإمام من على المنبر ويمنعه من مواصلة خطبة الجمعة وهو يسبه سبابا قبيحا ويضربه بحذائه .. شاركه المصلون.. وفجعني أن الثوب الأبيض الناصع أصبح مضمخا بالدم وبالتراب..كان السباب الموجه إلى الشيخ يتهمه بالكفر – لأنه تابع لابن تيمية – سوف أعلم فيما بعد أن الرجل كان يهاجم حلقات الذكر والموالد والبدع. ظلت هذه الواقعة حاجزا بيني وبين شيخ الإسلام ابن تيمية ما يقرب من عشرين عاما.. في البداية كنت أتجنب كتبه لما فيها من كفر..ثم بدأت أكتشف ما في ممارسات بعض الصوفية من البدع  فيهتز يقيني بالأمر مما خفف موقفي تجاه شيخ الإسلام  فأصبحت أتجنب كتبه لما فيها من شبهات.. ثم اكتشفت عظمة الرجل فزادت إدانتي لمن أدانوه.

***  

كانت البيئة الصوفية هي محضني الأول.. لكنني كنت أتخذ موقف المراقب فلم أشاركهم أبدا.. في البداية كنت أخاف من ارتكاب الإثم بانتقادهم ثم بدأت في الجرأة عليهم حتى وجدتني أصرخ ذات يوم : هذا ليس إسلاما.. لا يمكن أن يكون هذا هو الإسلام. كانوا يتحدثون عن الله بطريقة أثارت اعتراضي.. أما حلقات الذكر فقد استثارت نفوري فلم أشارك فيها قط..  وكنت أجلس في مجالس الرجال صامتا وغاضبا أدمدم في أعماقي: الله ليس كذلك.. الله ليس كذلك.. الله أكبر.. الله أكبر مما تظنون.. أنتم تتعاملون معه –حاشا لله- كما لو كان ملكا من ملوككم. ورغم السلبيات التي سببها هذا الجو المحيط فقد كان له إيجابيات أخرى مازالت تورق في حياتي وتثمر.. وكان من هذه الإيجابيات خطأ تناول مجموعة من الناس –كالصوفية- ككتلة متجانسة.. ذلك أن فيهم من لا يكاد يختلف عن السلفيين في شيء.. وفيهم رأيت أناسا يذوبون حبا في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويتبعون السنة ويجتنبون البدع ما استطاعوا.. ورأيت في نفس الوقت أناسا لا أتردد في دمغهم بالكفر إن كانوا يعنون ما يقولونه فعلا.. وقد جعلني هذا لا أتورط كثيرا في تكفير الفئات مدركا حجم التباين بينها.

لم أكن مع الشطط في التكفير إذن  لكنني في نفس الوقت كنت مدركا لخطورة استخدام الدولة أو الأجهزة الأجنبية لأشخاص معينين منهم لهدم قواعد الإسلام. ومن هنا كانت وما تزال حدة موقفي تجاه أولئك متجاوزا المحاذير التي يجب احترامها مع الأشخاص العاديين.. ومن هنا كانت مواقفي ضد أناس مثل خليل عبد الكريم وسيد القمني وجمال البنا وحسن الترابي وأحمد صبحي منصور وحيدر حيدر ورشاد خليفة.

ومن هنا أيضا يمكن فهم موقفي من الشيعة.. وأنه لا يمكن النظر إليهم كفئة واحدة وأنه لا يمكن سحب اتهام أو مصطلح قديم انتهى استعماله ليدمغ الشيعة جميعا.. نعم.. إن سباب الصحابة فسوق يفتح الطريق للكفر.. واتهام أم المؤمنين عائشة أو أبيها رضي الله عنهما كفر صريح.. وكذلك الشك في خطأ سيدنا جبريل أو في عدم حفظ القرآن.. لكن .. إذا كان بعض الشيعة اليوم –بل جلهم-  يكفرون من يقول بذلك فإن اتهامهم بالكفر دون بينة قد يعود بالكفر إلى من يتهمهم. وإن أعجب فإنني أعجب لبعض إخوتي السلفيين الذين يتجاوزون في تفريق الأمة.. إنني لا ألوم من يقول في الشيعة ما يظن أنه صواب ولو حكم عليهم في النهاية بالكفر ما دام صادقا في اتهامه.. لكنني أنظر في ذهول إلي من يكذبون وهم يعلمون أنهم يكذبون فيتهمونهم بالباطل ويرددون أقاويل أجهزة الاستخبارات الغربية عنهم. وينطبق نفس الأمر على بعض الشيعة. ربما تجيب هذه الخلفية عن موقفي اليوم من الشيعة.. وربما تجيب عن سؤال ذلك القارئ الذي سألني محتجا: كيف يجتمع في قلبك حب أسامة بن لادن وحسن نصر الله.. فقلت له: كما اجتمع في قلبي حب سيدنا عليّ وسيدنا معاوية رضي الله عنهما.. ولكي أكون صادقا معكم.. فإنني لا أستنكف أن أقرن أسامة بن لادن مع سيدنا علي رصي الله عنهما.. وليس الأمر كذلك في الشق الآخر.

***  

في الثانية والعشرين كان تخرجي.. ثم قضاء سنة الامتياز في أقسام الطب المختلفة تمهيدا لمن يريد التخصص بعد ذلك.. وهذه السنة هي التي تحوي البذور الأولى للخبرة العملية بعد ذلك..وفيها نتعلم من أخطائنا أكثر مما نتعلم من أي شيء  آخر..

كانت سنة الصدام الكبير بين الفكر النظري وبين الواقع..

بهتت أسئلة من نوع:" لماذا نعيش"  إذ لا يمكن أن يخطر هذا السؤال ببال من يحاول إنقاذ مريض من الموت..

في الثالثة والعشرين بدأت حياتي العملية و وفي الرابعة والعشرين رأيت رؤيا..

رأيتني في الروضة الشريفة محجوبا عن اجتماع الرسول بأصحابه داخل المقصورة النبوية حيث الضوء باهر جدا، وإذا بخالي – وكان رجل علم وعالم دين -  يخرج من الاجتماع النبوي ليخاطبني في غضب:

-      لماذا لم تأت..

فأسأله في دهشة.

-      لكنكم لم تطلبوني.

فيخاطبني بغضب أشد:

فرق بين الطالب والمطلوب.

فرق بين الطالب والمطلوب.

فرق بين الطالب والمطلوب.

كان خالي هذا قد انتقل إلى رحمة الله قبل ذلك بأعوام.. وكان متصوفا.. ولم أفهم ماذا يقصد بالجملة التي كررها لي:" فرق بين الطالب والمطلوب." والدهشة التي  أحسست بها ساعة الرؤيا استمرت بعدها أربعين عاما وأنا أتساءل كلما تذكرت الرؤيا: لماذا كان خالي غاضبا مني وكأنني استدعيت فتلكأت.. وقد فهمت أن غضبه ذلك كان بسبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاتب عليّ.. فلماذا يعتب عليّ حبيبي وسيدي ومولاي؟.. ولم أكن أعلم..

أقول كان خالي صوفيا وكان إنسانا فاضلا ونموذجا صالحا-أحسبه كذلك-  لم أر منه ما أنكره إلا زيارة الأضرحة..

 لقد كنت ممهدا تماما –بسبب نشأتي الأولى- لاستنكار البدع والانحرافات في الصوفية.. لكنني لم أكن موافقا أبدا على تكفيرهم بالجملة.. كنت ألتمس المعاذير بالجهل أو بالتأويل.. وكنت أعطي للزمن وقتا كي يمارس فعله فيكتشف الصوفيون بأنفسهم انحرافات العقيدة وبدعهم ليقلعوا عنها.. كنت قد عاشرتهم طويلا.. وكان منهم من شهدت كيف كان متدينا ونبيلا وساميا.. ولم أكن أستسيغ أن يكون هذا مع الكفار.. وكنت أعرف أيضا عبر التاريخ عيوبهم ومزاياهم.. دورهم في نشر الإسلام ودورهم في الانصراف عن السياسة مهما كان ظلم الحاكم بل وتأييده أحيانا.. ذلك لا يمنع استثناءات باهرة لكنها لا تغير القاعدة. أما عن بدعهم فلنتذكر حديث سجود سيدنا معاذ بن جبل للرسول صلى الله عليه وسلم.. حين نهاه دون أن يتهم عقيدته..

***

في الخامسة والعشرين سافرت للعمل في المملكة العربية السعودية.. فكانت مفاجأتي المذهلة بأقسى أنواع الهجوم على ابن عربي وأقصى درجات الإشادة بابن تيمية.. كانت صدمة بالنسبة لي.. وفتحت لي آفاقا جديدة للفكر.. وحلت تماما عقدتي مع شيخ الإسلام ابن تيمية.

***

من حديث سيدنا معاذ تعلمت ألا أندفع في الحكم على الظواهر دون درس وفهم وتأويل وعذر وإعذار.. وألا أكفر أحدا خيفة أن أبوء أنا بالكفر.

نفس هذا المنهج طبقته على القوميين والناصريين وحتى العلمانيين.. كنت قد وضعت الصوفية مع الشيعة.. تتميز الصوفية بعدم الإساءة إلى الصحابة  ويتميز الشيعة بفقه جهاد أكثر واجتهاد في السياسة والحكم أكبر..  أما الخلل في العقيدة فهو في الشيعة أكثر.. لكنني كنت أرى أن هذه كلها اختلافات في الفروع لا في الأصول وأن الصحوة الإسلامية والجهاد المشترك كفيلة بالقضاء عليها.. كنت ألتمس المعاذير للمخالفين بعدم الفهم  بالجهل أو فساد التأويل أو اختلاف وجهة النظر وبأن أي مجموعة أو طائفة منهم ليسوا كتلة واحدة.. وأن كل فئة تحوي البر والفاجر والمؤمن والكافر.. وكنت ما أزال أظن أن تحرير المسألة وشرحها بالطريقة الصحيحة سيجتذبهم للدخول في دين الله الصحيح أفواجا.. كنت أواجه نفسي قائلا : أنت نفسك لم تكتشف أن العلمانية كفر إلا في بداية الثمانينيات.. لم يكن من أهدي لي هذه المعلومة مسلما.. كان فيلسوفا فرنسيا.. وكان هذا منعطفا خطيرا في حياتي الفكرية.. لقد عشت دائما أظن أن الكلمة المطبوعة لها نوع من القداسة يصونها من الكذب.. إنها وجهة نظر قد تخطيء وقد تصيب لكنها لا يمكن أن تكون كاذبة. علمني الفيلسوف الفرنسي أن علمانيينا يكذبون.. كانت صدمة هائلة زلزلتني زلزالا شديدا.. واستلزمت بداية جديدة ومراجعة جديدة.. لقد اكتشفت أن القائمين على الفكر ليسوا مجموعة من الأنبياء بل هم إلى رجال العصابات أقرب..  وأنني يجب أن أكون حريصا جدا في التلقي منهم.. إن الكثيرين منهم كأي محتال يكذب ليسرق ويزور ليغتني ويزيف وعيك كي يبيعك..

كنت كالمسترسل في السوق الذي اكتشف أن معظم العملات في السوق مزيفة.. كان علىّ أن أزداد حرصا ووعيا وكان على الألم والضنى أن يزدادا.. أيامها كان اكتشاف عملة مزيفة واحدة يعني كارثة.. أما الآن فإن اكتشاف عملة واحدة غير مزيفة يعني اكتشافا هائلا.. ولقد كان عليّ أن أفهم ذلك لكنني لم أفهمه.. إن الإمام البخاري قرأ مليونا ومائتي ألف حديث.. كان نصفها موضوعا.. بمعنى أنها أكاذيب.. من الباقي انتقى نيفا وأربعة آلاف حديث هي التي حمل مسئولية تحقيقها وتقديمها إلى الناس.. هذا يعني أنه تيقن من صحة  ثلاثة أحاديث في كل ألف حديث!!.. وأظن أن نفس النسبة تصلح كمقياس لنسبة الصدق إلى الكذب.

***  

في الأربعين كانت مداركي ومعارفي قد توسعت كثيرا لكنني كنت ما أزال أعاني من خلط مزعج.. كان الهدف الذي بدأ التفكير فيه في السادسة من العمر هو هو ما يزال: توحيد الأمة الممزقة وجمع شتاتها.. ولكن.. لما كنت أفتقد المعيار لتصديق ما أقرأ أو تكذيبه فقد كنت أسير في الصحراء دون خرائط.

كان شوقي المستعر لجمع شتات الأمة قد أغمض عينيّ عما لا يمكن تجاهله..منها على سبيل المثال قول الإمام أبي حنيفة أن من لم يكفر الكافر فقد كفر..

لقد كان الهجوم على الإسلام عاتيا ورهيبا.. وكانت محاولات تشويه السيرة بلا حدود.. ولقد اشترك في ذلك فئات ثلاث: الصليبيون واليهود.. والعلمانيون الكافرون.. أما الفئة الثالثة وهي لا تقل خطورة فهي المسلمون الجاهلون.. كان يمكن للميزان أن يعتدل.. وكان يمكن للإسلام أن يدافع عن نفسه.. لكن الكارثة التي حدثت جعلته لا يستطيع ذلك فهي تحالف القوى الثلاث ضد الإسلام وسيطرة الحكومات العميلة على الدول فجندت كل الإمكانيات لمواجهة الإسلام وتشويهه ودحره. وكان المسلمون الحقيقيون مكبلين.. ليس بقيود السلطان العميل وحده.. بل بالقيود التي يفرضها الإسلام على المسلمين .. وهي قيود نبيلة وسامية وصحيحة.. لكن أسيء استعمالها إلى الحد الذي منح العلمانيين الكفار حصانة للهجوم على الإسلام والنيل منه وهم آمنون من العقاب أو الاتهام لأننا لم نشق عن قلوبهم وهم معصومون منا بلا إله إلا الله محمد رسول الله حتى لو قالوها تقية وزورا...

***  

كان ما أفقدني المعيار الذي أقيس به الصواب والخطأ هو أنني تبنيت الموضوعية بمفهومها الغربي وهو مفهوم خاطئ حتي بمقولات الفلسفة الغربية نفسها.. فالعلم يمكن أن يكون مجردا- وحتى هذا صعب- ولكن الفلسفة موقف ذاتي لا يمكن أن يكون مجردا لأن الإنسان جزء من التجربة الفكرية. ولكي أوضح المفارقة فإن الأمر يشبه أن أقرأ ديوان المتنبي وأشعاره متسلحا بمعلوماتي في الطب أو الفيزياء.. ما أريد أن أقوله أن للشعر لغته الخاصة التي علينا أن نفك طلاسمها قبل أن نفهمه.. وكذلك كل شيء في الحياة.. إن أي متعلم ولو في الحدود الدنيا يستطيع أن يقرأ صفحة مكتوبة بشرط أن يفهم اللغة المكتوبة بها..لكن هل يستطيع أن يقرأ لغة أخرى؟.. فلو أجاد كل لغات العالم.. هل يستطيع أن يقرأ خريطة من خرائط الطقس أو الجيولوجيا أو أن يقرأ على سبيل المثال صورة بالموجات الصوتية أو الرنين المغناطيسي؟!

ما أريد أن أقوله أن الموضوعية في الشعر هو أن نفهم لغة الشعر ومصطلحاته ورموزه ومكنوناته وإشاراته.. والموضوعية في العلم أن نفهم لغة العلم.. وكم سيكون مضحكا أن نتناول هذا بعلم ذاك.. تماما كما تبدو مثيرة لأقصى درجات السخرية محاولة وزن الحب بالجرام.. والكراهية بالكيلوجرام .. والشرف بالسنتيمتر والسعادة بالمتر المكعب!..

بل إنني أنبه إلى مفارقة.. إن أعظم علماء العالم سوف يبدون مجالا لسخرية لا تنضب عند سكارى الحانات وصعاليك الشوارع.. لسبب بسيط.. أنهم غير مؤهلين لفهمهم.. لا يملكون الأدوات لذلك.. إذ كيف تشرح الصورة لأعمى.. والصوت لأصم.. والفكر لجماد.

هاتوا أحمد زويل أو أينشتين أو نيوتن وخذوا رأي أطفال الشوارع فيهم وانظروا كيف تكون النتيجة.. وأنا لا أتلاعب بالألفاظ هنا.. بل أضرب هذا المثل لأكشف لكم مدي ضلال العلمانيين والمستشرقين والصليبيين واليهود عندما يهاجمون الإسلام الذي لا  يملكون أدوات فهمه أصلا.. ولو ملكوها وكانوا جادين في التناول فإنني ألتمس لهم المعاذير حتى ولو لم يهتدوا للإيمان لأننا لا نهدي من نحب ولكن الله يهدي من يشاء.. ولكن ما يثير غضبي وازدرائي أنهم كمن يتناول روائع الحب العذري بمقاييس قواد.

إنهم يتكلمون عن شيء لا يفهمونه.. وفي أحس الأحوال وافتراض حسن النية فهم أشبه بشاعر يقرأ خريطة من خرائط الطقس.. أما في الغالب الأعم فهم كصعاليك حانات يتصدون لنقاش قضية النسبية.

***  

آفة الفلسفة كلها هي فصل الوسائل عن الغايات..

انظر مثلا إلى نبضات القلب.. كم ستكون عبثية وبلا معنى إذا ما فصلناها عن الغاية منها.. وهي استمرار الحياة.. كذلك سيبدو الشهيق والزفير.. انظر إلى الصلاة والصوم والحج واعزلها عن إطار الإسلام الذي يجمعها ويحدد غاياتها.. كم ستبدو هذه المناسك دون إسلام طقوسا بلا معنى.. انظروا إلى الحياة الدنيا معزولة عن الآخرة.. انظروا إلى الجرائم دون حساب وإلى الخطايا دون عقاب.. اعزلوا الأرض عن الشمس  أو الشمس عن النجوم.. اعزلوا الجسد عن الروح.. وانظروا كيف سيسفر ذلك عن عبث لا معنى له..

نفس هذا العبث ستجدونه عندما تعزلون الدين عن الحياة..

نفس هذا العبث ستجدونه عندما تراقبون المجرات بالعين المجردة..

نفس هذا العبث سنجده إذا تناولنا الدين بنفس المنهج الذي يتناولون به الخرافات والأساطير ( وهذا ما تفعله العلمانية والحضارة الغربية عموما.. حيث يدرس الدين في أقسام الخرافات والأساطير)..

ونفس هذا العبث سنجده إذا ما تناولنا السيرة ونحن غير مؤهلين لفهمها وفهم العلاقات بين الوسائل والغايات وبين القلب والنفس والروح والجسد.. وسنجده أيضا إذا ما عزلنا السيرة عن دورها العملي في الحياة .. وسنكتشف أيضا مدي سفاهة القائلين أن الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه لا دور لها في الحياة والدولة والمجتمع والأمة.

وثمة نصيحتان واجبتان هنا.. نصيحة لغير المسلمين.. وهي أن يعملوا عقلهم كما شاءوا ولكن بعد أن يدركوا حدود العقل.. وألا يجعلوا عقولهم  القاصرة حكما على الله لأنهم بذلك كالذي ينظر إلى الكون من خلال سم خياط أو كمن يحاول نزح مياه المحيط بمحقن!.. وإنني واثق أنهم لو أعملوا عقولهم وأنصفوا سيصلون إلى الإسلام لا محالة..

أما بالنسبة للمسلمين فعليهم بعد أن يؤهلوا نفسهم للتعايش مع السيرة أن يستعملوا مفتاحا واحدا إليها.. مفتاح ينقله لهم الإمام البخاري رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

أجل..

يجب أن تؤهل عقلك وقلبك لقراءة السيرة..

وحذار أن تؤجل الأمر حتى تملك هذه الأدوات وإلا كنت كمن يخدع نفسه ويؤجل إطفاء النار في أبنائه وأهله انتظارا لشراء سيارة مطا فيء!

إن الأمر أبسط كثيرا من ذلك.. وهو أيضا أعقد كثيرا من ذلك..!!

إنك لا تحتاج أن تكون أستاذا في كلية الهندسة كي تقود سيارة.. إن ساعات قليلة قد تكفيك لتكون سائقا جيدا.. وقد لا يكفيك نصف قرن كي تكون عالما متبحرا في السيارات.. وكلا الصنفين – وما بينهما- مطلوب. ولكن الخطر هو أن تحاول القيادة دون أي معرفة أصلا..

لذلك.. فإن أي واحد منا يستطيع البداية على الفور.. وهو ما أناشدك أن تفعله.. ليس بأن تقرأ فقط.. بل أن تنشر هذا العلم على أوسع نطاق تستطيعه وأن تعتبر ذلك قضية عمرك.. بل قضية حياتك وآخرتك.

***  

قضية العمر هي التي تدفعني الآن لهذا الاقتحام الجريء لكتابة السيرة.. أعترف أن هدفي النهائي من هذه الكتابة هو  أن تكون وجاء لي من النار.. لكن ذلك لا يتناقض مع الهدف الآخر الذي يبدو أنه الهدف الرئيسي والمبرر لكي يكون ما أفعله وجاء من النار يوم القيامة.. إذ أنني أكتب هذه السيرة لشباب أمتنا.. ذلك الشباب الضائع المضيع.. الناقم والمنقوم عليه .. ذلك الشباب التعيس الشقي والذي يمزق بتعاسته وبشقائه قلبي..لأنه ضحية.. وذلك لا يلغي مسئوليته ..

***

لم تنقطع الصلة بيني وبين الإسلام أبدا.. ولم أتوقف عن ممارسة نسكه سوى ذلك العام الذي حدثتكم عنه.. .. لكنني سرت في الطريق المزدوج الخاطئ طويلا..

كان من أهدافي التوفيق بين الإسلام وثمار الحضارة الغربية.. لكنني أدركت أن ذلك سيكون تلفيقا لا توفيقا..

في منتصف الثمانييات لم أعد قادرا على المواصلة فقد انفجرت الأسئلة مصرة على إجابات عاجلة:

حتى لو أحطنا بالواقع.. فماذا عن ما قبل الواقع وما بعده.. بل ماذا عما فوق الواقع.. عن القوانين المتحكمة فيه..

إن الجسم مادة.. ولكن مادة الجسم لا تحرك نفسها.. وإنما  تحركها النفس والروح والوجدان فما الذي يحرك مادة العالم؟.. ما الذي يحرك الشمس والقمر والنجوم والأفلاك..

أيها أهم: المخ أم العقل؟ العين أم البصر.. الأذن أم السمع.. المادة أم الروح..

ليس الجسد سوى وسيلة لغاية.. أو قالب يمكن أن ننسج عليه ليس له في حد ذاته قيمة..

كنت أدرك طول الوقت أن الإنسان دون دين كالسابح في الفضاء دون جاذبية..

كنت كلما أوغلت في الفلسفة أنشطر.. ولم يلتئم انشطاري إلا بعد أن أدركت أنه ليس ثمة إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله. .. وهي لا تحتاج إلى سواها ولا تتكامل مع غيرها لأنها فلسفة كلية للوجود .. للدنيا والآخرة.

***

لكم كنت أتمنى أن يكون الفكر الإسلامي اختياري منذ البداية دون محاولة لمزجه بسواه أو التوفيق بينه وبين غيره..

ولكم كنت أتمنى أن يكون اختياري له وحده صافيا بلا شوائب وألا يكون من ضمن الأسباب فشل الوسائل الأخرى وعجزها..

ولكم كنت أتمنى ألا أقع في أوهام إنسانية الغرب وأباطيل صدقه وموضوعيته فلقد استغرق ذلك مني أكثر من ربع قرن.. لأكتشف بعد عمر من الضنى والعذاب كم خدعونا..

لذلك كله أشعر الآن بحرقة ثأر المخدوع..

وبهذه الحرقة أكتب لشباب هذه الأمة وفي صدري جمر يتأجج .. تكويني حرقة الألم على شباب يُضيّع ويسلبونه أغلى ما في الوجود.. يسلبونه هدف حياته ويضيعون مصيره عندما  يسلبونه : " إلا ليعبدون"..

 (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ )(56) الذاريات.

***

أتساءل في دهشة: كانت الحقائق أمامي واضحة وسهلة وكان الطريق مستقيما فلماذا سرت في كل هذه الدروب؟..

لماذا لم أسر منذ البداية في الطريق السهل المباشر..

لماذا كانت استجاباتي عكسية.. وما هي سر الحكمة الإلهية التي تركتني أقع في أخطاء التحولات في حياتي.

لماذا تركت السعة إلى الضيق.. واليسر إلى العسر.. والسهل إلى الوعر..

لماذا سرت في كل هذه الطرق.. لماذا ضللت في كل هذا التيه؟!

شوتني الشمس وجمدني الزمهرير وشق العطش  حلقي والحزن قلبي والجوع حشاياي وأكلت الصخور قدمي وشربت الرمال دمي..

لماذا..

لماذا..

لماذا..

ينبلج قبس من ضوء الحقيقة أمامي الآن وأنا أكتب هذا الفصل من " كيف حدث التحول"؟..

تجيش مشاعري وأنا أهتف سبحانك..

هل أكتشف الآن السبب..؟

هل تأتيني الآن الإجابات عن الأسئلة؟

سبحانك..

أفتح عيني في وحشة وعقلي في دهشة..

سبحانك.. أنت قدرت لي كل هذا.. لا عبثا ولا سدى ..حاشاك..

سبحانك.. الآن أفهم..

لقد كانت كل هذه الدروب التي سرت فيها كسنة الامتياز التي قضيتها.. تدريبا على مختلف الأقسام كي أقترب منها جميعا وأعايشها جميعا وأدرك عيوبها جميعا.. أتعلم من الخطأ أكثر مما أتعلم من الصواب!..

سبحانك..

الآن أرى حياتي كلها في ضوء جديد وكأن بصري من حديد.. أرى كل خطوة منها درجة سلم ترتكز على ما تحتها وتؤدي إلى ما فوقها لا تصلح هذه دون تلك ولا تلك دون هذه.. دفعتَني لكي أقترب من كل الفئات حتى أدرك ما فيها من ظلم و ظلام  مقابل نصاعة الإسلام.. كنت أظن أنني أسير وأنا أُسيّر.. الآن أفهم لماذا عميت عيني حين عميت ولماذا أبصرت حين أبصرت فلم يكن خبط عشواء بل قدرا يغمرني بالرحمة ويقودني إلى الصواب بعد أن أعاين الأخطاء.. الآن أفهم.. لماذا اقتربت من هذا وابتعدت عن ذاك.. ما كان إلا لكي تكون المفاصلة عن بينة.. حتى الأحداث الكبرى وفضيحة الدولة في " وليمة لأعشاب البحر" التي فجرتها على صحيفة الشعب في 28 أبريل 2000م فأغلقوا الصحيفة.. لم أفهم حينها أن إغلاق الصحيفة كان درجة سلم.. وأن الحصار حولي بعدها كان درجات أخرى وإغلاق الصحف التي حاولت النشر لي بعد إغلاق الشعب درجة وأن الهجوم الرسمي العاتي على الصحف العربية التي نشرت لي كان درجات أخرى .. وكان ذلك كان يسير في اتجاهه المرسوم وطريقه المحتوم لكن ما ظننته حصارا لم يكن كذلك بل كانت المشيئة تغلق أمامي كل الطرق الفرعية التي يمكن لها أن تبدد جهدي كي أتفرغ  في النهاية لأسمي ما يمكن أن أكون قد خلقت له: كتابة السيرة النبوية..

سبحانك..

كنت تعدّني وتدربني وتعلمني من أجل هذه اللحظة وأنا لا أدري.. كمبعوث يرسلونه إلى الخارج ليعاني الغربة والوحشة والسهر والألم كي يتدرب ويرتقى ويتأهل لما يوكل إليه من مهام..

سبحانك..

ما كان أطول الرحلة وما كان أقل الزاد..

سبحانك..

أرسلتني إلى كل هذه الفيافي والصحاري وعلى قمم الجبال وفي قاع الوديان كي أرى كل شيء رأي العين..

جعلتني أقترب من كل هذه التيارات كي أكتب السيرة الآن وأنا أكتبها عن بينة..

هل كنت تطعّمني كي لا أضل وتحصنني كي لا أزل..

هل معنى ذلك أنك تحبني؟!

يا رب.. أنا أحبك ما في ذلك شك..

لكنني أستكثر على نفسي أن تحبني..

بل إنني لا أطمئن لكل هذا الذي أحسست به..

لماذا أتيقن أنه تكريم؟..

أليس محتملا أن تكون القاضية..

أليس محتملا أن يكون الامتحان الأخير وأنه قد أمهلني حتى إذا أدركني لم يفلتني؟..

هذا  .. أم ذاك؟!

من ذا الذي يطمئن قلبي..

***

ثمة قبس من ضوء آخر..

لعله يجيب ويوضح..

ولعله لا يفعل..

نعم..

قبس من تلك الرؤيا التي رأيها منذ أربعين عاما.. ولم أفهم معناها..

"فرق بين الطالب والمطلوب"

تطير نفسي شعاعا من الفزع والجزع والروع والدهشة.. كيف يظل المرء أعمى أربعين عاما ثم يبصر فجأة..

"فرق بين الطالب والمطلوب"..

هل أفهم الآن معناها؟..

هل معنى ذلك أنني كنت مطلوبا كي أخوض هذه الرحلة الطويلة من الآلام تدريبا لي وتمهيدا وتمحيصا وابتلاء وتنقية  وتصفية كي أكتب عن السيرة في نهاية المطاف..

هل الأمر كذلك فأطمع أم عكسه فأجزع..

لكن .. ليست لي الخيرة من أمري..

وأنا ماض يا ربي إلى ما أحسب أنك أعددتني له ..

فامنحني التوفيق والهدى والرحمة..

***

والآن..

أقولها بما هو أكثر من دموع العمر وألمه وشجنه وخوفه وأمله وفزعه وطمعه وعرقه وقلقه ورجائه وخوفه وأمنه..

أقولها:

السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم..

إيــذن لي..

...

السلام عليك يا رسول الله..

كأنني أسمعك ترد تحيتي بأحسن منها..

كأني أسمعك تقول:

-      وعليك وعلى أمتي السلام ورحمة الله وبركاته.

 

 

***

***

***



[1] - التجديد في عرض السيرة النبوية-مفاصده وضوابطه، د. محمد يسري-نائب رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة،ظ1 دار اليسر-القاهرة،2009م،(ض57).