إنا لله وإنا إليه راجعون

 

عزاء إلى علاء مبارك

***

 

 

بقلم د محمد عباس

 

mohamadab47@yahoo.com

mohamadab@hotmail.com

 

***

 

عزاء قلبي خالص إلى الأستاذ علاء مبارك، وهو الوحيد من عائلة مبارك  الذي يحظى بقبول شعبي عام  حتى أن الناس أحاطوه بالأساطير التي ترفع من قيمته في أعينهم فقالوا أنه عزف عن السلطة بسبب زهده، وابتعد عن فساد الأسرة والحاشية بسبب تدينه، بل وفسر الناس إبعاد بعض الدعاة ومطاردتهم بأن ذلك حدث بسبب انتشار تأثيرهم  حتى وصل إلى أسرة علاء مبارك.

لذلك كله فإن العزاء لعلاء عزاء حقيقي خالص يحس بمصيبته ويدعو الله أن يلهمه الصبر وزوجه وأن يمنحهما منازل الصابرين.

***

 

تأخر علمي بالخبر فقد قاطعتُ الصحف التي يقولون كذبا أنها قومية ومحطات التلفاز التي يزعمون زورا أنها وطنية..  نقل الخبر إلىّ أحد الأصدقاء.. فوجئت أن في صوت الناقل-وأحسبه  من الصالحين- رنة شماتة.. قلت له في غضب حقيقي وعتاب:

-         يا أخي : اتق الله.. ألا تعرف أنه لا شماتة في الموت..

وجاءني صوته مدافعا:

-   لا والله.. ليست شماتة.. ولكنها دعوة دعوتها فعجبت من سرعة استجابة الله لها..  ذلك أنني  أثناء قصف غزة وسقوط المئات من أطفالها.. وتناثر أشلائهم حتى نهشتها الكلاب الضالة عندما لم تجد جثامينهم من يدفنها.. عندما حدث ذلك.. وعندما حدث أيضا أن أطفالا ماتوا على أبواب المعبر المغلق بسبب عدم إسعافهم في الوقت المناسب.. ومات آخرون جوعا بسبب حصار يفرضه الشقيق قبل العدو.. عندما حدث ذلك كله دعوت الله أن يذيق من سكت عن القصف وأمر بالحصار مرارة طعم موت الأطفال.. لم يكن ما بي شماتة إذن ولكنه العجب..

وجاء تعليق من صوت تابع الحوار:

-   هذا لا يليق على أي حال يا أخي.. كما لا يليق أيضا أن تعتبر أن ما حدث هو انتقام لما حدث في غزة.. فهذا خطأ شرعا.. إنك بذلك تتألى على الله.. ثم ما ذنب علاء مبارك وهو أطيب أفراد عائلة مبارك.. بل ربما كان الوحيد الطيب فيهم..

قلت لهم :

-   لا مكان للشماتة أبدا.. فليس ذلك خلق المسلم..  بل إن  قلبي ممتلئ بالخشوع وعينيّ تغرورقان بالدموع.. مليون ونصف أمن مركزي وأسلحة وطائرات وجيش وصداقات من أول إسرائيل وحتى أمريكا مرورا بأوروبا وأكبر أطباء العالم وأعظم مستشفيات الدنيا لكن ضعف الطالب والمطلوب.. كل ذلك لم يستطع أن يمنع ملك الموت.. فهل يتعظ هؤلاء الناس وهل تعتبرون أنتم..

وجاء صوت:

-   لقد رحم الله هذا الطفل من النشوء في عائلة يغلب عليها الفساد.. فلعل الله اصطفاه في طهره كي ينقذه من فسادهم ليدخله الجنة..

-         ولعله اصطفى علاء بذلك كي يرفع درجاته ويدخله وأمه الجنة بشفاعة ابنهما..

ومضى وقت تابعت فيه الأخبار وبعض الفضائيات.. ثم رجعنا وقال قائل:

- لم يحضر الرئيس مبارك الجنازة..

 وقلت لهم:

-         ما أجدر الرجل بالتعاطف معه.. لقد بلغ من تأثره أن لم يستطع الحضور..

-         سبحان الله.. هازم القياصرة ومذل الأكاسرة..

-         لشد ما أخشى أن تتسع شفاعة الطفل البريء  الطاهر  لتشمل جده..

-         كل الفضائيات تذيع القرآن الكريم..

-   إن كانوا يؤمنون بالقرآن هذا الإيمان كله فلماذا ينحونه عن حياتنا..؟ لماذا تعتبره مباحث أمنهم من المضبوطات التي تحرز عند من يتهمونهم زورا بالإرهاب وليسوا بإرهابيين وإنما مجاهدين بعضهم طلب الحق فأصاب وبعضهم طلبه فأخطأه..

-         على عكس الحاشية فكلهم قوم طلبوا الباطل فأصابوه..

-         مظاهرة غير مسبوقة في النفاق..

-         مبتذلة ووضيعة كمقالات رؤساء تحريرنا..

-         لا.. فكل الناس فعلا يشعرون بالحزن..

-         لا والله.. فكلهم يشعرون بالشماتة..

-         كلاكما مخطيء..

-   بل كلاهما مصيب.. لقد كان الناس متعاطفون جدا في البداية.. لكن مع اشتداد موجة النفاق واشتراك الفضائيات المصرية فيه بدأ شعور الناس كلهم في التغير..

-   هذا القرآن الذي تذيعه الفضائيات لا يصل منه إلى الميت شيء.. الذي يصل هو القرآن الذي يقرأه أهل الميت لا ينتظرون في الدنيا ثوابا عليه..أما تلك الفضائيات فإن ثمن دقيقة الإعلان فيها ثلاثة آلاف جنيه.. وهم ينتظرون الحصول على أضعاف هذا الرقم مقابل مجاملتهم بل نفاقهم.. وسيحصلون عليها من أموال المسلمين.. كما فعل هشام طلعت مصطفى..

-   إنهم يريدون إعادة إنتاج مشاهد جنازة الأميرة ديانا لكن أسلوبهم جاهل ومبتذل ومنافق.. لأن ديانا كانت معروفة أصلا عند مئات الملايين ومحبوبة جدا.. والوضع هنا مختلف.. إنه كابن أي واحد منا لا يعرفه إلا أهله ولا تحزن من أجله حزنا فاجعا إلا عائلته.. بعد ذلك لا يبقى إلا التعاطف الذي يمكن أن نتعاطف به مع من لا نعرفهم.. وكل ما جاوز ذلك نفاق..

-   لكن مبارك اتخذ قرارا محترما جدا.. لقد قرر الاقتصار على تشييع الجنازة وأمر بمنع نشر عزاء في الصحف..

-         وما حاجته إلى ذلك وقد تم تجنيد عشرين قناة فضائية للعزاء.

قلت لهم:

-   سبحان الله.. عندما يموت ملك من ملوك الأرض أو ابن من أبنائه يفرضون الحداد على الأرض.. عندما مات ابن النبي صلى الله عليه وسلم رفض قول من قال أن الشمس انكسفت لموته.. ولو أن الشمس انكسفت أمس لقالوا أنها انكسفت لموت حفيد مبارك.. ماذا كانوا سيقولون لو أن الفقيد هو مبارك نفسه.. انظروا إلى عظمة ديننا.. عندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لم يقف سيدنا أبو بكر ليعدد مآثرة أو يمجد مناقبه ولا هو جند الشعراء لرثائه.. بل وقف يقول: من كان يعبد محمدا فإن محمدا مات...!! فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله..

-         أخشي أن ينظر الله من عليائه فيرى حزن الرئيس مبارك فيرحم ضعفه فيشفّع فيه حفيده فيدخله الجنة..

-   هذه الطقوس للموت طقوس غير إسلامية.. إنهم يعاملون الموت كفيلم سينمائي.. طقوس غربية أقرب للوثنية..هل تذكرون بساطة  طقوس جنازة الملك الشهيد فيصل أو حتى الملك فهد؟ هل تذكرون بساطة وجلال استشهاد الابن الثاني لمحمود الزهار؟.. هل تذكرون حسن نصر الله عندما أخطروه باستشهاد ابنه في عملية استشهادية.. لم يبدر منه إلا اختلاجة صوت.. ربما لأنه لم يكن يجهزه للتوريث!

-   تلك الفضائيات التي تخرج الموت بطريقة السينما والدراما ستثير غضب الله وسخطه لا تجاوزه ورحمته.. هل يغفر الله للمنافقين من أصحاب تلك الفضائيات؟

-         وهل يغفر للحاكم أكل حقوق الناس؟

-         ومائة ألف معتقل؟

-         والتعذيب؟

-         وتزوير الانتخابات؟

-         والقتل خارج القانون..؟

-         وحفر الباطن والعراق الكسيح؟

-         وموالاة أعداء الله..؟

-         والبراء من المسلمين؟

-         وحصار غزة..؟

-         ربما يغفر الله له كما غفر للحجاج بن يوسف الثقفي..

-         وما أدراك أن الله قد غفر للحجاج بن يوسف الثقفي..؟

-   لا.. لا.. لا.. لا.. لا تقارنه بالحجاج.. فالحجاج مهما كانت كبائره دافع عن الإسلام ووطد دعائم دولة المسلمين.. الحجاج له على المسلمين أياد لا تنسى.. أما حكامنا فلهم عند أمريكا وإسرائيل أياد لا تنسى..

-         رئيسنا فعل العكس تماما.. حارب الإسلام  وحاصر المسلمين ووطد دعائم دولة إسرائيل..

-   لو كنت مكانه وحكم عليّ مائتان من كبار علماء المسلمين بالردة لتفككت مفاصلي وانخلع قلبي ولغيرت مواقفي على الفور..

-         لا تنسوا سابقة جهاده في أكتوبر 73 فلعل الله كتب له لحظة طاعة تدخله الجنة..

-   هل أنت واثق أنه حارب في سبيل الله .. أم أنه حارب في سبيل مجد أو منصب أو جاه أو مال أو عصبية منتنة..

-         بل حارب المجاهدين في كل مكان.. وكل هذا من أجل التوريث..

-         وهاهو الموت يأتي  وكفى به نذيرا..

-         ستتوالى المصائب فالمصائب حين تأتي لا تأتى فرادى..

-         أظنها بوادر النهاية..

-         قيل أن الموت حين يحصد طفلا يحصد معه شخصين آخرين كي يكتملوا ثلاثة..

قلت متأففا:

-         غفر الله لكم.. هذه أفكار شركية لا يعرفها الإسلام فاستغفروا وتوبوا..

-         لعله يتعظ..

-         لعل حرقة ألم الفقد تشعره بآلام الفلسطينيين في غزة..

-         إياكم والشماتة..

-         لا والله ليست الشماتة.. لقد بكيت في الجنازة.. ثم انتحبت عندما رأيت علاء مبارك- أبا محمد-  يبكي..

-         لعل عبرة الموت تذكر الرئيس بالآخرة وبهوان الدنيا وما فيها فيدفعه ذلك للدفاع عن الإسلام..

-         لعله يفك الحصار عن غزة غدا..

-         لعله يتوب..

-         لا يليق التحدث بهذه الأمور الآن.. هذا وقت للعزاء فقط.. ادعوا له بالصبر والرحمة..

-         إن لم يكن في لحظة الموت متسع للنصيحة بالتوبة فمتي يمكن أن تكون..

-         من منكم يذكر نصائح الصحابة للصحابة..

-   وحتى للخلفاء والملوك .. ولقد كانوا يستغرقون في البكاء بسبب شدة الموعظة ولم يقل لهم أحد أن هذا لا يليق..

-         لا أقول أنه لا يليق بل أقول ليس هذا وقته..فالناس في أحزانهم ولا يليق أن نذكرهم بأخطائهم..

-         لأن نخوفهم حتى يدركهم الأمن خير لهم من أن نطمئنهم حتى يحيط بهم الخوف..

***

منذ أسابع كتبت أنه لو كانت لي دعوة مستجابة فإنني لن أدعو بها لحاكم -كما أمرنا السلف الصالح-  بل سأدعو على كل حكام العرب والمسلمين أن يهلكهم الله وأن يبدد ملكهم وأن يحرقهم بما كنزوا وأن يذلهم بما تجبروا..الآن أشعر بحزن جياش أمام عظة الموت .. حزن يستل الغضب من نفسي.. أعود إلى نصيحة السلف الصالح.. أدعو لحكامنا  بالهداية.. بالعودة إلى الإسلام.. بالولاء والبراء.. أنظر إلى الرئيس مبارك في دهشة.. أضن بجسده على النار فكيف لا يضن هو..

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

لماذا لا نعود إلى الله..

وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) الزمر

 

إن لم يكن هذا هو الضر فماذا يكون..

 

***

يا علاء مبارك:

أعزيك من أعمق أعماق قلبي.. أتعاطف معك.. وأحزن من أجلك..  وأدعو لك ..

أما أنت يا سيادة الرئيس.. فوالله الذي لا إله إلا هو.. أقولها حرصا عليك..أنني أشك – والعلم كله عند الله- أن تصلك شفاعة الطفل البريء الشهيد محمد علاء حسني مبارك.. لكنني أطمع أن تصلك شفاعة الأطفال الذين تركتهم يموتون  قصفا وجوعا في غزة ومرضا على المعبر المغلق بيننا وبينهم..

فانصر أهل الأطفال الذين شاركنا في قتلهم بحصارهم وعدم إغاثتهم.. انصر أهلهم وإخوتهم يشفعون لك..

يا سيادة الرئيس :

لقد أخطأت في حق المسلمين والإسلام فتب..

تب يغفر الله لك ويخفف عنك ..

ليت الموت يكون هو المصيبة الكبرى.. إذن لهان الأمر..

المصيبة الكبرى هي أن تكون مصيبتنا في ديننا..

المصيبة الكبرى هي أن نخلد في النار أبدا لأننا حكمنا على أنفسنا بأن نكون من أصحاب النار..

وإنا لله وإنا إليه راجعون