يا لثارات فلسطين

 

ربما دخلت  أمة النار في مجاهد عذبته!

لماذا يخون الحارس؟!

 

 

بقلم د محمد عباس

mohamadab47@yahoo.com

mohamadab@hotmail.com

www.mohamadabbas.net

 

 

أعترف حامدا شاكرا أن الله سبحانه وله المنة قد عافاني من كثير من ابتلاءات الدنيا.. وقد يكون هذا لأنني أقل من أن أبتلى بلاء شديدا فأكثر الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل..

لكنني أعترف أيضا.. أنني عشت حياة صاخبة الألم.. حيث لم يكف عقلي يوما  عن التأجج بحثا عن الحقيقة وسعيا إليها.. ولم  يكف قلبي يوما عن التمزق من أجل عذاب البشر الناتج أساسا عن تضييعهم للحقيقة.

لم أكف في حياتي أبدا عن الألم.. ولم أشعر بسعادة خالصة مع البشر أو الدنيا أبدا.. لم أشعر بالسعادة الخالصة إلا مع الله..قي لحظات نادرة.. أنجو فيها من نفسي الأمارة بالسوء من ناحية ومن غوايات الدنيا وضلالات الأوهام ومتاع الغرور التي تنشب جميعها مخالبها في جسدي فيتمزق الجسد بين أنيابها دون أن يشعر أنه يتمزق.. ويخسر حين تصور له الشياطين أنه يكسب ويفوز.. في تلك اللحظات التي أنجو فيها بروحي أشعر بتلك السعادة التي لا يمكن أن تصفها كلمات  لأنها أجل و أدق في نفس الآن مما يمكن أن تصل إليه الكلمات.. تأتي تلك اللحظات كومضات في حياتي .. لحظات سرعان ما تخبو لأظل باقي أيامي أحاول  المستحيل لاستعادتها  ذلك أن شعوري البشري المحدود يخيل لي أنه لا يوجد فوق تلك النشوة نشوة.. وأنني لا أرضى بها بديلا في الدنيا والآخرة.. ذلك مع الله..  أما مع الناس فليس إلا الألم.. لقد كنت أرى خلف كل سعادة حزنا.. ووراء كل أمل خيبة..وخلف كل حياة موتا.. وخلف كل كبيرة وصغيرة  حسابا  ينزعني من انفعال اللحظة إلى استعادتها يوم الحساب حيث يتلاشى الفرح كما يتلاشى الألم ولا يبقى منهما إلا الخوف الرهيب من الحساب..

سيطر عليّ هذا الأمر منذ قديم، عندما جرفتني الرغبة العارمة في أن أختصر الأمر، كي أري بأول رأيي آخر الأمر، ودفعني ذلك إلى محاولة النفاذ من قشور البدايات حتى أدرك الغايات، لكن إدراك الغايات زهّدني في النهايات ، فتجاوزت الاهتمام بالبدايات والنهايات لأدرك كيف أن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة.. ولولا هوانها على الله ما رزق فيها الكافر بشربة ماء .. وأنها أهون من جيفة ..لذلك كله كنت أنظر في وجه من أحب.. ومنهم الأطفال حيث البراءة والجمال والطهر.. فأسأل نفسي: ما هو شكل جماجمهم؟ وما رائحة أجسادهم بعد الموت ؟ وأين مقامهم في الآخرة؟.. وهذه الضحكة البريئة عمّ تسفر بعد عام  وماذا يحدث لحاملها بعد عشرة أعوام  وماذا يبقى منه بعد مائة عام.

نعم..

كيف يكون الإنسان –عاشق ذاته- وهو رميم..

كيف يكون منظر أجمل عينين والدود يأكلهما..

وكيف يكون أجمل شفتين وقد انحسر لحمهما بعد أن تآكل بل أُُكِل ليترك فكا مفتوح الشدقين..

كيف يكون عناق الهيكل العظمي لحبيبين..

ما قيمة الذهب والمرجان إذا ما تزينت بهما جثة..

ما قيمة الأموال..

كم يبقى من رصيد أي إنسان في أول ليلة له في القبر..

هل يترك أي من ذلك كله سعادة أو نشوة..

وهل يبقى من أي شيء في الوجود شيء دائم إلا وجهه..

في البداية قد تبدو المسافة بين بيتك وقبرك طويلة طويلة..

لكن: في النهاية: كم هي المسافة بين كوخك وقبرك.. بين بيتك وقبرك.. بين قصرك وقبرك.. بين مملكتك وقبرك .. وما هو الفرق ساعتها بين الكوخ وبين البيت وبين القصر وبين الممالك..

ما هو الفرق ساعتها..

وساعتها ما قيمة منظر العينين وجمال الشفتين ونشوة العناق وقيمة الذهب والمرجان في الأعناق..

ساعتها ما قيمة المناصب والحاشية..

كم تساوي ساعتها – يا مخلوق- طاعة مخلوق في معصية الخالق..

كم يساوي يا ملك يا رئيس يا أمير موالاة أعداء الله على عباد الله..

كم يساوي في الميزان حصار غزة.. كم يساوي إغلاق معبر رفح..

كم يساوي الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف..

كم يساوي تعذيب مجاهد..

لقد خبرنا سيد البشر عن امرأة دخلت النار في قطة حبستها..

قطة..

و أنا أخاف والله عليك يا أمة.. أخاف على أمة قد تدخل النار في مجاهد عذبته..

عذبه بعض رجالها فلم تأخذ على أيديهم..

أخاف عليك يا قارئ.. عليك يا أمة..

كم يساوي منصبك يا وزير يا ضابط يا خفير..

كم تساوي المعصية..

وكم يمكن أن تدفع لو تملك يوم لا تملك شيئا كي تفتدي نفسك به..

يوم تموت وينقطع عملك في الدنيا هل تبقى لك من سعادات الدنيا سعادة ومن قوتها قوة ومن عزتها عزة ومن جاهها جاها ومن نشواتها نشوة ومن أصحابك فيها صاحب أو من أخلائك فيها خليل أو من أحبابك فيها حبيب.. وهل يدركك من في الدنيا ليحموك مما ينتظرك في الآخرة؟!..

ثم..

كيف تأمل في النصر يا مليكنا.. يا رئيسنا.. يا فارسنا  يا مسئول حراستنا..

كيف يأمل في النصر من يعلن الحرب على الله..

ولماذا..

من أجل رضاء شيطان أو عدو؟..

من أجل توريث ابن وحاشية..

لماذا..

ولماذا- أكثر- يخون الحارس وينضم إلى الأعداء..

لماذا يهون الفارس ..

لماذا يخون المؤتمن..

ما قيمة أي شيء إذا لم يكن في سبيله..

لا إله إلا هو..

نعم..

هكذا تنسد كل الآفاق فلا يبقى إلا هو..

وتنقطع الآمال فلا يبقى إلا هو..

وتندثر الأحياء والأشياء فلا يبقى إلا هو..

نعم..

نعم..

لقد أدركت قيمة الأشياء فعز العزاء إلا من بارئ الأحياء والأشياء..

***

نعم.. عافاني الله من كثير من ابتلاءات الدنيا..

لكنني عانيت الألم أمواجا صاخبة مصطخبة..

مع الهزائم انهزمت ومع النازفين نزفت ومع المجروحين جُـرحت ومع القتلى قُـتلت بكل قتيل قتلة..

بترت أطرافي مع من بترت أطرافهم..

وتمزقت أشلائي مع من تمزقت أشلاؤهم..

ومع الجوعى جعت ومع العرايا تعريت ومع المحرومين حرمت ومع الخائفين خفت ومع المشردين تشردت  ومع المظلومين ظُـلمت ومع المقهورين قُـهرت ومع المصدومين صُـدمت ومع المخدوعين خُـدعت ومع الملهوفين تلهفت ومع المفجوعين فجعت ومع المحاصرين حوصرت ومع المنسحبين انسحبت ومع الصامدين صمدت  ومع المطاردين طوردت ومع الأسرى المسحوقين بالدبابات وهم أحياء انسحقت  ومع المشنوقين شُـنقت  ومع المحروقين بالنابالم والفسفور والداين احترقت.

ولم تكن تلك هي كل دروب الألم ..

كانت مجرد باب منها وضرب من أضرابها..

ففي باب آخر احترقت بنيران الكتب ما بين عجز الفلسفة وكذب التاريخ ووهن الثقة وجلد الفاجر وهوان الحق والإيمان على الناس وقدرة البشر على الهبوط إلى درجات من الإجرام والخسة لم تتدن إليها أبدا الحيوانات والوحوش.. واختلال الموازين حتى أصبح المسئول كلما ارتفع نجمه وكبر حجمه ازداد توحشه وتضاعفت خسته وجرمه.

قتلني تنافس الناس على الفحشاء والبغضاء ومساوئ الأخلاق تحت مبدأ الحكمة النجسة ليهود: من يقتل أكثر كثيرا هو الذي سيعيش أخيرا.. ذلك هو المكتوب في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة..

قتلني التهافت والسطحية والغباء..

قتلني الكذب ..

وأكثر ما قتلني فيه هو قدرة الناس اللامتناهية عليه..

قتلتني جرأة الأحياء على الله وصبره عليهم..

قتلتني السوانح المهدرة والقلوب العمياء والآذن الصم والأمة المشلولة العاجزة..

قتلني فجر الحكام وتدني الكتاب وخيانة الفكر ..

قتلني انكسار المنطق وتنحية العقل باسم العقل ..

قتلني الحرص الذي أذل أعناق الرجال..

قتلني تحول الرجال إلى ميامس والميامس إلى رائدات تحرير وتنوير وهم في الحقيقة رواد كفر وتعهير ..

قتلني أنهم لم يقتصروا في جهودهم على تعهير النساء بل انطلقوا يبيعون الأوطان ويقدسون العبيد ويرفعون الإماء..

قتلتني خسة الحكام وخيانة الرؤساء وكفر الملوك وتدني الأمراء..

قتلني النفاق والرياء..

قتلني أنهم منعوا في معبر رفح  حتى أكفان الموتى ..

نعم.. حتى تلك فإن السلطات تمنع دخولها إلى غزة

قتلتني خسة من لا يحتاج إلى الخسة.. وسرقة من لا يحتاج إلى السرقة وخيانة من لا يحتاج إلى الخيانة..

قتلني الولاء للأعداء والبراء من الأشقاء..

قتلتني القسوة..

قتلني الذل..

قتلني الهوان والرضا به.. بل السعادة به.. بل ممارسته وكأنه عبادة..

قتلني الجبروت على عباد الله والمذلة أمام أعداء الله..

قتلني أنهم رحماء بالكفار أشداء علينا..

قتلني أن الواشنطن بوست نشرت في صفحتها الأولى يوم 15-2-2009 أن أوباما لا يريد أن يمنح مبارك شرعية" مجانية بلقائه دون ثمن.. وأن هذا الثمن يتلخص في أمرين: الإفراج عن أيمن نور وإصدار عفو عن الدكتور سعد الدين إبراهيم.. قتلني أن الاستجابة جاءت بعد يوم واحد.. وبعد جبل من العناد استسلم العناد وتلاشى.. وأفرج عن أيمن نور- وكم كنت أتمنى منذ البداية ألا يسجن.. ثم تمنيت أن يفرج عنه طول الوقت إلا في حالة واحدة هي التي حدثت في النهاية فملأتني بالذل والمهانة..

قتلني الغباء..

لماذا سجن من الأساس؟ ولماذا لم يفرج عنه قبل الآن حفظا لماء الوجه؟ ولماذا أُخرج الأمر بهذه الطريقة الغبية؟ لماذا لم يفرج عن مجموعة يبدو الإفراج عن أيمن نور بينها طبيعيا.. أن يفرج جماعيا-على سبيل المثال-  عن طارق وعبود الزمر  وخيرت الشاطر ورفاقه الأبرار ومجدي حسين وعن ألف أو ألفين من المعتقلين ظلما. كان ذلك سيغطى على الإفراج عن أيمن نور بما صحبه من فزع وجزع وهلع..

لماذا وصل العناد إلى الحد الذي لا يحرص صاحبه على  الحد الأدنى للكرامة ولو بتغطية مواطن الذل كذبا وزورا!

لماذا يكون العناد الذي لا يستسلم أبدا مع المسلمين فقط وخاصة المصريين وأكثر خصوصية أهل فلسطين.. ولماذا يكون الاستثناء الوحيد هم من يحميهم الخارج..

لماذا ظلمنا الداخل والخارج..

لماذا ظلمنا أبناءنا وأهل غزة و.. و.. و..

ولست أدري كيف ظلمناهم وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أن غضب الله اشتد على من يظلم من لم يجد إلا الله ناصرا..

أهل غزة وفلسطين –ونحن-  لم يجدوا إلا الله ناصرا..

قتلني ذلك..

قتلني أن الدكتور سعد الدين إبراهيم.. وهو أمريكي الهوى والقلب والقالب.. يقول في شهادته على عصر مبارك في قناة الحوار أنه رغم اختلافه الجذري مع حماس إلا أنه –على عكس مبارك- يؤمن بحقها في مقاومة المحتل.. أما مبارك فقد اتخذ-على عهدة سعد- نفس موقف إسرائيل من حماس.. الرغبة في محوها من الوجود..وأنه من أجل هذا فإنه ليس في أمريكا كلها من يدافع عن مبارك إلا اللوبي اليهودي..

قتلني الإصرار على  حصارِ خائفٍ وسرقة طعام جائعٍ وإطلاق الرصاص على لائذٍ مستجير..

قتلتني الردة..

قتلني الكفر..

قتلني أن الألم داخلي لم يكن يُنسى أو يموت بل كان يدفن دون أن يموت ليظل تحت الثرى أشبه بالنائم حتى يستدعيه حدث مشابه فيعود حيا في عنفوانه..

عانيت الألم أمواج ظلمات من تحتها ظلمات.. حتى ظننت أنه لا يوجد من الآلام نوع لا أعرفه..

لكن..

خاب ظني.. وليته ما خاب..خاب ظني لسبب قد يراه من لا قلب له أهون من جميع ما ذكرت..

خاب..

توقفت الدنيا أمام ناظري وتجمدت الأحداث على شاشة عقلي كما يحدث لشاشة عرض أصابها العطب.

تجمدت الشاشة لتصبح هي نفسها شاشة أخرى لأحداث تكاد تكون مستحيلة لأمة مستقيلة توشك أن تغادر التاريخ بعد أن حق عليها القول:

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }(المائدة: من الآية54)..

هل نحن الذين ارتدوا..؟

هل نحن الذين أبغضهم الله..؟

هل نحن الذين سيذهب الله بهم..؟

تجمدت الشاشة..

دهمني ذلك الخوف المروع والألم المبهظ..

إن الإنسان ليخاف الهلاك..

وهو بالتأكيد أكثر خوفا من أن يصيب هذا الهلاك عائلته بالإضافة إلى نفسه..

فكم يكون قدر الخوف إن كان هذا الهلاك سيشمل حيه.. مدينته.. بلده .. أهله جميعا.. قومه جميعا.. وكم يكون قدر هذا الخوف إن كان هذا الهلاك بسبب غضب الله .. بسبب أننا كنا دون المستوى كبشر فأبغضنا الله لأننا لم نحب الله كما ينبغي لجلاله فظهر الأمر المكنون بين الكاف وبين النون فإذا بقدر الله يذهب بنا ليأتي آخرون، يحبهم ويحبونه ..يعبدونه ويجاهدون..

سنتلاشى يا عرب.. سنتلاشى.. لن تعود أمامنا أي فرص للتوبة..

خراب الدنيا وخزي الآخرة..

تجمدت الشاشة..

وجمدني الرعب من التلاشي..

***

أقول خاب ظني لسبب قد يراه من لا قلب له أهون من جميع ما ذكرت.. واكتشفت أن هناك من الآلام ما لم أذق بعد مرارته.. برغم كل ما رأيت..

فالإنسان قد ينجو بعد انهيار جبل  ليقتله بعد ذلك حجر صغير ..

حجر صغير أصابه قبل ذلك مثله عشرات المرات أو مئات.. لكنه في هذه المرة بما يحيط بها من أحداث دامية حمل القاضية..

***

كانت المشاعر جمرا يتأجج مع غزة وفلسطين..

ليست مشاعر الشفقة.. فالأبطال أجدر بأن يشفقوا علينا ولا نشفق عليهم.. إنما هي مشاعر الخزي والعار والعجز والتقصير والقصور وانعدام النخوة والشرف والشهامة وقبل كل هذا وبعده خلل العقيدة.. فما كان يمكن أن يحدث لغزة ما حدث لها ويحدث لو توفر القليل من ذلك.

ليست مشاعر الشفقة بل مشاعر الندم التي يحس بها مجرم يعلم أنه شريك في الجريمة لكن ضميره لم يصح بالدرجة الكافية التي تدفعه إلى الإصرار على إزالة آثار جريمته..

كنا نلقي بالعبء على الحكام..

وكنا صادقين تماما في ذلك..

ولكننا بنفس الدرجة كنا كاذبين..!!..

كنا صادقين لأن الحكام فعلا هم أساس الفساد والخيانة وخلل العقيدة التي تبلورت جميعا فكانت سبب ما يحدث لغزة..

وكنا كاذبين تماما لأنه وإن كان الحكام هم أس الفساد فقد كان في إمكاننا تقويمهم ولو بسيوفنا إن لزم الأمر.

لكن الأمة المنهكة ذات النفس القصير اكتفت باختلاجات كاختلاجات المحتضر أو السكير.. اختلاجات قصيرة ثم سرعان ما تسلم نفسها للغيبوبة..

أنت تعلمين يا أمة سر ممالأة حكامك للأعداء.. تعلمين لماذا هم رحماء بالكفار أشداء علينا.. وبعيدا عن اتهامات الخيانة والكفر- وليس في استعمالها أي عيب- فإن الدافع الرئيسي خلف الولاء للكفار أن الكفار هم الذين يبقونهم في مناصبهم.. ولو أدرك حكامك –يا أمة- أنك قادرة على خلعهم وحسابهم لغيروا موقفهم على الفور.. لا أقول أنهم سيعودون إلى جادة الصواب.. بل أقول أنهم سيوازنون بين الخطرين ويدرءون الأعظم بالأقل.. فلو وجدوا أن الأمة أقدر على خلعهم من قدرة الكفار على إبقائهم لانتموا للأمة على الفور كأي انتهازي منافق.. ولا يعنينا نفاقهم ولكن ما يعنينا أداؤهم حتى ولو كان الجانب السلبي منه. الأمة مدانة إذن.. يجللها الخزي والعار.. وكانت تنتظر من حكامها وقد ابتلوا أن يستتروا..  ولكنها بدلا من مشاهدة التعبير عن الندم والخزي تفاجأ بالعكس..

***

نعم..

خاب ظني.. ووجدت نوعا جديدا من الألم..

جاء الخبر في البداية على استحياء ثم ما لبثت الفضيحة أن انفجرت فانفجر بركان النار وسرى في عروقي وأحرق كبدي..

لم يكن الخبر  لقيطا بل كان منسوبا إلى مصادره فقد نقلت (رويتر) عن الجزيرة نت  أن جرحى فلسطينيين تلقوا العلاج في مشاف مصرية وعادوا إلى قطاع غزة قد أبلغوا قناة الجزيرة أن قوى الأمن المصرية حققت مع بعضهم، وطالبتهم بمعلومات عن أماكن تصنيع الصواريخ وكيفية تهريب الأسلحة إلى القطاع. وقال عدد من الجرحى للجزيرة نت إن القوى الأمنية المصرية حققت في المشافي مع عدد منهم بشكل عنيف، وهددت الرافضين للتحقيق بالملاحقة وعدم السماح لهم بإكمال العلاج في المشافي المصرية. وأوضح المصابون أنهم بعد أن تماثلوا جزئيا للشفاء خضعوا للاستجواب من قوى الأمن المصرية الذين طلبوا منهم الإدلاء بمعلومات عن المقاومة، كما طالبوهم بعدم العودة لمساعدة حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وقال أحد الذين بقوا للعلاج في مصر باتصال هاتفي مع الجزيرة إن قوى الأمن طلبت منه إبلاغ المقاومة في غزة بأن القاهرة لن تسمح لهم بتهريب السلاح إلى غزة، ولن تسمح لحماس بإعادة بناء قدراتها من جديد. وأوضح الجريح أنه فور تعافيه من الإصابة طلب منه الطبيب الانتظار في غرفة جانبية بالمشفى، ومن ثم جاء إليه محققون من المخابرات وتعهدوا له ببقاء ما يدلي به من معلومات طي الكتمان. وأضاف "سألوني عن المقاومة وكيف تخزن أسلحتها وكم يمكن أن تصمد فصائل المقاومة في غزة في وجه إسرائيل، مشيرا إلى أنهم طلبوا منه معلومات عن حركة حماس وقياداتها "المختفية". وقال أيضا إنه في البداية كان التعامل معه "لطيفا للغاية" لكنه حين أنكر معرفته بالمقاومة ضربه أحد المحققين على مكان الجرح، وقال له "لا تكذب أنت من حماس وكتائب القسام، ويجب أن تتحدث وإلا فلن نسمح لك بإكمال العلاج وسنرميك كالكلاب".

كانوا يعذبونهم..

ولم يفقد المجاهدون حتى أثناء التعذيب حرصهم على الصلاة لأوقاتها..

وكان أمننا-أمن إسرائيل- يمنع عنهم الماء كي يحرمهم من الوضوء والصلاة..

وكانوا يتيممون ليقيموا الصلاة..

يا أمن إسرائيل والشيطان..

***

هدني الحزن.. أذهلني الحزن  روّعني الاشمئزاز..

أصابتني الضربة يا قراء في قلبي..

في خبر آخر قرأت أن الضابط ضربه على عظامه المكسورة..

كان قلبي هو المكسور وأصابتني الضربة فيه..

صرخت دون صوت..

صرخت الكلمات والحروف  وبكت السطور..

أي عقاب هائل يستحقه من فعل هذا..

أي عقاب هائل يستحقه رؤساؤه جميعا وأمته جميعا..

صرخت إلى عالم من علماء الدين:

-   ليتني كنت أملك صلاحية الإفتاء أو ما يؤهلني من علم لأفتي بعقاب المجرم الذي يعذب مجاهدا بأقصى عقوبة في الإسلام.. ما أشد حزني وعجزي لأنني لا أملك إلا قلمي.. سوف أكتب به مناشدا علماءنا كي يروا رأيهم في هذا الأمر.. وسوف أقترح عليهم الحد الأقصى للعقوبة.. أن يأمروا وليّ الأمر بتطبيق حد سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم عليه.. القتل دون استتابة..

وأجابني صديقي العالم:

-   ولكننا غير محتاجين  إلى تطبيق هذا الحد فالعقوبة موجودة فعلا.. ذلك أن العقاب الديني-والمدني أيضا- لمن يساعد العدو أو يتجسس له أثناء الحرب هي القتل في الميدان.

***

لست عالما في الدين.. ولكنني أحدثكم بما أفهم منه فقوموني حين أخطأ.. إننا أهل السنة والجماعة لا نكفر مرتكب الكبيرة- ولا نشهد له بالإيمان أيضا- فنحن لم نشق عن قلبه حتى يظهر منه كفر بواح.. بمعنى أنه لو أن طاغوتا سفاحا مجرما قتل المئات والآلاف من المسلمين  بتأول خاطئ أو بفهم سقيم فهو مرتكب كبيرة وفاسق.. وقد يكون ما يزال مسلما.. لكنه إن أطاع مخلوقا وهو يعلم أنه يعصى الخالق فقد بدأ الشك في إيمانه.. فإن أعان العدو على مسلم فهو منهم وقد خطا نحو الكفر.. فإن كان هذا المسلم مجاهدا فليس في كفر من يعين عليه شك.

***

يصرخ محمد صالح المسفر محتجا لا على منع الطعام والشراب فقط بل على منع السلاح:

"من أكثر الأمور ألما علينا نحن الشعب أن نرى إسرائيل تتزود بكل أسلحة الدمار الشامل في الوقت الذي تتآمر بعض الدول العربية وأولها مصر مع المجموعة الأوروبية والأمريكية وإسرائيل بمنع تزود أهلنا في قطاع غزة وفلسطين عامة بسلاح للدفاع عن النفس وردع المعتدي على أعراضهم وممتلكاتهم ومقدساتهم"..

ثم يندد بمن يتهمون حماس بالإرهاب بينما يعترف اليهود والصهاينة بالعكس:

" لقد كتب الصحافي الإسرائيلي عكيفار الدار مقالا في صحيفة هارتس في 3 شباط (فبراير) ' أن حماس ليست تنظيما إرهابيا، وإنما حركة جماهيرية فازت في الانتخابات التي جرت بموافقة الأسرة الدولية وحكومة إسرائيل' ويقول: 'إذا جاز أن نقبل في حكومة الائتلاف الإسرائيلية حزب 'إسرائيل بيتنا' المتطرف فبإمكان حماس أن تفعل نفس الشيء. لم يمل رهط السلطة العباسية في رام الله من ترديد كلمة 'انقلاب' وراح كتاب 'المارينز' على امتداد الوطن العربي يرددون ذات الكلمة، ومن حقنا أن نسأل، ألا يعني الانقلاب على أي نظام حكم إلغاء أو تعليق الدستور المعمول به، وحل الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة، والقبض على أركان الحكومة المنقلب عليها وتقديمهم للمحاكمة. كل هذا لم يحدث في حالة غزة. والحق أن الانقلاب الحقيقي قد تم في رام الله على السلطة الشرعية المنتخبة وذلك بتشكيل حكومة لم تنل الثقة من المجلس التشريعي، كما أن الرئيس محمود عباس بقي في مركزه كرئيس إلى أن انتهت ولايته دستوريا في التاسع من كانون الثاني /يناير هذا العام."..

ثم يصرخ المسفر في رجالنا في القاهرة:

نسأل السلطة الحاكمة في القاهرة، لو تمرد ضباط وجنود الأمن المصري على تنفيذ أوامر رئيس الوزراء أو وزير الداخلية، وتم اكتشاف ارتباط هذه القوى المتمردة بقوى أمنيه خارجية، ماذا سيكون قرار الحكومة المصرية من ذلك التمرد؟ حتما وبلا مقدمات سيتم القبض عليهم ومطاردة الفارين منهم، وذلك ما حدث في غزة. فهل يسمي ذلك انقلابا أم تطهيرا لأجهزة الأمن؟..

***

يا ضباط أمننا.. أو بالأحرى ضباط أمن عدونا.. يعلم الله وتعلمون أنني أبغضكم في الله.. قلت ذلك لكم منذ أعوام طويلة وما زلت بفضل الله مثابرا عليه.. لكنني والله رغم بغضي لكم أشفق عليكم.. لأنني أدرك أن من غسل مخ الأمة غسل أدمغتكم وأدرك أن بعضكم وربما الكثيرين منكم لا يعلمون أنهم عندما يعينون يهود على مجاهد أو يعذبون مسلما لكي يصرفوه عن الإيمان إنما خرجوا من الإسلام على أجنحة الكفر.. خسروا الآخرة و إن كسبوا الدنيا..وإن كنت أظن أنهم يخسرون كليهما.. وإنني برغم سوء ظني بكم.. أدرك أن الكثيرين منكم عندما يدركون أن ما يرتكبونه هو الكفر بعينه سوف يقلعون على الفور عنه حتى لو قام زملاؤهم بتعذيبهم بل وبقتلهم.

أدرك ذلك..

وأدرك أن جزءا من غسيل المخ الذي أجري لهذه الفئة الضالة مسئول عنه فقهاء الشيطان وعلماء السلطان الذين يتنزل عليهم وحي الشيطان والموساد والمخابرات الأمريكية ووزارات الثقافة العربية..

ولما كان الأمر كذلك فإن واجب العلماء الحقيقيين أن يصرحوا بأعلى صوت أن هذا الفعل أو ذاك التصرف كفر.. وواجب الأمة أن تتولى نقل هذه الفتاوى فهذا هو أضعف الإيمان.. إننا نواجه أعتى وأحدث وأفجر وأقوى وسائل الإعلام في التاريخ.. لكننا مكلفون فقط بما نستطيع أما النصر فمن عند الله.. ولو أن كل واحد منا تكفل بأن ينقل الحقائق إلى عشرة من إخوانه وأن يكلف كل واحد منهم أن يفعل فعله لانتشرت الصحوة في الأمة كلها.

من أجل ذلك فإنني أقولها بل أصدح بها أمام العالمين:

-      من عذب مسلما ليصده عن الإسلام فقد كفر..

-      ومن عذب مجاهدا كي يستنطقه بأسرار قومه وجيشه فهو كافر..

أصرخ بها..مرعوبا من أن أخطئ في نقل الفتوى أو تنزيلها..

لكنني أناشد العلماء والفقهاء في كل أركان العالم الإسلامي أن تنحو الفتوى نحو مزيد من التعيين.. بأن نقول أن من عذب مجاهدي حماس كافر..

المطلوب منا أن نشكل لجانا على مستوى العالم تطارد هؤلاء المجرمين كما تطارد يهود من عذبوا اليهود..

يجب أن نفضحهم وأن نظهر للعالمين ردتهم..

ذلك أن ضباط أمن الشيطان وفقهاء السلطان الذين يملكون وسائل الإعلام يملكون أن يلبسوا الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق ليقولوا أنهم يعلمون الفتوى لكنها لا تنطبق على مجاهدي حماس.. لذلك أرجو التعيين.. وأرجو أن يتلقف خطباء المساجد هذا الأمر ليذيعوه بين الناس.. بل أرجو أن يتلقفه كل قارئ ليذيعه.. وأرجو من المجتمع.. من الأمة أن تعامل من تنطبق عليهم فتوى الكفر ككفار..فلا تزوجهم ولا تورثهم ولا تدفنهم في مقابرها..

***

لقد ذهبت زوجة أحد ضباط الشرطة لدار الإفتاء المصرية لتستفسر عن شرعية ما يفعله زوجها،وتوجهت إلى الشيخ أحمد وسام وكان هذا نص السؤال : أنا سيدة متزوجة من أحد ضباط الشرطة، و عرفت منذ فترة أنه يعامل المتهمين معاملة سيئة لدرجة أنه متهم الآن في قضية تعذيب لأحد المواطنين ، و قد علمت هذا من زوجة أحد زملائه ، و عندما واجهته بأن هذا حرام لأن الله لا يرضى أن يهين عبد عبدا مثله وأن للجسد حرمة إلا أنه قال لي إن ما يقوم به حلال وليس له علاقة بالدين و إن رؤساءه قالوا لهم إن هذا جزء من عملهم و هو يشعر بسعادة كبيرة عندما يحصل على اعتراف من المتهم بعد تعذيبه ، و لعلم فضيلتك هو يصلى و يصوم و عمل عمرة . وسؤالي هو:هل يقبل الله صوم وصلاة زوجي ؟علما أنه يشعر بسعادة وهو يمارس هذه الأفعال حسبما أكد لي، وما جزاؤه على هذه الأعمال ؟"

وكان رد الشيخ:

هذا الفعل من تعذيب الناس حرام شرعا وينقص من ثواب المسلم و الصلاة والصيام لا يغفران هذا الفعل الشنيع

***

كان هذا رد العالم على من يعذب متهما يحتمل إجرامه وليس مجاهدا في سبيل الله ..

***

ولقد سئل  الدكتور محمد رأفت عثمان عن رأى الشرع  في قيام بعض ضباط الشرطة بتعذيب المواطنين فقال :

تعذيب الإنسان من أكبر الكبائر لأن الله عز وجل كرم الإنسان وفضله على كثير من خلقه ، والذي يعذب إنسانا هو في نفس الوقت يهين ويدنس كرامته ، و قد قال رسول الله "دخلت إمرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشائش الأرض" فما بالنا بجرم تعذيب الناس لا الحيوانات.. وهو الذي يعد من أكبر الجرائم و يدل على خسة الذي  يقوم بهذا الفعل.

***

يا أمة..

قد تدخلين النار في مجاهدي حماس الذين عذبهم بعض أبنائك..

يا أمة..

اتقي فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة..

يا أمة كثر فيها الخبث فلم تأخذ على يد الظالم.. ستهلكين..

يا عرب.. ويل للعرب من شر قد اقترب..

***

لقد كتبت منذ أعوام مشيدا بفتوى بإهدار دم من مارس التعذيب، وهي فتوى انتظرتها طويلا، بل وناشدت فقهاءنا منذ أعوام و أعوام أن يصدروها، ليس ضد من يمارس التعذيب فقط، بل – و إن كان بصورة أقل-  ضد من يزور الانتخابات، أو يكذب على الناس عامدا متعمدا، فيعينه الطاغوت وزيرا أو رئيس تحرير أو مدير إذاعة أو وزير ثقافة.

انتظرت تلك الفتوى طويلا حتى فوجئت بوكالات الأنباء ترددها على استحياء، وبأقصى درجة ممكنة من التعتيم والإيجاز. فلم نفهم إلا أن مرجعا شيعيا عراقيا أصدر هذه الفتوى ضد من مارس التعذيب من أعضاء حزب البعث العراقي، ومن المؤكد أن الفتوى – طالما كانت دينية لا سياسية- لا يمكن أن تصدر بهذا الشكل، إذ لا يستساغ  أن يهدر دم البعثي الذي قام بالتعذيب بينما يعفى من العقاب عضو الحزب الوطني، أو الحرس الوطني أو ما شئت من ألقاب، إلا بذات المنطق الإجرامي السفيه، الذي تعفي به الأمم المتحدة الجنود الأمريكيين المجرمين من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية.

الفتوى التي أصدرها الشيعة بالأمس ستصدر عن السنة غدا، والدماء التي ستهدر في العراق غدا ستهدر في كافة أرجاء العالم الإسلامي بعد غد، ولن يعصم الكفار المجرمين من العذاب عاصم.

أخشى  أن يكون العسكر في عالمنا الإسلامي قد قاموا بالدور الذي أناطته بهم بروتوكولات حكماء صهيون.. بحذافيره.. لم يكن في الأمر أي خدعة ولا سوء فهم ولا سوء تقدير .. و إنما كان كل شئ مخططا بعبقرية الشيطان، وكانت قوى العسكر تدرك أنها تدمر أمتها الإسلامية كي تقدمها لقمة سائغة لأعداء الله والأمة، كانوا يدركون ذلك دون ريب أو شك أو التباس، وكانوا يحصلون على الثمن الذي باعوا به دينهم ووطنهم. ولكي لا أظلم فإنني لا أقول أن المعرفة كانت موزعة على الجميع بالقسطاس، لكن، كما أن القانون لا يعفي المغفلين، فإنني أحسب أن الله لا يغفر للمنافقين – ما لم يتوبوا- .

و أريد أن أكرر أن العسكر لم يكونوا وحدهم في مركب الخيانة والنفاق، بل إن على الأمة الآن أن تراجع غفلتها التي أسلمتها إلى ما صارت إليه، وعليها أن تدرك أن الأمر بالنسبة للحكام أيضا لم يكن سوء تدبير أو خطأ تقدير، بل كانوا جميعا – وبلا استثناء طوال القرن الأخير – لعبة في يد الصليبية الصهيونية، لعبة بمعني العمالة المباشرة في أغلب الأحوال، العمالة المباشرة التي جعلت ذلك الملك الضليل يتعهد بأن يثير الفتن دائما مع إخوته العرب والمسلمين( هل هم إخوته؟ وهل هو مسلم؟) في نفس الوقت الذي يتعهد فيه ألا يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل، كما جعلت هذا الرئيس المجرم يتعهد بمطاردة المسلمين أبدا، لمصلحة إسرائيل و أمنها.. بإدراك كامل لما يفعل وبإدراك كامل أن هذا هو الثمن الذي ينبغي عليه أن يدفعه للاستمرار في الحكم، بشخصه أو بنسله.

نعم.. في أغلب الأحوال كانت العمالة المباشرة الواضحة الصريحة المبنية على تعهدات مكتوبة هي الصيغة المعتمدة، وفي أحوال أقل، تعهدت المؤسسة الأمنية المخترقة، والمؤسسة التي تدعي الانتساب إلى الدين، تعهدت بتقديس حكام سيماهم الغباء والحماقة والجهل والغفلة، وقد كان تأثير هؤلاء لا يقل فداحة عن تأثير من مارسوا الخيانة المباشرة، واتفق أولئك وهؤلاء على استبعاد الإسلام الحقيقي كمحرك للصراع والجهاد والمواجهة.

***

كان بعض جهاز البوليس هو أداة الحاكم الخائن في تدمير أمته.

لست أدري كيف رضوا أن يتحولوا إلى ضباط أمن إسرائيل..

يا إلهي.. أرضيتم غير الإسلام دينا..!!

سوف نخطئ كثيرا إن نحن تصورنا أن جهاز الأمن الغبي الباطش الجبار قد مارس سلطاته في حدود الأمن فقط.. ولا حتى بالمفهوم الممسوخ المشوه الذي يعني أنه قضى على الأمن، و أنه كالسرطان، قام بعكس وظيفته، بل بمفهوم رهيب ومروع  أكثر بشاعة مما يمكن أن يصل أي خيال إليه.

في العصور المتوحشة، وحروب الصليبيين، لم تكن هناك مرتبات للجند، بل كان الطاغوت يعطى الأجر لجنوده بطريقة مجرمة غريبة، إذ كان يبيح لهم استباحة البلاد التي انتصروا عليها فينهبوا ثرواتها ويغتصبوا نساءها ويرتكبوا ما شاءوا من الجرائم فيها بغير حساب، وعلى قدر إجرام الحاكم وعسكره كانت فترة الاستباحة تطول وتقصر، لكنها لم تتجاوز أبدا أياما أو أسابيع كانت وطأة الطاغوت وعسكره تقل وقبضتهم ترتخي. ولم يحو التاريخ فيما أعلم طواغيت كطواغيتنا، وجبابرة كجبابرتنا، أباحوا  لعسكرهم  دماء المسلمين و أعراضهم وثرواتهم منذ عشرات العقود، كان العقد الشيطاني بين الحاكم وعسكره: دعوني أستبيح الحكم واستبيحوا أنتم الأمة.

وكما أن عملية استباحة الحكم لم تكن عملية بسيطة بل كانت عملية خيانة كاملة بالغة التعقيد والتشابك في الداخل والخارج، فإن استباحة الأمة أيضا كانت كذلك، فلم يقتصر البطش على إجراءات الأمن، والتعذيب والإعدام، بل تجاوزه إلى سيطرة كاملة وتحكم كامل في جميع نشاطات الأمة المستباحة. ابتداء بالصحافة والإعلام، ومرورا بالثقافة والأدب وانتهاء بإفساد القضاء.

كل اسم لامع تقرأونه يا قراء – فيما عدا استثناءات نادرة – لم يصبح لامعا إلا بعد أن اعتمدته أجهزة الأمن.. وفي أغلب الأحوال صنعته..

كل أديب وكل مذيع وكل كاتب وكل مفكر وكل وزير وكل محافظ وكل مسئول وكل أستاذ جامعة وكل..وكل..وكل..

بل و أقول أيضا أن اتجاهات فلسفية ملحدة كالعلمانية والقومية والحداثة وما بعد الحداثة والنسبية (الفلسفية لا الفيزيائية) لم يكن لها أن تترعرع في مجتمعاتنا بدون الرعاية المباشرة والدعم المتواصل والحماية الكاملة من جهاز الأمن الغبي الباطش الجبار، حيث لم تقتصر الرعاية على دعم هذه الاتجاهات بل تجاوزتها إلى سحق الحركات الإسلامية التي قامت هذه الحركات للقضاء عليها تحت إشراف وبتحريض جهاز الأمن الباطش الذي أعطى مواثيقه للشيطان للقضاء عليها.

لم يفلت من بطش العسكر إلا من حظي بشهادة أنه عميل لجهة أعلى.. لمخابرات أجنبية..

و إذا قيض للأسرار أن تكتشف فسوف يقتلنا الذهول عندما نكتشف العلاقات الخفية المحرمة بين هؤلاء جميعا وبين الأمن..

حتى على مستوى الطلبة في الجامعة.. يقسمهم الأمن إلى فئتين: فئة العملاء المتعاونين، وفئة غير المتعاونين الإرهابيين.

ونحن لا نتحدث على مستوي السذاجة التي تتحدث بها أجهزة إعلامنا، ولم ندّع ولم نقل أن كل واحد من المليون شرطي قد قابل رئيس الـ CIA ، ولا أن كل واحد من المليون جندي قد تم تعميده في الموساد، ولا نقول حتى أن كل وزير أو محافظ يتلقى تعليماته اليومية المباشرة من هناك.

لا أقول ذلك، وإنما تكفلت عبقرية الشيطان أن تخلق الآلية والمنهج التي جعلت مجتمع النخبة في عالمنا الإسلامي يخون الأمة ويقودها نحو الهلاك.

ولقد كان من المستحيل أن يتفق الجميع ويتواطئوا على الخيانة المباشرة..

وكانت أوكار المخابرات قد اكتسيت خبرتها الهائلة عبر القرون.. وابتدعت آلية ومنهجا..

وكان المنهج بسيطا جدا: إلغاء الإسلام كمرجعية..

إلغاء الولاء والبراء..

إلغاء الحلال والحرام..

وبعدها أصبح كل شئ مباحا..

وأمكننا أن نسمع ونقرأ ونرى من يدافع عن الإجرام والكفر والشذوذ ويهاجم أهلنا في غزة..

كانت هذه هي ثمار النباتات الشيطانية التي رسمت بمعرفة الأمن كي تكون مفكرين وكتابا تنشر مقالاتهم في أوسع الصحف انتشارا وبأكبر الأبناط.

سيطر العملاء على كل شئ.. ولوثوا كل شئ وباعوا كل شئ..

أهدر الخونة المجرمون دم الأمة واستباحوها وصادروا كل محاولة للدفاع عنها بقتل المجاهدين أو بسجنهم وتعذيبهم لتحطيمهم وصرفهم عن الإسلام..

ولقد تأخرت كثيرا الفتوى بإهدار دم من يمارس التعذيب..

وربما لو صدرت في الوقت المناسب لما أمكن للدائرة الخبيثة أن تكتمل.

وما أشد عتابي على فقهاء السنة أن لم يبادروا هم بذلك..

لقد استطاع علماء الباكستان مواجهة طاغوتهم حتى أسقطوه في النهاية بعد أحداث المسجد الأحمر.. فقد أصدر العلماء فتوى بأن من يوجه سلاحه إلى الأمة من جنود الجيش مرتد ولا يجوز التعامل معه ولا مصاهرته ولا يدفن في مقابر المسلمين..وفعلا .. رفضت القبائل أن تتسلم أبنائهم القتلى من جنود الجيش لأنه لا يجوز دفنهم في مقابر عائلاتهم وقد كفروا..

***

لقد كان التعذيب الذي مارسته أجهزة الأمن في طول عالمنا الإسلامي وعرضه من أهم العوامل التي أدت إلى الهزيمة الواقعة.. الهزيمة البشعة الرهيبة المروعة.. التي أذلت الأمة كما لم تذل أبدا.. تلك الهزيمة لسنا نحن المسئولين كليا عنها.. فلم يكن لنا من الأمر شئ عندما وقعت..

كانوا هم في السلطة .. ولاة الأمر..

وكنا معزولين مضطهدين مطاردين مسجونين معلقين على المشانق..

كانت صحفنا تغلق.. و أصواتنا تخنق.. ورؤيتنا للصراع مع أعدائنا يُسخر منها.. وكان أبناؤنا يعذبون عذابا لم يشهد له التاريخ مثيلا..

ولاة الأمر هم الذين انهزموا..

ولاة الأمر ودينهم العلماني الوضيع وسياساتهم الخائنة هم الذين انهزموا..

أما الإسلام والمسلمون فلم يسمح لهم بدخول الصراع أصلا.. وكان رجال الأمن – عليهم من الله ما يستحقون- هم أداة الحاكم في عزلهم عن الصراع.. وكان عزلهم عن الصراع هو سبب هزيمة الأمة.

****

لكم كنت أتمنى أن أخدع نفسي وأن أنجح في إقناعها بأن أصدق تأكيدات وزارة الخارجية المصرية بنفي تعذيب الفلسطينيين الجرحى اللائذين بنا.. لكن الوقائع كانت دامغة..

بل لقد  استنكر نواب مصريون "استجواب الجرحى الفلسطينيين وتعذيبهم في المستشفيات المصرية"، وأدانوا "دور رجال محمد دحلان على الجانب المصري للمعبر".

واتهم النواب الذين يمثلون المعارضة والمستقلين، في مؤتمر صحفي عقدوه بالقاهرة بعد منعهم من دخول غزة عبر معبر رفح، النظام المصري بالتواطؤ مع أميركا وإسرائيل لإحكام الخناق حول غزة وإنهاء سيطرة حركة حماس في القطاع. وكشف الدكتور حمدي حسن عضو المجلس من الإخوان عن وجود رجال أمن فلسطينيين تابعين للقيادي في حركة فتح محمد دحلان، على الجانب المصري لمعبر رفح للتعرف على هوية الجرحى الذين دخلوا مصر للتعرف على أنصار حماس، "وهو ما أكده ما سمعناه عن تعذيب جرحى فلسطينيين في مصر، ونقل عن سكان في رفح أن قوات دحلان كانت على معبر رفح تنتظر العدوان لاجتياح غزة".

وربما يشكك البعض في شهادة الإخوان والله يعلم إنهم صادقون.. لكن  الأستاذ محمود سلطان رئيس تحرير (المصريون) يكتب  بتاريخ 23 - 1 – 2009عن هذه الكارثة التي كان لها تأثير كبير على الرأي العام العربي.. كما أضاف تفصيلات جديدة عن أن الأسئلة التي وجهت للمصابين الفلسطينيين كانت تستفسر عن تسليح حماس، وصناعة الصواريخ وأماكن اختفاء القادة!.

ويعلق سلطان بدهشة قائلا:  وهي أسئلة تهم أساسا "الإسرائيليين"! فأي مصلحة لمصر، في أن تعرف ـ مثلا ـ مكان "اختفاء" قادة حماس؟! أو أن تجمع تقارير عن صواريخ المقاومة، رغم أنها موجهة للمدن الإسرائيلية وليس للمدن المصرية؟!.

لقد كتب ضياء رشوان في نفس الاتجاه محذرا الأمن من مغبة ما يقال.. كما أوردت الصحف المستقلة شهادات العشرات ممن مورس التعذيب عليهم.

وهذان لا يمكن حسابهما على الإخوان المسلمين..!!.

****

لا أريد أن أستفيض فيما قاله القيادي طلال الهندي (47 عاما) أحد قادة القسام الذراع العسكري لحماس إنه عذب على أيدي الأمن المصري خلال فترة تحقيق استمرت 33 يوما.

ولا فيما كشفه صابر الدريملي (24 عاما) الذي يعمل سائقا لموكب رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية وأحد مرافقيه، أنه خاض تجربة مشابهة. قال الدريملي كنت طوال فترة التحقيق معصوب العينين مكبل اليدين بالحبال إلى الخلف، وبدأ المحققون باستفزازي تارة بالضرب، وتارة بنزع شعر لحيتي وتوجيه الضربات واللكمات والضرب الشديد على رأسي، ثم تعريتي وضربي".

***

كم كنت أتمنى أن أكذب ما أقرأ.

لكن..

هل أستطيع أن أخدع نفسي  عن منهجية التعذيب في مصر.. ولنفس السبب.. الدفاع عن الحاكم وأمريكا وإسرائيل..؟!.. وتقديم الإسلام-وليس الإخوان المسلمين- قربانا للمعبد والصليب..

هل أستطيع أن أنسى ما قرأته قبل أكثر من عام عن  مناشدة  ذوي المعتقلين الفلسطينيين في السجون المصرية الرئيس المصري، حسني مبارك، التدخل للإفراج الفوري عن أبنائهم المعتقلين، مؤكدين أنهم يتعرضون للتعذيب. وفي مؤتمر صحافي عقد في غزة، طالب عدد من الفلسطينيين الذين أفرج عنهم أخيراً من السجون المصرية القضاء المصري بمحاسبة المسؤولين عن التعذيب الذي تعرضوا له خلال اعتقالهم في السجون. ودعا المفرج عنهم السلطات المصرية إلى إعادة ما تبقى من ممتلكات خاصة ونقود وسيارات صودرت منهم بغير وجه حق، موضحين أن ما تعرضوا له يضر بسمعة الأمن المصري ولا يخدم العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والمصري. وأكدوا أنهم فوجئوا بما لاقوه في السجون المصرية من تعذيب وإهانة للكرامة البشرية، مؤكدين أن السجون المصرية كانت مسالخ بشرية، يمارس فيها التعذيب بشكل أقسى مما تمارسه إسرائيل.

***

يا إلهي..

أقسى مما تمارسه إسرائيل..

أتذكر ما قاله لي –منذ أعوام طويلة- أحمد من العريش وهو يقارن بين معاملة الأمن المصري ومعاملة الموساد.. وأنه لولا الإسلام لفضل الموساد..

لم أقل له يومها رأيي الشخصي-فهو مجرد رأي وليس بفتوى- أن من عذبوه ليصرفوه عن لا إله إلا الله أكثر كفرا من الموساد..

أخجل من أن أكرر تفاصيل ما قال أحمد من العريش.. وأشعر بالخزي والعار..

***

لا أريد الدخول في كثير من التفاصيل.. فلا المساحة المتاحة تحتمل ولا القلب المسحوق يحتمل..

إن دم مجاهد من حماس يهدر أعظم عند الله من الكعبة..

كما أن جريمة تعذيب مجاهد واحد أكبر من الدنيا وما فيها..

لقد ثبت الأمر.. ولقد عذبهم أبناؤنا..

لقد افتضح الأمر ولم يعد ثمة جدوى من الإنكار وربما لا تفيد التفاصيل إلا مضاعفة الألم..

لا أريد أن أسرد أسماء المعذبين ولا التفاصيل المشينة المجرمة لكيفية تعذيبهم..

***

لا أريد أيضا التحدث عن أمر موجع.. وهو قيام أشاوسنا عليهم لعنة الله والمسلمين إلى يوم الدين بمصادرة 12 مليون دولار مع أيمن طه القيادي بحماس وهو يعبر من مصر إلى غزة.. لا أريد أن أستفيض في استعراض كيف أن الأهرام نشرت في اليوم التالي أن الأموال وضعت في حساب فلسطيني خاص يتبع حماس.. لكنها في اليوم التالي مباشرة بدت من الذعر في غاية وهي تقر نادمة وتعترف تائبة –وكأنما ارتكبت إثما من كبائر الذنوب- أنها أخطأت فيما نشرته وأن الأموال صودرت وأودعت في حساب مصري..  لكن هذه الشجاعة لم تستمر 24 ساعة أخرى كي تصارح الناس بالفضيحة.. لقد استولت أمريكا على المبلغ بحجة حكم قضائي صادر بالتعويض ضد حماس باعتبارها منظمة إرهابية!! (ياسر الزعاترة-القدس العربي).

الهمام الأشوس-عليه لعنة الله- صادر أموال المسلمين الجياع في غزة لتستولي عليها أمريكا..

عليه لعنة الله هو من أمر ومن وافق أيا كان.

هذه الأموال قيل زورا أنها أموال إيرانية.. و أنا أظن بل أؤكد أنها أموال الجياع في مصر آثروا بها إخوانهم في فلسطين رغم أن بهم خصاصة..

ولقد كان مقبولا أن ينسب الأمر لإيران بدلا من أن تقوم أجهزة الأمن باعتقال كل من تبرع ولو بجنيه أو بعض جنيه..

ذلك إرث قديم وكفر قديم..

هل يظن القارئ أنني أبالغ.. كلا والله.. ودليلي أن مثل هذا حدث لوالد الدكتور محمد مورو - رئيس تحرير مجلة-المختار الإسلامي- الذي ضبطه أشاوس الأمن يتبرع بجنيهات قليلة لأسرة معتقل منذ نيف وخمسين عاما.. فاعتقلوه وسجنوه .. وفي السجن قتلوه..

ربما من أجل هذا لم يعترف أيمن طه أن جياع مصر هم مصدر هذه الأموال التي صادرتها مصر..

هذه الأموال استولت عليها أمريكا.

فهنيئا لك يا عبد الشيطان الذي صادرتها وأبشر إنك من أصحاب النار..

***

لا أريد أن أتحدث طويلا عن منع الأطباء والأجهزة والأغذية.. ولا عن فضيحة منع أحمد منصور وغسان بن جدو..

فقط أورد القليل جدا مما كتبه أحمد منصور:

... تعرفت في اليوم الأول علي كل من كورت جورنج النائب الأول للمدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية وهو أمريكي يقيم في واشنطن ، وزميلته نانسي هوكر وهي بريطانية تعمل مسئولة للحملات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة ، وقد جاءا كوفد من المنظمة "(…)   كان كورت ونانسي لديهما دأب وإصرار عجيب علي الدخول إلي غزة وتوثيق الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني ، في بعض الأحيان كنت أجدهما وقد استبشرا بمكالمة أو اتصال ثم يملأ الإحباط وجهيهما مرة أخري ، ثم يعودا معي في المساء إلي الفندق وهما بين الدهشة والذهول مما يحدث ، قلت له : كورت ... هل تعرضت لمثل هذا في أي من مهمات عملك طوال عشرين عاما في منظمة العفو الدولية ؟ قال : " علي الإطلاق هذا شيء غريب لا أكاد أصدقه ، وما يؤلمني هو أن مصر تمنعنا من دخول قطاع غزة لنوثق تجاوزات قامت بها إسرائيل ضد الفلسطينيين وليس مصر فلماذا تمنعنا مصر ؟ " .

يواصل أحمد منصور:

.. جاء وفد علمي من أساتذة الجامعات المصرية برئاسة الدكتور عادل عبد الجواد رئيس مجلس إدارة نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة ويضم الوفد أساتذة من معظم الجامعات المصرية (…) قضي العلماء المصريون ثلاثة أيام علي المعبر يحاولون كل يوم من الصباح إلي المساء ثم عادوا للقاهرة بعدما أعلن أن المعبر سوف يغلق بشكل نهائي في الخامس من فبراير وقال لي الدكتور عادل عبد الجواد وهو يشعر بالأسى بعد ثلاثة أيام من البقاء علي المعبر " كيف نمنع نحن المصريون من الدخول لمساعدة إخواننا في غزة بينما يسمح لكل جنسيات العالم بالدخول إننا نشعر بالعار من تصرفات هذه الحكومة ؟ هل يجب أن نحمل جنسية أوروبية حتى يحترمونا ؟ " .

ويضيف أحمد منصور:

"أما الحالات الإنسانية المؤلمة التي علي المعبر فهي أكبر من أن توصف غير أن أكثرها إيلاما لي كانت في الخامس من فبراير وهو اليوم الذي أعلنت فيه السلطات أن المعبر سيغلق ولن يكون مفتوحا إلا أمام الحالات الإنسانية ، في هذا اليوم جاءت كثير من سيارات الإسعاف تحمل جرحي عائدين وكان هناك أيضا جثتين لفلسطينيين من أهل غزة غير أن المعبر ظل مغلقا حتى قاربت الشمس علي المغيب حتى أن بعض الناس في المعبر أخذوا يتناقلون أن رائحة الجثث بدأت تفوح بعدما تركت أكثر من يوم كامل دون ثلاجات مع طريق طويل وقال لي أحدهم إن إحدى الجثث جاءت من دبي والأخرى لفلسطيني استشهد في أحد مستشفيات القاهرة متأثرا بجراحه وقد تأكدت من ذلك حينما سأل أحد الفلسطينيين العالقين مسئول البوابة متى سندخل واليوم أوشك علي الانتهاء قال له : حينما يدخل الأموات أولا ندخل الأحياء ، كما روي لي بعض المسعفين قصصا مؤلمة مما تقوم به سلطات المعبر جعلتني أطلب منهم أن يتوقفوا عن الاستمرار في الحديث لشعوري بألم لا يحتمل أهذا يحدث في بلادي ؟ ومِن مَن؟  من المصريين أهل المروءة والشهامة والرجولة والشرف وضد من ضد أهل غزة الذين هم امتداد لأهل مصر وعمقها الإستراتيجي؟.!!"

ثم يواصل:

 رأيت امرأة معها خمسة أطفال بينهم رضيع ردت من علي باب المعبر أكثر من مرة في الوقت الذي كانت تسمح فيه السلطات للفلسطينيين العالقين بالعبور عائدين لغزة ، قلت لها : لماذا ردوك ؟ قالت أنا مصرية وزوجي فلسطيني هل تتخيل قالوا لي يمكن أن يعود أولادك إلي غزة بينما تبقين أنت هنا في مصر ؟ كيف يعقل هذا ؟ وهذا الرضيع من الذي يرعى شأنه ؟ هل أعاقب أني مصرية تزوجت بفلسطيني علما بأني أحمل الهوية الفلسطينية لكني فضلت أن يبقي جواز سفري مصريا كما هو ؟ وبعد نهار كامل قضته السيدة مفترشة أرض المعبر عادت إلي القاهرة مرة أخرى بأولادها ؟ أم مصرية أخري جاءتني تقول لي : لقد رفضت طيلة خمسة وعشرين عاما من زواجي من فلسطيني أن أبدل جواز سفري المصري بآخر فلسطيني معتبرة أن جواز سفري المصري هو شيء أعتز به الآن أنا نادمة فمنذ خمسة أ شهر لم أر زوجي وأولادي فهم داخل غزة لا يستطيعون الخروج وأنا هنا في مصر جئت لزيارة أهلي فلم أستطع العودة إليهم يقولون لي : جواز سفرك مصري غير مسموح لك بالعودة لغزة ؟(…) لكن الأمر الذي يطرح علامات استفهام كبيرة هو أن السلطات المصرية لا تسمح علي الإطلاق بمرور أية أجهزة طبية للأشعة أو التخدير وهي الأكثر احتياجا لمستشفيات غزة ، وقد أبلغني الذين جاؤوا بهذه الأجهزة أنهم لا يفهمون مبرر السلطات في منع مرور هذه الأجهزة تحديدا وهي الأكثر أهمية في العمليات الجراحية ، وقد أبلغني استشاري تخدير بريطاني كان عائدا من غزة مع ستة آخرين أن أجهزة التخدير في مستشفيات غزة معظمها مهترئة حتى أن أطباء التخدير يخشون أثناء إجراء العملية من توقفها ومن ثم وفاة المصابين أثناء العمليات ؟(…)  فما يحدث علي المعبر هو تاريخ يسجل الآن وليس مجرد أحداث عابرة والثمن الذي يدفعه الفلسطينيون باهظ لكن الثمن الذي تدفعه مصر من سمعتها وتاريخها أيضا لن يكون بسيطا فمصر الكبيرة يجب أن تبقي كبيرة في كل شيء لا أن يقزمها صناع القرار بهذه الطريقة فتنفلت الأمور من بين أيديهم لأن التاريخ لن يرحم أحدا من هؤلاء و سنن الكون غلابة لكنهم لا يسمعون .

***  

لا أريد أن أتحدث طويلا عن الكارثة العمياء والداهية الدهياء.. والتي تتلخص في منع مندوبي محكمة الجنايات الدولية من الدخول إلى غزة لإثبات جرائم الحرب ضد إسرائيل..

ثم يعتبون على من يتهم مصر بأنها تقف في نفس الصف مع إسرائيل وأنها شريك في الحصار..

لا والله..

ليست على نفس الصف..

فالزنا بالمحارم ليس كبقية الزنا..

وقاتل أبيه وأمه وأبنائه ليس كبقية القتلة..

واللص القريب ليس كاللص الغريب..

والحارس الخائن ليس كالأجنبي الطامع..

قولوا أنتم يا قراء: هل يستويان؟!

***  

يقول  المحامي الدولي لؤي ديب في أثناء تواجده أمام معبر رفح إن السلطات المصرية منعت دخول لجنة تحقيق دولية، تمثل التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، إلى القطاع عبر رفح. وأضاف ديب: «قدمنا إلى السلطات المصرية جميع الوثائق التي طلبتها.. في البداية ماطلوا في دخولنا إلى غزة وطالبوا بأشياء، ونفذنا جميع ما طلب منا، ومع ذلك رفضوا دخولنا». وأوضح أن اللجنة التي تضم أربعة محامين، اثنين فرنسيين وآخرين نرويجيين، متخصصون في المحاكم الدولية وحاصلون جميعهم على درجة الدكتوراه في القانون، ومكلفون من قبل المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية بالدخول إلى غزة؛ لعمل توصيف قانوني للانتهاكات التي قامت بها إسرائيل خلال الحرب على غزة.".

***  

لا أريد الحديث عن مئات الشاحنات  التي أرسلها ضحايا مصر وجياعها إلى أبطال غزة الجياع فإذا بأمننا-أمن إسرائيل- يمنع مرورها.. فيفسد جزء من محتوياتها  ويتعفن ما لا يحتمل التخزين خارج المبردات.. ويسعى جياع مصر إلى مواجهة المشكلة فيستأجرون المخازن والبيوت لتخزين محتويات الشاحنات فيها .. ويرفض بعض أهلنا في سيناء تقاضي أجر لكنهم يفاجئون بسلطاتنا-سلطات إسرائيل- تتعقبهم بسبب تخزين سلع استهلاكية وحجبها عن السوق.

حتى إسرائيل المجرمة لم تفعل مثل هذا.. لقد واجهت بقوة وعنف وجبروت.. لا بخسة ونذالة وهوان!!..واجهت علانية لا في الخفاء.. وكانت حين تغلق معابرها تغلقها بوضوح وعندما تفتحها تفتها بوضوح ولم تبلغ بها الخسة أن تعلن أنها مفتوحة بينما فضائيات العالم  تفضحها على العالمين عندما تصورها وهي مغلقة في نفس اللحظة التي يزعم فيها مسيلمتنا أنها مفتوحة..

***  

يصرخ عبد الله بن صالح الشامان ـ الرياض وهو طالب دكتوراه في الفقه:

"أرجوكم يا معاشر المؤرخين أن تدلّوني على باحث متخصص في رصد ظاهرة الخيانة في التاريخ، أريده أن يدلّني على واقعة في التاريخ الإسلامي هي أشدّ جرما من حادثة إغلاق الحياة في وجه غزّة، لتموت جوعاً وألماً وبرداً وشتاتاً، والنعم والخيرات وملايين المسلمين يحيطون بهم من كلّ جانب. أريده أن يخبرني هل عرف التاريخ دناءة وخسّة، وحالة موات للقيم والإنسانية، كالتي تراها أعيننا، لعلّي أقرأها وأتسلّى بها وتسكن نفسي، بأن ثمّة ما هو أحطّ وأسفل مما أراه وأشاهده، لعلّي أن أجد لدى من عايش تلك الواقعة من الشتائم واللعنات ما نستعيره في حالتنا هذه، لأني أعترف أن محفوظاتي من السباب والشتائم هي أطهر من هذه الأفعال بكثير!"..

***  

لا داعي للكتابة عن تفاصيل الرسالة المفتوحة  -التي كتبتها رئيسة الجمعية الوطنية للمرأة الأمريكية المسلمة-  إلى الرئيس حسني مبارك ولكننا نقتطف منها النزر اليسير:

"العالم الإسلامي مصدوم من موقف بلادكم وانحيازها إلى حليفها الإسرائيلي، والوقوف في مواجهة الشعب الفلسطيني من خلال رفض فتح معبر رفح وحرمان سكان غزة من احتياجاتهم الملحة من الأغذية والأدوية، فمن المؤسف أن يستغل الجانب الإسرائيلي مصر على هذا النحو. سيدي الرئيس ماذا فعل الشعب الفلسطيني لك أو لمصر حتى تساعدوا إسرائيل في الحكم علي هذا الشعب بالإعدام جوعا، بل والأسوأ من ذلك بإبادة هذا الشعب بدون أي ذنب؟".

ثم تواصل:" أكتب هذه الرسالة لا أوجه انتباهكم إلى حقيقة هامة، وهي أن مصر قد انتهكت اتفاقيات جنيف التي تحظر استخدام أي نوع من الإكراه غير المشروع لإجبار الناس الذين يعانون في ظل الاحتلال غير المشروع للاستسلام، ومنعهم من استخدام حقوقهم في الهروب من هذا الإكراه، وقد اعترفت إدارتكم علنا بأن قيامكم بإغلاق معبر رفح وإبقائه مغلقا يهدف إلى إسقاط حكومة حماس المنتخبة، وهو الأمر الذي يعتبر غير قانوني كذلك".(...) " وأدعو الله أن يهديكم إلي إنهاء التواطؤ مع الصهيونية وأن تعودوا بمصر إلى مكانتها في قلوب العرب والمسلمين كرمز للأمن والقيادة على مر السنين."

***

يا إلهي..

إنني أراقب في ذعر الكثيرين من كتابنا ونخبتنا الذي ألغوا ذواتهم ليكونوا أضل من الأنعام فلا يرون إلا ما يريدهم الفرعون أن يروا ولا يسمعون إلا ما شاء لهم ولا يتكلمون إلا بما يمليه عليهم..

أرقب في ذعر كذبهم وهم يعلمون أنهم يكذبون..

أرقب جرأتهم على الحقيقة دونما خجل لكي ينطقوا في النهاية بما يريدهم الفرعون أن ينطقوا به..

وليس كذلك فقط.. بل إنهم يغمضون أعينهم حين يريد لهم أن يغمضوها.. ويصمون آذانهم حين يريد لهم أن يصموها.. ويغلقون أفواههم حين يريد لهم أن يغلقوها..

أقارن هذه النخبة الخاطئة ببعض الأحرار في الخارج..

أقارن بعض فنانينا على سبيل المثال بفنان أمريكي..

فنان حقيقي وليس فنان أمن دولة.. فنان حقيقي وليس شاذا ولا رقيعا ولا سكيرا  هو روبرتو دو نيرو قال لمحاوره على فضائية (سكاي):

-      لا لوم على (إسرائيل) لما تفعله في غزّة..

 وهنا دهش محاوره، وسأله وهو العارف بتعاطفه الدائم مع الفلسطينيين:

-      كيف هذا؟

ورد دو نيرو دون قلق على مستقبله الفني من اللوبي الصهيوني المهيمن على هوليوود:

-    لو هاجمك كلب مسعور فأنت لا تلومه، وإنما تلوم صاحبه ..أمريكا هي المسئولة عن الكلب المسعور (إسرائيل)!

يقول أحد الكتاب:

أترون الفرق بين كتّاب كانوا عربا، واختاروا أن يكونوا في خدمة كلب أمريكا المسعور، وفنانين ومبدعين عرب، وغير عرب..يواجهون السعار الأمريكي الصهيوني؟!

نعم هناك عرب، نظم حكم، وأقلام، وفضائيات..متصهينون، ينبحون منحازين لكلب أمريكا المسعور!

***

حتى إسرائيل تتهمنا بالتواطؤ ضد حماس بل وتحفيز إسرائيل على اغتيال قياداتها..

لقد كتب بن كاسبيت  في صحيفة  معاريف 01-01-2009 تحت عنوان:

" بلاد عربية تشجع "اسرائيل" على تحطيم رأس حماس والقضاء على قادتها"...

"في الجبهة المقابلة تنتصب قوة مركزية واحدة: إيران. أتباعها حزب الله في الشمال وحماس في الجنوب. بقية العالم العربي خائفة ومذعورة. الجميع يختبئون من وراء ظهر إسرائيل العريض وينظرون نحو الغرب بعيدا بعيدا إلى شخصية باراك اوباما المقتربة. هم ينتظرون منا أن نقوم بالمهمة، على الأقل في الوقت الحالي.يشجعوننا على تحطيم راس حماس والقضاء على قادتها. ومنع الذرة الإيرانية . إحدى الرسائل التي وصلت إلى القدس تضمنت أيضا قائمة أسماء "موصى بها" للاغتيال بقيادة حماس في غزة. العرب في حالة فزع واليهود؟ هم في حالة تنكر وحيرة. وفي ذروة المعركة الانتخابية".

***  

لا أريد الدخول في التفاصيل المخزية لحصار غزة لكنني أشير إشارة سريعة إلى نص فتاوى العلماء بخروج كل من شارك فيه أو أعان عليه من الملة.. ليس الآمر فقط.. بل الآمر والمأمور والمنفذ..

***

لن أتحدث عن آلاف الأطنان من المواد الغذائية والمساعدات التي تركت حتى تفسد أو تنهب في الصحراء وقد فضل من غادر الإيمان قلبه أن يتركها لتبور وتلقى في سلال القيامة بدلا من أن تتلقفها أفواه الجياع في غزة.

***

لن أتحدث عن عار أن الطلبات المصرية كانت أكثر تشددا من طلبات إسرائيل..

لن أتحدث عن سخريتهم منا في إسرائيل.. وأنهم بعد تدخل تركيا اكتشفوا أن مصر كانت تضاعف طلبات إسرائيل من حماس وتزيدها تشددا!!..

لن أتحدث عن سخرية عضو في الوفد الإسرائيلي حين قال أنه يتوقع في المفاوضات القادمة أن تتوسط إسرائيل لمعالجة الخلافات بين حماس ومصر!!

لن أتحدث فالمرارة طافحة..

ولن أتحدث أيضا عن استطلاع الرأي الذي وضعته قناة الجزيرة على موقعها الإلكتروني . كان استطلاعاً للرأي يوجه إلى الجمهور السؤال التالي: «هل تعتقد أن مصر تقوم بدور إيجابي في المفاوضات بين حماس وإسرائيل؟»، وقد جاءت الإجابة على نحو حاسم، لتسفه هذا الدور بالطبع؛ إذ أجاب ١٢% بـ «نعم»، فيما أجاب ٨٨% بـ «لا»، من جملة ٢٢ ألف صوت، تم تسجيلها بحلول فجر اليوم الثالث من إطلاق الاستطلاع.

يعلق أحد الكتاب قائلا:

وهكذا لا يتردد هذا النظام في اعتماد سياسات تجعله يبدو أمريكيا أكثر من الأمريكيين، وسعوديا أكثر من السعوديين. بل إن المراقب لمواقف بعض الدول الأوروبية أثناء وبعد العدوان على غزة سيجدها أكثر عروبية من أنظمة مصر والأردن والسعودية السلطة فلسطينية.

ويربط  الدكتور حسن نافعة  في أحد افتراضاته لتفسير موقف النظام بأن السر في هذا الموقف هو الحرص على إرضاء إسرائيل والولايات المتحدة خوفا من تعريض مشروع توريث السلطة للخطر. ولأنه لا تتوافر لدينا معلومات يقينية حول حقيقة الدوافع التي كان لها الأثر الأكبر في تحديد خيارات النظام وطريقته في إدارة أزمة معبر رفح، فإن كل الدلائل تشير إلى أن صانع القرار المصري وقع في فخ الابتزاز الإسرائيلي في النهاية، وبامتياز. د حسن نافعة المصري اليوم 15-2- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- وهو غير محايد بالنسبة للإخوان المسلمين- بل إنه في صف العدو العاقل( ليس كالآخرين: الخائن والمجنون والمرتزق والمرتد)

***

جزى الله علماءنا كل خير فقد وقفت نخبتهم الحرة خاصة برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي موقفا عظيما انتصروا فيه لدينهم ولله..وتتالت الفتاوى.. فمن مائة واثنين إلى ستة وتسعين إلى ثلاثمائة وخمسة وثمانين عالما وقفوا موقفا صلبا ميزوا فيه بين الحلال والحرام وبين الإيمان والكفر..

ولقد سمعت الدكتور صلاح سلطان في قناة الأقصى.. كان يتحدث عن الفتوى الأخيرة خاصة والتي أكدت أن إغلاق معبر رفح ردة عن الإسلام..

سمعته ورأيته..

كان يدعو الرئيس مبارك بطريقة تمزق القلب أن ينقذ نفسه ودينه .. وكان يؤكد له أن الأمر جد وخطير.. وأن سلامة الإيمان نفسها في الميزان..

 وعاودني ذات الشعور الذي أحسست به والذي ذكرته في مقال سابق بعنوان: "ليت أبا طالب أسلم وليت الرئيس استسلم"..

وكنت أروي واقعة سمعتها من المستشار الجليل يحيى الرفاعي ضمير العدالة ورمزها ..

كنت أرويها وقد عاودني الشعور بالألم والحزن الذي ملأ قلب حبيبنا المصطفى أشرف البشر وخاتم المرسلين.. وهو يدعو عمه للإسلام فيأبى.. حيث كتبت في ذلك المقال:

كان ذلك قبل عقد مؤتمر العدالة الأول –والأخير- بأيام حيث كان-المستشار يحيى الرفاعي-  في عزاء في مسجد عمر مكرم، والتقى المستشار أسامة الباز الذي دعاه بعد العزاء إلى حوار في مكتبه المجاور بوزارة الخارجية، وهناك أحس المستشار أن الدعوة لم تكن صدفة، فقد طلب الرئيس مبارك أسامة الباز فعرف منه أن المستشار الكبير ضيفه فطلب أن يتحدث إليه، قال الرئيس للمستشار أنه سيحضر حفل افتتاح مؤتمر العدالة الأول بعد أيام، وأنه يطلب منه- من المستشار يحيى الرفاعي- باعتباره رئيس المؤتمر ألا يطالب بإلغاء الطوارئ لأنه سيجددها، يقول المستشار أنه أخذ يحاول إقناع الرئيس بمزايا إلغاء قانون الطوارئ، وبأن أحوال البلاد لن تنصلح إلا بإلغائه كي يسود القانون حقا وفعلا وتسود الشفافية ويجتث الفساد، أخذ يتوسل إليه، ويناشده باسم الدين والوطن والأمة، باسم مستقبل أسود إذا جددت الطوارئ، باسم الخراب إذا جددت الطوارئ، خراب الدولة ومؤسسة الرئاسة والأجهزة بل والقضاء أيضا، ويغريه في الوقت نفسه بما سيحقق من مجد إذا ما ألغاه..يقول المستشار أن المعني تجسد في قلبه ووجدانه.. رأى المخاطر في جانب والمزايا في جانب، رأى الكوارث في جانب والمجد في جانب.. رأى النجاة في جانب والهلاك في جانب.. ولم يتمالك نفسه، ودونما إرادة وجد نفسه ينزلق على المقعد ويجثو على ركبتيه متوسلا بدموعه:

- ألغها يا سيادة الرئيس أضمن لك بها مجد الدنيا والآخرة..ألغها أرجوك وأتوسل إليك.. من أجل مصر ألغها.. من أجل العرب ألغها.. من أجل المسلمين ألغها.. من أجل البشرية جمعاء ومن أجل الحق والعدل والخير ألغها.. ألغها طاعة لله.. ألغها ولن ينتقص إلغاؤها من سلطاتك مثقال حبة خردل.. على العكس.. ستتحول إلى رمز ولن تتخلى عنك الأمة أبد الدهر.. ستظل زعيمها المفدى حتى تلقى الله.. ألغها تكن بطلا عند شعبك وأمتك وزعيما للعالم الثالث....ألغها تغير مسار التاريخ في هذه المنطقة.. ألغها يتبعك العرب ثم المسلمون ثم المستضعفون في الأرض لتكون في غضون أعوام أهم زعيم وأقوى قائد فالقوة ليست بترسانات السلاح فقط.. .. ألغها كي تحول ضعفنا إلى قوة.. وفشلنا إلى نجاح.. وهزائمنا إلى انتصارات.. ألغها يخلدك التاريخ.. ألغها تظفر بسعادة الدارين..

كنت أستمع إلى المستشار الجليل تكويني دموعه وقد ارتفع بي الشجن حتى جعلني أفارق الواقع وأبحث في التاريخ عن عزاء.. وحاشا لله أن أشبه أحدا بسيدي وحبيبي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن الله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة في المصباح.. تفجر الألم واحتك الألم بالألم فانبثقت شرارة رأيت على ضوئها موقفا لا أكاد أذكره إلا بالدموع.. ذلك الموقف الذي رواه ابن إسحاق : حين انطلق أشراف قريش: عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ، وأبو سفيان بن حرب فطلبوا منه التوسط بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.. على أن يدعوه ودينه ويدعهم ودينهم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

- نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم .

فقال أبو جهل:

- نعم وأبيك .

قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه:

- تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه

فقال بعضهم لبعض إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه . ثم تفرقوا فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله يا ابن أخي ، ما رأيتك سألتهم شططا ، قال فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسلامه فجعل يقول له أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة . قال فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قال يا ابن أخي ، والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها .

ذكرني الموقف بالموقف والأمل بالأمل والألم بالألم والطهارة بالطهارة والرجاء بالرجاء والطمع في الهداية بالطمع في الهداية والشر بالشر..

قال المستشار الجليل أنه كان يتمنى أن يستسلم الرئيس لمنطقه لكنه شعر به يتناءى ويصمت رغم أنه لم يسأله شططا، بل لقد طمع فيه أن يوافق ويسلم أمره لله ويستسلم للحق فيملك باستسلامه ذلك زعامة العرب والعجم. وحملت الرسل النذر إلى المستشار ألا يفتح موضوع الطوارئ في مؤتمر العدالة الأول الذي أصبح الأخير. لكنه فتحه بقوة وشجاعة وتجرد. فأعرض عنه الرئيس من يومها .. ولم يزل.

لو أنه استسلم لمنطق الصواب والحق لتشفعنا فيه أمام الله يوم القيامة..

ألم يجعل الله لنا- نحن الأمة- حق الشفاعة؟ّ

***

أحسست بنفس الإحساس والدكتور صلاح سلطان  يكاد يتوسل إلى الرئيس مبارك ونفسه تكاد تطير جزعا عليه.. على دينه وواجبه تجاه الله وأدينه وأمته.. وتجاه نفسه..

لكأن الدكتور صلاح سلطان كان مشفقا على من يخاف عليهم أن يمرقوا من الإيمان كما يمرق السهم من الرمية حتى ليذكرني بمعاوية ابن يزيد وكان ورعا على خلاف أبيه فلما بلغه استشهاد الحسين رضي الله عنه بكى قائلا:" نبكي على بني أمية  لا على الماضين من بني هاشم"

نعم.. كان الدكتور صلاح سلطان  مشفقا على حكامنا أكثر من إشفاقه على أهلنا غزة.. لأنه إذا انتهت الأمور على ذلك دون توبة نصوح  فأهل غزة إلى جنة النعيم وحكامنا إلى عذاب السعير.

كان يستشهد ببيان 485 عالما مصريًّا  أصدروا بيانًا أكدوا فيه أنه يحرم تمامًا إغلاق المنافذ "المعابر" التي تربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي، وعلى الأخص معبر رفح، وشدَّدوا على أن إغلاقه من أكبر الكبائر. وقال العلماء: إنه يحرم منع السلاح عن المقاومين أو هدم الأنفاق التي يستعين بها المجاهدون في توفير حاجاتهم من العتاد والسلاح وغيره تحريمًا قاطعًا

وندَّد البيان بمحاولات عربية ودولية وفلسطينية تسعى لاستلاب النصر الذي حققته المقاومة الفلسطينية؛ من خلال الضغط على المقاومة بإغلاق المعابر وهدم الأنفاق ومنع الشاحنات الغذائية من دخول قطاع غزة، ومنع إدخال السلاح للمقاومة للدفاع عن أمتهم وشعبهم.

***

لو أن عالما في الطب اشتبه في مرض أحد حكامنا  لذهب الحاكم إلى أقصى الأرض ينشد العلاج منفقا الملايين..

فما بالهم إذا كان 485 عالم يقلقونهم على دينهم وأرواحهم فلا يأبهون ولا يتحركون..

***

يقول محمد عبد الحكيم دياب في القدس العربي21-2-2009:

"من توابع محرقة غزة تلك الحالة التي تدنى إليها الخطاب الرسمي في مصر، ليصبح ناطقا باسم أكبر منظومة للفتنة والشقاق والفرقة، وهو أكثر الخطابات السياسية كراهية وعداء للعرب والمسلمين، وفي المقدمة منهم أهل فلسطين. وتطابق هذا الخطاب مع نظيره الصهيوني، ولا يتوانى عن مواجهة المقاومة ومحاربة كل من يراهن عليها، أو يعلي من شأن ثوابتها الوطنية والتاريخية والدينية. ويبذل جهدا خارقا في إجهاض الآمال المشروعة في التحرير واستعادة الأرض، وهو حق كفلته الشرائع لكل من يواجه محنة الاستيطان والاحتلال.. هذا الخطاب أخذ على عاتقه تفجير حرب أهلية متعددة الأطراف.. مصرية عربية.. وعربية عربية.. وعربية إسلامية.. إنها حرب بلا مدافع ولا قنابل ولا طائرات أو بوارج. ويقودها حسني مبارك وتطلق حممها في كل اتجاه. صوب 'المعتدلين' و'الممانعين'، ومن يتحدث عن المصالحة، ولو على سبيل اللغو أو المناورة أو إبراء الذمة يجده بالمرصاد، ومن يسعى للتخفيف من وطأة الذي جرى يلاحقه بالرسل والمبعوثين، ويشن عليه حملات التشكيك والتشويه والتعبئة لهذه الحرب تقوم ببث الانعزالية العمياء، والشوفينية المتعصبة، والاستكبار الأرعن، والغرور الكاذب، ومادتها أحاديث مرسلة عن أدوار وهمية، وإرادات مشلولة، وحلول بلا جدوى، ولا يخلو حديث رسمي من مَن وادعاء ومعايرة..هل كان يمكن لإخوتنا أن يعانوا كل هذا العذاب لولا شللنا وعجزنا.."

***

كيف انضم حكامنا إلى أعدائنا؟..

لماذا يخون الحارس..

لماذا يهون الفارس..

لماذا يتحول البشر إلى أنعام بل أضل سبيلا؟

لماذا ..

لماذا يتحول الكلب إلى ذئب والذئب إلى أفعى والأفعى إلى شيطان..

لماذا انضم حكامنا ونخبنا إلى الأعداء..

لكن.. برغم هذا كله..

لا تطمئنوا يهود..

سوف يأتي جيش الخلاص.. جيش التوابين.. جيش محمد وسوف تكون نهاية أمركم  في الدنيا على أيدي أحفادنا.. أما في الآخرة فأنتم من أصحاب النار..

أما جل حكامنا ونخبنا.. فلا أظن القصاص يفلتهم.. لأنهم أسوأ من يهود..!!

سوف يأتي جيش الخلاص لينادي بالثأر.. بل بالثارات.. ثارات المسلمين الذين أووا اليهود وأكرموهم قرونا متطاولة كان العالم فيها يطاردهم ويزدريهم ويقتلهم.. فما أن تمكنوا حتى كانوا كالحية الرقطاء أو كالوحش المفترس..

سوف يأتي لينادي جيش التوابين.. جيش محمد العائد بثارات فلسطين.. ثارات مذبحة قريتي الشيخ وحواسة 31ديسمبر عام 1947م.. ثارات مذبحة قرية سعسع 14-15 فبراير 1948م.. ثارات مذبحة رحوفوت 27 فبراير 1948م ..ثارات مذبحة كفر حسينية 13 مارس 1948م ..ثارات مذبحة بنياميناه 27 مارس 1948م ..ثارات مذبحة قرية ناصر الدين 14 أبريل 1948م.. ثارات مذبحة تل لتفنسكي 16 أبريل 1948م.. ثارات مذبحة حيفا 22أبريل 1948م.. ثارات مذبحة بيت داراس 21 مايو 1948م.. ثارات مذبحة اللد أوائل يوليه 1948م.. ثارات مجزرة دير ياسين .. ثارات مذبحة مصنع أبي زعبل 12 فبراير 1970م.. ثارات مذبحة بحر البقر 8 أبريل 1970م.. ثارات مذبحة صيدا 16 يونيه 1982م.. ثارات مذبحة صبرا و شاتيلا 16-18سبتمبر1982م.. ثارات مذبحة عين الحلوة 16 مايو 1984م.. ثارات مذبحة سحمر 20 سبتمبر 1984م.. ثارات مذبحة حمامات الشط 11 أكتوبر 1985م.. ثارات مذبحة الحرم الإبراهيمي 25 فبراير 1994 م -الجمعة الأخيرة في رمضان.. ثارات مذبحة قانا 18 أبريل 1996م .. ثارات العظام المهشمة والأشلاء الممزقة.. ثارات الدم المسفوك.. ثارات الإعدام خارج نطاق القضاء.. ثارات ما حدث –على سبيل المثال-  خلال الفترة من 29 سبتمبر 2000 وحتى أول أكتوبر 2008 من مجازر وجرائم حرب في حق المدنيين الفلسطينيين حيث قامت إسرائيل خلال تلك الفترة بقتل 5526 شهيداً بينهم 1010 أطفال و340 من الإناث و674 من طلبة المدارس و11 صحافياً وكذلك 10 مواطنين أجانب من نشطاء السلام، بينما أصاب جيش الاحتلال الإسرائيلي بالرصاص ما يزيد على 35 ألف فلسطيني.. ولاحظوا أن هذه الأرقام لا تشمل المذابح الأخيرة..  ثارات اليتامى والأرامل والثواكل.. ثارات الأيام والليالي والسنين.. ثارات 1948 و 1956 و 1967 و1973 و 1982 و 2000 و2006 و2008 و2009.. ثارات الأرض والزيتون.. ثارات لا إله إلا الله في آلاف المساجد التي استبيحت فدمرت أو حولت إلى مقالب للقمامة أو لكنائس وملاهٍ ليلية ومطاعم وخمارات.. المسجد اليعقوبي في صفد، ومسجد ياقوق قضاء طبريا، ومسجد العفولة، ومسجد كفريتا، ومسجد طيرة الكرمل، ومصلى أبي هريرة في قرية يبنى قضاء الرملة والمسجد العمري.. ثارات مقابر المسلمين التي انتهكت واستبيحت وتحولت إلى أماكن هائلة للقمامة أو إلى فنادق من ذوات النجوم الخمس كفندق هيلتون يافا.. ثارات استعمال الأسلحة المحرمة وإجراء التجارب المحرمة المجرمة على المرضي الفلسطينيين.. ثارات اعتقال وسجن ربع الشعب الفلسطيني.. ثارات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وتحويل غزة إلى سجن .. ثارات المعابر المغلقة.. ثارات الجوع والبرد والحرمان والأدوية الممنوعة والكهرباء المقطوعة.. ثارات الاستيطان.. ثارات الحواجز والإهانة والاعتقال.. ثارات التعذيب الذي يبيحه قانونهم البربري.. ثارات دولة ممزقة وأمة مشرذمة بسببكم يا يهود.. ثارات أشك أن أحفادكم سيوجدون ليذكروها..

***

نعم.. لن يوجد أحفادكم ليذكروها..

لسنا وحدنا الذين نقول ذلك بل يقولها المفكرون الإسرائيليون أنفسهم..

يذكر الأستاذ صالح النعامي أن البرفسور أمنون روبنشطاين.. وزير العدل والتعليم السابق في حكومتي رابين وباراك يقول أن إسرائيل لا يمكنها البقاء مطلقاً بسبب نوعين من التهديد،خارجي يمثله فشل إسرائيل في ردع العرب عن مواصلة تهديدها والتربص بها، والتهديد الداخلي المتمثل في الفساد وتآكل ما يسميه " منظومة القيم الصهيونية " التي استند إليها الصهاينة في إقامة كيانهم. ثم يقول أنه على الرغم من أن انتصارات إسرائيل في حروبها الكبيرة مع الدول العربية، إلا أن هذه الانتصارات فشلت في اجتثاث الرغبة العربية في محاربة إسرائيل. ويرى أن أكثر ما يجعل الأمور أكثر تعقيداً في وجه إسرائيل هو " أسلمة " الصراع، واتخاذه بعداً دينياً، الأمر الذي لا يزيد فقط رقعة العداء لإسرائيل، بل يجعله أكثر تصميماً.

ونهدي قوله هذا لنخبنا الخائنة وأدعياء الثقافة في بلادنا..

أما الجنرال شلومو غازيت الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية " أمان " فيرى أن رفض إسرائيل للتجاوب مع الرغبة العربية لحل الصراع يحمل في طياته دمار إسرائيل

ويرى ناحوم برنيع كبير المعلقين في صحيفة " يديعوت أحرنوت "، أوسع الصحف الإسرائيلية انتشاراً، وهو الذي توقع فشل إسرائيل في حرب لبنان الثانية من أول يوم فيها، يقول أنه على رغم أن إسرائيل اليوم قوية من ناحية عسكرية وذات منعة اقتصادية، إلا أن الناس فيها يفقدون الثقة بمستقبلها وبقدرتها على البقاء.

رئيس الكنيست الاسبق أبراهام بورغ، نجل يوسيف بورج، أحد مؤسسي الدولة، والذي أسس حزب " المفدال " الدينييقول ما لا يقوله حكامنا ولم يطرحه مفكرونا.. يقول بورج أن استلاب إسرائيل لخيار القوة كفيل بتدميرها وأن إسرائيل تشبه قلعة تختنق بدروعها وتحصيناتها وأن المجتمع الاسرائيلي هو مجتمع " مذعور .. معوق نفسياً وأن إسرائيل تعاني صدمة نفسية مستديمة..إنها دولة فاشية، بلطجية ومستقوية وقاسية وإمبريالية وسطحية فاقدة لأصالة الروح ومنطوية على نفسها.

المفكرون اليهود أنفسهم ينفون أن تكون إسرائيل ديموقراطية بل ويسخرون من ذلك..

ويسخرون من وجود إسرائيل نفسه  ويسخرون من الأساطير التي تأسست عليها ويرون أنها لم تعد تنطلي على احد . إن  85% من اليهود في مدينة " مونتريال " التي تضم أكبر تجمع يهودي في كندا قد هاجروا أصلاً من إسرائيل.

***

هل كان حكامنا يحتاجون لكل ذلك..

ولماذا؟!..

لماذا يخون من لا يفترض به أن يخون..

لماذا يخون من ينتظر منه أن يصون..

لماذا يخون الحارس..

لماذا يهون الفارس..

أتساءل فلا أجد إجابة أبدا..

وفي بحر الحيرة يغمرني الألم..

في بحر الغضب يغمرني الألم..

وفي بحر الألم يغمرني الألم..

يحملني إعصار الألم على أجنحة الزمن فأعود إلى طفولتي الأولى..

أستعيد ألما أصغر ربما يلهيني عن ألمي الأكبر..

***

كان ذلك منذ ما يقرب من ستين عاما.. كنت في الثالثة من عمري أو الرابعة على الأكثر..  في منزلنا كان يوجد قط نصف عاجز.. أظنه كان أعمى أو شبه أعمى.. وكان محاصرا بعماه..  كان قلبي ينفطر من أجله وأسيل حنانا عليه.. كنت أعتبره أعز الأصدقاء.. وما أكثر ما جالسته.. كان يحادثني وأحادثه..وكنت أظن أنه يفهمني وأفهمه.. كنت متضايقا جدا لأنه لا يستطيع النطق مثلي.. لكنني على أي حال كنت أفهم مواءه وأترجم حركاته.. تماما كما لو كان يتكلم.. وكنت أبحث عنه دائما كي أحمل إليه الطعام..كان ذلك يشعرني بسعادة لا توصف من ناحية.. ومن ناحية أخرى كنت أشعر أنني أؤدي واجبي المقدس الوحيد..  وإزاء قلة حركته وكمية الطعام راح الشحم يتراكم تحت جلده..فيزداد نعومة وبهاء.. ويزداد رونق فروه الأبيض الساحر الجميل.. أصبح صديقي سمينا إذن لكنه كان يفاجئنا بخفة حركته إذا ما طرأ طارئ حيث كانت تمر بحديقتنا بعض كلاب الصيد الخاصة بالجيران وكانت تحاول اقتناصه فيفلت منها في اللحظة الأخيرة ببراعة كانت تذهلني و تثير إعجابي وتشعل حماسي.. خاصة إذا تعددت الكلاب وبدا لنا استحالة إفلاته..  كنت أتخيل أحيانا أنه يتعامل مع تلك الكلاب بمكر محبب إلى قلبي فيتركها تقترب منه حتى تظن أنها أطبقت عليه لكنه في اللحظة الأخيرة الحاسمة يفلت منها.. قال لي شخص –لا أذكره-  أن الأمر ليس مكرا ولكن ضعف بصره الشديد يجعله لا يرى الخطر حتى يقترب جدا جدا.. حزنت وغضبت فقد كان الاتهام يطعن في كفاءة صديقي الحبيب.. كان إهانة له وبالتالي لي أنا أيضا..   وكان من العجائب علاقته الودودة بكلب يحرس الحديقة الصغيرة الملحقة بمنزلنا..كلب لم نكن اخترناه ولا اقتنيناه.. بل أوى إلينا فآويناه.. كان بالمجاز كلب حراسة.. لكنه في الواقع لم يكن كلب صيد ولا زينة ولا حراسة.. كان كلبا عاديا من كلاب الشوارع.. كان يخيفني.. وكان خوفي منه قد جعله أهم كائن في حياتي.. وكان قبح صوت نباحه يزعجني..أتذكر أنني شكوت من ذلك بل عبرت عن اعتراضي بالبكاء.. أذكر أن أحدهم-لا أذكر من هو- أخذ يعلمني كيف أنه هو الحارس الوفي والفارس الذكي الذي يحرسنا  من الأعداء وينبهنا إليهم.. وأننا يجب أن نحتمله بل وأن نحبه لأن شراسته لنا وليست علينا.. قبلت الأمر على مضض.. لكن عداوتي له بدأت تذوب عندما رأيته كثيرا يلعب مع صديقي الحبيب.. بل وبدأت أميل إليه عندما تصورت أن حمايته التي يسبغها علينا من الأعداء لابد أن تشمل صديقي القط  الذي ألفه..  لكنه برغم هذا الإلف كان دائما يلتزم جانب الحذر منه  رغم أن كلبنا لم يبد منه ما يستوجب هذا الحذر.. تعلقت بالقط كثيرا.. ورغم عدائي الفطري لكل الكلاب الأخرى فقد بدأت أحب كلبنا لأنه كان يحنو على قطي الحبيب ويداعبه..

كانت مغامرات القط وبراعته في الإفلات من أعدائه هي شغلي الشاغل وأهم حدث في حياتي.. ما أن تنقضي مغامرة منها حتى أظل أستعيدها وأرويها في حماسة منقطعة النظير حتى تأتي مغامرة أخرى وبطولة أخرى فأنتقل إلى حكايتها.. كان انفعالي يبلغ ذروة أعلى كلما بدا الإفلات من الخطر أصعب..

وذات يوم.. كنت واقفا في الشرفة أتحدث معه بلغتنا الخاصة.. وفجأة بدأت الواقعة.. بدأت دون أن أحس بها تقريبا.. لم أنتبه إلا في الثواني الأخيرة..

الآن.. بعد ستين عاما.. عندما أستعيد الحدث تضيع مني تفاصيله.. و بالأحرى  فإنني لم ألمّ بهذه التفاصيل أبدا.. لا أستطيع الإجابة عن عدد الكلاب المهاجمة.. هل كانت كلبين أو ثلاثة..أم كانت أكثر.. ما أذكره هو الثانية الأخيرة.. لم أر الكلاب وهي تقترب ولكنني رأيتها وهي تتأهب للانقضاض.. سرت النشوة داخلي كتيار كهربائي وأخذ قلبي يدق كمطرقة وأنا أنتظر لحظة النصر المبين المعجزة..

بعد ستين عاما أسأل نفسي: هل كانت الكلاب سريعة في انقضاضها إلى هذا الحد أم أن انفعالي هو الذي خيل إلىّ أنها انقضت على حبيبي بسرعة الضوء.. لكن البطل تنبه في آخر لحيظة.. وقفز قفزته الرائعة فقفز قلبي معه وأنا أتأهب للنشوة المستحيلة والتصفيق وإطلاق صيحة النصر.. وفي تلك اللحيظة بالذات حدث الأمر المذهل.. الأمر الذي لم أتخيله أبدا.. ولكنه حدث.. لم أر بوادره ولكنه حدث.. لم أكن قد تنبهت إلى أن الكلاب المهاجمة جاءت من جانب.. وكان كلبنا في الجانب الآخر.. لحظة القفزة.. والقط في الهواء يمارس لعبة النجاح المستحيلة..في اللحظة الفارقة الخطرة  كانت المفاجئة الصاعقة التي لم تستغرق معشار ثانية.. قفز كلبنا فعرقله وأنشب مخالبه فيه في نفس اللحظة التي كانت كلاب الصيد قد أدركته.. وسمعت قطي الحبيب يطلق صرخة بشرية طويلة حادة مفزوعة مستنجدة هائلة .. كان بين أنياب الكلاب.. كانت تجذبه بأنيابها ومخالبها, وجدته قد طال مع تجاذب أطرافه بين الكلاب حتى تضاعف طوله ضعفين أو أكثر.. كانت الكلاب تمزقه.. وتلاحقت الصرخات البشرية الطويلة الحادة المفزوعة المستنجدة الهائلة.. صرخات مسعورة هستيرية.. ولم أدرك إلا بعد لأي أنها لم تكن صرخات القط.. بل كانت صرخاتي أنا.. وكان أحد الكبار قد اختطفني من أمام المشهد البشع رحمة بي و أنا أصرخ وأصرخ وأصرخ..

الآن أذكر أن صرخاتي لم تكن بسبب الحزن فقط.. بل كانت احتجاجا صارخا غاضبا على من حملني كي يبعدني عن المشهد كله.. كنت صغيرا جدا وكان كبيرا وتخيلت أنه يملك قوة أسطورية مادمت رغم محاولاتي المستميتة لم أستطع التملص من حضنه الخانق.. وكانت صرخاتي التي اختنقت فيها الكلمات فتلاشت عبارة عن توسل فاجع أتسول منه به أن يتركني ويعود فيستعمل قوته الخارقة في إنقاذ قطي.

لا أذكر شيئا بعد ذلك.. بل لجأت نفسي إلى حيلة معروفة في علم النفس.. كرهت الكلاب وتجنبت القطط دون أن أعرف لماذا حتى برزت الواقعة في ذاكرتي فجأة  بعد أعوام طويلة كما تبرز الآثار المطمورة حين تزيح العواصف الهوجاء أكداس الرمال من عليها بعد آلاف السنين.. وتكرر بروز الحادثة  واختفائها فكنت كل بضعة أعوام أتذكرها كما لو كانت قد حدثت بالأمس..

هل كان لذلك تأثير على مواقفي الحادة ضد الظلم وفي مؤازرة المظلوم طيلة حياتي..

كلما شاهدت شراسة معتد أو خيانة حارس  استعدت الواقعة.. منذ طفولتي حتى اليوم.. إلا أنني في طفولتي الباكرة استعدتها آلاف المرات وأنا أغير الوقائع وأبدل الأحداث كي أنقذ قطي.. كانت أبسط الوسائل أن أجعل القط يتنبه عشر ثانية قبل الكارثة .. عشر ثانية كانت تتيح له الفرار..عشر ثانية كانت تريحني من ألمٍ لمْ يبرحني العمر كله..  بعد ذلك كنت راميا أحمل جعبة من السهام أطلقها فأقتل بها الكلاب جميعا.. ثم فارسا على جواد أحمل رمحا أطعن به الكلاب جميعا.. ثم كاوبوي أستطيع أن أشهر مسدسي أسرع من قفزة الكلاب الشرسة فأرديها جميعا.. بل وتطور الأمر حتى استعملت الطائرات والقنابل كي أنقذ صديقي.. وفي أحيان أخرى كنت أصبح طبيبا شهيرا أعيد لقطي إبصاره كي لا يقع في المصيدة.. أو أحقنه بعقار جديد لا يعرف سره سواي يمنحه قوة أسطورية تجعله قادرا على تمزيق الكلاب جميعا.

وكنت دائما أعود من رحلة أحلام اليقظة أسيفا لأنني لم أنجح في تحقيقها أبدا.

المرة الأخيرة التي تذكرت فيها تلك الحادثة كانت أثناء حصار غزة..أثناء القصف والحصار وادعاءات مسيلمة عن المعبر المفتوح .. ثم ازداد تجسد الذكرى في اللحظة التي قرأت فيها عن تعذيب المجاهدين في بلادي..

السؤال الذي لم أعثر له على إجابة أبدا.. طيلة الستين عاما الأخيرة.. والذي يتسبب لي في ضيق لا يوصف.. وغضب لا ينفثئ.. ودهشة ليس لها تفسير.. وحزن ليس له عزاء.. هذا السؤال الذي ما يزال يدمدم في وجودي كله هو:

لماذا شارك كلبنا في حصار قطنا..

توقعت منه أن يعينه لا أن يعين عليه..

انتظرت منه أن يفك حصاره لا أن يكمل الدائرة حوله..

لماذا فعل كلبنا ذلك؟

لماذا خان..

لماذا في اللحظة التي كان يجب أن ينقذ فيها افترس..

كان المفروض أن يحمينا من الأعداء فلماذا انضم إلى الأعداء..

تختلط الأسئلة .. وتتزاحم الألفاظ وتختلط المعاني..

كيف انضم كلبنا إلى الأعداء؟..

لماذا يخون الحارس..

لماذا يهون الفارس..

لماذا يتحول الكلب إلى ذئب والذئب إلى أفعى والأفعى إلى شيطان..

لماذا انضم إلى الأعداء..

لماذا..

لماذا..

لماذا..

لماذا فعل كلبنا ذلك؟!..

لماذا شارك في الحصار..

لماذا حاصر.. لماذا حاصر.. لماذا حاصر..

...

فهل منكم من يجيبني ليريحنى يا قراء؟!..

 

***

***

***

 

حاشية 1

مجدي حسين

 

علامة دامية على صفحة الجهاد في تاريخ مصر.. علامة دامية.. قضى حياته كلها يدوس على الشوك فيدميه.. ويجتهد فيخطيء ويصيب.. لكنه لم يفقد الدافع للبحث عن الحقيقة أبدا.. إنه رجل أعذر إلى الله فكرمه الله وعافاه  مما ابتلانا به ووضع عنه فريضة الجهاد التي لا تجب على أسير. لله درك يا مجدي.. ولله در أهلك.. لله در أبيك.. لله در خالك الفذ الدكتور حلمي مراد.. ولله در عمك البطل المجاهد عادل حسين.. عزاؤك في سجنك أنك عبرت عن كل مسلم.. وأن من سجنك كان مجرد قفاز داخله أصابع يهود وحذاء داخله أقدامهم..

تاريخ مجدي حسين هو تاريخ رجل لا يهاب ووطني لا يعاب ومسلم يتلمس طريقه إلى مرضاة الله..

(لكن) أو بالأحرى عكس (لكن) من أجل هذا كان لابد أن يسجن مجدي حسين..

كان أمرا طبيعيا..

وآلا فخبروني أين يوجد اللص الذي يحب الشرطي الذي يكشف أمره.. والقاتل الذي لا يطارد من رآه وهو يقتل وأعلن على الملأ بأفصح بيان ما رآه..

مجدي حسين رأى الملك عاريا وصرخ بأعلى صوته أن الملك عار..

مجدي حسين اكتشف منذ فترة طويلة طبيعة المعادلة المجرمة التي تفرضها السلطة عليه.. فأبى..

مجدي حسين اكتشف أن ما تريده السلطة منه هو ما تريده إسرائيل من فلسطين وأمريكا من المسلمين والشيطان من الإنسان..

كانت المعادلة تقول: بع نفسك وسندفع أعلى ثمن!

كن غير أنت وسنجزيك خير الجزاء..

دافع عن المجرمين والخونة وستمطرك سماؤنا مالا حراما كثيرة وسطوة وجاها..

تنكر للعدل يحمك الظلم..

لقد كان مجدي حسين ضيفا على طائرة الرئيس مرة واحدة..

كانوا يلوحون له بسيف المعز وذهبه ..

ولكن مجدي حسين رفض الذهب وقبل السيف..

لذلك..

لا يدهشني أنهم سجنوا مجدي حسين..

بل يدهشني أنهم لم يقتلوه بعد..

لقد رفع مجدي حسين الصراع بينه وبين المفسدين والخونة إلى صراع وجود: إما مجدي حسين ممثلا للأمة كلها وإما هم.. وهو اختيار حاسم تملك الدولة الظالمة أدوات حسمه من أول الشرطة إلى القضاء مرورا بأجهزة الإعلام  وحتى أعمدة الصحافة..

ولقد قام مجدي حسين بدوره..

وقامت السلطة بالمتوقع منها..

ولكن : أين الأمة..

إن دور النخبة – ومجدي حسين واحد من أعز رجالها وأشدهم إخلاصا وجدية وانتماء- هو إشعال الشرارة وعلى الأمة أن تلتقطها وتنقلها إلى محركها وتتحرك..

ولقد أشعل مجدي حسين الشرارة..

وعندما وجد الأمة لا تتحرك زاد من قوة وعمق وتأجج الشرارة حتى تحولت إلى شهب من نار.. لا لحبه في شهب النار ولكن لأنه وجد الأمة لا تتحرك.

إن الأمر أشبه بسيارة يصل إلى محركها شرارة البدء لكن المحرك لا يستجيب..

وهذه ليست مأساة مجدي حسين وحده.. إنما هي مأساتنا جميعا.. مأساة القضاء والصحافيين والمحامين وأساتذة الجامعة والأحزاب والطلبة والمثقفين.. نعم.. مأساتنا جميعا..

كان أحد أصدقائي المقيمين في الخارج يحدثني حزينا وهو يقول:

-      لو كان مجدي حسين في أي بلد ديمقراطي لكان الآن يتسنم أعلى المناصب..

وتمتمت لنفسي:

- إنه الآن في سجنه أعلى من أي منصب.. منصب لو علمه الرؤساء والملوك لتقاتلوا عليه.. لكنهم قوم لا يفقهون.

اهنأ يا مجدي حسين بتاج النجاة الحقيقي..

ودعنا.. نخب في عار النجاة الدنيء.

***

حاشية 2

هيكل

سبحانك يا الله.. كان يمكن لمحمد حسنين هيكل أن يصمت  أو أن يموت قبل أن يحاول تبرير هزيمة 1967.. وكان في هذه الحالة سيحتفظ ببعض رونقه وتقديره عند القراء.. لكن المشيئة الإلهية أبقته كي يتكفل هو بنفسه بهدم نفسه..

لقد لخص هيكل الحروب الصليبية قبل ذلك في رغبة الملك الفرنسي بالانفراد بزوجته الحبيبة بعيدا عن عيني أمه التي كانت تطاردهما كي لا ينفردا.. فقرر الملك شن حرب صليبية كي يبتعد عن أمه ( ولاحظوا  يا قراء أن إضافة اللمسة الإنسانية حتى بما فيها من ضعف بشري تثير عند القراء بعض تعاطف.. أو على الأقل تخفي البشاعة والإجرام). وعلى نفس المنوال فقد كانت هزيمة 67 ليست بسبب إهمال يتعدى الخيانة العظمى كان هيكل أحد المسئولين عنه.. لم يكن السبب جرائم سياسية وأخطاء عسكرية كانت تستوجب الإعدام رميا بالرصاص-أو الأحذية- في ميدان المعركة.. لم يكن سببها خوض معركتين في وقت واحد في اليمن وسيناء( نابليون وهتلر وأمريكا هزموا بسبب مماثل) ولم يكن بسبب تعيين الحشاشين ومهربي المخدرات والقوادين قوادا للجيش-وراجعوا مذكرات جمال حماد- ولم يكن بسبب أخطاء عسكرية لا يقع فيها شيخ خفراء.. واستعراضا همجيا لا يتورط فيه شيخ قبيلة.. لم يكن بسبب القصور في التدريب والإعداد والتنفيذ.. لم يكن هذا كله هو السبب.. بل كان قصة غرام بين العجوز الآفل جونسون والأنثى صارخة الجمال ماتيلدا كريم والتي كانت تحب اليهود فأثرت على جونسون. كأن جونسون عبد الحكيم عامر!. وكأن قرارات الحرب والسلام تتم في جلسات الحشيش – وكان عامر يحضرها- وتحضير الأرواح- وكان عبد الناصر يحضر بعضها- .. وكأن هذه القرارات الجوهرية في بلد كأمريكا لا ترتبط بالرئيس بل بمئات العوامل والمؤسسات.

لكم أنا حزين على محمد حسنين هيكل الذي أحببته ذات يوم..

وكم أنا حزين لأنني أحببته ذات يوم..

لكنني لا أنكر أنني هتفت في شماتة..

- الحمد لله الذي مد في عمره كي يتكفل بنفسه بكشف نفسه.. بل بهدمها..

 

***

حاشية 3

دارون..

نشطت الخفافيش -بمناسبة مرور مائتي عام على مولد دارون- لكي تردد بإيمان وثني وهمها المضحك حتى بما لم يقل به دارون، فدارون لم يقل كما يزعمون أن الإنسان أصله قرد، بل قال أنه ربما يكونان قد نشآ من جد واحد. حتى في الغرب أصبحت نظرية دارون غباء مطبقا مثيرا للسخرية. لقد انهارت نظرية دارون تماما بالنظريات العلمية والرياضية وقوانين الصدفة والاحتمال وبدراسة الحشرات –التي لم تتطور على الإطلاق طيلة مئات الملايين من السنين- وكذلك انعدام الحلقات الوسيطة في الحفريات انعداما تاما. النظرية تبقى كفلكلور مضحك إلا عند خفافيش العلمانية. بالنسبة لي كانت نظرية دارون مضحكة دائما ماعدا نقطة واحدة كنت أنظر إليها دائما بارتياب وقلق، وهذه النقطة هي هؤلاء الدارونيون أنفسهم.. فهم دليل لا يكاد يدحض.. على أنهم من فصيل  أصله حمار!.

 

***

حاشية 4

جمال البنا

من أكبر مآثر المخابرات المصرية زرع رأفت الهجان بين اليهود.. ومن أكبر مآثر مباحث أمن الحكومة زرع جمال البنا بين المسلمين.

ومرة أخرى أذكر القراء  أن هذا الرجل الذي يطعن في الصحابة والفقهاء  ويصف الإمام الشافعي رضي الله عنه بالسذاجة ويطعن في الإمام البخاري ويدعو للتدخين في رمضان وللعلاقات الجنسية غير الكاملة ( لعله لم يقرأ أبدا: ولا تقربوا الزنا) ويبيح الزواج دون شهود ويطعن في الأحاديث هذا الرجل يشك في حصوله على شهادة متوسطة.. والشهادة التي حصل عليها بالتأكيد هي الابتدائية.

وكان يمكن أن يحتج بالعقاد العملاق.. لولا أنه جاهل  لا يجيد إعراب جملة كما لا يستطيع تلاوة آية من القرآن دون خطأ فيها.. لذلك يتجنب قدر استطاعته تجنب الاستشهاد بالقرآن..

ثم لا تنسوا أبدا ماضيه اليساري وإصراره حتى الآن على تقليد قميص ماوتسي تونج.

***

حاشية 5

خالد منتصر

تستمر مباحث أمن الثقافة في عرض الحلقة الثانية من مسلسل جمال البنا على قناة الدكتور أحمد بهجت الفضائية دريم2.. هذه المرة بالاشتراك مع الدكتور خالد منتصر.. وبمجرد أن شاهدتهما معا لم أتمالك نفسي من الضحك.. فقد تذكرت المثل الشعبي الذي يتحدث عن اجتماع المتعوس بخائب الرجاء!.

تأملت مبهورا كيف يمكر الله بهم وهو خير الماكرين.. إن الطواغيت يستهدفون هدم صحيح الدين بهذه النماذج بما تبثه من جهل وشرك.. لكن الذي يحدث فعلا هو عملية تنفير هائلة للناس مما يصك أسماعهم من معلومات خاطئة.. لا يدرك الطواغيت أن الصحوة من ناحية ووسائل الإعلام من ناحية أخرى لم تعد تتيح لوسائلهم الغبية أن تنجح.

تذكرت –ساخرا- مشهدا من فيلم سينمائي لا أذكر اسمه.. كان الطبيب قد أجرى عملية جراحية لأحد مرضاه فاستأصل منه جزءا من المخ اسمه الإنترلوب كي يزرعه لمريض آخر.. وكان الطبيب قد أجرى العملية لقرد كي يقنع المتبرع بالصفقة. ثم أخفى الطبيب القرد.. لكن المريض الذي ساءت حالته فعل المستحيل كي يعثر على القرد كي يطمئن على نفسه .. لكنه وجد  القرد في شر حال..

أنصح الطواغيت أن يخفوا النماذج المنفرة كما أخفى الطبيب-النصاب- القرد المشوه..

ذلك أن القرد-ككل القرود- لابد أن تقنع الناس بعكس ما تدعو له!

ولم أتمالك نفسي من الدعاء أن يحشر الله الدكتور أحمد بهجت مع كل من يزعم أنه مفكر إسلامي كبير بينما يعلن مجمع البحوث الإسلامية كفر فكره يوم القيامة.

***

حاشية 6

الفتاوى

الطاغوت الغبي يورط كبار شيوخه لإصدار فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.. فتاوى يفرح بها السلطان والشيطان.. وهي فتاوى لا تؤثر في أحد.. فحاشية الطاغوت لا يهمها الفتاوى ولا الدين كله فهم يعبدون الطاغوت من دون الله.. كما أنهم يعلمون كم دفع ثمنا لهذه الفتاوى سيفا أو ذهبا..  أما باقي الأمة فلا يؤمنون بهؤلاء الشيوخ وبالتالي لا يأبهون لفتاواهم. استعمال الشيوخ لإصدار الفتاوى كاستعمال البنادق والمسدسات تحت الماء.. لأنها بمجرد غمرها بالماء تفسد فلا تعود صالحة لإطلاق النار.. كذلك الشيوخ.. بمجرد غمرهم في مستنقع السلطان لا يعودون صالحين لإطلاق الفتاوى.

يا شيوخنا.. يا شيخنا.. ماء المستنقع دنس والفتاوى لا تصلح من نجس... يا نجس!!..

***

حاشية 7

مكرم محمد أحمد

سؤال إلى الكاتب الكبير-سنا- مكرم محمد أحمد: ماذا يفعل المحامون إذا كان رئيسهم محتالا؟ وماذا يفعل المهندسون إذا كان رئيسهم غشاشا؟ وماذا يفعل الكتاب إذا كان رئيسهم كذابا ويرضى أن يروج لأكاذيب يستنكف من ترويجها حتى الكتاب الإسرائيليون.

ملحوظة: لا أنتظر-ولا أريد- إجابة.

***

حاشية 8

إلحاح

أطالب و ألح .. وأرجو وألح.. بإغلاق دور البغاء في بلادنا..

ملحوظة: لا أقصد بغاء النساء.

***

حاشية 9

شيخ الأزهر

تحية –واجبة رغم أنفي- لشيخ الأزهر الذي صفع المنافقين الذين أرادوا قصر الفتاوى على منافقي النظام.

***

حاشية 10

السفير الأمريكي

ما تحاول أمريكا أن تبنيه في عام-بالتزوير والرشوة وغسيل الأدمغة- يهدمه تصرف واحد أحمق في يوم واحد. ومن ذلك استيلاء أمريكا على مبلغ 12 مليون دولار تبرع بها جياع مصر لجياع غزة. هذا التصرف سافل جدا ووضيع جدا وحقير جدا وأحمق جدا. ولقد كانت الحصافة والحنكة تستدعي أن تتركوا –يا تعاسة السفير- هذه التصرفات القذرة لبعض كلابكم وعملائكم.. وما أكثرهم!

***

حاشية 11

الحيرة.. والحل..

 

أحسست بالحيرة الشديدة وأنا أتابع الكتاب..

تكاثرت الأسماء تكاثر الجنود في جيش عرمرم الأمر الذي استلزم من قديم أن يحملوا شارة تجعلهم يميزون بعضهم من جنود جيش العدو..

الأمر نفسه حدث معنا مع تكاثر أعداد الكتاب وتداخلت المجالات فاضطرب اتجاه البوصلة وحار عقلي في تفسير المقالات  وفهم مقاصد المفكرين الذين راحوا يستعملون الكلمات ليس لإظهار الحقيقة بل لإخفائها والتمويه عليها..

أصابتني الحيرة..

تساءلت من أصدق ومن أكذب..

وما هي نسبة التصديق أو التكذيب التي أمنحها لهذا الكاتب أو ذاك .. وطبعا هذا يرتبط بقربهم أو بعدهم من السلطان..

والتمع الحل العبقري  في عقلي فجأة التماعة الشهاب في الليل البهيم..

لماذا لا يسبق اسم كل كاتب أو مذيع اسم المرتبة التي تليق به حتى لو لم يتقلدها علانية أو رسميا..

لماذا لا نقول على سبيل المثال:

المشير رفعت السعيد.. والماريشال صلاح عيسى.. واللواء فؤاد علام.. والعميد قناة دريم.. والعقيد قناة المحور.. والرائد كرم جبر.. والملازم حمدي رزق.. والعساكر رؤساء تحرير الصحف القومية!!..

أليس حلا عبقريا؟!..

 

***

حاشية 12

أيمن نور

تحية وتهنئة لأيمن نور.. وقد تحدثت في صلب المقال عن ذلك..

يساورني شعور أن معظمنا قد شارك في ظلمه بعد الهجوم الإعلامي الكاسح الدنس المدمر عليه..

أيام ترشيحه واتهامه كتبت أنني لا أتفق معه لكنني أقر أنه الأفضل بين جميع منافسيه والأكثر صلاحا من كل متهميه..الآن أكاد أوقن أن القضية ضده كانت ملفقة ..

هزني تصريحه أنه اقترب من الله في السجن.. وقد بدا عليه الصدق..

الأمر الذي أدهشني بعد أن رحت أراقبه كرئيس جمهورية محتمل  ولو على سبيل الخيال والافتراض.. ومع ذلك فإنه ذكي.. يحاول إقناع الناس بفكره لا بسياطه وكلابه وأمنه..

أهنئه..

لكن التهنئة الأكثر وجوبا هي لزوجته السيدة جميلة إسماعيل التي ضربت نموذجا فذا في القوة والصمود والوفاء..

ولست أدرى لماذا لا تبادر الجمعيات النسائية إلى تكريم هذه النماذج الشامخة مثلها ومثل جيهان الحلفاوي ومكارم الديري ونهى الزيني ونجلاء القليوبي..

لماذا لا تشتمل جهود تلك الجمعيات على تكريم تلك النماذج البطلة..

أم أن مجهود هذه الجمعيات كله يتجه إلى إباحة العري وتحريم الختان وتعليم الجنس للأطفال وتحكيم الشرطة في العلاقة بين الأبناء وآبائهم..

...

ألا يتباهى الحكوميون بأننا دولة ديمقراطية.. ألم يدّع المنافقون أن ديمقراطيتنا تفوق ديمقراطية بريطانيا وأمريكا.. إذن.. هل نتخيل في الانتخابات القادمة أن يكون أيمن نور رئيس جمهورية .. وأن يكون وزير خارجيته.... جمال... مبارك؟!.

***

حاشية 13

جمال حماد

 

أوصى كل المهتمين بالشأن السياسي بقراءة الحوار بينه وبين أحمد منصور..

لقد قرأت تقريبا كل ما أتيح لي عما تحدث عنه.. وأشهد أنه موضوعي وصادق إلى حد كبير ما دام الأمر بعيدا عن الرئيس مبارك.. وقد كان حديثه شديد الإيلام لأنه صادق.. ويتفق مع الواقع ويسقط الهالات الأسطورية حول رموز ما كان ينبغي أن تكون رموزا..

الهجوم العنيف عليه كان غوغائيا وسفيها وترك الأحداث والوقائع الذي أثارها دون تفنيد أو تكذيب ولجأ إلى تجريح الرجل.. بوقاحة..