أمة في خطر

أدركوا أبناءكم..

أَمْرٌُ مَا نَابَنَا مُصْمَئِلٌّ... جَلّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأَجَلُّ

 

هيكل.. وكفار قريش!!

 

د. محمد عباس

mohamadab47@yahoo.com
mohamadab@hotmail.com
www.mohamadabbas.net

 

لماذا ينفطر قلبي؟!

لماذا أتطلب في الماء جذوة نار..

لماذا يحزنني ألا أجد في الصحراء جدول ماء..

لماذا تذهلني الخطوب  وتدعني الفتن حيران..

لماذا بدا غزو غزة ثم خلية غزة كنار تشب في قلبي وفي العالم .. نار أعجز عن إطفائها كما أعجز عن الصمت عنها..

لماذا يبكيني هذا الطفل الواقف فوق كومة من الأنقاض كانت منزلا فوق قطعة من الأرض كانت وطنا، جائعا وشبه عار ليعلن أنه صامد حتى النصر.. هو صامد وحكامنا الرافلون في النعيم الغارقون في الذهب يفرون هاربين..

إلا أن الأنكى أنهم يسمون صمود الطفل إرهابا وهروبهم تحضرا وحكمة..

أي خسة في أن نمنع عن هذا الطفل كسرة خبز وجرعة ماء وطلقة رصاص..

أي خسة..

أعترف..

أعترف أنني كلما قرأت عن تفجير نفق شعرت أن شريانا من شرايين قلبي ينفجر..

وأنا ضد الأنفاق جميعا لأن الأصل والواجب أن تكون الأرض كلها نفقا إلى فلسطين أو أي قطعة منها.. والأصل والواجب أن تكون مهمة جيوشنا وشرطتنا ضمان وصول المدد إلى إخوتنا وأبنائنا هناك.. لكن ذلك لا يحدث بل يحدث عكسه.. لتأتي تصريحات المسئولين ذوب رصاص على اللحم الحي.. خاصة ذلك المأفون الذي توعد أبناءنا بكسر عظامهم.

لماذا يكاد قلبي يقفز من بين ضلوعي كلما شاهدت برنامجا في تلفازنا أو كلما سمعت خبرا من الأخبار.. لماذا أبني آمالا  في حكامنا ونخبنا بما هم غير مؤهلين له.. فكأنما أبني الرجاء على شفير هار..

أعترف..

جاء الزمان الذي أخبرني به سيدي وحبيبي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الزمان الذي يرى فيه الرجل قبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه..

أعترف ..

ضاق سجني..!!

وقد آن الأوان لكي أدرك أن هذه الدنيا سجني.. وهو سجن للابتلاء سراؤه أخطر على المؤمن من ضرائه.. واليأس من رحمة الله أخطر من هذا وذاك.

أرى حال أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقتلني الألم.. خلقت في كبد.. أعيش في كمد.. تحملني أحلام اليقظة.. أركب جناح الأمنيات فأرى نفسي  بعين الخيال عبدا ربانيا يقول للشيء كن فيكون.. لن أكون مثل ذلك العالم الجليل الذي قال لو بقيت لي دعوة مستجابة فسأدعو بها لولي الأمر.. أنا سألعنه وأدعو عليه ثبورا كثيرا.. وسيكون أول ما أفعل أن أقلب أنظمة الحكم في العالم الإسلامي كله.. أنفذ شرع الله.. أمحق من يرتد عن دينه .. وأنصب قوما يحبهم الله ويحبونه.. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. نعم.. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين لا أعزة قساة جناة جباة على المسلمين أذلة جبناء خونة أمام الكافرين.. حكاما يجاهدون في سبيل الله وليس الأمم المتحدة والقانون السابع.. حكاما لا يتخذون الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا أولياء بينما يغيبون المجاهدين في السجون ويقتلونهم ويعذبونهم ويهدمون أنفاقهم ويمنعونهم من جهاد أمر به الله.. لا ينقمون منهم إلا أن آمنوا بالله

خلقت في كبد.. أعيش في كمد..

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين.. أنت رب المستضعفين وأنت ربي..إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى بعيد ملكته أمري..

يا رب.. أنا أضعف وأهون وأقل وأذل من أن أقول مثل سيدي وحبيبي ومولاي صلى الله عليه وسلم:

" إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي.. ولكن عافيتك هي أوسع لي"..

اللهم إن كنت غاضبا علينا فارفع مقتك وغضبك عنا.. وأنقذنا مما نحن فيه.. وخلصنا من حكامنا وانصرنا على أعدائنا وألف بين قلوبنا..

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات

وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة

أن ينزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك

لك العتبى حتى ترضى

ولا حول ولا قوة إلا بك

فاض ألمي..

عشت إلى جوار أعداء الله طويلا حتى تقت إلى جوار الله فشتان بين جوار الله وجوارهم..

***

أنظر إلى الشهيد الذي انفطر قلبي لاستشهاده لكنني أهتف بما هتف به الشاعر العباسي أبو الحسن التهامي في رثائه لابنه:

جاورت أعدائي وجاور ربه... شتان بين جواره وجواري

ثم أنظر إلى نخبتنا فأواصل مع الشاعر:

حكم المنية في البرية جاري ...  ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ...  حتى يرى خبراً من الأخبار

طبعت على كدر وأنت تريدها ...  صفواً من الأقذاء والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها ...  متطلب في الماء جذوة نار

وإذا رجوت المستحيل فإنما ...  تبني الرجاء على شفير هار

فالعيش نوم والمنية يقظة ...  والمرء بينهما خيال ساري

والنفس إن رضيت بذلك ... أو أبت منقادة بأزمة الأقدار

فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ...  أعماركم سفرٌ من الأسفار

وتراكضوا خيل الشباب وبادروا ...  إن تسترد فإنهن عواري

فالدهر يخدع بالمني ويغص ...  إن هنا ويهدم ما بنى ببوار

ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار

ثوب الرياء يشف عن ما تحته... فإذا التحفت به فإنك عاري

لو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا... وعمى البصائر من عمى الأبصار

هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا... أو سلموا لمواقع الأقدار

ذهب التكرم والوفاء من الورى... وتصرماً إلا من الأشعار

وفشت خيانات الثقات وغيرهم... حتى اتهمنا رؤية الأبصار

ولربما اعتضد الحليم بجاهل... لا خير في يمنى بغير يسار

لله در النائبات فإنها ...صدأ اللئام وصيقل الأحرار

هل كنت إلا زيرة فطبعنني... سيفاً وأطلق صرفهن غراري

زمن كأم الكلب ترأم جروها... وتصد عن ولد الهزبر الضاري

***

صلى الله عليك يا حبيبي ويا مولاي صلى الله عليك وسلم..

الموعد معك في المقالات القادمة.. وها أنذا في هذا المقال ألملم أشلائي في مقالات كنت بدأتها أو انتويت أن أكتبها في حلقات مديدة عبر أسابيع عديدة لكن الحوادث الجسام كن يصرفنني عنها.. لا .. لم تكن الحوادث الجسام فقط.. بل كان تهيبي من تنفيذ ما انتويته.. الكتابة في ظلال السنة الشريفة .. وكنت خائفا وأرتعد..  كنتُ يا سيدي ويا مولاي عبدا وكنتَ سيدا.. وكنتُ مجرد صعلوك يهاب حضرة الملوك حين تكون أنت الملك.. وليس ملوك الدنيا الذين شد ما أزدريهم.. لكن هذا حديث  موعده المقالات القادمة إن شاء الله..

أما ما جعلني أخرج عن السياق لأكتب ذلك الآن فهو أنك يا سيدي ويا مولاي قرين كل معنى  ورفيق كل فكرة بل تبدو حياتي كلها ظلا لسيرتك إما بالطاعة وإما بالمعصية لكن حياتي كلها لم تجاوز ذلك الفلك  سواء اقتربت أو ابتعدت.

عندما تكلم الشاعر عن سبب شيب شعره تذكرت لقولك: شيبتني سورة هود..

وما من شيء في الدنيا إلا وهو يذكرني بك..

لقد سألني ناقد ذات يوم : من الذي أثر علىّ في أسلوبي؟.. ولم أحر جوابا.. وظل السؤال يدمدم في أعماقي شهورا وأظنني عثرت على جواب: أحاديثك يا سيدي و يا مولاي إن جاز الربط بين ذبالة نور شمعة وبين ضوء الشمس.

وكنت ما زلت أقرأ شعر أبي الحسن عما فجر الشيب في رأسه:

وتلهب الأحشاء شيب مفرقي... هذا الضياء شواظ تلك النار

أما أنا فقد شيبني هول الحاضر وخيانة الحكام وخسة النخبة.

***

لن أتناول أحداث خلية غزة لأسباب عديدة أهمها أنه قد سبق مني العزم على أن أبدأ مرحلة أخرى من عمري منذ المقال القادم أظنها المرحلة الأخيرة التي أدعو الله أن يختمها لي بخير..

ولكنني أضع نقاطا شديدة التركيز:

1-                      أن العقيدة هي القاعدة الأولى التي لا يقوم عمل بدونها كما لا تقوم الصلاة بغير وضوء.

2-                      من عبقرية الفقه الإسلامي وواقعيته أن حاكما غشوما خير من فتنة تدوم.

3-         أن تجديد الفقه يجب أن يواكب تلك القاعدة الذهبية فيضيف إليها ما لم يكن مطروحا زمن الفتوى.. وأظن هذا التجديد سيقبل الحاكم الغشوم وليس الفتنة ولكن بشرط.. أن يكون هذا الحاكم الغشوم في إطار الفسوق لا الكفر وإنكار الشريعة أو أمر معلوم من الدين بالضرورة.. أما إذا ثبتت عليه الردة فيعامل معاملة المرتد ولا تجوز خلافته أو إمامته أو رئاسته.

4-         أنه من يتولهم منكم فإنه منهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

5-         وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) المائدة.

6-                      حدود بلاد المسلمين هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله..

7-                      أنه لا يندرج تحت فتوى الحاكم الغشوم أن يطاع المخلوق في معصية الخالق.

8-         أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وأن جهاد الدفع فريضة لا يلزم لها موافقة الحاكم صالحا كان أم طالحا.

9-                      أن الردة أكبر من كل خطيئة وأن الخطيئة أكبر من كل خطأ.

10-       أن الهستيريا الإعلامية تدل دائما على محاولة إخفاء خطيئة تمارسها صاحبة المثل العربي:"رمتني بدائها وانسلت".

11-       أن شهادة المرتد لا تقبل في المسلم وإن كان مخطئا فما بالنا إن كان غير مخطئ وما بالنا إن كان ينفذ شرع الله.

12-                 أن حصار المسلمين فسوق.. أما حصارهم لصالح الأعداء فهو ردة عن الإسلام.

***

الحملة الإعلامية الهستيرية قنابل دخان..

في هذا الصدد فإنني ألفت النظر إلى ما كتبه إبراهيم عيسى رئيس تحرير الدستور ليكشف ما ستره الدخان:

" 'فضحت هيلاري كلينتون الحكومات العربية المعتدلة 'أمريكيا' حين صرحت أمام مجلس الشيوخ أمس الأول بأن إسرائيل قد تخسر دعم دول عربية أمام تهديد إيران إذا لم تتقدم في عملية السلام مع الفلسطينيين، كل شيء انكشف وبان، ها هو حلف إسرائيلي واضح كما الشمس مع دول عربية ضد إيران، وبلغت حالة الهوس والانفلات العصبي في الهجوم على حزب الله حدا كاشفا للمدى الذي وصلت إليه الرغبة في الارتماء في الحضن الإسرائيلي، والمؤكد أن الحملات ضد إيران هي جزء من نشر الضباب حول تحالف عربي - إسرائيلي موجود ومتحقق بالفعل، وإن كانت إسرائيل تطالب بتفعيله أكثر وأوسع وإعلانه أقوى وأعلى، بينما الحكام العرب يطالبون مقابلا يخدمهم على تمرير تصعيد العداء العربي المفاجىء لإيران بينما الأمريكان يحرضون إسرائيل على بعض التنازلات الهشة والتافهة في عملية السلام'.

أما الرائع الدكتور رفيق حبيب فقد كتب في "المصريون"27-4-2009:

 لذا نرى أن توصيل السلاح إلى قطاع غزة عن طريق الأراضي المصرية، لا يعد عملا منافيا أو مناهضا لسيادة الدولة المصرية، لأن ما يحدث يتوافق مع موقف الدولة المصرية الداعم لحق الشعب الفلسطيني في التحرر، ويتوافق مع موقف الدولة المصرية الرافض لاحتلال الأراضي بالقوة. ولكن المشكلة هنا تبرز عندما تحاول النخبة الحاكمة تغيير الأسس التي قامت عليها الدولة المصرية، وذلك برفض دعم حركات المقاومة، وتوصيل السلاح لها. وفي هذه الحالة يصبح موقف الدولة المصرية أسير مواقف النخبة الحاكمة، ولكنه لا يعبر عن الأسس التي قامت عليها تلك الدولة، بوصفها دولة عربية تنتمي إلى الأمة العربية والإسلامية. فتوصيل السلاح إذن، إلى حركات المقاومة الفلسطينية، ليس انتهاكا لسيادة الدولة المصرية، لأنه يتفق مع موقف الدولة، كما يتفق مع موقف المجتمع المصري الداعم لحركات المقاومة ضد العدو الإسرائيلي. والدولة في كل الأحوال، تستمد مواقفها الثابتة من المواقف الثابتة للمجتمع، أي أن ثوابتها هي ثوابت المجتمع. إذن تصبح المشكلة متعلقة أساسا، بموقف النخبة الحاكمة من حركات المقاومة، وهذا موقف سياسي يخص النخبة الحاكمة، ولا يلزم الدولة بأن يعتبر من أسسها وثوابتها. ويظل توصيل السلاح إلى حركات المقاومة في فلسطين عملا مشروعا، في حين أن توريط الدولة المصرية لوقف إمداد حركات المقاومة الفلسطينية بالسلاح يعد عملا غير مشروع، لأنه يتعارض مع ثوابت الدولة المصرية، والتي لا تملك النخبة الحاكمة تعديلها.

وربما كان مناسبا أيضا أن نورد ما كتبه الدكتور حسن نافعة: المصري اليوم 3-5:

ألحت علىّ من جديد صورة قفص كبير وبداخله شعب مصر كله، ووجدتني أهتف متسائلا، لكن بمنتهى الجدية هذه المرة: كيف استطاع حاكم وصل إلى السلطة بطريق الصدفة أن يروض بلدا بهذا الحجم إلى درجة تمكنه ليس فقط من البقاء في الحكم لما يقرب من ثلث قرن وإنما لتوريثه لابنه من بعده؟!

نعم..

إن الخيانة العظمى هي خيانة من يحاصر ويمنع وليست مجهود من يساعد ويردع.

***

والآن أبدأ لملمة أشلاء مقالات كنت قد بدأتها ولم أكملها أو أفكار طرحتها على أمل تناولها فلم أفعل.

 

الدكتور علاء الأسواني

صناعة نجم وتصنيع كاتب

 

كانت السلسلة الأولى التي أوقفتها الحوادث سلسلة مقالات عن الدكتور علاء الأسواني بعنوان: صناعة نجم وتصنيع كاتب. موضوع المقالات لم يكن لها علاقة بعلاء الأسواني. إنما كنت أريد تناول طريقة صناعة نجم سواء كانت موهبته تستحق أم لا، وذلك لاستغلاله أو استعماله بعد ذلك، لترويج فكرة أو لدحض اتجاه. وعلى سبيل المثال فإن تناول شخص ما بالرعاية والتفخيم والجوائز وتسليط أجهزة الإعلام عليه لكي تصنع منه نجما.. يجعل من هذا الشخص بوعيه أو بدون وعيه أسيرا لمن صنعه.. فإذا أوعز الصانع  لهذا النجم بعد عشرين عاما ليزور إسرائيل مثلا أو يدعو لها أو أن يهاجم الإسلام أو أن يدافع عن البهائية فإنه سيفعل على الفور.. ليس بالضرورة لكونه مرتزقا أو خائنا أو عميلا.. بل في أغلب الأحوال لا يكون كذلك.. لكنه يكون أسيرا لأمرين: ضعف النفس أمام الغواية خاصة عندما تكون هناك مصلحة شخصية محققة في مواجهة ضرر غير محدد للوطن.. الأمر الثاني هو أن الجهات التي ترعاه وتجعل منه نجما تحرص طول الوقت على إجراء غسيل مخ له.. على تغيير اقتناعاته وأفكاره.. واضعة في الاعتبار أنها كلما نجحت في إقناعه كلما قل الثمن الذي يجب أن تدفعه له.. والتغيير هنا يكون خطيرا جدا.. لأنه يزلزل قواعد البيت بينما تبقى الواجهة كما هي فتكون في الخداع أفعل.

كانت الفكرة في إطار اهتمامي الشديد كل الوقت حتى بدأت بنشر المقال الأول فيها منذ شهور، حيث تحدثت عن طرفة موحية، حين أرادت المخابرات الأمريكية أن تمتحن ولاء المتقدمين لها، فاختطفت أشقاء المتسابقين على المركز الأول وطالبت من المتسابقين الدخول لقتل أشقائهم.. اختلفت ردود الفعل.. لم يكن المتسابقون يدركون أن المسدسات محشوة بالبارود فقط لكي تصدر صوتا دون رصاص.. لكن المتسابق الذي فاز.. هو الذي خنق أخاه بيديه ولاء للجهاز عندما لم يسعفه المسدس المحشو بالبارود فقط!.

ثم توالت الأحداث الجسام فتوقفت هذه السلسلة بعد المقال الأول.. ولما آن الأوان لكي أخلع كل هذا لأكتب "في ظلال السيرة" كان من حق القارئ أن أختم بعض الملفات المفتوحة ومنها ملف د علاء الأسواني.  وهنا تذكرت بيت الشعر الذي جعلته عنوانا لهذا المقال وهو بيت صعب شرحه العلامة محمود شكر في أكثر من عشرين صفحة من كتابه الرهيب" نمط صعب نمط مخيف"..حيث لجأ إلى منهج موسوعي جدير بعبقريته وعبقرية اللغة العربية من أجل الدفاع عن الأمة ودينها ولغتها ضد النخبة القائدة السائدة الفاسدة.

 يقول العلامة  محمود شاكر: "إن الإحساس القديم المبهم المتصاعد بفساد الحياة الأدبية. قد أفضى بي إلى إعادة قراءة الشعر العربي كله أولا.ثم قراءة ما يقع تحت يدي من هذا الإرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه، وأصول فقه، وأصول دين «هو علم الكلام» وملل ونحل «إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة، حتى قرأت الفلسفة القديمة والحساب القديم والجغرافية القديمة، وكتب النجوم، وصور الكواكب، والطب القديم، ومفردات الأدوية، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة. بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه، قرأت ما تيسر لي منه، لا للتمكن من هذه العلوم المختلفة، بل لكي ألاحظ وأتبين وأزيح الثرى عن الخبء المدفون" ..  

كان محمود شاكر يفضح فساد النخبة وانحراف المثقفين  الذين جُنّدوا ضد أمتهم.

يقول بيت الشعر:

أَمْـرٌ مَا نَابَنَا مُصْمَئِلٌّ... جَلّ حَتّى دَقَّ فِيهِ الأَجَلُّ

والبيت من  قصيدة كتبها ابن أخت تأبط شرا . و"المصمئل" هو المنتفخ من الغضب وهو الشديد، فلو اقتصرنا على نص اللغة هنا في تفسير هذا اللفظ، لفقد الشعر معناه وإنما فحوى مراد الشاعر أن يدلك على أنه كلما زاد الأمر تأملاً، زاد تفاقماً وتعاظماً، وأطبق عليه إطباقاً، وأحاط به إحاطة لا تدع له من إطباقه عليه مخرجا، فأولى أن يقال إنه من قولهم «اصمأل النبات» إذا «التف وعزم وأطبق بعضه على بعض من كثافته»، وأصل هذه المادة في اللغة، صمل يصمل، صمولاً» إذا صلب واشتد واكتنز،، يوصف بذلك الجمل، والجبل، والرجل وما أشبه ذلك، «فأنت في مثل هذا الموضوع محتاج في البيان أن تزيد على نص اللغة مستدلاً بأصل مادة اللغة.

 ولتبسيط شرح العلامة لبيت الشعر نقول أن معناه: قد أصابنا أمر هائل  أو مصيبة فادحة أحاطت بنا كما تحيط الأغصان المتشابكة الكثيفة في الغابة بمكان لتمنع أي شيء أو نجدة من الوصول إليه حتى ولو كان ضوء الشمس.. وأن هذا الأمر أو المصيبة الهائلة عظيمة جدا وضخمة جدا وجليلة جدا للدرجة التي تبدو فيها المصائب الهائلة الأخرى شيئا دقيقا جليلا لا يكاد يذكر إزاءها. إن حاملة الطائرات شيء هائل وعظيم وجليل لكنها عندما تغرق في البحر المحيط تكون شيئا ضئيلا لا يكاد يذكر.. وكذلك فإن مصائبنا السابقة هي كحاملات الطائرات أما مصيبتنا الحالية فهي كالبحر الأجل الذي تكون فيه حاملة الطائرات الجليلة شيئا دقيقا لا يكاد يذكر( جل حتى دق فيه الأجلّ) - الفهم من العلامة والشرح من عندي-.

إذن كانت مقالاتي أو أفكاري عن قضية " صناعة نجم وتصنيع كاتب"  كحاملات طائرات غرقت في بحر الأحزان المتلاطم الهائج..فأصبحت حاملة الطائرات الضخمة إزاء البحر الهائل شيئا دقيقا لا يرى. أما علاقة علاء الأسواني بالأمر فكونه حالة نموذجية عصرية لا تستعمل إلا كدليل توضيحي دون أي رغبة في الإساءة.

لقد ظل علاء الأسواني سنوات طويلة كاتبا مغمورا ومرفوضا لا يقر بأهميته أحد ( قارن ذلك مع ما في المقارنة من ظلم بنجيب محفوظ الذي اكتشفه النقاد من أعماله الأولى.. وعلى رأسهم الشهيد سيد قطب).. وفجأة انفجرت الإشادة به بعد حملة هستيرية من الترويج والإشادة بروايته "عمارة يعقوبيان" والتي يرى معظم النقاد المتخصصين أنها رواية متوسطة القيمة. بل إنني أرى أنها دون ذلك. فالرواية ليست سوي تقرير صحافي ركيك يخطئ في التفاصيل أخطاء فادحة مثل جهله بكيفية صلاة الجمعة.

هذه الحملة الهائلة من الترويج أثارت ريبتي على الفور.. إنها من نوع الحملة الهستيرية على خلية غزة.. قنابل دخان تخفي أمرا يدبر وولادة سفاح!. ثم أنها حملة تنبني على عمل واحد وهذا أمر نادر جدا في عالم الأدب ويدل على نفاد صبر القائمين على عمليات تصنيع النجوم وصناعة الكتاب، فلو أننا نظرنا إلى منتجاتهم السابقة مع الكتاب العالميين لوجدنا الشهرة لا تحيط بالكاتب إلا بعد عشرات السنين والأعمال.

كنت أستطيع أن أفهم ذلك..

فلقد انكشفت النخبة القديمة كلها.. بدت سوأتها  وأصبحت عارية نتنة مقززة.. ومن ثم اشتدت الحاجة إلى وجه أو وجوه جديدة تنتج على عجل .. تماما كما يفعلون بطلاب الكلية الحربية وقت الحروب حيث ينتهون من تخريجهم بعد دراسة بضعة شهور بدلا من أربع سنوات.

لذلك أستطيع أن أفهم اختيار علاء الأسواني وإخضاعه لعملية صناعة نجم وتصنيع كاتب.

لكن ما فات المصنعين أن العمل الذي اعتمدوا عليه عمل رديء يكشفهم أكثر مما ينفعهم..

نعم.. من الناحية الأدبية فإن  "عمارة يعقوبيان" عمل رديء.. شكلا ومضمونا..

لا أريد أن أغوص في بحور النقد وإن كنت سألمسها-عبر النقاد- لمسا سريعا.. لكنني أتناول بعض الأخطاء الفادحة في تفاصيل الرواية كانت كفيلة بالقضاء عليها لولا الحاجة الشديدة إلى كاتب جديد نجم.

من هذه الأخطاء الفادحة الفاضحة أن الكاتب لا يعرف كيفية أداء صلاة الجمعة ولا خطبتها.. ولو أن الروائي كان نصرانيا أو يهوديا أو حتى بهائيا لكان عليه أن يدقق في تفاصيل روايته حتى لا يقع في أخطاء فادحة..

هل يمكن تصور وجود مسلم  - دعنا الآن من كونه مثقفا أو كاتبا مسلما أو غير مسلم- لا يعرف تفاصيل صلاة الجمعة وخطبتها؟!..

بعيدا عن الآراء الفقهية فإن لصلاة الجمعة وضعا خاصا في الوعي الجمعي للمسلمين.. حتى أننا نرى في أحيان كثيرة من لا يقربون من الصلوات إلا صلاة الجمعة.. كما أننا نرى هذه الصفة القبيحة في ملوك ورؤساء يتقربون إلى شعوبهم ويخدعونها بأداء صلاة الجمعة دون بقية الصلوات.

الذي يجهل هذه الصلاة إذن إما غير مسلم وإما بلغ من الجهل بالإسلام  هاوية سحيقة لا تبيح له ولا تتيح أن يتكلم عن الإسلام ولو في رواية.

لذلك ذهلت وأنا أقرأ رواية علاء الأسواني:"عمارة يعقوبيان" خاصة في الصفحات 134-137..

 ولقد  انتظرت طويلا أن يستعرض أحد النقاد أو حتى الصحافيين هذا  الخطأ الفاضح والفادح والمضحك في الرواية.. إذ يبدو أن الراوي لم يصل الجمعة أبدا..!!

دعك من أخطاء فادحة كقوله على لسان خطيب الجمعة في المسجد  في ص135:

إن شريعة الحق جل وعلا لا تناقش ولا ينظر فيها  بل تطاع وتنفذ فورا بالقوة ولو كره الكارهون.

.."تعالت الهتافات والتكبيرات ترج أركان المكان"

(فهل سمع أحد منكم خطيب الجمعة يتفوه بمثل هذا؟.. وها حضر واحد منكم صلاة جمعة تتعالى فيها الهتافات التي ترج المكان.. فإن قال متنطع أن هذا كان يحدث في الأزهر لكانت الإجابة أنه كان يحدث بعد انتهاء الصلاة تماما ولا علاقة له بالصلاة.. ثم أنه لم يحدث إلا بعد طبع الرواية بأعوام)..

"دعكم الآن من أن الشيخ السلفي الوهابي الإرهابي يمتدح حزب الله الشيعي وحماس السنية!!"

( وتذكروا أن المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة  ماكين كان عرضة للسخرية والتهكم الشديد لأنه اتهم إيران بمساعدة طالبان .. إذ يجهل-لأنه بروستانتي متعصب- ما بين السنة والشيعة خاصة إيران وأفغانستان ).. لم يغفر الشعب الأمريكي لماكين خطأه وجهله لكن نقادنا العلمانيين كانوا على استعداد للصفح دون حدود عن علاء الأسواني مادام يتناول الإسلام بطريقة المستشرقين..

ولم يكن الأمر خطأ مطبعيا أو زلة قلم.. لأن  المسخرة تصل بالكاتب إلى حد لا يمكن تصوره.. وتذكروا أن يتحدث هما يحدث أثناء خطبة صلاة الجمعة فيقول في ص 136:

اشتد انفعال الطلاب ونهض أحدهم من الصف الأمامي واستدار نحو الحشد وهتف بصوت متقطع من فرط الحماس "إسلامية إسلامية ..لا شرقية ولا غربية.. ورددت الهتاف خلفه مئات الحناجر..ثم أخذ الطلاب جميعا ينشدون نشيد الجهاد.. بصوت واحد قوي هادر كالرعد.. ثم يواصل في ص 137:

ولعلعت عشرات الزغاريد من مقصورة الطالبات..

( هل سمع أي مسلم في أي بقعة من الأرض المصليات يقاطعن الخطيب بالزغاريد؟!)

من أين جاء لعلاء الأسواني أن الرجال يهتفون والنساء يزغردن أثناء خطبة الجمعة..؟!

***

معظم النقاد الجادين  لم يرحبوا بعلاء الأسواني ولا بروايته .. لقد جاء الترحيب والإشادة من سياسيين .. ومع ذلك لم يقل لهم أحد أن للأدب شفرة لا يستطيع فكها سوى العلمانيين والشواذ!!.

 في كتابه "شرفات ونوافذ" (2006) كتب الناقد –العلماني البارز-  فاروق عبد القادر أن علاء الأسواني في "عمارة يعقوبيان" كاتب كاره للوطن والمواطنين, بل وكاره للبشر وقد نال الناقد العقاب القاسي على تجرؤه على مهاجمة الأسواني فهوجم وشوه وشهر به.  في نفس الصدد نشرت صافيناز كاظم (المصور 30 يونيو 2006) أنها تقززت من الرواية, وأنها من أقبح ما قرأت مكتوباً على ورق, وأن مؤلفها بذل جهداً في شرح الممارسات الشاذة والزانية, ولم يستطع لقصور قدراته الفنية أن يمررها من دون خدش حياء القارئ. وكتب  إبراهيم العشري أنها رواية مزيفة للوعي, معادية لثورة يوليو, اللوطي فيها هو صوت الوعي, وابن الباشا الوفدي هو صوت الانتماء. بينما نشر الناقد الفلسطيني فيصل دراج (الحياة 25 أبريل 2006) أن الرواية تشوه الواقع المصري, ولا تندد بالسلطة كما توحي ،  وكتب الناقد الكويتي طالب الرفاعي (الحياة 18 مايو 2006) أن الرواية يسيطر عليها هاجس الجنس, وتقدم خلطة تقوم على الجنس والدين والسياسة بلغة عادية بعيدة عن أي ابتكار أو فنية، وربما لم يناصرها من مصر إلا الدكتور جلال أمين وهو أستاذ في الاقتصاد وفي العلوم الاجتماعية, وجمال الغيطاني وهو من الأدباء وليس من النقاد. واختار بعض نقاد الأدب تجاهلها تماماً.  وقد فجر الكاتب المصري صبري العسكري(70 عاما)أحد أشهر القانونيين الأدباء ومحامي اتحاد الكتاب والأدباء المصريين قضية وهي عبارة عن دراسة نقدية أسماها "عمارة يعقوبيان بين الإبداع والاستنساخ" يكشف فيها أن رواية "عمارة يعقوبيان" الشهيرة سرقها الكاتب والطبيب علاء الأسواني واستنسخها من مسرحيات الكاتب الراحل نعمان عاشور ، وقال العسكري إن أسرة صديقه نعمان عاشور لجأت إليه مشتكية مما قام به الأسواني لما اعتبرته سرقة لحق فكري وأدبي لوالدهم، موضحين أنه استغل علاقة والده الكاتب عباس الأسواني بوالدهم نعمان عاشور.

ولقد فجر الكاتب الفرنسي المعروف "ميشيل بوتور" "81 عاما" مفاجأة في ندوته بالمركز الثقافي الفرنسي حينما أكد علي انه قام في الثمانينيات بكتابة رواية بعنوان "العمارة" تحمل تفاصيلها نفس تفاصيل فيلم "عمارة يعقوبيان"!! بطولة عادل إمام ونور الشريف وهند صبري.

***

كان هاجس صناعة نجم وتصنيع كاتب يسيطر علىّ.

لقد ادعى علماني من كلاب النار أن الأنبياء لم يحملوا رسالة من السماء بل تم تصنيعهم. ولم يكن ذلك سوى افتراء شيطاني.. فالذين يُصنّعون هم هذا الكاتب وأمثاله. والشواهد على ذلك عديدة منها كتاب  الحرب الباردة الثقافية: المخابرات الأميركية وعالم الفنون والآداب -المؤلف: فرانسيس ستونز، ترجمة: طلعت الشايب -عدد الصفحات: 510 -الطبعة: الأولى 2002 -الناشر: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

ومؤلفة الكتاب فرانسيس ستونر سوندرز شابة بريطانية من مواليد عام 1966 وتعيش في لندن، وتعمل باحثة ومخرجة أفلام تسجيلية، وقد تخرجت في مجال الأدب الإنجليزي بجامعة أكسفورد، وقد بدأ اهتمامها بالموضوع عام 1993 عندما قرأت مقالاً يزعم أن وكالة المخابرات الأميركية كانت وراء نجاح "مدرسة نيويورك" في الفن، وقدمت برنامجا تلفزيونياً في القناة التلفزيونية في بريطانيا بعنوان "الأيدي الخفية! الفن والمخابرات المركزية"، ثم تابعت بحثها في مادة أرشيفية هائلة وأجرت لقاءات مع مسئولين وعملاء سابقين لوكالة المخابرات المركزية.

وتولت المخابرات المركزية CIA تكوين واجهة ثقافية تحارب الشيوعية بالوسائل الثقافية وترويج الذوق الأميركي في الطعام واللباس والغناء والفن. وأنشئت فروعاً لها في 35 دولة، وأصدرت أكثر من 20 مجلة ذات تأثير كبير، وكان يكتب في هذه المجلات شخصيات فكرية مشهورة مثل المؤرخ أرنولد توينبي والفيلسوف برتراند راسل وهربرت سبنسر. لقد ضخت المخابرات الأميركية عشرات الملايين من الدولارات على مدى سنوات لمنظمة الحرية الثقافية، وأنشأت أيضا منظمة أوروبا الحرة التي كانت تدير إذاعة أوروبا الحرة ومقرها برلين وكانت موجهة إلى دول أوروبا الشرقية وتبث بست عشرة لغة، وتبث المحاضرات والكتابات المعادية للشيوعية. وكانت الهيئة ورجالها يتدخلون في مراحل الإعداد للأفلام والأعمال الفنية والمسرحية بالحذف والتغيير والإضافة وفق إستراتيجية محددة في أذهانهم قائمة على معاداة الشيوعية وترويج الثقافة الأميركية والتغاضي عن العيوب والأخطاء.

من أجل ذلك جندت المنظمة يساريين سابقين ، حيث كانت هناك مصلحة مشتركة حقيقية، وكان هناك اقتناع بين الوكالة وأولئك المثقفين الذين استؤجروا لكي يخوضوا الحرب الثقافية، والذين تم وضعهم وأعمالهم مثل قطع الشطرنج في اللعبة الكبرى.

سنفاجأ ونحن على صفحات الكتاب، بكتَّاب عالميين، كانوا أداة طيعة في يد منظمة الحرية الثقافية التي تديرها المخابرات الأمريكية . سنفاجأ بأسماء مثل: أرنست همنجواي، آرثر ميللر، إيليا تولستوي (حفيد الروائي الروسي الشهير)، روبرت لويل، أندريه مالرو، جون ديوي، كارل ياسبرز، إلبرتو موارفيا، هربرت ريد، ستيفن سبندر، أودن، نارايان (الهندي)، ألن تيت، إيتالو كالفينو، فاسكو براتوليني، فضلا عن الفنانين تشارلي شابلن، مارلون براندو، رونالد ريجان (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة) وغيرهم. لقد أصبح عشراتٌ من المثقفين الغربيين مرتبطين ب CIA عن طريق حبل الذهب السري.

كما عملت المنظمة على تغيير بعض أحداث ونهايات روايات جورج أورويل: مزرعة الحيوانات، والإله الذي فشل، ورواية 1984 لتخدم مصالحها.

***

كنت قد نبهت إلى صناعة نجومية علاء الأسواني منذ سنوات.. بل وقلت انتظروا حصوله على جائزة نوبل.. وأن المطلوب منه أن يظل خلية نائمة ليهاجم وضعا ما أو يؤيد فكرة ما عندما يوحى إليه بذلك..

ونسيت الأمر كله وسط الشواغل والهموم .. وإن كان يخطر بالبال كل حين وآخر عندما أفاجأ بموقف أو برأي يصدر عن الأسواني يؤكد هواجسي.. ثم كان ما أثار انتباهي مؤخرا إلى  علاء الأسواني الذي بدأ يكتب مقالات هجوم ضارية وقحة على بعض الكتاب الإسلاميين على رأسهم الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس. ولقد فكرت طويلا وقد استبدت بي الدهشة عن سبب هجوم علاء الأسواني عليه. للدكتور إبراهيم عوض أعمال جليلة في الدفاع عن الإسلام يكتبها منذ عشرات السنين. وله أكثر من خمسين كتابا في النقد والأدب والفكر والدفاع عن الإسلام. ولكن ما حدث أخيرا أنه واجه التبشير والتنصير وزكريا بطرس بموسوعية هائلة وخفة ظل لا تبارى أدت إلى قمع أولئك المبشرين قمعا شديدا.

عجز بطرس وأقرانه عن مواجهة إبراهيم عوض.. لقد كشفهم وعراهم تماما .. وبدت معركتهم خاسرة كليا حتى أن أي محاولة لدعمهم محكوم عليها بالفشل. لذلك كان المطلوب مواجهة إبراهيم عوض في مجال آخر ومن جبهة أخرى مع تجاهل السبب الرئيسي للهجوم عليه وهو مناصرة زكريا بطرس.

كان للأمن الباطش الجبار الغبي تراث عريق في صياغة التهم في الحرب النفسية.. إن كل أعداء نظام الحكم كانوا يريدون قتل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وعادل إمام.. وهان الأمر أخيرا حتى وصل إلى سيد القمني.

الاتهام بمحاولة الإساءة (أو القتل) للمشاهير إذن حيلة قديمة.

لم يكن من المستطاع الهجوم على إبراهيم عوض معترفين بأن سبب مهاجمته والتنديد به بوقاحة تصل إلى حد التجريح  هو الانتقام لما فعله بزكريا بطرس.. لم يكن ذلك سيقبل من العامة..  لكن المقبول تماما أن يتم الهجوم عليه بتهمة الإساءة إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس (مع تجاهل ذكر زكريا بطرس تماما). فإذا استطاعوا أن ينالوا من مصداقيته وقيمته العلمية في جبهة نجيب محفوظ فسوف ينعكس ذلك تلقائيا على جبهة زكريا بطرس..

كانت المواجهة الموضوعية المباشرة مستحيلة ولذلك كان ضروريا الالتفاف بمواجهة غير مباشرة وغير موضوعية.

وأظن أن هناك من أوعز للأسواني بالهجوم على الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض  بتهمة الإساءة إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس والإساءة لجائزة نوبل وادعاء أنها تمنح لأسباب سياسية. كان الهجوم وقحا ومسفا يبتغي التجريح والإهانة لا النقد.

وكنت حساسا جدا بل وخبيرا بمثل هذا الأسلوب لأحس البصمات الغريبة على الفور.

تحرك الهاجس داخلي.. فلمثل هذه المواقف يتم تصنيع كاتب ومنحه شهرة عالمية كي يتصدى لأمثال الدكتور إبراهيم عوض ذات يوم، وليرفع شأن الصليبيين واليهود فوق شأن المسلمين وليرحب بإسرائيل.

لم يكن كلام الأسواني عن إبراهيم عوض صحيحا فهو يعترف لنجيب محفوظ وإدريس بأستاذيتهما وجدارتهما وينتقد مزاياهما وعيوبهما. أما المثير للدهشة حقا هو أن علاء الأسواني نفسه هو الذي اتهم نوبل بالتحيز وعدم المصداقية في حوار صحافي معه أجراه : كمال الرياحي /تونس في 23 أكتوبر 2007 حيث يقول الأسواني بالنص: "وكما نعلم جميعنا أن نوبل الأدبية متحيزة دوماً وتختلف عن نوبل العلمية التي لا تستطيع أن تتحيز لان في الأدب وجهات نظر وفي العلم حقائق محدودة لدينا كتاب عظام لم يحصلوا عليها رغم استحقاقهم وهناك كتاب متواضعين حصلوا عليها وقد ظل محفوظ يبدع ويتألق حتى أصبح من الوقاحة استمرار تجاهله"..

المضحك أيضا، أن علاء الأسواني لن يلبث حتى يعرّض بنجيب محفوظ كما نشرت صحيفة   المصريون : بتاريخ 4 - 4 – 2009: " ألغت قناة فضائية عربية كبيرة برنامجا كانت قد بدأت تسجيله مع الروائي علاء الأسواني بعد أن اشترط اختياره للنقاد الذين يتحدثون عن رواياته في البرنامج ورفض العديد من الأسماء التي انتقدت أعماله ، مصادر القناة التي تحدثت "للمصريون" أبدت استياءها الشديد من طلبات الحصانة المتشددة التي حاول فرضها على البرنامج ، كما أثار استياءها لغة التعالي التي تحدث بها عن نفسه عندما وصف أعماله بأنها عالمية أكثر شهرة من أعمال نجيب محفوظ" !!.

***

لا يتسع المجال هنا لصياغة كل الأفكار التي أعددتها للنشر في هذا الموضوع الهام عن كيفية صناعة الكتاب والمفكرين بل والرؤساء والملوك لتغيير مستقبل ووجدان الأمة والقضاء-في النهاية- على الإسلام. لكنني أكتفي بموقفين يفسران لماذا اتخذتُ من علاء الأسواني نموذجا لمئات وألوف..

الموقف الأول هو اشتراكه في  معرض باريس الدولي الذي استضاف 'إسرائيل' كضيف شرف في دورته الأخيرة بمناسبة مرور 60 عاما علي قيام دولة الكيان الصهيوني، حيث أيده الليبراليون الجدد مثل جمال الغيطاني وسمير فريد بل واعتبروا أنه يدشن كونه كاتبا عالميا من تلك اللحظة(!!!)..(إذا بليتم فاستتروا !)..

 المثير أن الكاتب الإسرائيلي "أهارون شابتاي" بعث برسالة إلي وزارة الثقافة الفرنسية قال فيها: إن "دولة تستمر في الاحتلال وترتكب كل يوم مجازر بحق المدنيين لا تستحق أن تدعي لأي أسبوع ثقافي"، وأضاف في رسالته إن ذلك "ضد الثقافة وعمل بربري متنكر بزي الثقافة ويعبر عن دعم فرنسا لإسرائيل".. وأكد أن "إسرائيل ستستغل هذه الفرصة للدعاية لنفسها كدولة الثقافة والشعراء لتتستر علي ما ترتكبه من جرائم بشعة بحق الإنسانية".   ليس هذا فقط، بل نظم كتاب يهود مقاطعون ــ من جنسيات مختلفة ــ ندوة موازية للمعرض بباريس، وأعلن العديد من الكتاب الإسرائيليين ومنهم "بني زيفار" عن مقاطعتهم للمعرض احتجاجا علي ما تقوم به حكومتهم من انتهاكات بحق الفلسطينيين. أما علاء الأسواني فقد راح يلقى الخطب هنا وهناك.. وقد أبى إلا أن يتجاوز قضايا الأمة الساخنة مثل فلسطين و العداء الصهيوني و الاحتلال الأمريكي و الغربي للعراق و أفغانستان إلا أنه يبدو أنه قدر بأن إثارتها سوف تضر بالاحتفاء الغربي به, مفضلا تناول موضوع دسم يقف على أجندة الإدارة الأمريكية ووكلاءها كما نص تقرير راند المعروف ألا وهو " محاربة الوهابية". فباعتباره " خبيرا في الإسلام" و"فقيها متضلعا" وهو يرى الآذان مشنفة لسماعه انبرى علاء الأسواني في التحذير من الوهابية في النرويج و التحذير من السماح للوهابيين من الإمامة وتدريس أبناء المسلمين في النرويج!! مضيفا " سماحته" " أن الوهابية تركز على أمور شكلية مثل الحجاب والصلاة"!!! ..

الحجاب والصلاة أمور شكلية يا علاء الأسواني..؟!

والبهائية رقي وسمو وحضارة من حقها أن تعيش وإلا أصبحنا متخلفين كطالبان الذين يجب محقهم.. يا علاء الأسواني.. أمن أجل هذا صُنِعت؟!..

كان الحضور يعبرون عن التعاطف مع العرب و المسلمين والنأي عن جرح مشاعرهم و لكن أبى علاء الأسواني إلا أن يخرق القاعدة ، مرسلا برسالته المخزية لمن يعنيهم الأمر : يمكنكم الاعتماد عليّ في معركتكم الجديدة .

كان هذا بعض ما نشرته الصحف عن موقف علاء الأسواني..

الموقف الثاني هو ما حدث  في احتفال عالمي بمدينة فيينا في مارس 2008  في حضور مستشار النمسا "جوزين بوار" بمقر منتدى مستشار النمسا الأسبق برونو كرياسكي مع المشاركة مع معهد رينر العالمي  في منح علاء الأسواني جائزة برونو كرياسكي العالمية التي تمنح كل عامين لكاتب وكتاب سياسي ذا توجة لحقوق الإنسان كما ترأس لجنة التحكيم مندوب النمسا لدى البرلمان الأوروبي د. سوبودا  الذي أكد استحقاق علاء الأسواني  هذه الجائزة عن جدارة لروايته عمارة يعقوبيان وقد أكد سوبودا أن رياح التغير في مصر والعالم العربي لابد وأن تكون من داخل تلك المجتمعات لأن الثقافة العربية لا تقبل الانتقاد من خارج حدودها وخاصة من الغرب الذي كان دائما في صراع مع العالم العربي ولذا لزم التغير عبر الكتاب والمبدعين العرب.

أرجو أن يعيد القارئ قراءة الفقرة السابقة مرة أخرى..

(القوم لا يخفون نواياهم)..

لقد كانت الهوامش التي كتبتها عن استغلال المثقفين ضد قضايا أمتهم تكفي لكتاب ضخم.. ولكن المجال الآن لا يتسع لمزيد..

***

أدركوا أبناءكم..

جميلة إسماعيل و أيمن نور

 

ضربت  السيدة جميلة إسماعيل نموذجا فذا في القوة والصمود والوفاء.. وقد ارتفع بها هذا الأداء إلى مستوى الرمز.. ولقد ظلت محاطة التكريم تلك حتى الأحداث الأخيرة وإشاعات الانفصال وشارات الطلاق.

وددت ساعتها أن أقول لها أنني لم أكن متعاطفا في البداية مع أيمن نور ولقد كتبت ذلك.. ثم بدأت أراجع نفسي مفكرا أنني قد أكون له ظالما.. وكان من دواعي هذا الإحساس صموده و صمود زوجته جميلة اسماعيل التي استقرت في مخيلة الوجدان الشعبي وكأنها إيزيس التي راحت تلملم أشلاء أيمن نور التي مزقها الشيطان، فراحت جميلة تبحر في النيل الذي لم يمتلئ مجراه إلا بدموعها  باحثة عن أشلاء زوجها وحبيبها أوزيريس . كان إخلاصها وصمودها قدوة ومثلا رفع من قدرهما معا وإن كان نصيبها أوفي.

فلنتخيل الآن في الأسطورة لو أن إيزيس بعد أن لملمت أشلاء زوجها انضمت إلى ست (الشيطان- أو إلى أحد أعوانه).. لن نتساءل عن مصير أوزوريس  .. بل نتساءل هل كان ذكر إيزيس نفسها سيبقى؟!.

كنت قد وقعت في أسر الإعجاب بهما متناسيا قاعدة اختططتها لنفسي.. وهي أنه ما لم تكن المرجعية إسلامية فسوف أصدم بمن أعجب به. أعلم أنه ليس كل المتدينين على خلق لكن كل من كان على خلق لابد أن يكون متدينا.. قد تجد بين العلمانيين من يتميز بصفة حميدة لكن البناء المتسق المتكامل للأخلاق لا يوجد إلا في متدين.

وهكذا كان على أملي في أيمن وجميلة أن يخيب هو الآخر.

وليست قضية أيمن وجميلة هي ما يهمني إلا بكونها وجها من أوجه صناعة النجم والبطل والشيطان والملاك والحورية متقاسمين الأدوار بين صحف المعارضة وصحف الركوع  والسجود للحاكم.. وبين الداخل والخارج.

ولقد شعرت بالضيق الشديد من دخول المصري اليوم في تفاصيل حياتهما  متذكرا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ملعون من خبّب امرأة على زوجها ) كتاب المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان 3/82. كانت المصري اليوم تخبب جميلة إسماعيل وبدا أن حرص الصحيفة على الإفساد ( لا أظنه أبدا مجرد السبق الصحافي.. بل هي مآرب أخرى). وبدا أيمن نور يدافع عن حياة أسرته دفاعا يمس شغاف القلب. وددت أن تعود جميلة ليحتفظ الرمز ببهائه.. قلت لنفسي أن وقوع الطلاق سيضر أربعة أطراف آخرهم جميلة إسماعيل نفسها .. ذلك أن القارئ سيتساءل عن عشرين عاما مضت من زواجهما وهل كانت خداعا أم نفاقا أم كذبا وعن مدى مشاركتها في ذلك؟ وأن ذلك سيمس صورتها عند الناس..

وقلت لنفسي أيضا أن خسارة أيمن نور ستكون أكثر من خسارة جميلة.. وأن خسارة مجدي الجلاد ستكون أكبر منهما معا فلقد كشف من نفسه في لحظة انفعال ما حرص كثيرا أن يخفيه.. ولقد كان خطؤه بمقياس الدين كبيرة من الكبائر.. فإن لم تكن المرجعية الدينية تهمّه فقد كان خطؤه خطيئة مشينة تمس أساسيات الأخلاق التي لا يتسامح المجتمع في تجاوزها أبدا. لقد ذكرني الجلاد  بقسوته الطائشة واقتحامه المشين لخصوصيات الآخرين بالرجل الأبيض الذي كان يزين مدخل بيته بفروج النساء اللائي قتلهن ويصنع لتبغه  حافظة جلدية  فاخرة غير مخيطة الجانب مصنوعة من جلود أعضاء الذكورة للهنود الذين قتلهم..

لكن جميلة إسماعيل أقدمت على تصرف أعتقد أنه سيسحب معظم رصيدها عند الناس..

لقد شاركت المصري اليوم في الهجوم على زوجها..

وتلك كبيرة من الكبائر لا يغفرها المجتمع ولا العرف أبدا..

قد يندهش القارئ من اهتمامي بهذا الأمر.. وقد يندهش أكثر من أن اهتمامي به قد نقله من دائرة الإحساس  الذي يعبر عن شعور شخصي إلى الكتابة التي –لا بد- أن تعبر عن هم عام.

وذلك هو ما أعنيه تماما.. ولأعترف أن اهتمامي بنور وجميلة والجلاد كان ضئيلا منذ البداية ولما يزل..

الشأن العام هو ما يهمني..

والبحث كذلك عن السؤال الذي لم أجد له إجابة: هل كان الأمر نكاية في أيمن نور فقط؟ أم كان تفجير قضية تهم الناس كي يمكن عمل شيء ما في الظلام.

كان الهالة التي صنعها الخارج حول أيمن نور قد بدأت  بتكوينه حزبا علمانيا يشكل النصارى فيه أغلبية كبيرة.. لكن ما أصابه من مصائب بعد ذلك جعل أغلب النصارى ينسحبون من حزبه لسببين: أولهما الجبن عن مواجهة سلطة أثبتت أنها جادة في المواجهة.. والثاني أن أيمن نور كان يقترب من الله كلما ضاق الحصار حوله.

كان الصراع محتدما بين الداخل والخارج والمعارضة والموافقة هل هو وطني أم مستقو بالخارج.. بطل أم خائن.. وكان ثمة تباين هائل بين الفرد وبين صورته.. وكان هذا خداعا مريرا.

أعترف.. أنني أتخذ هذا الموضوع كمفتاح يفتح لي بابا لطرح موضوع يلح علىّ منذ أعوام طويلة.. وإنني أنتهز فرصة نور وجميلة كمدخل خاص للموضوع العام.. ذلك أن ما رأيناه في حكاية أيمن وجميلة إنما هو الجزء الطافي من جبل الثلج، أما الجزء الأكبر فإنهما يعانيان ثقله وأثره دون أن يرياه.

لم يكن الأمر سجن أيمن نور عدلا أو ظلما.. ولا إجهاد جميلة إسماعيل صوابا أو خطأ.. بل كانت الدولة المتوحشة بأذرعها الأسطورية المتعددة هي الفعل والفاعل. لم يقتصر الأمر على الجلادين مع أيمن نور في السجن الأصغر.. وعلى على العملاء والبلطجية ضد جميلة في السجن الأكبر.. لم يقتصر الأمر على ذلك.. بل كانت هناك مجموعات كاملة من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعة وضباط المخابرات وإخصائيي علم النفس والمتخصصين في الاجتماع والحرب النفسية.. ولقد أوكل إلى كل هؤلاء مهمة واحدة : هي كيف يمكن تدمير هذين المعارضين دون أن نترك بصمات للقاتل( اقرأها أيضا: كيف يمكن تدمير المعارضة..) .. كيف يمكن ذبحهما (اقرأها أيضا: ذبح الأمة)  دون سكين ودون أن يسيل دم.. كيف يمكن أن نثير الشك في قلب كل منهما تجاه الآخر..(اقرأها كيف يمكن أن نزرع بذور الشك بين طوائف المعارضة)  كيف يمكن أن يطول السجن (الطوارئ)  إلى فترة معينة.. وكيف يتم الإفراج في ساعة معينة ولحظة معينة .. كيف يمكن أن نمنع خطابا أو أن نتجاهل اتصالا أو أن ندس معلومة أو ننشر شائعة بل أن ندس عقارا يؤثر على السلوك  لتنمو شجرة الوحشة المسممة التي تقضي على المودة والألفة وتفصم  العروة الوثقى للقضية المشتركة.

 أظن أن هذا ما حدث مع أيمن وجميلة. وعلى من لا يتصور كيف يمكن أن يحدث ذلك أن يراجع كتبا كالاستشراق لإدوارد سعيد  الذي كشف كيف  يمكن استغلال كل الإمكانيات المادية والمعنوية والروحية والإعلامية والنفسية لتدمير أو حصار أو خناق حضارة أو أمة أو اتجاه.. وليراجع أيضا كتاب الحرب النفسية لصلاح نصر وكيف تجند إمكانات الدولة والمخابرات لتدمير شخص أو حزب.. وأن يراجع ما حدث في السجون في بلادنا من تدمير جسدي ومعنوي للمعتقل ومن استغلال كل الإمكانيات حتى الإمكانيات الطبية في ذلك.. لا أقصد موقف العار والخزي لطبيب يوقع الكشف الطبي على سجين كي يسمح بالمزيد من تعذيبه.. بل أقصد ما هو أخطر وأكثر تعقيدا حيث يقسم المعتقلون طبقا لحالتهم الصحية.. فمريض السكر يزيدون من السكريات والنشويات في طعامه ومريض الضغط يزيدون من الأملاح في طعامه وهكذا دواليك.. حتى يتم التخلص منهم بصورة تبدو طبيعية.. ولقد وصل الإجرام والسيطرة إلى أنهم يعطون المجاهدين عقاقير تسبب السعار الجنسي ثم يدخلون عليهم داعرات فيقع المجاهد في خطيئة الزنا فينهار معنويا.. ومن يعجزون معه يقيدونه ويسلطون عليه داعرة لتغتصبه.. وفي أحيان كثيرة يلوطون به.. فالهدف هو التدمير من الداخل حيث ينهار الداخل ويبقى المظهر الخارجي سليما.. لا أريد أن أضرب أمثلة أكثر ثقة في ثقافة القارئ وذكائه.. ولا أن أستدعي حكايات كحكايات نجيب سرور وما حدث له.. ولا عمن أودعوا مستشفيات الأمراض العقلية وقتلوا لأنهم عارضوا. لكنني أريد أن أضيف أن كثيرين يشاركون في الجريمة دون أن يعوا، كصحافي يساق إليه خبر، أو تقديم أو تأخير في جملة تبث معنى معينا.. أو التسرع بالنشر في لحظة معينة لتمنع التراجع عن قرار ما. وأظن أن دور مجدى الجلاد والمصري اليوم كان من النوع الأخير. وذلك لا ينفي طبعا أن هناك من يشارك بمنتهي الخسة.. ويكون شريكا كاملا في الجريمة. أما من يندهشون لذلك فعليهم أن يراجعوا مستويات التعذيب المختلفة في السجون والتي تستهدف تحطيم المعتقل وأن ذلك لا يحدث اعتباطا بل بخطط علمية مدروسة. ما يبقى للفهم هو أن ندرك أن هذه الخطط العلمية المدروسة لا تطبق داخل السجون فقط ولا على الأفراد فقط..

مرة أخرى أقول للقارئ الذي قد يدهشه اهتمامي بهذه القضية أنها أيقظت موضوعا قديما كنت أنوي الكتابة فيه منذ أعوام، وفي كل مرة تحدث كارثة أو أمر جلل يجعلني أهمل المهم في سبيل إدراك الأهم.. كان عنوان المقال الذي أؤجله منذ أعوام هو: "أدركوا أبناءكم" .. وكنت أنوي أن أفضح أمام الناس فيه ما يبدو أنه نتيجة الحركة الطبيعية للمجتمع ولسيادة القيم – أو اللا قيم – للحضارة الغربية. ولكنني ما لبثت حتى أدركت أن ما يحدث عندنا لا يحدث في عقر دار الحضارة الغربية. سوف أترك الآن ما تبثه صحفنا و أجهزة إعلامنا من سموم تحطم القدوة والمثل الأعلى. سموم ترفع شأن الفاسد على المجاهد.. .. والعابث على العابد ..  والداعرة على الشاعرة.. والجاهل على العالم.. والمستهتر على الملتزم.. والفاجر على البر. سوف نترك رحمة النظام الحاكم بالشواذ وتشجيعه للعهر وإغماض عينه عن اللصوص والقتلة.. ولكنه يفتح عينيه-وسجونه- لمن يصلون الفجر في المساجد.. والقائمة تطول.. لكننا نترك ذلك كله  ونقصر الحديث على وجه واحد من وجوه الإفساد .. نقتصر على التعليم فقط.. باعتباره بعيدا عن تشكيل أي عقبة في برنامج الحاكم للحكم: التوريث والتزوير والتعذيب..

ما من واحد منا إلا وقد اكتوى بنار الإفساد المذهل لشباب الأمة.. وما من أحد منا إلا وقد رأى بعينيه وعانى وذهل. سوف نتغاضى عن صورية التعليم.. وعن انتهاء مجانية التعليم لتحل محلها صناعة جهل باهظة التكاليف.. سوف نتغاضى عن الدرس الأهم  الذي تعطيه المدرسة لمن سيشكلون أمة المستقبل.. الدرس الذي يبدأ بتأكيد صورية التعليم الحكومي وقصور حضور التلاميذ إلى المدارس في شكل متصاعد يكاد يكون كليا في الشهادات العامة.. هذا الدرس يقول للتلاميذ: دعونا نسرق بالدروس الخاصة كما نشاء وسوف ندعكم تهربون من المدرسة كما تشاؤون.. هذا هو الدرس الأول.. أما تداعياته ودروسه المستفادة فهي: عندما تكونون أمة دعوا حكامكم يسرقون كما يشاؤون أما أنتم فتصعلكوا كما تشاؤون.. يبدو أن هذا هو الدرس الوحيد الذي نجحت المدارس في تعليمه للتلاميذ بنجاح.. لكن ذلك هو قمة جبل الجليد الطافي أما ما خفي فهو أعظم.. دعنا من ذلك.. ودعنا من تداعياته..  ولنقتصر على مظهر واحد ومسبب للانهيار في التعليم .. أقصد غياب التلاميذ عن مدارسهم.. لقد وصل الأمر في بعض مراحل التعليم المتوسط- أخطر مرحلة عمرية للشباب-  إلى أن نسبة حضور الطلاب لا تتجاوز عشرة بالمائة. فهل هذا كله يعود إلى انهيار مؤسسات الدولة؟ هل هو العجز والتخبط والشللية والفساد؟ أم أن الأمر أخطر بكثير وأنه متعمد ومقصود ومدروس ومدبر..وتلك الجحافل الهائلة من رجال الأمن التي نجحت في إخصاء الأمة من أدناها حتى أقصاها ونجحت في أن تمنع مظاهرة تتكون من خمسة أو عشرة شباب في أبعد نجع في الوطن  كيف لم تنجح في إعادة عشرة ملايين تلميذ إلى فصولهم ومدارسهم.. دعنا الآن من وزارة التربية والتعليم فأنا لا أراها.. ولنتنبه لخطورة الأمر.. فالطالب الذي تعود على الغياب سيفقد الانضباط.. ثم أنه سيكون ضروريا لتبرير غيابه أن يشتري شهادة مرضية يعلم الجميع أنها مغشوشة ومدفوعة الثمن  وهي  تجعله يتعايش بصورة طبيعية مع الفساد والرشوة..بل إن بعض الجامعات قد حددت أسماء أطباء محددين لا تقبل الشهادات المرضية من سواهم.. والمخزي حقا أن هؤلاء الأطباء كانوا من أساتذة الجامعة. ولقد كتب لي بعض أولياء الأمور أنهم كانوا يذهبون إلى عيادة أولئك الأطباء فيدفعون ثمن الكشف إلى التومرجي ويذهبون إليه في اليوم التالي للحصول على الشهادة المرضية باسم الابن الذي لم يره الطبيب. ولقد افتضح بعض هذا عندما ثبت أن بعض هؤلاء التلاميذ كانوا خارج البلاد وقت الكشف عليهم ومنحهم الشهادات المرضية.

نعود إلى الطلاب الذي سلبت منهم  القدوة ودمر المثل الأعلى..  إن عددا كبيرا جدا من هؤلاء الطلاب – والطالبات- لا يكونون في بيوتهم وقت الدراسة المهدرة.. إنهم يتجمعون على تقاطعات الطرق أو حفلات السينما الصباحية  ليمارسوا نوعا آخر من الفساد والتحرش الجنسي بمختلف درجاته.. ثم أن هذا الوسط وهذه البيئة هي الظرف المثالي لانتشار المخدرات والزنا الذي يسمونه زواجا عرفيا..

ولمن لا يدرك خطورة ما أقول أن يرجع إلى الإحصائيات المعتمدة لنسبة انتشار المخدرات والزواج العرفي بين الشباب.

منذ عشرة أعوام  سألت ابني وكان طالبا في الجامعة عن نسبة انتشار المخدرات بين الشباب.. وأذهلتني إجابته.. لقد قال لي أن 90% من طلبة الجامعة يتعاطون المخدرات.. من رحمة الله بي أيامها أنني لم أصدقه.. قلت أنها مبالغة من يستنكر الأمر استنكارا شديدا يجعله لا يرى إلا إياه ويغمض عينه عن سواه.

لكنني في عام 2007فوجئت بنفس النسبة في أخبار اليوم (السنة63–العدد3252 -13 من صفر1428 هـ- 3من مارس 2007م)  التي ذكرت أن 90% من الطلاب في الجامعة يتعاطونها أو تعاطوها. وقد وصل 16% منهم إلى مرحلة الإدمان. فهل كانت جحافل الأمن المركزية عاجزة عن أن تمنع ذلك أم أنها تركته عامدة متعمدة في خطة مدروسة قد لا يدرك منفذوها مراميها. في نفس الوقت  كانت التقارير تتحدث عن أن 17% من طلبة الجامعات متزوجون عرفيا.. حيث كشفت خبيرة علم الاجتماع الدكتورة عزة كريم أن الأرقام والدراسات التي أجريت حول الزواج السري والعرفي مرعبة خاصة أن بعضها ذهب إلى وجود حوالي 400 ألف حالة زواج عرفي من بينهم تقريبا 255 ألف طالب وطالبة ،يمثلون نسبة 17 % من طلبة الجامعات المصرية قد اختاروا الزواج العرفي.. وأضافت الدكتورة عزة كريم إلى وجود أكثر من 15 ألف دعوى لإثبات بنوة المواليد من زواج عرفي حيث إن معظم الشاكيات كن يتقدمن بقضاياهن مصطحبات معهن أطفالهن على أمل إثبات بنوتهم بعد أن تنكر الزوج من الزواج ورفض الاعتراف ببنوة ابنه أو مزق ورقة الزواج العرفي.

إن من حقنا إذن –بالقياس- أن نطبق الاستنتاجات الإحصائية لنتصور أن 90% من الشباب قد مارس الزنا ولكن 17% فقط هم الذين انتهوا إلى الزواج العرفي.. تماما كما أن 90% تعاطوا المخدرات وأدمن منهم 16%.

في هذا الشأن كتب فهمي هويدي في الدستور 26-4:

.." لقد باتت وقائع تلك الجرائم تصدمنا بين الحين والآخر، وأحدثها ما نشرته صحيفة الأهرام أخيرا بخصوص بدعة «المراكز التعليمية» التي تجسد مرحلة ما بعد الدروس الخصوصية. وإذا كانت البدعتان تشتركان في أنهما من نماذج التعليم الموازى، الذي نشأ في ظل فشل التعليم الحكومي وسوء سمعته، إلا أنهما تختلفان في الهدف. إذ حتى الآن، على الأقل، فالدروس الخصوصية تستهدف تقوية التلاميذ، وتمكنهم من تحصيل الدورس بطريقة أفضل، لكي يفوزوا في نهاية العام بدرجات أعلى ومجاميع مرتفعة. أما المراكز التعليمية فشأنها مختلف. إذ حسب التقرير المنشور في 13/4، الذي أعده زميلنا وجيه الصقار فإنها أصبحت ساحة لغواية التلاميذ وإفسادهم، وتدميرهم ليس علميا فقط، وإنما خلقيا أيضا. إذ حسب التقرير المنشور، الذي اعتمد على شهادات لبعض أولياء الأمور ومديري المدارس الحكومية، فإن تلك المراكز تجمع المراهقين والمراهقات في فصول بدعوى إعطائهم دروسا خصوصية، ولكن هذه اللقاءات تتيح لهم فرص التعارف وإقامة علاقات غرامية تقود إلى انحرافات متعددة. خصوصا أن بعض تلك المراكز «التعليمية» تعرض على المراهقين والمراهقات أفلاما فاضحة وكليبات إباحية في أوقات تمتد أحيانا إلى منتصف الليل. في حين يظن الأهل أن أبناءهم وبناتهم يسهرون على تحصيل الدروس، التي يدفعون للمدرسين دم قلبهم لتغطية مصاريفها. فإن أولئك المراهقين يكونون محلقين في عوالم أخرى لا علاقة لها بالعلم أو التعليم، ولا تسأل عن التربية.

***

ليس فسادا بل إفسادا مخططا منظما مدعوما للقضاء على بنية المجتمع كله..

لقد كنت مرة في أحد الاجتماعات فلاحظت عددا كبيرا من الطبيبات اللائي تجاوزن الثلاثين وقارب بعضهن الأربعين دون زواج، سألتهن عن السبب، وكثيرا ما ألجأ إلى المنابع الأولى لأسأل حيث الصدق أكثر والكذب أقل والغش أندر. جاءت الإجابة حزينة وجارحة وصادمة. كل قيم المجتمع تشجع على الخليلة وتضع العقبات أمام الحليلة. ولقد أدى ذلك إلى حل الأزمة الضاغطة الأولى وهي أزمة الغريزة. ثم أن لجوء الرجل إلى العلاقة المحرمة –فضلا عن إطفاء الغريزة- يجعله بعد ارتكاب هذه الكبيرة بعيدا عن الله، وبعيدا عن الرغبة في الزواج كفريضة دينية. إنه –غالبا- بعد أن تدنس لا يصلى ولا يصوم فلماذا يهتم بإكمال دينه. إن الإعلام كله يسخر من الزواج ويعلى شأن العلاقات التي يسميها زورا:  الحرة بل ويشجع العلاقات الشاذة حتى وصل الأمر إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال. سألت الطبيبة في ثورة: فتحوا كل أبواب الحرام وأغلقوا كل أبواب الحلال ونجح الرجل في حل مشكلته بأرخص ثمن ودون مسئولية فلماذا يفكر فيما يعجزه اقتصاديا ويكبله بمسئولية تسخر منها وسائل الإعلام.

ولقد ترتب على هذا ما أشارت إليه  إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلي وجود أكثر من ثلاثة ملايين و800 ألف فتاة تجاوزن سن الثلاثين بدون زواج.

ولم يقتصر الأمر على ذلك.. لأن الزواج القليل الذي يتم سرعان ما يدب فيه البوار .. ذلك  أن 37% من الزيجات الحديثة تصل إلي الطلاق بعد فترة زواج لا تتعدي عامين.

لماذا؟!

لماذا زاد الشقاء والشقاق والطلاق؟

لأن المجتمع قد طمست هويته وفقد قدوته وامحى مثله الأعلى..

إن الطلاب يجتهدوا لأن يثبتوا أنهم زناة أو سكيرون كي يفلتوا من براثن أمن الدولة التي قد تشتبه في أن بعضهم "قد اعتادوا ارتياد المساجد"..

هل تصدقون يا قراء أن الجملة السابقة منقولة من تقارير أمنية..

لابد أن تصدقوا فأنتم قرأتموها في الصحف كما قرأتها..

هل تصدقون أنه مما يحرز من المضبوطات كدليل اتهام" المصحف الشريف"؟

وذلك أيضا قرأتموه..

يقول عمرو الشوبكي في المصري اليوم 30-4-2009:

.." أما عبقرية «حكم محلك سر»، فسنجد أن فشله الأساسي ليس في كونه قد بنى نظاماً شمولياً غير ديمقراطي، ولا لكونه اختار التسوية السلمية والتحالف مع أمريكا، إنما في قدرته الاستثنائية على إجراء عملية تخريب وتجريف كاملة للمجتمع المصري ولمؤسسات الدولة، بصورة جعلته بهذا الشكل التائه والمتخبط و«المستأسد» على كل من يظنه أضعف منه، و «المتأرنب» (من الأرانب) حين يواجه من هو أقوى منه، أي أمريكا وإسرائيل في الخارج، وكبار رجال الأعمال في الداخل".

.." لم تعرف مصر انهياراً مثل هذا في أداء مؤسساتها العامة، وتدنياً في كفاءة نخبتها الرسمية، خاصة رجالها الجدد من «الهتيفة» و«الرديحة»، الذين صاروا خير معبرين عن حجم التدهور الذي أصاب الحكم الحالي".

"الحقيقة أن وجود نخبة تحكم البلاد بالمصادفة، غابت عنها أي رؤية سياسية أدى إلى دفع الشعب المصري لكي يعيش في مأساة حقيقية تطحنه بصورة يومية وهى مرتاحة البال، هادئة الضمير، لأن هذا التدمير هو بمفرده الذي سمح لها بالبقاء ما يقرب من ثلاثين عاما"ً.

ثم يقول:

" حين يكون الحكم خائبا وفاشلا يقوم، ليس فقط، بالاعتماد الكامل على الأجهزة الأمنية، فإنه يبدأ في «هندسة» المجتمع ومؤسسات الدولة على مستوى الجهاز الوحيد الذي يعمل، أي الجهاز الأمني، فيظهر «الصحفيون» المخبرون بدلا من الصحفيين الموالين للسلطة، وينتشر عمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذين يختارهم الأمن محل جيل من العلماء الحقيقيين كانوا موالين للنظام حين كان موجودا، ويغيب رجال الدولة المحترمون لصالح مجموعات مسخ، اختارتهم أجهزة فاشلة وتقارير أفشل. من الصعب أن نجد في أي عصر في تاريخ مصر المعاصر مستوى من التجهيل والخرافة أصاب المجتمع المصري مثلما حدث في هذا العهد حليف الغرب وأمريكا، فحين تغيب عن الحكم الرؤية والطموح السياسي، يصبح الأمن هو الحاكم لكل مفاصل المجتمع، وتصبح كراهية الجدية والقدرة على الفعل والتأثير سمة رئيسية من سمات هذا العهد، فإذا كنت مسئولا أو مثقفا محترما ويشيد بك الناس، فتأكد أنك من المغضوب عليهم لأن هذا وضع غير مريح أمنيا، وإذا كنت عالما كبيراً، ردد الناس اسمك بالخير، فتأكد أنك في «القائمة السوداء».

ويواصل عمرو الشوبكي في مقاله الهام والخطير:

.."لقد كان مفهوما في بلد غير ديمقراطي أن يواجه النظام خصومه السياسيين، ولكن لم يكن مفهوما أن يجعل كل رجاله بهذا المستوى الصارخ من التدني الأخلاقي والفشل المهني والسياسي، أمر عجيب أن تعيش في بلد لا يحارب عسكرياً ويختار أن يفشل ( بضم الياء) تعليمه وجامعاته ويقضى على علمائه ويخرب عقول شعبه بإعلام هابط. إن انهيار مؤسسات الدولة وتوظيفها في معارك هابطة وحملات دعائية مسفة ومعارك صغيرة، هو نتيجة لغياب «الحكم السياسي» الذي تبلد في مكانه، ولكي يستمر حتى النهاية على قيد الحياة كان لابد أن «ينفق» من ورثه الوحيد، أي «الدولة المصرية»، ولأنه لم يضف شيئا إلى هذا «الورث» (ديمقراطية أو تنمية لا سمح الله) فقد أفلس، وانطلق نحو بيع وتصفية ما ورثه، فخرّب الدولة وطوّعها عند مستوى قدراته المحدودة، واجتهد من أجل استئصال كل مواطن، حمل جانباً من تقاليدها، وأطلق قادتها الجدد على الشعب المصري ليتحدى بهم العالم في الفساد والجهل والخيبة الثقيلة..

لقد أجاد عمرو الشوبكي التعبير عن الكارثة..

***

نعود إلى البداية مرة أخرى..

هل ما حدث مع أيمن نور وجميلة إسماعيل هي مجرد أزمة شخصية في علاقة خاصة.. أم أنهما سيقا إلى الشقاق والشقاء سوقا.. تحت إشراف وتخطيط دام طويلا.. وهو الأمر الذي عبر عنه عمرو الشوبكي بقوله: ".. إن انهيار مؤسسات الدولة وتوظيفها في معارك هابطة وحملات دعائية مسفة ومعارك صغيرة، هو نتيجة لغياب «الحكم السياسي» الذي تبلد في مكانه"..

وأيضا: هل أزمة المجتمع أزمة سوء حظ؟ هل هي أزمة تخلف؟ هل الأزمة –معاذ الله-  بسبب أننا مسلمون؟.. أم أنها أزمة مخططة لتدمير الهوية والمجتمع والدولة.. وأن ما حدث لأيمن نور هو ما يحدث للأمة: التحطيم كي لا يبقى فيها عرق ينبض بالمعارضة.

ما حدث ويحدث مع أيمن نور إنما خطط ليجعله غارقا يدور في دوامة على وشك الغرق دائما لا يملك جهدا إلا لكي يمنع الغرق دون أن يكون هذا الجهد كافيا لكي يجعله ينجو.

ذلك يكفل ألا يعارض وينافس.. كما أنه يغني عن قتله الذي قد يجعل منه شهيدا ورمزا.

ما حدث وما يحدث مع أيمن نور شارك في صنعه وفي إخفاء بصمات الجريمة فيه مئات..

وكذلك فإن ما حدث ويحدث مع الأمة في مصر والعالم العربي والإسلامي  إنما خطط ليجعلها غارقة تدور في دوامة على وشك الغرق دائما لا تملك جهدا إلا لكي تمنع الغرق دون أن يكون هذا الجهد كافيا لكي يجعلها تنجو.

وذلك يكفل ألا يحارب هذا الشعب أو أن يقاوم مخططات أمريكا وإسرائيل.. كما أنه يغني عن إبادته كالهنود الحمر.. فمثل تلك الإبادة قد تستفز المارد النائم كي يصحو.

ما حدث وما يحدث مع الأمة العربية والإسلامية يشارك في صنعه وفي إخفاء بصمات الجريمة فيه مئات الألوف عبر مئات السنين..

إن القارئ للكتاب الهائل(شمس العرب تسطع على الغرب) ليذهل من كم الكذب الغربي الذي مورس ضدنا.. أما الآن فالوضع أسوأ..

في السابق كان الصليبيون والتتار ضدنا .. وكانت الأمة ممزقة لكن التيار العام كان سليما بغض النظر عن فساد الحكام..

الآن: أظنها أول مرة في التاريخ يتحالف مجموعة من الحكام مع أعداء أمتهم عليها وتنضم إليهم كل الأجهزة المؤثرة في الدولة.. كيف ينتصر الشعب إذن؟..

وأول مرة في التاريخ يحارب الحكام دين شعوبهم..

وينشر الإعلام الجهل والأكاذيب.. ويزور البوليس الانتخابات وتلفق النيابات القضايا.. وتحث أجهزة الإعلام على  الفاحشة وينكل بالشرفاء..وتنشر أجهزة التعليم جهلا باهظ التكاليف..  في كل زمان يحدث بعض ذلك.. أما كل هذا التجمع والاحتشاد والإصرار والتواصل فإنه أمر عير مسبوق.. وهو أمر تغيرت وسائله وإن لم تتغير أهدافه. فقد كان الهدف دائما القضاء على الإسلام ومنع الدول الإسلامية من أن تعود لتكون الأمة الوسط.. وقد كانت الوسيلة في البداية شن حروب إبادة ثم تطورت لاغتيال الناشطين.

نعم.. لم تعد الإبادة الجماعية التي يرفضها الوعي الجمعي طريقا مفتوحا ومقبولا.. ولكن البديل المثمر هو القضاء على الناشطين.

من الناحية العملية يستوي أن تدمر مركبات خصمك وأن تمنع عنها الوقود.. ويستوي أن تدمر كل الدبابات في طابور طويل وأن تدمر الدبابة الأولى والأخيرة.

وبهذا الفهم كان يكفي مصادرة صحيفة الشعب كي تعطل فعالية بضعة ملايين كانوا يتأثرون بها.. وكان يكفي التنكيل بأيمن نور كي تصيب كل الأصوات التي انتخبته بالشلل.

نعم..

خبرة التحول من الإبادة الجماعية إلى اغتيال الناشطين خبرة صليبية اكتسبتها أجهزة أمننا..

في عام 1945 قامت مظاهرات سلمية في مدينة سطيف الجزائرية.. كانت مناسبتها الاحتفال بانتصار الحلفاء لكن الجزائريين  زادوا عليها طلب الاستقلال.. واجهت فرنسا المظاهرة بوحشية غير منقطعة النظير فالنظائر كثيرة. ضربوا المظاهرات بالأسلحة الثقيلة والمدفعية والدبابات والطائرات وشاركت المدمرات في القصف من البحر. أعلنت فرنسا سقوط ثلاثمائة قتيل. بعدها بأيام تسربت أخبار المجزرة فاضطرت فرنسا إلا الاعتراف بسقوط ألف قتيل.. بعد شهر اعترفت بأن عدد القتلى قد وصلوا إلى ألفين. بعد عشرين عاما اعترفت فرنسا بالعدد الحقيقي للقتلى: خمسة وأربعون ألف قتيل أما التقديرات الجزائرية فترتفع بالرقم إلى سبعين ألف قتيل. بعد المجزرة جمعوا الرجال في مكان والنساء في مكان مقابل واغتصبوا النساء أمام أزواجهن وآبائهن. ردود فعل المجزرة كانت هائلة رغم التعتيم حتى أنها غيرت استراتيجية الغرب كله ضد دول العالم الإسلامي، ولقد تلتها بعد ذلك تغيير استراتيجية أجهزة الأمن في العالم الإسلامي والعربي ضد المعارضين. اكتشفوا أن المجازر الهائلة غير ضرورية وأنها تلهب الشعور الوطني. وأن المفيد أكثر والفعال أكثر هو انتقاء ناشطين وقتلهم جسديا أو معنويا.. يكفي اغتيال خمسة في كل قرية ومائة في كل مدينة وألف في العاصمة.. ويكفي أن يكون ذلك خلال خمسة أو عشرة أعوام.. وسوف يتكفل ذلك بإصابة الحركة الوطنية بالشلل.. بهذه الاستراتيجية غيرت أجهزة الأمن في مصر مفهومها من حرب الإبادة ضد الإخوان المسلمين كما حدث في 54 و 65 إلى انتقاء العناصر الفعالة وحصارها أوسجنها كما حدث مع عادل حسين وخيرت الشاطر ومجدي حسين.. وكما يحدث بالتنكيل والتشويه والمطاردة كما حدث مع سعد الدين إبراهيم ومع نعمان جمعة وكما يحدث الآن مع أيمن نور.

الأمر ليس خبط عشواء ولا سوء حظ..

الأمر مخطط جيدا ويتابعه إخطبوط هائل تكرس له إمكانيات دول وأجهزة مخابرات.

***

تبقى نقطة أخيرة لا تقل خطورة..

ذلك أن جزءا من الحرب الشاملة على الأمة اختصت أبناء الإسلاميين والمجاهدين.. إنهم يطاردون بوسائل الحصار والغواية.. ولست أظن أن إبليس نفسه كان سيكون أكفأ من أجهزة الأمن التي تصدت لهذه المهمة.

إنني أدعو القارئ ليتأمل جمال البنا وجهاد عودة..

منذ عشرين عاما قابلني أحد لواءات الأمن معاتبا أنني لم أهنئه بأداء الحج..

فوجئت بنفسي أرتكب خطأ كبيرا أرجو أن يغفره الله لي..

لقد صرخت في وجهه:

-أقسم بالله أن حجك لم يقبل..

ونظر الرجل نحوي في ذهول.. وانطلقت الكلمات من فمي كالحمم المصهورة:

-إنني أتابع جهودك في تعذيب الإسلاميين والتنكيل بهم بل وقتلهم فكيف تطمع أن يقبل الله حجك دون ندم وتوبة..

وامتد الحديث بيني وبين الرجل فقال لي :

-        سوف نفعل بهم ما فعلناه بالإخوان المسلمين.. لقد دمرناهم فما عادوا إخوانا وما عادوا مسلمين..

(راجع كتابي: اغتيال أمة ط2- مكتبة مدبولي- 87)..

بالطبع لم ينجحوا في أغلب الأحوال.. ولكن ذلك كان هدفهم.. ألا يكونوا إخوانا وألا يكونوا مسلمين..

وكان هدفهم أن يكون أبناء كل مجاهد حسرة عليه.. إما بالغواية والبعد عن الطريق القويم.. وإما بالسجن والتنكيل.. إنه ثأر لا يعرف الارتواء.. وحرب لا تعرف الاكتفاء.. حرب في سبيل الشيطان..

لقد رأيت بنفسي كيف سلط الحصار والغواية وسيف المعز وذهبه على بعض أسر المعتقلين. لقد صمدت الغالبية.. لكن من انحرفوا كانوا حسرة في قلوب المسلمين جميعا.

إنني أنبه القارئ أن ما كتبته كان يدور في رأسي كموضوع ممتد لمقالات متعددة تشكل في النهاية كتابا بعنوان أدركوا أبناءكم.. وأن ما كتبته الآن لا يعدو أن يكون عناوين ورؤوس للموضوعات..حاصرتني الفتن وضاق الوقت وقصر العمر  فلم أكتب سواها.. مستغلا حكايات أيمن نور لأنفذ إليها صارخا فيكم:

- إنها ليست عملية لاغتيال أيمن نور.. إنها استراتيجية اغتيال أمة.. تستهدفكم.. وتستهدف أبناءكم.. فأدركوا أبناءكم..

***

الدكتور السيد أبو الخير

 

أحد الوجوه التي تؤكد أن الأمة لم تعقم بعد وأنها ما تزال بخير.. نموذج عابد متبتل في محراب الدفاع عن الإسلام مسلحا بثقافته القانونية الرفيعة وأسلوبه الجميل المؤثر- لولا الأخطاء اللغوية والمطبعية وربما يكون خلفها غزارة غير طبيعية في الإنتاج وعمق في المحتوى وموسوعية في المعلومات مع عجز كلي عن المراجعة!- حتى أنه يذكرني بالراحل العظيم الدكتور جمال حمدان حتى أكاد أراه "جمال حمدان التاريخ والقانون وليس الجغرافيا".

لا ينتمي الدكتور السيد مصطفى  أبو الخير لأي جماعة أو طائفة أو حزب. إنه يسعى إلى نوع من النقاء لا يلوثه الآخرون بحماقاتهم وخستهم- ألم أقل لكم أنه يذكرني بجمال حمدان- ولقد اختار أن يعيش حياة قريبة من الحياة التي كان يعيشها جمال حمدان، والحقيقة أنني أشفقت عليه من قسوة هذه الحياة فأخذت أرجوه أن يقتحم غمار الناس وأن يفتح مكتبا للمحاماة يستثمر فيه ثقافته القانونية الرفيعة فأخذ يحدثني حديثا طويلا- ربما لا يجوز نشره- عن وضع العدالة في بلادنا.. وقلت له: لتكن قاضيا قبل أن تكون محاميا.. فأخبرني أن حياته كلها كذلك وهو يدرك صعوبة التطبيق في الوسط السياسي والاجتماعي في بلادنا.. وإزاء إلحاحي وإصراري واجهني بما أفحمني وقضى على محاولاتي في الاستمرار، فقد قال لي:

-        أنا مقتنع بما أفعل.. لكن هذا القرار لا يتعلق باقتناعي أو عدم اقتناعي.. فحتى لو أقنعتني بقولك لا أستطيع ممارسة المحاماة.. فقد كانت تلك هي وصية أبي قبل أن يموت.. ألا أمارس مهنة المحاماة أبدا.. وهذه الوصية واجبة النفاذ بغض النظر عن اقتناعي أو عدم اقتناعي..

ووجدت نفسي أتساءل في دهشة: " هل ما يزال مثل هذا البر موجودا على ظهر الأرض؟

***

كتابات الدكتور السيد أبو الخير فياضة كالطوفان ومتعددة  حتى أنه لا ينبغي أن نسأل فيما كتب بل فيم لم يكتب..

لقد جاوز الخمسين من عمره ، ويحمل درجة  الدبلوم والماجستير والدكتوراه في القانون الدولي العام  وكان موضوعها  ( النظرية العامة للتكتلات العسكرية وفقًا لقواعد القانون الدولي العام ) وقد عمل –مؤسسيا وحكوميا-  أمام  محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا والإدارية العليا و القيم العليا  وهو  عضو اللجنة العلمية الاستشارية بموسوعة الأعجاز العلمي في القرآن   والسنة  و مستشار بموقع المستشار ، وقد حاضر في جامعة عمر المختار بالجماهيرية الليبية بالبيضا بكلية القانون في القانون الدولي العام والمنظمات الدولية والعلاقات الدولية وفي أكاديمية ناصر العسكرية كلية الدفاع الوطني بالقاهرة،  وهو  أستاذ القانون الدولي العام بكلية القانون الدولي بالجامعة الاسكنانافية بالنرويج و أستاذ القانون الدولي العام والمنظمات الدولية والعلاقات الدولية في جامعة آل راشد بالإضافة إلى عمله  باحث بمركز بحث للدراسات والبحوث.

وللدكتور سيد أبو الخير العديد من الكتب عن النظرية العامة للأحلاف العسكرية وعن تحالفات العولمة العسكرية والقانون الدولي وعن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وعن نصوص المواثيق والإعلانات والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وعن فتوى الجدار العازل والقانون الدولي وعن أزمات السودان الداخلية والقانون الدولي المعاصر وعن الانسحاب السوري من لبنان وعن المبادئ العامة في القانون الدولي المعاصر وعن عقود نقل التكنولوجيا وعن  الشركات العسكرية والأمنية الدولية الخاصة دراسة قانونية سياسية التجربة العراقية والتجربة الإفريقية وعن استراتيجية فرض العولمة وعن الحدود العربية والإسلامية في القانون الدولي العام، تحت الطبع.

ثمة كتاب أيضا عن  الحرب الأخيرة علي غزة في ضوء القانون الدولي العام وآخر عن الطرق القانونية لمحاكمة إسرائيل قادة وأفراد في القانون الدولي  وعن أثر الثورة الإيرانية في فكر الشهيد فتحي الشقاقي

هناك عشرات بل ربما مئات من الدراسات المتعمقة والتي لم تغفل الأبعاد الأكاديمية ولم تتعال في نفس الوقت عن الواقع الراهن فقد كتب عن الصراع العراقي الإيراني ( حرب الخليج الأولى ) وفقًا لقواعد القانون الدولي العام وعن  مبدأ حق تقرير المصير وتطبيقه على الشعب الفلسطيني، بحث مقدم للنقابة العامة للمحامين بمصر عام 1990، وقد فاز بالجائزة الأولى وعن  مدى اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في صحة عضوية مجلس الشعب عام 1997 وعن  الوقف وآثاره السياسية والاجتماعية وعن  الزواج العرفي في الشريعة والقانون وعن  نظرية الحرب بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي المعاصر وعن  انتهاك الشرعية الدولية في جوانتانامو، وعن التعليم الخاص بين الرفض والقبول،  وعن رائعة التشريع الجنائي الإسلامي القصاص.

كتب أيضا عن الشيشان وكوسوفا وفرسان مالطا ومحاكمة إسرائيل والمعابر وعن حقوق اللاجئين ثم عن حرب غزة الأخيرة في نظر القانون الدولي حيث يرى أنه  يمكننا القول ولا ينازعنا في ذلك أحد أن هذه الحرب الأخيرة – وأتمني أن تكون الأخيرة- تمت خارج إطار القانون والشرعية الدولية والإنسانية، ولا يوجد لها أي أساس لا في القانون الدولي ولا في الشرع ولا في الإنسانية علي مر الدهور وكر العصور، حتى في أحلك عصور الظلم والجبروت.

وبرغم كل عوامل اليأس فإن الدكتور السيد أبو الخير لم يفقد الأمل، إنه واثق من أنه  لا تملك أمة من أمم الأرض علي مر الدهور وكر العصور من عوامل الاتحاد بل الاندماج كما تملك أمتنا العربية، فكل عناصر الاتحاد متوافرة لهذه الأمة و أن التحديات السياسية التي تواجه الأمة العربية كبيرة وخطيرة أن استمرت فأنها تحدد ليس مستقبل الأمة فقط بل وجودها، لذلك يجب مواجهتها بالآتي:

1 – توافر النية الصادقة والإرادة الحقيقة في مواجهة هذه التحديات.

2 – الاعتقاد الجازم أن المرحلة التي تمر بها الأمة هي أزمة عابرة مؤقتة وليست مزمنة ويمكن حلها وليس خلل في البنية لا يمكن إصلاحه، كما أن الأمة مرت بأزمات ومحن أشد من ذلك وأكثر خطرا عبرت منها واستطاعت أن تعود إلي قوتها وحضارتها، كما حدث مع التتار والحملات الصليبية.

3 – تفعيل الآليات الموجودة باستخدامها وليس بإنشاء آليات جديدة، لأن الموجود منها يكفي لمواجهة التحديات بنجاح بشرط توافر الإرادة الحقيقة والرغبة الصادقة في مواجهة تلك التحديات.

الدكتور السيد أبو الخير طاقة هائلة أظنها غير مستثمرة بالشكل المناسب، والرجل عزوف عن الظهور ووسائل الإعلام إما مأسورة لأعدائنا أو مقتصرة على السطحية والخفة.

يتكرر اسم الدكتور على الباحث الإليكتروني (جوجل) على الشبكة العنكبوتية أكثر من ألف مرة، وهي تكرارية تدل على أنه معروف بين القراء بصورة لا بأس بها وإن كانت لا تتناسب مع قيمته العلمية. وهو يرى أن النشر الالكتروني ثورة كبيرة جدا ساعدت كل من يكتب علي الكتابة وكل من يقرأ علي القراءة لسهولتها وسعة وسرعة انتشارها وتكلفتها المنخفضة التي تصل في بعض الأحيان إلي المجانية. ولقد كانت إجابته في حوار أجري معه عن أن كتابه المفضل هو ( القرآن الكريم ) ثم تفسيراته ثم كتاب ( العودة إلي الذات ) للدكتور ( علي شريعتي ) فليسوف الثورة الإيرانية .. اما الديوان فهو ديوان الشاعر الشاب الشهيد ( هاشم الرفاعي ) لأنه قتل غدرا في عهد الرئيس ( جمال عبد الناصر ) والشاعر ( هاشم الرفاعى ) كان صادق الأحاسيس .. إن الحكمة التي تدور دوما بخاطره هي:

ليس المسلم المؤمن الذي يستسلم للقدر ولكن المسلم المؤمن هو الذي يدفع قدرا بقدر .. وهو يرى  أنه لا عودة لمجد العرب والمسلمين بدون مصر فهي العقل والقلب.

يقدم الرجل نموذجا فريدا حين ينشر رقم هاتفه على الشبكة العنكبوتية لمساعدة كل من يحتاج إلى استشارة في الأمور الحياتية.

إن الخيط الرئيسي الذي ينتظم كتابات الدكتور السيد مصطفى أبو الخير هو بث وبعث وإيقاظ روح المقاومة في الناس وعدم اليأس مهما طالت الظلمة .. وهو دائما ينصح للناس قائلا : لا داعي لليأس والقنوط فقد مرت علي الأمة أوقات أكثر ظلمة مما نحن فيه فهو واثق تماما بحتمية النصر.

***

الأستاذ مجدي الجلاد: الذئب.. الذئب..

 

الأستاذ مجدي الجلاد واحد من ألمع الصحافيين المصريين، وصحيفته المصري اليوم واحدة من أنجح الصحف المستقلة في مصر وربما في العالم العربي، وقد اختير مجدي الجلاد  مؤخرا كواحد من أكثر مائة شخصية تأثيرا في العالم العربي. والحقيقة أنه يستحق ذلك كله بل وأكثر منه، إنه متوازن ومنطقي ويبدو من خلال حديثه المتناثر عن نفسه  أنه يدبر أموره المعيشية بصعوبة( رغم ما يقال عن دخل بالملايين)  مما يجعله قريبا من الغالبية العظمى، ثم أنه فوق ما مضى يتمتع بحضور طاغ على شاشات الفضائيات، وهو حضور مقنع متواضع غير مستفز رغم أنه يبدو أحيانا كما لو كان يملك الحقيقة المطلقة، لا يعرف الندم أو التوبة أو النفس اللوامة. ثم أنه خبير فيما يخفي وما يظهر. ويكفي أن الواقعة التي جاء على إثرها رئيسا للتحرير قد أوشكت على السقوط في غياهب النسيان فلا يكاد يذكرها أحد ولا يكاد يعيره بها أحد. ونقصد واقعة إعلانات الخمور التي رفضها سلفه فأقيل وقبلها هو فاستوى على عرش التحرير. كان رئيس التحرير السابق أنور الهواري قد نشر اعتذارا عن قيام الصحيفة-رغما عنه- بنشر إعلان ضخم لزجاجة ويسكي في النصف الأعلى من الصحة، وتحته مباشرة المسلمون في عرفات تحت عنوان " لبيك اللهم لبيك".

ليس موضوع الخمور موضوعنا، ولكن ما يهمنا هنا أن ذكاء مجدي الجلاد قد نجح في تجاوز هذا الأمر، كما نجح في أن يتغاضى عن الشبهات التي تحيط  بالميول الأمريكية للصحيفة وعلاقة عضوها المنتدب بالسفير الأمريكي. بل لقد استطاع أن يلدغ ويهرب كما فعل بموضوع " ميليشيات طلبة الإخوان" وكان موضوعا أمنيا بامتياز ترتب عليه العصف الباطش بمجموعة من خيرة الإخوان. وكتبت أيامها أن "المصري اليوم" تقوم بدور الخلايا النائمة، فهي صحيفة محترمة جدا معظم الأحيان، وتكريس الاحترام ذلك يفيدها عندما تقرر أن تتخلى عنه لتبث خبرا بدافع من الأمن أو السفارة الأمريكية. أو عندما يختارها كبار المسئولين الأمريكيين-كأولبرايت ورايس- لتكون محط اهتماماتهم وزيارتهم.

المهم أن المصري اليوم بدت كاملة الأوصاف فيما عدا شائبة شبهة انتمائها الأمريكي..

ومن هنا كانت براعة مجدي الجلاد في حملته الأخيرة على الناميرو..

يعلم القراء كراهيتي لأمريكا.. ولولا مخافة الإثم لقلت أنني أبغضها أكثر مما أبغض الشيطان وأظنها أكثر شرا منه، وأنني أتوجس شرا من كل ما يأتي من ناحيتها إلا في أمرين: الطب والأدب!

لا أريد أن أدخل في تفاصيل موضوع الناميرو الذي اجتهدت الفضائيات في بيان كل تفاصيله.

لكنني أتحدث عن ذكاء خارق لمجدي الجلاد وللمصري اليوم..

لا أخفي عن القارئ أن القضية كلها لا تهمني.. ولكن ما يهمني هو اتخاذها نموذجا لتفجير قضايا وهمية-فشنك!- تجذب انتباه الناس بعيدا عن مواطن الخطر حتى إذا جاء الخطر لم ننتبه له. إنها طريقة فائقة الذكاء في غسيل وعي الأمة.. وهي طريقة لا مراجع لها حتى نستشف كنهها ونفهم مراميها وقصدها.. ومن أبوابها فن تزييف الوعي وفن صناعة الإجماع وفن خداع الجماهير وفن صناعة النجوم وخلق شياطين للناس كي تنحي باللائمة عليها فترجمها وينتهي الأمر بعد أن تلهيها الشياطين الوهمية عن شياطين البشر الحقيقية.

للكاتب الصحافي  سليم عزوز  كتاب يفضح فيه مثل هذه الحيل ويكشف سعى فرج فودة – رغم مكانته – إلى فبركة الشائعات حوله ومنها ابتكاره لإشاعة أن الدكتوراة الخاصة به مضروبة من الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد ذلك قام بنشر شهادة الدكتوراة الحاصل عليها في الاقتصاد الزراعى من جامعة عين شمس في مجلة آخر ساعة، وكذلك اتفاقه مع سليم عزوز على أن يشيع أن فرج فودة زوج ابنته من ابن السفير الإسرائيلي، وكان عمر ابنته الكبرى 13 عاماً والصغرى 10 سنوات تقريباً ..!! فمثل هذه الشائعات التي يمكن تكذيبها بسهولة سوف تشوه المهاجمين على إطلاقهم وتجعل مثل فرج فودة يحتل مكان الضحية البريئة.

هل كان مجدي الجلاد هو سليم عزوز وكان فرج فودة أمريكا؟!

***

لقد نجح  فن صناعة النجوم – كما نجح في تقديم علاء الأسواني وعشرات ومئات- في أن تقدم "المصري اليوم" في ثوب نبيل نظيف لا يشوبه إلا احتمال علاقة مريبة بأمريكا..

ولكي نزيد من مصداقية الصحيفة وتأثيرها فلابد من إزالة هذه الشبهة..

الحل إذن في هجوم عات على أمريكا.. وعلى البنتاجون والمخابرات الأمريكية شخصيا..

هجوم صاعق ماحق مفحم لا رد عليه ولا تبرير له ولولا خوف الناس من ملايين الأمن المركزي لخرجت المظاهرات بالملايين تؤيد المصري اليوم وتطالب بجلاء القوات الأمريكية عن الناميرو الذي صورته "المصري اليوم" كما لو كان قاعدة عسكرية أمريكية سرية ضبطها مجاهدو المصري اليوم!..

كان لابد لهجوم المصري اليوم على القاعدة السرية الأمريكية هجوما صاعقا يمحو نهائيا وإلى الأبد أي شبهة لأي علاقة بين البريئة طاهرة الذيل" المصري اليوم" وبين أمريكا..

لكن..

و آه من ولكن..

لقد أدي الهجوم إلى تحقيق النصف الأول من المستهدف بالنسبة للمصري اليوم ومجدي الجلاد فانتفت عنهما الريب..

لكن هذا الهجوم الذكي لم يكتف بهذا..

ذلك أن هذا الهجوم الكاسح كان لابد أن يعقبه تسونامي الذي كان سيحقق الشق الثاني من المطلوب وهو الدفاع عن أمريكا البريئة والمظلومة!!.. تسونامي الذي حدث بالفعل هو رد فعل هائل يشارك فيه المئات بل والآلاف دفاعا عن أمريكا وتمجيدا لها.. إذ أن محصلة الأمر كله  أنه يجمل صورة أمريكا في عيون الناس..لأن الناميرو فعلا من الصفحات القليلة المضيئة في كتاب حساب أمريكا المليء بالعار والوحشية والإجرام..

وليس هناك فيما تجريه الناميرو خطورة أكثر من تلك التي يمكن أن توجد في إجراء التجارب في الخارج..

إن الناس ستلتفت عن وجه أمريكا الوحشي لترى جزءا ضئيلا دون وحشية.. ثم تركز على هذا الجزء الضئيل جدا وتنسى الوحشية والإجرام..

لقد كان هناك مئات الموضوعات الحقيقية التي تجنبتها "المصري اليوم"لأنها ستدين أمريكا إدانة حقيقية. يكفي أن تنشر مقتطفات من نعوم تشومسكي أو والتر ليبمان أو رجاء جارودي أو عبد الوهاب المسيري...

ويمكنها أن تنشر بعض كتابات الخبير الدكتور لواء مهندس محمد الحسيني إسماعيل عن عملية النهب الكبرى والقهر الكبرى والسيطرة على السلاح الذي نستورده من أمريكا بدمنا لكنه مبرمج إليكترونيا على ألا يحارب إسرائيل (الطائرات مبرمجة على سبيل المثال على عدم التوجه إلى الشمال الشرقي فإذا توجهت سقطت أو بالأحرى أسقطت).

وإنني أرشح موضوعا واحدا- وعندي مئات- أقترح على المصري اليوم أن تتناوله.. وهو موضوع أثاره دكتور لواء مهندس / محمد الحسيني إسماعيل في العديد من كتبه وعلى موقعه الإليكتروني حيث يقول:

في إطار التمهيد لإبادة شعوب العالم الإسلامي بأقل الخسائر الممكنة للغرب .. تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بفرض رقابة صارمة على البحوث التكنولوجية المتقدمة التي يمكن إجراؤها في دول العالم الإسلامي .. وخصوصا في مجال التسليح .. وفي مقدمتها الحظر النووي المفروض على الدول العربية .. تحت مبرر أن الدين الإسلامي هو دين إرهاب ، وأن العالم الإسلامي هو عالم همجي يمكن أن يسئ استخدام هذه الأسلحة عند امتلاكه لها ..!!! وهو ما يترتب عليه تهديد الأمن القومي ـ كما يدّعون ـ للولايات المتحدة .. ولدول الغرب المسيحي ..!!! وحتى لا يحرم الغرب المسيحي ـ مشكورا ـ الشعوب الإسلامية .. من وهم الإحساس بالأمن والطمأنينة .. وأنها تمتلك من السلاح ما يكفي للدفاع عن نفسها .. لذا تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بعقد صفقات هائلة مع الأنظمة الحاكمة لهذه الشعوب لتزويدها بالسلاح اللازم لها . ولكن في حقيقة الأمر أن جميع ما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية ـ ومعها دول الغرب ـ بتوريده من سلاح إلى الدول العربية .. هو سلاح فاسد تماما ..!!!

لقد تجنب مجدي الجلاد موضوعا جوهريا كذلك لكي يتناول موضوعا تافها.

ولكن مجدي الجلاد ليس صحافيا تافها ولا غوغائيا..

لا أظن أبدا أنه بدأ بشن  الهجوم على الناميرو مقتنعا بما فيه..

فالناميرو ليس إلا مؤسسة علمية  يستفيد منها بالفعل مئات الآلاف من الباحثين.. وقد تكون أمريكا تستغل معلوماتها لكن هذا أهون الضر ..

لقد كان تعليق أحد أصدقائي على ما أثاره مجدي الجلاد أنه قال في مرارة:

- هل تعرف ماذا يفعل بنا مجدي الجلاد.. إنه يشبه شخصا يصرخ مستنكرا أن شعر هذه المرأة مكشوف.. لكن صراخه لم يكن دفاعا عن الفضيلة.. بل فعل ذلك لكي يجذب انتباه الناس إلى شعرها المكشوف بعيدا عن بطنها المتضخم بحمل سفاح!!..

الأمر مخطط منذ البداية..

الهجوم على أمريكا بأمر هي منه بريئة مما يستنفر القوى العقلانية والدينية التي لا يجرمنها شنآن الأمريكيين  ويضيفهما إلى المبهورين بالحل الأمريكي ليقف الجميع صفا واحدا للدفاع عن أمريكا!!.

لقد قامت المصري اليوم بدور التطعيم حين يحقن الجسد بميكروب ميت ليستنفر ذلك الجسد لتكوين مواد مضادة للميكروب الحي..

لقد أثارت المصري اليوم قضية ميتة وأظنها كانت تعلم منذ البداية أنها قضية ميتة وغير حقيقية لتستنفر وتنشط قوى الدفاع عن أمريكا..

في المواصلات المزدحمة يصرخ مساعد اللص:"إمسك حرامي" ثم يشير إلى الاتجاه الخطأ كي يضلل الناس عن اللص الحقيقي الذي يفلت بالغنيمة.

وفي نفس الوقت تنهال آيات الثناء والشكر على أمانة مساعد اللص  وشهامته ومبادراته لكشف اللصوص.

لا نملك مراجع كي نؤصل بها ما نقوله.. لكننا نستدعي من الذاكرة والواقع نماذج ربما تكون موصولة بما نقول..

إن بعض المجرمين الذين يخططون لجرائمهم يحرصون على إثبات أنهم كانوا بعيدا عن مكان ارتكاب الجريمة  ولو بارتكاب جريمة أقل.. كأن يحرص على تدبير سرقة في القاهرة في نفس الوقت الذي يرتكب مخالفة مرور أو جنحة ضرب في الإسكندرية!..

كما يسعى بعض المجانين إلى دفع أعوانهم لاتهامهم بالجنون كي يرفعوا عليهم قضية يحصلون منها على حكم بأنهم غير مجانين وهي شهادة لا يحملها كل العقلاء..

ويسعى بعض المجرمين إلى دفع أعوانهم لاتهامهم ببعض الجرائم  كي يرفعوا عليهم قضية يحصلون منها على شهادة بحسن السير والسلوك وهي شهادة لا يحملها كل الأبرياء..

وأعتقد أن هذا بالضبط كان دور المصري اليوم في إثارة قضية الناميرو..

لقد حصلت الناميرو –بعد تسونامي- على شهادة بحسن السير والسلوك!!

ولقد ذكرني ذلك بما فعلته ابنتي الصغرى منذ خمسة عشر عاما.. كانت حادة الذكاء مع ميل للدعابة.. وكانت ناظرة مدرستها الإعدادية  شديدة الحسم.. وأثناء مرورها على الفصول أثناء الطابور الصباحي وجدت بعض التلميذات في الفصل فعنفتهن تعنيفا شديدا وأمرتهن بالتوجه فورا إلى الطابور.. ووجهت عتابا مريرا خاصا إلى ابنتي فقد كانت متفوقة وتحظى باحترامها.. وأخذت ابنتي تسرف في الاعتذار عن وقوعها في هذا الخطأ الجسيم والتقصير المشين بالبقاء في الفصل أثناء الطابور.. ولكن الناظرة راحت ترقب في دهشة حركات ابنتي البطيئة وهي تقوم من خلف المقعد الدراسي متوكأة على عصا مسرفة طول الوقت في الاعتذار وإبداء الندم.. وعندما اكتمل خروجها من خلف مقعدها الدراسي فوجئت الناظرة بساقها كله ملفوفا في الجبس حتى فوق الركبة.. كانت مكسورة القدم.. وشدهت الناظرة.. وأحست بالندم الفظيع لأنها أساءت إلى ابنتي ظلما وعدوانا.. لم تفطن إلى أن ابنتي كان يمكن لها أن توضح لها الأمر منذ اللحظة الأولي.. لكنها تركتها عامدة متعمدة تعنفها حتى تصل في النهاية إلى هذا الوضع من تأنيب الضمير والإحساس أنها أساءت إلى ابنتي وجرحت إحساسها.. أخذت تعتذر وتسرف في الاعتذار .. وعاشت ابنتي بعد ذلك في المدرسة حتى تخرجت منها متمتعة بما يشبه الحصانة التي تحميها من اللوم أو النقد وتجعلها دائما فوق الشبهات!!..

هل كانت المصري اليوم بما فعلته مع أمريكا واتهامها الظالم لها في قضية الناميرو تسعى إلى منح أمريكا حصانة تحميها بعد ذلك من اللوم وتضعها فوق الشبهات؟..

كان الهجوم على أمريكا في قضية مكذوبة كصراخ ذلك الطفل العابث الكذاب الذي ظل يصرخ الذئب.. الذئب دون أن يكون هناك ذئب.. فلما جاء الذئب فعلا لم يصدقه أحد ولم يغثه أحد..

على أي حال لقد كانت قنبلة صوت تلفت الأنظار عن مواضع القنابل الحقيقية..

لكننا رغم كل شيء نحيي المصري اليوم ونهنئ مجدي الجلاد على لعبة في غاية البراعة والذكاء..

***

هيكل.. وكفار قريش!!

 

يعاتبني كثير من الأصدقاء والقراء على اهتمامي بهيكل.. ويقولون أن مصداقيته قد سقطت منذ زمان طويل.. بل ويرى بعضهم أنه كان فاقد المصداقية أصلا..وأنهم يعتبون عليّ أنني قد خدعت منذ البداية فيه .. ولو أنني استعنت بالمنهج الإسلامي وعلوم الجرح والتعديل لأسقطت رواياته جميعا.

أعترف  أن هيكل يمثل لي مشكلة شخصية..

وأعترف أنني برغم كل إداناتي له واكتشافاتي عنه مازلت ألوك المرارة مشدوها كيف يملك هذه المعلومات كلها وهذا المنطق كله وهذا القبول كله ثم يكذب هذه الأكاذيب كلها ويذكر من أنصاف الحقائق ما يشاء ويغرقها في بحر من الكذب  للدرجة أن ما يراه حقيقة هو الباطل بعينه.

كيف؟!

كيف استطاع أن يتحدث عشرات الساعات مدبجا آلاف الصفحات عن الهزيمة الفادحة المروعة المذلة الفاضحة عام 67 دون أن يتطرق إلى أسبابها الحقيقية..

كيف استطاع ذلك..

كيف استطاع كالساحر أن يجذب انتباه القراء إلى وجهة أخرى راح يصول فيها ويجول مستدعيا آلاف الحقائق ومتجاهلا في الوقت نفسه الحقيقة الوحيدة التي نريد سماعها منه..

يمكن لشخص ما أن يحطم تحفة رائعة لا تقدر بثمن.. يسقطها بيده فتتحطم.. يسقطها بجهله فتتحطم.. يسقطها برعونته وطيشه وتهوره واستهتاره فتتحطم.. لكن هذا الشخص .. موسوعي الثقافة.. لن ينكر مسئوليته عن تحطم الآنية.. لكنه أيضا لن يعترف.. سوف يغرقك في تفاصيل لا أول لها ولا آخر.. لكنه لن يعترف..  سيبدأ الحديث عن تحطم الآنية  بتفاصيل هائلة عن تركيب الأجرام.. عن الأرض والشمس والقمر.. عن المجموعة الشمسية.. عن مجرة درب التبانة.. عن مائة ألف مليون مجرة مثل مجرة درب التبانة.. عن القوانين التي تمسك ذلك كله بغير عمد..عن قوانين حركة الأجرام وقانون الطرد المركزي وقانون الجاذبية وقوانين الكم والذرة.. وأن قانون الجاذبية هو المسئول قبل كل شيء وبعد كل شيء عن سقوط التحفة وتحطمها.. وأنه حتى لو كانت يده أفلتتها  فلولا وجود قانون الجاذبية وتأثيراته لما سقطت التحفة.. ولما تحطمت..لأن الجاذبية الأرضية هي المسئولة إذن عما حدث وليس الجهل والرعونة والطيش والغرور والاستهتار..

لماذا يا محمد حسنين هيكل لم تعترف.. لماذا لم تتناول الأمر مباشرة..

كيف لم تخجل من أن حديثك عن قصة الغرام بين ماتيلدا كريم وجونسون وتأثيراتها على نكسة 67 كسبب جوهري استغلت مساحة أكبر – مثلا- من دور عبد المنعم رياض في الحرب.

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

" هزمنا هام 67 لأنه كان يحكمنا زعيم ذو كاريزما خارقة.. لكنه كان ديكتاتورا سفاحا جاهلا أرعن طائشا مغرورا مستهترا ظن أنه يمكن الانتصار بالتهويش والإقناع بالتشويش"..

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

"هزمنا لأن قيادة جيشنا كانت حشاشة زانية عابثة مستهترة تهرب المخدرات في الحقائب الدبلوماسية وتمارس غزواتها في ثغور العاهرات"..

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

"كان الإهمال في التدريب فادحا.. وكان التسيب في الإعداد صارخا.. ولم تكن المسئولية في الأفراد ولا في الأمة بل في قيادة جاهلة رعناء طائشة مغرورة مستهترة.."..

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

"هزمنا لأن 70% من قوتنا الضاربة كانت محتجزة في اليمن ترتكب جريمة لم تكشف الأستار عنها بعد حيث قتل أربعة وعشرون ألف مصري ليس فيهم شهيد ومائة ألف شهيد يمني يستثنى منهم المرتزقة. كان جيشنا المقهور ينسف قرى بأكملها ويختار لقصفها وقت الإفطار في رمضان حيث لا يفلت أحد"..

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

"هزمنا لأننا حاربنا في جبهتين.. وفصمنا الوحدة مع السودان ودمرنا قوة المسلمين وحاصرنا الإسلام"

لماذا لم تقلها ببساطة وصراحة ونبل وسمو:

"هزمنا لأننا اعتمدنا التزوير وأشعنا التعذيب وسبينا روح الأمة "..

لماذا لم تتحدث  ببساطة وصراحة ونبل وسمو عن حجم النذر التي توفرت، والتي كان يمكن أن تجنبنا ولو جزءا من الكارثة، بل ويروى عن بعض القادة العسكريين – منهم الفريق عبد المنعم رياض- أننا لو تنبهنا إلى هذه النذر في الوقت المناسب لتغير وجه التاريخ.  إن ملفات التحقيقات في الهزيمة والتي لم يشأ أحد أن يكشفها أو يسلط الضوء عليها تظهر على سبيل المثال أن هناك جهة أجنبية حذرت عبد الناصر فعلا من أن إسرائيل ستهاجم صباح الخامس من يونية، أما الإنذار الثاني فقد كان من ضابط المخابرات المقدم إبراهيم سلامة، والذي أكد من موقعه في نقطة متقدمة من العريش وفي مساء الرابع من يونية أن الهجوم الإسرائيلي سيبدأ في الصباح، وفي صباح الخامس من يونية أرسل عبد المنعم رياض إشارة التحذير المتفق عليها بانطلاق الطيران الإسرائيلي للهجوم، ولم تصل الإشارة، كان مركز الاستقبال مغلقا، وكانت الشفرة قد تغيرت، وتمت مجازاة المتسبب، رقيب أول وعسكري!!..  أما الكارثة الكبرى، والتي لم يتحدث عنها فيما أعلم أحد فهو أن الحرب عام 67 لم تبدأ بضربة الطيران، بل بدأت بالحرب البرية حيث أتمت إسرائيل احتلال "أم بسيس " داخل الحدود المصرية  الساعة السابعة والربع من صباح الخامس من يونية، أي قبل الضربة الجوية بأكثر من ساعة، ويرى بعض الخبراء العسكريين أن انعدام رد الفعل من جانب المصريين، وعدم ظهور الطيران المصري بعد بداية الهجوم البري، هو الذي شجع إسرائيل على ضربتها الكبرى، ضربة الطيران. ويرجح بعض هؤلاء القادة أنه لو استجاب الطيران المصري فلربما ألغت إسرائيل الضربة كلها.

ولم يكن ذلك كله إلا محصلة الجهل و الرعونة والطيش  والغرور والاستهتار..

أنت تعرف ذلك كله يا هيكل فلماذا لم تعترف به..

لماذا سحبتنا إلى عالم المجرات والأفلاك ونحن نحتاج شهادتك على الأرض..

أعترف..

لقد عذبتني هذه النقطة كثيرا..

كيف يمكن للإنسان أن يعلم علم اليقين ثم يكذب..

وكانت الإجابة طوع بناني وقيد بصري لكنني عميت عنها..

تتلخص الإجابة في:"كفار قريش"..!!.

لقد كان كفار قريش متحضرون متمدنون بمقاييس عصرهم.. وكانوا يتمتعون بأرواح وثابة حرة لم يكن يتمتع بها أقرانهم في بلاد الروم أو فارس.. وكان الشعر ديوانهم – وما يزال- يقف معجزا متحديا.. وكانوا شجعانا يعينون الضعيف ويغيثون الملهوف لكنهم كانوا في نفس الوقت يتفاخرون بقطع الطريق  وبالسلب بل وبالقتل..

لم تكن لهم مرجعية يرجعون إليها فتاهت عقولهم كما تتوه سفينة قوية تبحر بلا خرائط..

لذلك عندما ووجهوا برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم أنكروها وكذبوه..

كما قلت لم يكن الصدق عندهم قيمة ومرجعية.. بل كانت مرجعية كل القيم عندهم مصالحهم المادية غالبا والروحية نادرا.. كانوا يؤيدون ويؤكدون ما ينفعهم بغض النظر عن كذبه وزيفه  ويرفضون ما يظنون أنه يضرهم  بغض النظر عن صدقه وكونه حقيقة.

كان هذا نوعا آخر من أنواع صناعة النجوم والشياطين عبر تزييف الوعي وإهدار العقل..

يسير في نفس الفلك المشئوم ذلك اللواء العائد لتوه من الحج ليفخر بأنه جعل الإخوان المسلمين ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين.. وذلك الطيار الأمريكي الفخور بقتل العراقيين كالصراصير.. وذلك الجندي المجرم الذي اغتصب الطفلة العراقية عبير الجنايني ثم أحرقها وقتل جميع أفراد أسرتها ليقول أثناء المحاكمة أنه فخور بما فعل.

ليس هناك منطق.. ليس هناك صدق.. ليس هناك شرف.. توجد ادعاءات بأي من ذلك وإيهاما به وكلما ازدادت درجة الإيهام ازداد الثمن المدفوع..

إن المنطق والصدق والشرف –عند هؤلاء-  ليست قيما إيجابية أو سلبية ولا يكون اتباعها حسنات أو اجتنابها ذنوبا..

هل كان للصدق والحقيقة أي قيمة وأمريكا تخطط لغزو العراق فتنسج أكاذيبها كي تكون ستارا يحمل حروف الصدق تخفي به الكذب..

وثمة طرفة يمكن أن تفسر هذا الوضع-ولعلها حقيقة- تتحدث عن سائح ذهب إلى إسرائيل وبمجرد وصوله إلى الفندق تهافت عليه القوادون يعرضون عليه نساء من مختلف الجنسيات والأعمار.. وازدادت دهشة السائح فقال لهم: "ألا توجد في إسرائيل امرأة شريفة" فأجابوه على الفور: يوجد بالطبع.. لكنها ستكلفك أكثر!!..

الشرف ليس موجودا إذن وإنما محاولة اصطناعه والإيهام به..

الشرف بمعناه الحقيقي غير موجود خارج الدين..

والدين عند الله الإسلام..

لقد كان مشركو قريش يلوون أعناق الحقائق ويقسرون عقولهم الذكية على تصديق الخرافة والجهل كي يسوغوا عبادة اللات والعزى.. ولو أنهم رجعوا إلى عقولهم المجردة لحمتهم من هذا الضلال وذلك  التيه.. لكن كيف يعودون إلى عقولهم وهي سفينة تائهة فقدت بوصلتها فضلت..

كانوا يسوغون عبادة اللات والعزى- دون أي منطق- تماما كما يسوغ هيكل تقديس عصر عبد الناصر –دون أي منطق أيضا- سوى منطق أنه اتخذ إلهه هواه. ومن هذا المنطلق كان حديثه عن هزيمة 67 لا لكي يذكر الحقائق بل ليخفيها ويطمرها بآلاف الحقائق الصحيحة لكنها غير مطلوبة ولتكون الجاذبية هي المسئولة عن تحطيم تحفة لا تقدر بثمن.

لماذا اندهشت كثيرا لمواقف هيكل..

إنها اللغة السائدة.. اللغة التي لا تعرف الحق ولا العدل ولا الصدق بل تعرف فقط الهدف بغض النظر عن الحق وعن العدل وعن الصدق.. لغة على النقيض من الفعل .. تماما كلغة أمريكا وهي تزعم بالكلمات أنها تحرر العراق أما بالفعل فقد كانت تحطمه وتسحقه.

لماذا لم أفهم لغته..

لماذا لم أفهم لغة كل تيك الأحداث..

في كل هذه الأحداث كان افتقاد المرجعية المطلقة هو فقدان البوصلة التي توجهنا وبدونها نضيع..

والمرجعية المطلقة لا يمكن أن تكون إلا الله..

لا إله إلا الله.. محمد رسول الله..