الفتنة نائمة لعن الله من أشعلها
القرضاوي: لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق
أطفئها يا مجدد القرن فليس لها إلا أنت

 

د محمد عباس
mohamadab@hotmail.com


هذا خط أحمر لا ينبغي لمن أحب الله ورسوله أن يتجاوزه بالإساءة إلى رجل أحسب- ولا أزكيه على الله- أن مكانته بين الصحابة والتابعين، نعم.. القرضاوي، سواء وافقناه أو اختلفنا معه : قيمة علمية ودينية كبرى تجاوزت الشخص إلى الرمز، والإساءة إليه إساءة إلى كل مسلم يعرف حقيقة دينه حتى لو كان شيعيا، بل إن الشيخ نفسه دافع بضراوة عن أن الشيعة رغم اختلافنا معهم من أمة المسلمين، وقد لاقى بذلك ما لاقاه من عنت.
لن أدخل في الموضوع، فالموضوع مكانه ساحات العلماء والباحثين لا أزقة الغوغاء والمتربصين.
لذلك فإنني ألمس الشكل- وليس المضمون- في عمومياته:
1- أن هذا الرجل بذل في سبيل الإسلام والمسلمين ما تنوء به أمه، وأنه ظل في الميدان حين انسحب الناس، وجهر بالحق حين جبن العلماء، وواجه الطاغوت إذ يفتك بالأبرياء، وتصدي للغلو والتفريط في سبيل آخرة يسعى إليها حين مالأ من مالأ أو عارض من عارض في سبيل دنيا يصيبها وحاكم ينافقه أو جماعة ينتمي إليها.
2- أنني أشهد للرجل بالعلم والموسوعية والشمول والعطاء الدائب المستمر الذي لا يعرف الكلل كما أحسبه أخلص لله إخلاصا لا يباريه فيه إلا الشهداء وأحسبه منهم له أجرهم حتى وإن مات على فراشه.
3- إنني أعرف وأعترف وأقر أنه بشر يخطئ ويصيب وأنه ليس معصوما من الخطأ لكنه مأجور في خطئه كما هو مأجور في صوابه أجر المجتهد إن أخطأ وإن أصاب. وأشهد أن الرجل يقول ما يعتقد، وأن جل ما يقوله حق. أما فيما نختلف معه فيه فلا تثريب علينا من المواجهة، لكنها مواجهة تحفظ للرجل –رضي الله عنه وأرضاه- حقه وقدره، ولعل القراء يذكرون أنني كنت من المختلفين معه في قضايا كثيرة لكنني لم أجهل أبدا أنه شيخ الشيوخ وأستاذ الأساتذة وعالم العلماء. وليس المجال الآن لتعداد كم كان خلافي معه – وهو سيدي وشيخي وأستاذي الذي أدعو أن أحشر معه- جذريا وعميقا بل وصاخبا أحيانا، لكنني لم أجهل أبدا قدره، وكنت بالنسبة له صخرة على سفح جبل، وكان هو الجبل. كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول عليه الصلاة والسلام، لذلك فمن الطبيعي أن نأخذ من شيخنا الكبير وأن نرد عليه أحيانا، لكن دون أن نتجاوز.
4- ما كنت أود أن تنفجر المسألة كلها أبدا، وقد يبدو أن حساباتي للأمر تقول أن هذا ليس وقت تفجير المشكلة، بل إنني أزيد فأقول أنني أرى أنه لا داعي لتفجيرها أصلا، فالصحوة الإسلامية العامة كفيلة بها، ودليلي على ذلك أن التطور الذي طرأ على الطرق الصوفية تطور هائل بفضل الصحوة وجهود السلفيين والعلماء وعلى رأسهم شيخنا الجليل القرضاوي، وأظن أن الأمر ينطبق على الشيعة أيضا، فمع الصحوة والمراجعات، وتمحيص العقل وتنقية أقوال الإخباريين وإخضاع المرويات التاريخية لشروط الأحاديث، كل ذلك سيصب في مجرى إنهاء الخلاف أو تقليله على الأقل، وإن من يقرأ كتابا عظيما هو إسلام بلا مذاهب لمؤلف عظيم هو الدكتور مصطفى الشكعة سيدرك أمرين في غاية الأهمية: أولهما أنه توجد خلافات بعضها خطير بين السنة والشيعة، وثانيهما أن أعدادا متزايدة من علماء الشيعة راجعت وتراجع ما نعده نحن – كسلفيين وسنة، ونحن على حق- انحرافات عقدية، بحيث أن كثيرا من علماء الشيعة الآن يقتربون من السنة بدرجة لا تكاد تختلف ما بين أتباع المذاهب المختلفة في السنة. وأنها في غالب الأمر اختلافات في الفروع. لم أكن أريد أن يثار الأمر إذن على الإطلاق وخاصة على صفحات المصري اليوم، ولعل القراء يذكرون تحذيري منذ صدورها بأنها من أكثر الصحف المصرية احترافا ومهنية لكنها مخلب أمريكي غربي يفجر المشاكل ويدبر المؤامرات ولتذكروا حديث إفكها عن الاستعراض الرياضي لبعض شباب الإخوان والذي حولته إلى استعرض عسكري، وقد كان رد فعل الدولة مؤكدا أن الأمر لم يكن استجابة لما نشرته الصحيفة، بل أن الأوقع أن ما نشرته الصحيفة كان استجابة لرغبة جهة أمنية في الداخل أو الخارج طلبت من الصحيفة أن تنشر ذلك تمهيدا للتنكيل بالإسلام لا بالإخوان و لكي يبدو أن الطاغوت يتحرك برد الفعل لا بالفعل. فضلا عن أن المصري اليوم لا يهمها السنة ولا الشيعة بل تتمني أن يهلك كل منهما الآخر. والذي أريد أن أتساءل عنه هل المصري اليوم تؤمن أصلا بأن شريعة الله واجبة التنفيذ بغض النظر عن كونها سنة أو شيعة. وبصورة أوضح، هل لو- ولو امتناع لامتناع- شاءت المشيئة الإلهية أن يعود خاتم الرسل وسيد البشر إلى الأرض، فهل تكون المصري اليوم معه أم عليه؟!. أظن أن الإجابة واضحة. لقد كانت صحيفة ضرار. وكنت أتمنى ألا تكون ساحة صراع بين فئتين من المسلمين اقتتلا.
5- أنه لا تثريب على من في مقام الشيخ القرضاوي أن يقول ما يقول حتى وإن أخطأ. إنه بشر يخطئ ويصيب، والرجل وهو من هو متواضع يرفعه الله بالمشيئة إلى أعلى عليين. إن ما يقوله اجتهاد يؤخذ أو يرد، لكن باحترام في كل الأحوال. والحقيقة أنه كالطبيب الحاذق الذي يشتبه في مرض فيحذر منه لتجنب الوقوع فيه أو لسرعة علاجه أو لتقليل مضاعفاته. وإنه لا يقلل من قدر الطبيب أبدا لو حدث أن ظنه لم يكن في محله، بل إن علوم الوقاية كلها في الطب وفي غير الطب تعتمد على التحذير من المخاطر المحتملة واتخاذ الإجراءات الوقائية لتجنبها. هل كان المسئول الذي حذر من حريق مجلس الشورى سيكون مخطئا لو لم يحدث الحريق؟!. هل التحذير من الأعراض الجانبية للدواء تزيد وتشاؤم لا داعي له لأنه ليس من المؤكد حدوث مثل هذه المضاعفات؟!. هل دراسة نسبة المخاطر في أي مشروع في الدنيا خطأ يستوجب العتاب والعقاب والسباب والتشهير والادعاء بالباطل. قد كان يكفي لمن لا يوافقون على رأي الشيخ الجليل أن يواجهوه مواجهة علمية بالإحصائيات وبالرأي، بل وكان يمكنهم أن يواجهوه بأن إبداء رأيه بهذه الطريقة في تلك الصحيفة تحت ظلال تهديد الغزو الخارجي له نسبة من مخاطر خلخلة الحشد ضد الصليبيين، وهو حشد كان شيخنا قائده ورائده وأول رجل فيه. وكان صريحا وواضحا وقاطعا في أنه مع إيران وضد أمريكا.
6- لقد غفل الجميع ولا أدري كيف غفلوا عن نقطة في غاية الأهمية في حديث شيخنا الجليل، إن الشيخ لا يطلب من الشيعة عدم نشر مذهبهم في البلاد الخالصة للسنة فقط، بل إنه يطلب العكس أيضا، فيطلب من السنة عدم الدعوة لمذهبهم في بلاد خالصة للشيعة، وهذا موقف جليل جميل يعطي لكل حق حقه، ويبارك الاختلاف ما دام تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فوق أنه يضمر اعترافه بأن الشيعة مسلمون – وإن ابتدعوا- ويفطن في الوقت نفسه إلى أن نشر أي من المذهبين بهذه الطريقة لابد أن يسفر عن العصبية المنتنة التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه العصبية بدعة مبتدعة ومع هذا لم يحكم سيدنا وحبيبنا ومولانا على الأنصار بشيء تماما كما لم يحكم شيخنا على الشيعة بشيء إلا بالنداء والرجاء لعدم إيذاء إخوانهم في الدين. إن هذا المعنى وحده يوحي بأن الشيخ يدرك أن جزءا كبيرا من الاختلاف هو اختلاف سياسي.
7- أن الهجوم على الشيخ – خاصة من أجهزة الإعلام- كان بذيئا ويستوجب الاعتذار العاجل من كبار علماء الشيعة، وأرجو أن يكون من بادر بهذا الهجوم الوقح سفهاءهم لا علماءهم. إن الاعتذار العاجل ليس درءا للفتنة ولا حقنا للدماء ولا هو رد اعتبار للشيخ الجليل رضي الله عنه، فما أغناه عن ذلك، وإنما هو بالدرجة الأولى محافظة على رصيد الشيعة عند أهل السنة، وعلينا أن نعترف أن هذا الرصيد كان كبيرا، وأنه الآن يتناقص، وأن التناقص لا يرجع كله إلى أخطاء هذا أو ذاك، بل يرجع إلى الدس والفتنة التي تحاك في كواليس مخابرات الصليبيين واليهود ولا ننسى المليارات التي تنفقها أمريكا لتشويه صورة الجهاد والسلفيين والشيعة.. وباختصار لتشويه الإسلام كله، ذلك أن البذاءة التي استعملت لن تضر الشيخ الجليل شيئا ولكنها تلحق ضررا فادحا بالشيعة أنفسهم. إن أقصى ما سوف يصيبه أن بعض الناس –خاصة دعاة الفتنة- سيغبطونه قائلين: مرحى له مرحى.. لأن من يسبون أبا بكر وعمر يسبونه، فالسب هنا رفع درجة.
8- وهنا أشهد أنني –في موضوع مستفيض كتبته لحصار الخلافات بين السنة والشيعة ووضعها في إطارها الموضوعي الذي لا يخضع للدهماء والغوغاء- نقلت عن الشيخ القرضاوي دفاعه عن الشيعة في هذه النقطة، وعنه نقلت أن الإمام الخميني قال لمن سمعه يسب سيدنا أبا بكر: هذا كفر.( وأنا هنا أقول الإمام على سبيل تضييق الخلاف ولأننا أمرنا أن ننادي الناس بأحب الأسماء). وليس هذا مجال الحديث عن الإنجازات وهي هائلة ولا عن الأخطاء وهي كبيرة، وأخشى أن تكون أكبر، لكن المجال ليس المجال، والأمر يحتاج لبحث العلماء لا لاستثارة الدهماء أو الاستجابة لأعداء الأمة الذين لا يكفون عن تحريض فئات الأمة كل على الأخرى.
9- لقد اشتعلت الفتنة وخرجت الأفاعي من أوكارها تزيدها اشتعالا فتكذب وتضيف وتدعي، ويزعم بعضهم أنه يدافع عن آل البيت ويزعم آخرون في الطرف الآخر أنهم يدافعون عن الشيخ الجليل ويعلم الله أن من كتب منهم لم يكتب "ليدافع" بل كتب :" بدافع" من أجهزة مخابرات عديدة في مصر والعالم العربي وخارجه، بل إن بعض هذه المواقع التي راحت تشعل الخلاف وتنفخ فيه إنما هي نتاج سفاح وممولة من الأمريكيين مباشرة مثل موقع "إيلاف" .. أما المواقع في مصر فإنني أتأسى بسيدي وحبيبي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك عن ذكرها إمساكه عن ذكر المنافقين. لكن ما ينزف القلب له ألما أن بعض هذه المواقع يكتب فيها كتاب كان يمكن أن يكونوا كبارا لكنهم التمسوا المنعة والقوة في أجهزة الأمن لا في الله الواحد القهار فأصبحوا مجرد مخالب لهم وأبواقا تضخم وتنقل ما يملى عليها تحقيقا لأغراضها وتبريرا لسياساتها الدعية إلى الفرقة والشرذمة. كما أنبه بمنتهى المرارة والألم أن الكثيرين من المنشقين عن الإخوان أصبحوا أدوات طيعة في أيدي الأمن، وأشهد أن الكثيرين منهم لم يختلفوا مع الإخوان في سبيل الله بل في سبيل أنفسهم وإحساسهم المتضخم بذواتهم مما جعل الإخوان يعزفون عنهم فنهش الغضب قلوبهم ودفعهم الحنق إلى أحضان أجهزة الأمن. وهؤلاء يدعون الدفاع عن شيخنا الجليل وهم في الواقع لا يهمهم إلا تعميق الخلاف بين السنة والشيعة قياما بدورهم المرسوم أمنيا ولا يهمهم شيخنا الجليل في شيء. إن الله سبحانه وتعالى يقول جل من قائل: ) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ... الحجرات(9).. قال عز من قائل : فأصلحوا بينهما ولم يقل أشعلوا النار بينهما.. وهو الأمر الذي حاوله عدد من الكتاب الذين يزعمون أنهم ينصرون شيخنا الجليل وما هم بناصريه وإنما هم ينفذون تعليمات مباحث أمن الدولة في بلادنا وسواها. وإنني أتذكر كلمات اللاجئ المصري العميد محمد الغنام حين أخبرني أن هناك قسما خاصا في وزارة الداخلية لكتابة مقالات تنشر باسم عدد من كبار الصحافيين أو الجيل الأوسط منهم لتوجيه الرأي العام حيثما شاء الأمن. كما أن كتابات فهمي هويدي السابقة، وأيضا كتابات العديدين من الصحافيين تؤكد خطورة اختراق الأمن للصحافة الورقية والإليكترونية، بل إنه لم يعد مجرد اختراق، لقد أصبح سيطرة لا يفلت منها إلا من رحم الله.
10- على سبيل المثال لا الحصر فإن واحدا من هؤلاء شغل ذات يوم مكانا هاما ومرموقا في إسلام أون لاين، ومع ذلك فإنه يحمل حقدا على الإسلام لا يحمله سوى اليهود والصليبيين. بل وكلما احتاجت الفضائيات إلى سعار حاقد على الإسلام لم تجد إلا هو، والرجل يدين الإسلام بنفس الضراوة التي يؤيد الحكومة بها، وإن الكثيرين من أمثاله يتجمعون حول الشيخ تجمع المنافقين حول النبي صلى الله عليه وسلم. وهم لا هم لم الآن إلا إشعال النار. إنهم وهم يدعون مناصرة الشيخ الجليل يهدمون كل ما قاله عن أن الشيعة مسلمون ومن أن جهاد حزب الله في لبنان أعظم الجهاد. لقد قال الشيخ الجليل كلمة يمكن أن يكون فيها مصيبا – وأغلب الظن أنه كذلك- ويمكن أن يكون مخطئا، لقد كان في ميدان الاجتهاد الذي يقبل اختلاف الرؤى، لكن هناك من يدعي الدفاع عن الشيخ وهو يرفض كل مقولاته، مصرا على التكفير والتخوين والتخريف بأن حزب الله أخطر من إسرائيل، وهذا وحي المخابرات الأمريكية وفروعها المنتشرة في عالمنا العربي وليس ما يوحي به لنا الإسلام، وليس أيضا ما يقوله ويؤكد عليه شيخنا الجليل، إنه ضد ما يقوله على طول الخط. فخذوها إذن مني وأجري على الله: إن كل من يسفه انتصار حزب الله على إسرائيل إما مختل العقيدة أو مختل العقل أو لا علاقة له بهذه ولا بذاك، إنه مجرد مجند من قبل أجهزة الأمن. هاجموا السيد حسن نصر الله كما شئتم لموقفه في العراق، وهاجموا أحمدي نجاد أو غيره كما شئتم، خاصة أولئك الذين يقولون أن إيران ساعدت أمريكا في غزو العراق وأفغانستان، لا تهاجموهم فقط بل العنوهم، ولكن العنوا قبلهم من يدعون زورا الانتماء إلى السنة وكانوا أسبق وأوضح وأصرح في معاونة أمريكا علي غزو العراق وأفغانستان ومعاونة إسرائيل على احتلال وحصار أهلنا في فلسطين. لماذا قاتلكم الله تنسبون الثانية إلى السياسة والأولى إلى العقيدة؟!
11- أظن أن فهمي هويدي أخطأ عندما كتب" أخطأت يا مولانا" لكنه خطأ يزيد قيمته في أعيننا، وله- إن شاء الله – أجر المجتهد. إن الجانب الإيجابي فيما كتبه فهمي هو أن الإسلام يسمح بل يحض على مخالفة أكبر شيوخنا وأعظم علمائنا فلا قداسة لأحد ولا عصمة لمخلوق إلا سيد البشر صلى الله عليه وسلم. وحين نخطّئ فهمي هويدي فإننا لا نفعل ذلك من منظور ديني، بل من مقتضيات الملاءمة والمواءمة وحتى السياسة، ليكون ما ارتكبه خطأ وليس ذنبا، ولقد كان الأفضل أن يعالج الأمر بعيدا عن الصحافة والإعلام. فهي صحافة الأعداء لا صحافتنا، وكان هو والدكتور العوا جديران بذلك، وإننا هنا نناشد العاقل الحكيم المستشار طارق البشري وإخوانه أن يسارعوا لإطفاء نار كلما خبت أشعلها منافقون. نعم ، إنني أناشد العقلاء هنا وهناك أن يحاصروا الأمر بعيدا عن أجهزة الإعلام سقط معظمها في أيدي اليهود والصليبيين منذ زمان طويل. أجهزة إعلام همها أن تنال من الإسلام كله ومن المسلمين جميعهم.( ما أشد المرارة التي أشعر بها، فبعد كتابة هذا المقال كتب المستشار الجليل طارق البشري مقالا شديد الحدة، وليس همي الاختلاف أو الاتفاق معه في المضمون لكنه ما كان لمثل هذا المقال أبدا أن يكون معلنا. إن المستشار طارق البشري واحد من أكثر من أحترمهم، ولم أختلف معه إلا مرة واحدة –وهذه هي الثانية- عندما شارك الدكتور العوا والأستاذ فهمي هويدي في التوقيع على فتوى شيخنا الجليل القرضاوي بإباحة – المضطر- للمسلم الأمريكي أن يشارك في ضرب أفغانستان، يومها رفضت الفتوى، وتوسلت إلى المستشار طارق البشري أن يراجع شيخنا الجليل فيها، فأبى، فاضطررت إلى كتابة مناشدة لشيخنا الجليل عن الفتوى كان عنوانها: (إلفظها فإنها مسمومة) . سبحان الله. إن المستشار الجليل نكص حين كان يجب أن يقدم.. وأقدم حين كان ينبغي له النكوص.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.. وسبحان الله.. له الكمال وحده..
12- لا ينبغي أن ننسى أبدا دفاع الشيخ الصلب عن الإسلام وإصراره طول الوقت على أن الشيعة جزء من الأمة رغم ما أصابه في ذلك ، ولقد بقي مستنكرا الدعوات لإثارة النعرات الطائفية مؤكدا باستمرار على أن "المقاومة" أشرف ما في الأمة، سواء في فلسطين أو لبنان، ولا يضير المقاومة اللبنانية أنها من الشيعة، فهم جزء من الأمة الإسلامية؛ لأنهم من أهل لا إله إلا الله، ويتفقون معنا في كثير من الأصول، وإن خالفونا في بعض الفروع".واستدرك قائلا: "وإن كان من كلمة حق يجب أن نقولها، فإننا ننكر على شيعة العراق تعصبهم، وندعوهم إلى نبذ هذا العنف ضد أشقائهم المسلمين السنة، وأن يقفوا ضد المجازر التي تدار، ولا يستفيد منها سوى قوى الاحتلال الأمريكي والكيان الصهيوني".
لم يكف الشيخ الجليل عن الدفاع عن الشيعة فيقول:
من دخل في الإسلام بيقين: لا يخرج منه إلا بيقين، لأن اليقين لا يزال بالشك، وأن أصحاب المذاهب المعروفة في العالم الإسلامي، التي تتبعها جماهير من المسلمين، كلهم داخلون في مفهوم الإسلام ، سواء كانت هذه المذاهب فقهية، تعنى بالأحكام العملية عند المذاهب السنية الأربعة المعروفة، ومعها المذهب الظاهري، أم كانت مذاهب عقدية، تعنى بأصول الدين، أي بالجانب العقائدي منه، مثل المذهب الأشعري، أو المذهب الماتريدي، أم كانت تجمع بين الجانب العقدي والجانب العملي شأن المذهب الجعفري، والمذهب الزيدي والمذهب الإباضي. فهذه المذاهب كلها تؤمن بأركان الإيمان التي جاء بها القرآن (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) والإيمان بالقدر الذي جاءت به السنة داخلٌ ضمن الإيمان بالله تعالى.
ثم يرسي الدكتور يوسف القرضاوي الأسس التي يجب علينا اتباعها إذ نتناول مذهبا مخالفا ومن أهمها - بتلخيص شديد لحديث العلامة- :
أولا : معرفة الآخر من مصادره: ونعني بـ(حسن الفهم) حسن التعرف على حقيقة موقف الطرف الآخر، وذلك بأخذ هذا الموقف من مصادره الموثقة، أو من العلماء الثقات المعروفين، لا من أفواه العامة، ولا من الشائعات، ولا من واقع الناس؛ فكثيرا ما يكون الواقع غير موافق للشرع.
ومن المهم أن نفرق بين الأصول والفروع، وبين الفرائض والنوافل، وبين المتفق عليه والمختلف فيه، وبين الشائعات والحقائق، وبين ما يلزم به الفقه وما يعمله الناس من عند أنفسهم.
لقد كان الشيخ موضوعيا دائما وباحثا عن نقاط الاتفاق، وانظروا إليه يقول:
خذ مثلا قضية (تحريف القرآن)؛ فهناك من علماء الشيعة من قالوا: إن القرآن الكريم محرف؛ بمعنى أنه ناقص، وليس كاملا، وألفوا في ذلك كتبا، واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التي تسند رأيهم من (الكافي) ومن غيره من كتبهم المعتبرة عندهم.ولكن هذا الرأي ليس متفقا عليه؛ فهناك من علمائهم من رد عليه، وفند شبهاته، وهذا هو الذي يجب أن نعتمده، ولا نعتمد الرأي الآخر. وخذ مثلا قضية حرص الشيعة في صلاتهم على السجود على حصاة؛ فالشائع عندنا –أهل السنة- أن الدافع إلى ذلك هو تقديس الشيعة لهذه الحصاة؛ لأنها من طينة كربلاء التي قتل فيها الحسين، أو دفن فيها رضي الله عنه. وقد كنت أنا شخصيا أعتقد ذلك في أول الأمر، حتى زارنا في الدوحة في الستينيات من القرن العشرين الإمام موسى الصدر الزعيم الشيعي المعروف في لبنان، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى بها، وقد تباحثنا في بعض الأمور، ومنها هذه الحصاة، فعلمت منه أن الشيعة الجعفرية يشترطون أن يكون السجود على جنس الأرض، فلا يجيزون السجود على السجاد أو الموكيت، أو الثياب أو نحوها. ونظرا لأن أكثر المساجد أصبحت مفروشة بما لا يجوز السجود عليه في مذهبهم؛ فقد حاولوا أن يوفروا لكل مصل حصاة من جنس الأرض يصلي عليها، وليس من الضروري أن تكون من طينة كربلاء، ولا من غيرها. وقد عرفت ذلك بالقراءة والدراسة في كتب الجعفرية، وعندي عدد منها، من (المختصر النافع) إلى (جواهر الكلام).
وهذا المبدأ -حسن الفهم- كما أطالب به أهل السنة في موقفهم من الشيعة.. أطالب به -من غير شك- الشيعة في موقفهم من السنة، وضرورة تفرقتهم بين الأصول والفروع، وبين الفرائض الأساسية والنوافل الهامشية، وبين المتفق عليه بين أهل السنة والمختلف فيه بينهم -وما أكثره!- وبين الشائع عند العوام والحقيقة عند أهل العلم الثقات، وبين عمل الناس وما يوجبه الشرع.
ثانيا : حسن الظن بالآخر
ثالثا :التعاون في المتفق عليه
من هذه النقاط:
أ ـ الاتفاق على الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم النبيين، وأنه جاء ليتمم رسالات السماء جميعا، والإيمان بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بجميع كتب الله، وجميع رسل الله، كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285]، فهذه قواعد الإيمان الأساسية نتفق جميعا على الإيمان بها، وهي أسس الدين وركائزه.
ب ـ الاتفاق على الإيمان بالقرآن الكريم، وأنه كتاب الله المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)[هود: 1] وأنه محفوظ من التحريف والتبديل بضمانة الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]. وأنه لا يخالف مسلم –سني أو شيعي – في أن ما بين الدفتين كلام الله.
جـ ـ ومن نقاط الاتفاق: الالتزام بأركان الإسلام العملية: من الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت .
رابعا : التحاور في المختلف فيه
خامسا: تجنب الاستفزاز
ومن ذلك: ترك الألقاب التي لا يحبها أحد الفريقين: كتسمية الشيعة – بـ(الرافضة) وأهل السنة بـ (الناصبة). وهذه هي النقطة الحساسة، بل الشديدة الحساسية بيننا وبين إخواننا من الشيعة، فليس يمكن أن نتفاهم ونتقارب فيما بيننا، وأنا أقول: أبو بكر رضي الله عنه، وأنت تقول: أبو بكر لعنه الله!! فكم من الفرق البعيد بين الترضي عن شخص وقذفه باللعنة؟!
سادسا: المصارحة بالحكمة
ليس من الحكمة أن نخفي كل شيء، أو نسكت عنه، أو نؤجله وندعه معلقا دون أن نجرؤ على إثارته أو الكلام فيه؛ فهذا لا يحل مشكلة، ولا يقدم علاجا، أو يقرب بين الفريقين خطوة واحدة.
سابعا : البعد عن شطط الغلاة
وأقل مظاهر الاتحاد: الجانب السلبي منه، وهو طرح العداوة، وترك الجفوة؛ فلا يعادي بعض الأمة بعضا، ولا يجافي بعضها بعضا، ناهيك من أن يكيد بعضها لبعض، أو يقاتل بعضها بعضا.
ومن أبرز مظاهر الغلو الذي يجب أن يُجتنب: السقوط في هاوية (التكفير). وهو أمر خطير، تترتب عليه آثار هائلة؛ لأن مقتضى الحكم بالكفر على إنسان: أنك حكمت عليه بالإعدام المادي والأدبي: أي أهدرت دمه، وأخرجته من الملة، وحرمته من ولاء الأمة والأسرة، حتى لو لم يقم عليه حد الردة؛ فهو ميت أدبيا ومعنويا.
ثامنا : الحذر من الدسائس.
تاسعا: ضرورة التلاحم في وقت الشدة:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10].
الفقرات السابقة هي أقوال بالنص لشيخنا الجليل..
بل إن الشيخ صرح على قناة دريم الفضائية بتصريح خطير جدا..
لقد قال أن الزعيم الإيراني الراحل " آية الله الخميني" قد صرخ في وجه من لعن سيدنا أبا بكر أمامه:
- هذا كفر..
وما قاله الشيخ الجليل هنا يهدم نصف الخلاف بين السنة والشيعة.
فهل يستحق الشيخ الجليل بعد هذا الدفاع المجيد عن الدين – وليس عن طائفة هنا أو هناك- يستحق أن يواجه بما نطق به السفهاء.
هل كان يليق أن يعرضوا ببعض أبنائه في سياق الهجوم عليه، وحتى لو كان ما قالوه صادقا- وهو غير صادق- فهل ضرّ نوحا عليه السلام أن ابنه كان من الكافرين؟!
إلا أننا يجب – إنصافا- أن نقول أن السفهاء لا يقبعون على الجانب الآخر فقط.. بل لقد نال الشيخ الجليل من سفهائنا أضعاف ما لقيه من سفهائهم.. وتذكروا ماذا يقوله العلمانيون ومايو وروز اليوسف.. وتذكروا أنه بينما يقابل في كل بلاد العالم مقابلة الرؤساء والملوك فإن أحقر ضابط يوقفه للاشتباه في مطار القاهرة.
13- ليس ثمة حل آخر إلا أن يبادر كبار عقلاء علماء الشيعة بالاعتذار إلى الشيخ الجليل، فله العتبى حتى يرضى. إن هذا الاعتذار لا يتعلق بالاختلاف في الرأي، وهو اختلاف مطلوب عسى أن يصل بنا إلى اتفاق، ولا اعتذار عليه ولا اعتذار فيه، بل بحث متعمق بعيدا عن المنافقين، بل يتعلق فيما وجه إلى الشيخ الجليل من ألفاظ لا تليق بإنسان عاش حياته كلها لله.. إنني أتذكر والدموع في عيني صالح بني إسرائيل وموسى عليه السلام.. وسيدنا أبو بكر والرسول صلى الله عليه وسلم.. أذكرهما إذ يصيحان: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله..
أذكر ذلك لأهمس في ألم مرير: دعوا مهمة قتله وتشويهه لإسرائيل وأمريكا..
14- معذرة يا شيخنا وحبيبنا القرضاوي.. لا تغضب .. ولا تؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم.. بل إنني أناشدك أيها الحاضر دائما عند كل ملمة في مقدمة صفوف من يعطون وفي آخر صفوف من يأخذون .. أناشدك يا مجدد القرن .. أناشدك أيها الراعي الصالح فأنت راع للمسلمين جميعهم بما أعطاك الله من علم وقبول.. راع لمحسنهم ولمسيئهم ولسنتهم ولشيعتهم .. لذلك أناشدك أن تطفئ النار أنت.. ولا تترك الشامتين يشمتون بنا وبك ولا المنافقين يصبون الزيت على النار ..وأناشدك أن تعفو عمن أساء إليك بل وأن تقربهم إليك وأن تدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.. بل إنني أناشدك تأسيا بسيدي وسيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدعو لمن أساء إليك قائلا: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.. فلتعف ولتصفح.. ألا تحب أن يغفر الله لك؟! .. إن الله غفور رحيم.. أعف من أجل وحدة الأمة التي عشت تجاهد في سبيله ومن أجل نصرة الإسلام الذي أفنيت عمرك في نصرته.. اعف من أجل أحبابك وأبنائك وتلاميذك الذين ابتلاهم الله بهذه الفتنة فكانوا صنفان : صنف يدخل النار بادعاء محبتك وصنف يدخل النار بسبب بغضهم لك وتجنيهم عليك وظلمهم لك.. فاعف عفا الله عنك وعاتب إن شئت .. ولك العتبى حتى ترضى.. لك العتبى حتى ترضى.. لك العتبى حتى ترضى..



حاشية 1
إجرام على ولي الأمر أن يوقفه
شاعر شهير وقح تفتح له وسائل الإعلام مصاريعها ، يستهزئ عليه اللعنة باسم الجلالة فيقول : الله تعالى.. ثم يردف ساخرا : " والا ما تجيش) ..
هذا الوقح هو أحمد فؤاد نجم..
ألا من محاسب.
ومنافق آخر لن يجد هو الآخر من يحاسبه، نشرت له جريدة روز اليوسف المتحدثة بلسان لجنة السياسات رسالة يمتدح فيها مبارك بأنه ابن مصر البار الذي حقق لها الانتصار، على خطر أطاح بعرش كسرى الفرس وقيصر الروم وذاك أمر لا يقدر عليه إلا أولو العزم من الرجال وقليل ما هم.
هذا المنافق يجب أن يستتاب، يجب أن يأمر الرئيس مبارك باستتابته على الفور دينيا، أما من الناحية السياسية فيجب أن يحول إلى محكمة عسكرية لأنه يتهم رئيس الجمهورية بأنه يحارب الإسلام وهو اتهام لو صح يعني الردة.
لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم..
هذا المنافق اسمه الدكتور أبو القاسم رشوان، وهو أستاذ جامعي بكلية دار العلوم، وهي الكلية التي تخرج منها الشهيدين: الإمام الشهيد حسن البنا والشهيد العلامة سيد قطب رضي الله عنهما.
***
***

حاشية 2
شيخ الأزهر

ليس بيني وبين فضيلته ود مفقود لكنني أكن كل الإجلال لمنصبه ولما يرمز إليه، وعلى عكس النداءات التي يوجهها بعض من في قلوبهم مرض إليه بالعفو والإحسان عمن أساءوا إليه في تلك الصحيفة التي ما زلت عاجزا عن تشكيل حروفها: " الفجر". إن فضيلة الشيخ لم يكن هو المقصود بالإهانة بل بالضبط منصبه وما يرمز إليه. إن الإهانة موجهة للإسلام وليس لفضيلته ومن هنا أناشده أن لا يعفو، فليس ذلك من حقه. أما كتاب " الفجر" فسوف أتفهم موقفهم فورا لو جرؤوا على رسم نفس الصورة الكاريكاتورية التي رسموها لشيخ الأزهر- للبابا شنودة أو لأحد اليهود في مصر. هذه صحيفة وهؤلاء كتاب يحاولون ذبح الإسلام وتقديمه قربانا لآلهتهم ولما يعبدون من دون الله.
***

حاشية 3
حمدي السيد

يا إلهي.. لقد وصل الإسفاف حدا لا يكاد يتصور.. ووصل الكذب والبغاء الفكري والصحافي إلى آماد بعيدة من انعدام المنطق والشذوذ. وإن كنت أفهم على الفور نوع الأكاذيب الفاجرة التي يكذبها العلمانيون لتشويه الإسلام والتربص به فإن الذهول يستبد بي عندما أرى بعض رجال الدين النصارى يرددون تلك الأكاذيب فلا أكف عن التمتمة في حسرة:
- كيف يكذب رجل دين.. كيف يكذب وهو يعلم أنه يكذب لإحراز نصر سياسي أو طائفي رخيص؟!.
والحكاية ببساطة أن هناك قانونا يحرم ويجرم تجارة الأعضاء ويبيح التبرع بها، ولكي يضمن القانون جدية ذلك التبرع بتوفر الأسباب الداعية إليه فقد اشترط أن يتم بين الأقارب حتى الدرجة الرابعة. إلا أن المختصين فوجئوا بتكرار التبرع بالأعضاء بين المسلمين والنصارى، والذين لا يتصور أن تجمعهم قرابة إلا على سبيل الاستثناء، فتقرر إصدار ملحق بقانون تجريم تجارة الأعضاء يجرم التبرع بين النصارى والمسلمين، ليس لأنهم نصارى ومسلمون بل لأنه لا يتصور- إلا على سبيل الاستثناء- أن القرابة حتى الدرجة الرابعة هي السبب في ذلك التبرع . إن القانون بهذا لا ينشئ وضعا جديدا بل يفسر ويفصل وضعا قديما، كأن يصدر قانون على سبيل المثال يمنع بناء ناطحات السحاب في القاهرة الكبرى، ثم يتلوه ملحق بمنع بناء تلك الناطحات في محافظة الجيزة، ومحافظة الجيزة كما هو معلوم جزء من القاهرة الكبرى!!.
لم يكن للأمر أي علاقة بالدين ولا بالطائفية. كان مجرد تفصيل لقانون قديم، وسدا لثغرة تبيح التلاعب به.
لقد حاول الدكتور حمدي السيد – وهو قيمة وطنية كبرى لا يعيبه إلا كونه عضوا بالحزب الوطني- أن يشرح الوضع على الفور، وكانت الحقيقة ساطعة والبراءة ناصعة، والادعاء خسيسا وكاذبا وحقيرا، وتوقعت أن يخجل كل من الدعي على الرجل كذبا، لكنهم واصلوا غيهم وأكاذيبهم وهم يعلمون أنهم يكذبون.
تبقى نقطة أخيرة تظهر مدى الغبن الذي يتعرض له المسلمون في بلادهم، فقد كان عدد المسلمين الذين باعوا أعضاءهم لنصارى أضعاف عدد النصارى الذين باعوا أعضاءهم لمسلمين، ولم يكن لذلك أيضا أي بعد طائفي، كان الأمر اقتصاديا بحتا، فالنصارى الذين لا يشكلون أكثر من 5% من المصريين يستحوذون على أكثر من 50% من الثروة الوطنية. لذلك تكون النتيجة السابقة منطقية لأنهم أغنى وليس لأنهم نصارى، تماما كما لو أجرينا نفس الإحصائية عن معدل حالات بيع الأعضاء بين الأطباء وبين الفلاحين، فسوف نجدها تسير في اتجاه واحد ولا تسير في الاتجاه العكسي إلا على سبيل الاستثناء، ليس لأن هؤلاء أطباء وأولئك فلاحون ولكن لأن هؤلاء أغنياء وأولئك فقراء.
ومرة أخرى لم تفاجئني أكاذيب العلمانيين وخستهم، ولكن ما أدهشني تورط رجال دين نصارى في ترداد نفس الأكاذيب، وهم يعلمون أنها أكاذيب ويعلمون أنهم يكذبون..ماذا يريدون بعد القرصنة واستعمال السلاح لسرقة الأراضي والكذب البواح.. فسبحان الله العظيم الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
***