بروتوكولات حكماء العرب

 

 

 

 

 

 

نص أدبي بقلم

دكتور محمد عباس

 

 

1334هـ

2013 م










إهداء

 

إلي شهداء رابعة..

 

إلى شهداء النهضة..

 

إلى الشهداء الساجدين..

 

إلى شهداء المنصة..

 

إلى شهداء رمسيس..

 

إلى شهداء أبي زعبل

 

إلى كل شهدائك يا مصر

 

....

أهدي هذا العمل..






ليس إهداء

 

لقد اكتشفت مذهولا أن البطل الرئيسي في هذا العمل الأدبي يكاد يكون هو الفريق

 

 السيسي.. رغم أنني كتبته دون أن أعرف حتى اسمه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




بروتوكولات حكماء العرب

 

 

-1-

 

 

كيف وصلت إلىّ هذه البروتوكولات؟..

ليتني كنت أستطيع أن أقول لكم!!..

لكنني ممنوع من التصريح والبوح..

قد أستطيع أن أحوم من بعيد وأن أشير وأن ألمح .. لكنني لن أستطيع أبدا أن أبوح وأصرح..

ممنوع أنا من أن أمارس المتعة الوحيدة للبؤساء والمكروبين والمساكين .. متعة أن أفضفض بما عرفت وأن أثرثر بما سمعت وأن أحدث عما رأيت..

ممنوع..

ثم إن هناك مشكلة أخرى أبادر بالاعتراف بها.. وإلا بدا لي أو لكم أنني أتعمد الغموض كي أعطيكم إحساسا كاذبا بأهميتي.. أو أنني أتورط في الكذب عليكم كي أثير المزيد من فضولكم، فما ذكرته على الفور قد يوحي لكم بأنني أعرف الكثير الكثير لكني أخبئ هذا الكثير .. وأخفيه عنكم.. وذلك كله غير صحيح.. فما أشد جهلي بالأمر كله.. حتى أن كل ما أعرفه لم يرو فضولي أنا نفسي ولن يروي بالتالي فضولكم.. بل إنني أعترف أنني أكثر منكم فضولا.. فأنا المعنيُّ بالأمر بل والمتورط فيه دون إرادة مني.. ودون أي سابقة قد تبرر أو تفسر إسناد الأمر إلىّ أنا بالذات دون أي واحد منكم..

كنت مسكينا من المساكين مثل معظمكم.. حتى فوجئت بالأمر.. وبذلك الشخص المجهول الذي لم أره حتى الآن، وبتلك الرسالة الغامضة التي لا أعرف مبتداها أو منتهاها أو حتى فحواها.

لقد حذرني الشخص المجهول الذي أرسل إليّ هذه البروتوكولات من أن أبوح باسمه.. ودهشت من الأمر لأنه في الحقيقة لم يخبرني باسمه!!..

وحذرني من أن أشير إلى جنسيته رغم أنني لا أعرف من أي البلاد يكون.. كل ما قاله لي أنه من بلاد لا إله إلا الله محمد رسول الله.. وهو بهذا الشكل لم يحدد مكانا ولم يستثن بلدا.. لأنه.. حتى وإن اختلفت الرؤى.. فإن كل البلاد هي بلاد لا إله إلا الله محمد رسول الله بعد أن بلغ الأمر ما يبلغه الليل والنهار فلم يستثن بيت مدر و لا وبر.

لقد نبهني المرسل المجهول ألا أبذل جهدا في محاولة كشف جنسيته بقراءة أختام البريد على المظروف.. قال إن هذه الأختام على المظروف الذي يحتوى على مخطوط هذه الأوراق لا تدل على مكانه .. فقد تعمد أن يرسل المظروف من بلاد غير بلده.. وزيادة في الحرص فإنه لم يرسله بنفسه.. ولم يكن أبدا في البلاد التي أُرسلت الأوراق منها..

لقد حاولت طيلة قراءة هذه الأوراق أن أستنبط من أي البلاد يكون..

في فقرات كنت أهتف: إنه من مصر..

لكنني في الفقرة التالية كنت أهتف: لا.. بل ليبيا.. بل السودان.. بل السعودية.. بل سوريا.. بل الشام.. بل إيران.. بل الهند والسند.. بل بخارى.. بل سمرقند.. بل الداغستان.. بل البوسنة والهرسك.. بل الأندلس.. بل.. بل.. بل.. بل ..

وأحيانا كنت أهتف: العرب.. المماليك.. الجراكسة.. التتار.. الفرس.. الأتراك.. البربر..

ولم يقتصر الأمر على ذلك.. لأنني كنت في أحيان أخرى أصيح: هذا هو الملك فلان.. أو الرئيس أو الأمير .. أو الشيخ.. أو الوزير.. أو اللواء ..أو البكباشي.. أو العقيد..أو الجنرال..أو الكاتب..

لكنني أصارحكم القول يا قراء.. أنني في كل مرة كنت أشعر بخيبة أمل فظيعة.. إذ ما أكاد أضع يدي على يقين حتى يختفي.. رغم أن السطور تشف حتى تكاد تنطق.. والمعاني ترق حتى تكاد تُرى.. لكنها لا تنطق أبدا ولا تُرى..

لا أعرف أيضا الفترة الزمنية التي كتبت فيها هذه البروتوكولات.. فأثناء قراءتي لها كنت أظن أحيانا أنها كتبت أمس أو اليوم وأن من كتبها قد تعمد أن يدس فيها أحداثا قديمة تنصلاً مما قد تجره عليه من متاعب .. وفى أحيان أخرى كنت أؤكد أنها كتبت منذ ألف عام.. لكن المرسل المجهول دس فيها ما حدث بالأمس وما يحدث اليوم وما قد يحدث غدا .. ربما إسقاطا على ما يمكن أن يحدث لنا في المستقبل .. بل أحيانا كان يشير إلى حرب بالصواريخ زمن السيف.. وفي أحيان أخرى كان يرمز إلى حرب بالسيوف زمن الصواريخ.. ولست أدرى لماذا فعل ذلك؟.. لماذا حرص على كل هذا الغموض.. أهو مجرد الإخفاء لأصل نص خطير كهذا؟ .. أم أنه بالغموض يدس تأثير قوة الأسطورة فيما يكتب.. أم.. أم .. أم

على أنني أريد أن أصارح القارئ أيضا.. أن الخط والمداد الذي كتبت به هذه البروتوكولات ليس خطا واحدا ولا لونا واحدا.. بل إن الأغلب أن عشرات الأيدي وربما مئاتها قد اشتركت في كتابتها.. ولقد حاولت حتى بتحليل نوع الورق والمواد الكيماوية المستعملة في هذا المخطوط أن أستكنه منها غموض التاريخ والجغرافيا فعجزت..

حاولت واجتهدت وعجزت..

كان يلزم للأمر كي يتم مراكز بحث كبرى ومعامل هائلة قائمة على أحدث وسائل التكنولوجيا. ولست واثقا من أن ذلك كله لو كان قد توفر كان كفيلا بحل الأمر.

هل لو كنتُ جامعة أو مركز أبحاث أو وكر مخابرات أو حتى ملكا أو رئيسا: هل كان هذا سيساعدني على فك هذا اللغز؟.

علمي الضئيل وثقافتي المحدودة وأفقي الضيق تخبرني جميعا أن المزيد من المعرفة لا تقلل مساحة الجهل، بل على العكس، كل علم جديد يزيد من إدراكنا لحجم ما نجهل. المصباح الصغير في بقعة ظلام دامس يعطيك دائرة صغيرة من الضوء ويكشف حولها دائرة ظلام أكبر، وكلما اشتدت قوة المصباح ازداد قطر دائرة الضوء وازدادت أيضا مساحة الظلام المحيطة. المعرفة كالمصباح. لاحظوا الآن.. في إطار هذا المثل أنني تكلمت عن مساحة للضوء تمثل قدر علمنا .. وتحيط بها مساحة أكبر بكثير من الظلام المُدرَك تمثل جزءا من جهلنا .. دعونا الآن من الظلام غير المدرك.. لأنه محير جدا.. وربما تتشوش عقولكم إذا ما حدثتكم الآن عنه.. فدعونا نَعُدْ إذن إلي ما كنا فيه.. حيث أنني واثق أن قلة الوسائل لم تكن السبب فيما ألمّ بي.. وربما إذن لو توفر لي كل ما أريد من وسائل المعرفة.. لأصبحت حيرتي من الأمر أكثر من حيرتي الآن.. لكنني لا بد أن أعترف.. أنني برغم الحيرة كنت واثقا من شيء ما.. كنت واثقا من أن هناك مخطوطا.. فقد كان في يدي.. وكنت واثقا من أن الأمر جد لا هزل.. وكنت واثقا من المرسل المجهول.. لكنني أعترف أيضا أن هذا اليقين الذي كان غالبا عليّ رغم دواعي الشك .. إنما هو يقين لا يتعلق بالجهل أو المعرفة .. فحتى اليقين نفسه كان مجهول المنبع.. أو أن منابعه كانت توجد في إطار مساحة الظلام الهائلة المحيطة ببقعة الضوء المحدودة.. ولن نتحدث الآن عن يقين حقيقي إيحابي متفاعل فاعل.. وعن يقين آخر ليس يقينا.. يقين كالسراب.. يريح من لفحه الهجير وشوته الشمس وأضناه العطش فيوهمه أنه أوشك أن يجد الماء.. يقين جبان هش دافعه الرغبة في الركون إلى الراحة والخوف من المواجهة. لا أتحدث عن هذا. أتحدث عن يقين حقيقي.

حاولت أيضا في البداية أن أخمن من يمكن أن يكون قد صاغ هذه البروتوكولات: هل هو ملك أم رئيس أم أمير أم زعيم حزب سياسي أم ضابط مخابرات؟؟!!.. هل هي فلسفة عصابة كعصابات المافيا؟ أو جماعة كجماعات كوبنهاجن؟.. هل هي مؤامرة للاستيلاء على الحكم؟ أم أنها مؤامرة من الحكام كي لا يتركوا الحكم أبدا؟ .. أم أن ذلك كله غير صحيح وليس هذا المخطوط سوى منهج دراسي يدرس للنخب الحاكمة في عالمنا الإسلامي.. منهج يدرس في معهد سريّ لم نسمع به قط.. معهد قد يكون مقره في روما أو لندن أو باريس أو تل أبيب.. معهد لا مبنى له.. لكنه ينتشر كأذرع الأخطبوط أو كالسرطان في عواصمنا.. بحيث لا يكاد أن يكون هناك مسئول لم يتخرج منه..

فكرت أن تكون هذه الأوراق أيضا نص الخطبة الافتتاحية في أحد مؤتمرات القمة السرية التي لم يُعلن عنها.. أو أن ملكا قد كتبها لأبنائه وأحفاده كي ينشبوا مخالبهم في رعاياه أبد الدهر.. أو أنه رئيس.. هل يختلف الأمر؟..

هل يختلف؟!..

كل ذلك كان مجرد احتمالات.. مجرد احتمالات وعناصر النفي فيها توازى عناصر الإثبات..

لكن ذلك الشخص المجهول الذي أرسل المخطوط إلىّ لم يخف عنى أن خفاء هذه البروتوكولات لا يضارعه إلا علانيتها.. وأن كل الناس يعلمون بما فيها لكن لا أحد ينطق ببنت شفة.. قال إنه يفهم أن يتآمر الصياد على الفريسة لكنه لا يفهم أبدا كيف تتواطأ الفريسة معه في التآمر على نفسها.. ولقد صارحني أيضا أنه أرسل ملخصات مختلفات للمخطوط إلى عدد لا حصر له من الكتاب والمفكرين عارضا عليهم أن يحملوا أمانة نشر النص الذي سيرسلهم له لو وافقوا..حدث ذلك دون أي رد فعل منهم.. بل لقد اتصل بهم بعد ذلك كيف؟ لم يفصح.. - ففوجئ أن أغلبهم وجه إليه أسئلة جعلته لا يشك أن مهنة الفكر والكتابة ليست إلا ستارا لعملهم في الشرطة أو المخابرات.. ولقد امتنع تماما عن الظهور أمامهم.. فقد كان واثقا أنهم بغض النظر عن العجز والقدرة سيحاولون تسليمه للسلطات.. لم يقل لي المرسل المجهول كيف اتصل بهؤلاء الكتاب والمفكرين.. ولكنني أدرك أنه ما دام قد اتصل بهم فقد يتصل بي في أي يوم ..

يقتلني السؤال: لماذا اتصل بهم ولم يتصل بي.. ولقد فهمت ضمنا أنه يكن لهذه الحثالات البشرية والطفيليات الحيوانية كثيرا من الازدراء والاحتقار.. فلماذا إذن اتصل بهم ولم يتصل بي أنا؟!.. ولماذا أخبرني بكل ذلك فجعل وهم زهو تفردي بهذه البروتوكولات يزول.. ينهش القلق قلبي.. وأهاتف القلب غير المطمئن قائلا: فلتنتظر.. فربما يتصل بك. وها أنذا أنتظر.. أجمع له آلاف الأسئلة وأنتظر..

ملايين الأسئلة لكنى لا أملك إلا أن أنتظر..

هذا هو كل ما أعرف يا قراء وقد قلته لكم..

ما لم أقله لا أستطيع أن أقوله ..

فأتوسل إليكم.. ألا تلحوا بأسئلتكم علىّ.. إلا إذا كنتم متواطئين مع الصياد والفريسة.. لأن بوْحي بأكثر مما بحت به قد يعنى هلاكي وهلاك الرسل الذين اشتركوا في توصيل هذه الأوراق إليّ..

لذلك أتوسل إليكم مرة أخرى- أن تقرءوا هذه البروتوكولات كما قرأتها.. ولتلفحكم نيرانها كما لفحتني.. ولتعذبكم كما عذبتني.. ولتتساءلوا كما تساءلت .. ولتفكروا كما فكرت ولتسهروا الليالي كما سهرت ولتبكوا كما بكيت ولتصرخوا كما صرخت وليمسكم الروع كما مسني بل وزلزلني.. فالأمر لا يخصني وحدي.. وما يتعلق بي من هذه البروتوكولات لا يزيد عما يتعلق بكم منها.. لكن قدري هو الذي جعلني مسئولا عن توصيلها لكم.. وهو قدر كان يمكن أن يحيق بأي واحد منكم..

ما أبهظنى .. ما أقض مضجعي.. علمي بأن أوراق هذه البروتوكولات ليست كاملة.. ولا مرتبة.. ولا أنا أستطيع أيضا أن أؤكد أن جميع أوراقها المبعثرة تنتمي لها .. وأن الصدفة أو التعمد لم تضيفا وريقات إليها.. وعلى سبيل المثال.. فإن تلك الورقة التي لا عنوان لها.. والتي سميتها أنا " الاعتراف بالإيمان" لا يمكن ضمها لأي فصل من الفصول.. ولا لأي بروتوكول من البروتوكولات.. لذلك لا أستطيع الجزم.. هل هي من البروتوكولات أم مدسوسة م لا...

ما أبهظني أيضا وأقض مضجعي.. أن المقدمة والخاتمة قد سقطتا من الأوراق.. بحثت كثيرا فلم أجد.. لو أنني عرفت البداية لفهمت.. ولو أنني عرفت النهاية لعلمت.. تساءلت وتساءلت .. .وتساءلت.. ووو وآلاف الأسئلة عجزت عن أن أجيب على سؤال واحد منها.. لذلك أطرحها عليكم كما وصلتني.. فلعل ما عجز عقلي عن فهمه.. تفهمه عقولكم.. فالأمر على أي حال ليس أمري وحدي.. فهو يهمكم كما يهمني.. ليس اهتمام اقتناص فرصة أو النجاح في صفقة أو تجنب شَرَك.. أو الإفلات من خديعة.. وليس أيضا إغراء حل لغز.. لا .. ليس أيا من ذلك.. الأمر أمر حياة أو موت.. بل أكثر من الحياة والموت ..

لا أريد أن أطيل عليكم.. لذلك أختم هذه المقدمة التي أخشى أن تكون قد طالت بالفعل بأن أحكى لكم عن حيرتي في كتابة عنوان هذه السلسلة من المقالات.. فقد كان العنوان الأصلي للأوراق:

" بروتوكولات حكماء العرب "

لكن خطا واضحا نتج عن قلم ما.. عمل بالشطب على كلمة "حكماء" ووضع أعلاها كلمة : " حُكّام ".. لكنني اخترت العنوان الأصلي.. لأغراض لن تخفى عنكم.. ولقد لجأت إلى هذه الحيلة البريئة المسالمة في أضيق نطاق.. لجأت إليها أثناء نسخي للمخطوط.. ولم ألجأ إليها إلا تقية عندما كانت الكلمات تكاد تصرخ: أنا أقصد فلانا..

إنها عبقرية الصدفة.. أو عبقرية المخطوط.. وهى عبقرية لن أستطيع أبدا أن أقنع بها رجال الأمن وهم يعذبونني ساعة التحقيق.. ولا رجال النيابة وهم يتواطئون مع الشرطة.. ولا رجال القضاء وهم يتواطئون مع رجال النيابة ليحاكمونني.. ولأنني أدرك يا قراء أنه إذا وقعت الواقعة لن يتقدم منكم من يحميني.. وليس هذا قدحا فيكم.. ولا قلة ثقة بكم.. وإنما ببساطة.. لأنه لا أحد منكم يستطيع أن يحمى نفسه أو أهله بله أن يحميني.. لذلك تجوّزت ولا أقول تجاوزت.. فأبدلت كلمة هنا وكلمة هناك.. وحولت الماضي إلى مضارع والمضارع إلى ماض.. ورفعت حرف جر ووضعت آخر.. ولست أخفي عنكم.. أنني أثناء كتابتي لكم.. تكون إحدى عينيّ عليكم.. أما العين الأخرى.. فمركزة على جهاز الأمن الباطش الجبار.. مدركا أنه حتى الشيطان يمكن مقاومته بالاستعاذة منه وقراءة القرآن.. لكن أجهزة الأمن في أنحاء عديدة من عالمنا الإسلامي .. قد أشيع عنها أنها تمزق القرآن.. وتدوسه بالأقدام .. فكيف لا أخاف..

ها أنذا أكاد أقع في الاستطراد مرة أخرى.. لذلك ألجم فمي.. وأكبح يراعى.. وأوقف تدفقي.. وأمنع خواطري.. لا لخشية الإملال بل مخافة الوقوع في المحظور..

لذلك أتوقف ..

فلتدلفوا معي إلى الموضوع مباشرة:

 


 

 

البروتوكول الأول :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سنكون صرحاء ونناقش دلالة كل تأمل، بل كل كلمة، بل كل حرف، بل الصمت نفسه، وسنصل إلى شروح وافية بالمقارنة والاستنباط . وعلى هذا المنهج سأعرض منهج سياستنا.. ويجب أن تتنبهوا أننا إذ نتكلم هنا نتكلم كي نصل إلى أعماق الحقيقة المجردة.. وعليكم أن تنسوا تماما كيف تتحدثون إلى الناس.. حين لا يكون لحديثنا من هدف إلا إخفاء الحقائق.. إننا نتصارح هنا بعقل يختلف اختلافا كليا عن العقل الذي نستعمله في حياتنا العامة.. وعليكم أن تدركوا أن أي خلل في هذا التقسيم سوف يؤدى إلى هلاككم جميعا.. ولعلكم عاينتم بأنفسكم النتائج الفاجعة ونهايات البعض وعواقب الأمور عندما لم يفهم البعض هذه الحقيقة.

أكرر.. وأحذر.. أن الأمل الوحيد في احتفاظكم بأماكنكم هو أن تفكروا بطريقة مختلفة اختلافا كليا عن طريقة تفكير العامة والدهماء والجماهير.. لا أقول لكم أن هذه الطريقة مناقضة لطريقة الناس.. فالتناقض على أي حال يشكل نوعا ما من العلاقة ولو بالاختلاف.. لذلك لا أقول بالتناقض بل أقول أنه لا علاقة بين الطريقتين على الإطلاق.

إن هناك منكم من لا يزال في منصبه منذ عشرين أو حتى ثلاثين عاما.. بل لقد تجاوز البعض في حقب أخرى خمسين عاما.. وهؤلاء قد سمعوا منى أو من غيري قبل ذلك.. لكن حتى هؤلاء سيحتاجون إلى كل تركيزهم معي لأننا نطور خططنا باستمرار.. فالرعاع يطورون خططهم باستمرار.. والسادة يزيدون من مطالبهم باستمرار.. ولتعلموا من الآن أن ما كان يصلح أمس رغم صحته لا يصلح اليوم.. وأن ما يصلح اليوم لا يصلح للغد .. في إطار من الحركة لا يتوقف.. فلا ثبات ولا دوام..

ثم أن هناك مشكلة أخرى. ذلك أن بعض من كانوا حكاما بالأمس يقبعون اليوم في السجون أو القبور أو معلقين على المشانق.. وأن بعض من كانوا رعاعا انضموا إليكم.. وهذا يزيد مشاكلنا إلى ما غير حد.. ليست مشاكل المضمون والقدرة على متابعته فقط.. بل ومشاكل الشكل والتأمين..

لكن.. من وجهة نظر أخرى فإن الأمر ليس معقدا.. إنه بسيط وسهل وبديهي.. حتى أنكم ستندهشون عندما تفهمونه على الوضع الصحيح.. ستندهشون لعدم فهمكم له هكذا منذ البداية.. فالأفكار مثل المشاهد التي يراها أي واحد منكم وهو يقود سيارته.. إنها تتغير باستمرار.. تتغير كتغير المياه الجارية في نهر فلا يدع لك جريانها الفرصة كي ترى نفس النهر مرتين.. أبدا.. أبدا. . لذلك لا تحكم على وضعين بنفس الحكم أبدا حتى ولو تصورت أنهما متماثلان..

إنني أعلم أن معظمكم لم يقرأ كتابا في حياته.. وأن قدرتكم على فهم التصور الفني للمعاني تكاد تكون معدومة إلا عند واحد وربما اثنين.. لذلك سأستعمل أسهل الألفاظ وأكثر المعاني مباشرة.. وأقول لكم الآن على سبيل المثال أنكم ربما تتخيلون أنكم كلما أوغلتم في المعرفة قلت مساحة جهلكم.. وهذا غير صحيح.. إنه يمكن أن يكون صحيحا في مقرر مدرسي محدود بين دفتي كتاب لو استوعبته فقد استوعبت الأمر كله.. في الحياة.. لا تسير الأمور على هذا المنوال.. بل تسير على العكس.. فكلما ازداد علمكم ازداد إدراككم لحجم جهلكم.. حتى إنهم يقولون أن العالم الحقيقي ليس من يعرف أنه يعلم كثيرا بل من يدرك أنه يجهل كثيرا.. هل يبدو الأمر صعبا عليكم؟ دعوني أعطيكم مثالا يشرح لكم الأمر.. في رحلات الصيد التي تقومون بها في الصحراء.. عندما تشعلون أنوار السيارة المنخفضة فإنكم ترون مساحة محدودة من الضوء تحيطها مساحة أوسع من الظلام.. فإذا ما أشعلتم الأضواء العالية ازدادت مساحة البقعة المضيئة لكن مساحة الظلام ستزداد أكثر.. هذه القاعدة صالحة إلى ما لا نهاية.. كلما ازدادت قوة المصباح وأرمز به هنا للمعرفة- ازدادت مساحة الظلام.. التي أرمز بها للجهل.

هناك أمر متصل منفصل.. كان يمكنني تأجيله لموضع آخر.. وفي جلسة أخرى.. لكن ذكره الآن سيوفر علينا بعض الوقت.. لأننا لن نعود إلى التذكير بالخلفية النظرية ولا بتفاصيل المثال.. ذلك أنك لو وجهت هذا الضوء مهما بلغت قوته إلى السماء في ليلة صافية شديدة الظلمة فإنك لن ترى شيئا على الإطلاق لأنكم لا ترون الضوء ذاته بل ترون ما يعكسه أو يمتصه أو يشتته.. وتماما كما أن عماء الأعمى لا يعني تلاشي الموجودات.. فإن ما أريدكم أن تنتبهوا إليه من المثل.. أن الأشياء قد تكون موجودة.. لكنكم لا ترونها.. تلك نقطة هامة جدا.. ولكن هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية عنها.. لأن العقل البشري الذي قد يعجز عن رؤية ما هو موجود قد يفعل العكس فيتوهم وجود ما هو غير موجود.

أريد أيضا بداية - أن أنبهكم إلى الخلل الكامن في العلاقة بين الكلمات والمعاني وبين الحقيقة المجردة..

يجب أن تعلموا أن الكلمات والحروف مجرد أشكال.. شفرة.. تعمية.. رموز.. وأنها وحدها لا تعنى شيئا.. فالماء مثلا.. ليس مكونا من الميم والألف والهمزة.. لكنه مكون من اتحاد ذرتين من الهيدروجين بذرة من الأكسيجين.. والفرق بين الحروف الثلاثة والذرات الثلاث هو الفارق بين الكلمة كرمز وبين الحقيقة كواقع.. ليس لحروف الكلمة أية علاقة بالذرات المكونة للمادة.. ليس ثمة أي تشابه ولا حتى دلالة.. ولو أننا اصطلحنا اليوم على أن نسمى الماء نارا.. واتفقنا جميعا على ذلك.. وسقنا الناس سوقا عليه.. فإن ذلك لن يؤثر على ذرتي الهيدروجين وذرة الأكسيجين أي تأثير..

هذه واحدة..

الثانية أن لفظة الماء نفسها تعنى مئات المعاني تختلف باختلاف سامعها وباختلاف الوقت.. فالماء بالنسبة لمعظمكم الآن يعنى هذا الكوب البارد الموضوع أمامكم لتشربوه.. أما عندما تعودون إلى مهاجعكم بعد نهاية هذا الاجتماع فهو يعنى دلوا من الماء الدافئ تغتسلون به.. بالنسبة لمرضى العيون قد تكون مياه زرقاء أو بيضاء.. وبالنسبة لمرضى القلب فإنه يعنى على الفور ماء على الرئة ولمرضى الكبد استسقاء ولمرضى الكُلَى بولا محصورا.. بالنسبة للفلاح يختلف الأمر.. لأنه لا بد أن يفكر في الري حين يسمع كلمة الماء.. لكنه يفكر فيه بمعنيين متناقضين.. ففلاح الصحراء يفكر في شحه أو انعدامه وفلاح الوديان يخشى من الفيضان الذي يجرف أمامه كل شيء.. . أما جندي المطافئ فيفكر في ماء يطفئ به حريقا.. لكن زميله .. الجندي الآخر الذي يعمل في سلك الأمن فقد يفكر في الطرق المختلفة التي يجعل بها الماء البارد جدا والساخن جدا أكثر تعذيبا للمتمردين والإرهابيين.. زميلهم الثالث الذي عبر قناة السويس لن يذكر إلا المياه التي سلطوها على الحاجز الرملي لينهار.. عالم البحار سيفكر في شيء آخر .. وهكذا دواليكم..

الكلمات إذن مجرد شفرة ورمز دالّ على معنى وهي لا تكتسب قيمتها إلا بالتواطؤ أو التآمر أو التوافق سموها كيفما شئتم- مع المتلقي.. وليس هناك أي حكمة أو حصافة في أن نخلص لهذه الرموز إخلاصا أعمى..

على العكس..

إنها حماقة وخيبة وسبيل إلى الهاوية..

لا أقصد بالطبع أن تخرجوا من هذا الاجتماع ليصدر كل واحد منكم مرسوما بقاموس يغير فيه أسماء الأشياء.. تلك أيضا حماقة.. مثل حماقة ذلك الذي أضاف كلمة العظمى إلى بلده الصغيرة، فأصبح مضغة في الأفواه، أو ذلك الذي وضع لافتة كبيرة على السجن المركزي تقول:"دار الحرية" أو تسميتنا لدار الفناء بدار البقاء[1].. لكنني لا أقصد ذلك الآن.. قد أقصده في وقت آخر.. وقد أعود إليه.. وقد لا أعود إليه أبدا.. فالوقت ضيق والمهام جمة والمشاغل لا تنتهي.. ما أقصده الآن شيء آخر.. لا ينصرف إلى رموز الأشياء بل إلى الحقيقة المادية .. وإلى حقيقة المعنى.. على أن ندرك بداية أن الحقيقة المادية ليست واحدة كما يظن معظمكم.. ذلك أن العقل البشري لا يعمل بطريقة عدسات الكاميرا بل بطريقة ريشة الرسام.. بعدسات الكاميرا تبدو الحقيقة موضوعية ومستقلة عن الذات.. أما بريشة الرسام فنحن لا نرى الحقيقة المجردة بل نرى ما يراه الرسام.. وهو ليس متطابقا بالضرورة مع الحقيقة. ثم إن هذا الكلام ليس صوابا مطلقا.. لأن الموضوعية المنسوبة إلى عدسات الكاميرا ليست كذلك بالضرورة.. فمجرد اختيار الصورة انحياز.. وزاوية اللقطة انحياز.. وإبراز صورة وإخفاء صورة انحياز.. والتحميض وطريقة الطبع ونوع الورق انحياز.. كما أن ما يرسمه الرسام يحوي جزءا من الحقيقة وجزءا من الرسام.. ولنفترض على سبيل المثال أن هذا الرسام يعاني من عمى الألوان.. وأنه ينقل في الصورة التي يرسمها بريشته اللون الأخضر الذي لا يستطيع أن يراه فيضع مكانه اللون الرمادي مفجرا التساؤل هل اللون الأخضر موجود ومستقل عن الذات الإنسانية أم أنه لا يكون كذلك إلا من خلالها وهل الحقيقة الموضوعية المجردة مستقلة عن العقل والحواس أم أنها ما يتصوره العقل والحواس.. ومن خلال هذا التصور فإن الحقيقة المادية تختلف من شخص لشخص ومن مكان لمكان ومن زمان لزمان.. ولابد أن تختلف وإلا ما كنتم هنا.

من هذا المنطلق فعندما أقول كلمة الحرية مثلا.. فلابد أن يختلف المعنى عند الحاكم عنه عند المحكوم.. لا.. ليس مجرد الاختلاف ما أقصده.. بل هو التضاد الكامل.. فعندما نتكلم فيما بيننا فقط وليس أمام الدهماء عن الحرية فإننا نقصد حريتنا نحن في الحكم وليس حريتهم.. بل إن أي قدر من الحرية يُمنح لأولئك السوقة هو انتقاص واستلاب لحريتكم يجب ألا تسمحوا به إلا لغرضين: الغرض الأول هو أن تحصلوا على الثمن.. أما الغرض الثاني فهو أن تجيدوا كالبهلوانات السير على حبلين مشدودين في اتجاه معاكس.. لأنكم إن منعتم الحرية تماما عن رعاياكم فإنهم سيثورون عليكم لتفقدوا الحكم.. فإذا ما أسرفتم في منحهم الحرية سيثورون أيضا عليكم وستفقدون الحكم أيضا.. إن الجماهير كالعبد الخسيس.. إذا جاع سرق وإذا شبع زنى.. لذلك فإنكم مع مثل هذا العبد يجب أن تعطوه من الطعام ما يكفى بالكاد لأغراضكم في استخدامه بحيث لا يجوع ولا يشبع..

نعود إلى المثال الذي تركناه على الفور.. إلى كلمة الحرية.. إن عبقريتكم ونجاحكم يعتمد على استعمال نفس الكلمة للدلالة على المعنيين المتناقضين.. أن تقول الكلمة تقصد بها معنى في رأسك بينما يفهم سامعك نفس الكلمة لكنه يفهم منها المعنى المضاد تماما..

إن الشعوب تندفع كالعجماوات في اتجاه الكلمة التي تعنى معنى مجردا دون أن تتساءل أي تساؤل.. وعندما تلوح لهم بكلمة الحرية على سبيل المثال فإن أحدا لن يسألك: حرية من؟ أنا أم أنت؟ ثم كيف؟ ثم أين؟ ثم ماذا؟ ثم لماذا؟.. لن يسألكم أحد هذه الأسئلة.. رغم أن هذه التساؤلات بعينها هي التي يمكن أن تكشف لهم عن حرية كالماء وحرية كالنار.. وهذا العماء بالضبط هو المقود الذي تقودون به هذه العجماوات.. وعليكم أن تدركوا دائما أن الأعمى إذا قاد أعمى مثله فسيسقطان معا في الهاوية.. وعماء الشعوب ناتج عن مفهومهم المتحجر الجامد لمعنى الكلمات التي ضربنا عليها الأمثلة الآن..

ما ينطبق على كلمة الحرية ينطبق على آلاف الكلمات غيرها.. على ملايين الكلمات.. بل على الكلام كله.. وإنني أريدكم أن تتأملوا كلمتي هذه إليكم في ضوء المفهوم الجديد وعلى مثال كلمتىْ الماء والحرية وأن تطبقوا هذا المفهوم على كلمات كالاستقلال والرفاهية والديمقراطية والتنوير والدستور والسلام والحرب والإرهاب والتعصب والتطرف والتمدن والحضارة والتحضر والعلم والجهل والبداوة والتقدم والرحمة والأمن والأمان والأمانة والإيمان والتنوير والعلم ونزاهة الانتخابات وحرية التعبير وحرية المرأة..

عليكم أن تفهموا ما قلت.. فتلك هي الأبجدية التي بدونها لا يستقر الحكم في أيديكم أبدا..

أريدكم الآن وأنتم تسمعوني أن تتخلصوا من كل مفاهيمكم البالية عن الكلمات..

أريدكم أن تعلموا أنه لا يوجد حق وباطل .. ولا خير ولا شر.. ولا أمانة ولا خيانة.. ولا صواب ولا خطأ.. ولا حلال بالطبع ولا حرام-أعتقد أنكم تجاوزتم النقطة الأخيرة منذ زمان طويل بل إن بعضكم لم يؤمن بها أبدا- لا يوجد أي من ذلك.. يوجد فقط قوة وضعف.. مفيد وضار.. مكسب وخسارة.. أما الصواب فكل ما تستطيع أن تثبته بالقوة مهما كان خطؤه.. والباطل فهو كل ما يقوله آخر لا يملك سيفا يهددك به دفاعا عن حقه مهما كان صوابه.. افهموا ذلك وعوه.. كل كلمة من هذه الكلمات تحوى معنى ظاهريا عليكم أن تتشدقوا دائما به.. وفى نفس الوقت عليكم أن تفهموا معناها الباطني.. وهو ألا معنى محدد لها.. فالكلمة مشروع عمل.. فإذا نجح هذا العمل فالكلمة حق وخير وصواب وصدق.. وإذا فشل فالكلمة باطل وشر وخطأ وكذب.. وليس هناك أي مدلول آخر للكلمات غير ما أقول لكم..

إننا لا نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة أبعد من هذا المدى الذي بلغناه قبل أن نعرج على كلمتين في غاية الأهمية.. هاتان الكلمتان هما: الله والدين..

هل استوعبتم أنني بدأت كلمتي لكم بـ "بسم الله الرحمن الرحيم".. كان هذا هو أول درس لكم.. فهل ياترى فهمتموه؟.. يجب أن تبدأ خطبكم للناس بالبسملة.. دون أن يعنى ذلك أي شيء آخر.. يقولون إن الناس على دين ملوكهم.. وأنا أقول لكم العكس.. إن الملوك يجب دائما أن يكونوا على دين رعاياهم.. !!.. ليس بالمعنى الحرفي.. إن الدهماء يحتاجون للإيمان فهو عزاؤهم الوحيد عن التعاسة والبؤس وأملهم الوحيد في الجزاء.. بل إن إيمانهم هو على وجه الخصوص ما يحميكم منهم..

ولعلكم عاينتم ماذا حدث لبعض الأغبياء منكم والذين غامروا وقامروا بالهجوم المباشر على الدين.. لقد مزقوا تمزيقا..لأن الرعاع لا يفرطون في دينهم تحت راية الكفر أبدا..لكنهم لن يعارضوا التفريط فيه كله تحت رايات الإيمان!.. دعكم من أغراضنا الدعائية حين نخلط ما بين الإيمان والإرهاب ولا تنسوا أبدا أن في إيمانهم أمنكم.. ولكن الترياق لهم سم لكم.. لأنكم لو آمنتم انتهيتم.

أرجوكم أن تنتبهوا معي.. فهذه المنطقة خطرة.. شديدة الخطورة.. الدين سلاح بتار لا تدَعوه أبدا في أيدي أعدائكم.. إنني لا أتدخل في عقائدكم الشخصية.. فليفكر كل منكم كيفما شاء.. لكن عليه أن يعمل بما نرى.. آمنوا أو اكفروا.. لكن إياكم أن تأخذوا الدين بمفهوم رعاياكم وإلا أقيمت على كل واحد منكم كل الحدود.. لا أتحدث عما في قلوبكم .. لكنني أتحدث عن الحكم.. كيف يستمر وكيف يستقر.. كيف نستثمر الدين للاستمرار.. وفى هذا المجال فإن الإيمان لا يعنى الإيمان بالله بل الإيمان بالحاكم.. والكفر لا يعنى الكفر بالله بل الخروج على الحاكم..

لقد كان أسلافنا مستعدين دائما للإيمان بالله طالما كان هذا الإيمان يعنى الحق الإلهي لنا في حكم الرعاع.. الآن.. بعد أن اكتشف هؤلاء الرعاع أننا ظللنا آلاف الأعوام نخدعهم وأن الله لم يعطنا أبدا حقا إلهيا في حكمهم فإن علينا أن نطور من أنفسنا وإلا ضاع منا الحكم.. ولتفهموا جيدا أن ضياع الحكم منا ليس معناه أن تهربوا إلى الخارج لتتمتعوا بملايينكم وملياراتكم على شاطئ بحيرة في سويسرا أو على ربوة في أورلاندو.. عليكم أن تفهموا أن أي واحد منكم أنتم النخبة الحاكمة ليس له إلا مكان من ثلاثة: القصر أو السجن أو القبر..

لنبتعد عن الله..

وليس معنى ذلك أي موقف ضد الله.. بل إن أي موقف ضد الله هو حماقة عاقبتها الوحيدة هي الهلاك.. أقصد طبعا هلاك الدنيا.. هلاك على أيدي رعاياكم .. لذلك علينا أن نحاول أن نثبت للدهماء والرعاع دائما أننا مع الله وأن الله معنا.. وعلينا دائما أن نقمع بأي درجة من العنف أي فئة من الناس تحاول إثبات أن الله ليس معنا أو أنه معهم..

إن خير النتائج في حكم الشعب ما ينتزع بالعنف والإرهاب والتزوير والتعذيب، لا بالمناقشات الأكاديمية.. إلا أنكم يجب أن تكونوا حريصين طول الوقت.. أن تستعملوا أشد وسائل الإرهاب وحشية لقمع المعارضين.. دون أن تعترفوا أبدا أنهم معارضون أو أنكم إرهابيون.. !!.

إن ذلك لا يتم بسهولة.. إذ لابد أن يحركه منهج شامل وعقل متكامل وفلسفة لا تغيب عن وعينا أبدا..

إنني ألاحظ في الحقب الأخيرة تدنيا خطيرا في وسائل تعاملكم مع رعاياكم.. لن أخدعكم.. ولن أتحدث عن مقاييس للشرف أو الأمانة أو النزاهة أو الشفافية.. فأنا أول من يدرك أن هذه المسميات هي وسائلنا لخداع الناس.. وأنتم ستهلكون في حالتين: الحالة الأولى ألا يقتنع الناس بها وأن يدركوا أن الحياة ليست إلا غابة ولا يجوز التعامل فيها إلا بمنطق الوحوش.. أما الحالة الثانية فهي أن تؤمنوا أنتم بالشرف أو الأمانة أو النزاهة أو الشفافية.. ساعتها ليس ثمة محيص من هلاككم.

أعود إلى تدني وسائل البعض منكم في الحكم وفي التعامل مع رعاياه.. ولكي أقطع عليكم الطريق ولا أبلبل أفكاركم فأنا أدرك أن الحكم لا يمكن أن يستمر أو أن يستقر دون استعمال أكثر الوسائل دموية وكذبا وخداعا.. لكن ذلك كله ينبغي أن يغلف بغلاف أنيق.. غلاف يخفي ما بداخله.. وينكره ويستنكره مهما بلغت الأدلة الثبوتية عليه.. ولقد بلغ انزعاجي مبلغا عظيما عندما لاحظت أن بعضكم مثلا مارس بغباء منقطع النظير تزوير الانتخابات بطريقة لم تحدث في التاريخ عندما استدعى جيشه كله ليحول بين الناس وبين الوصول إلى صندوق الانتخاب.. وكان العالم يرى ويصور ويعرض.. والغبيّ يظن أنه كسب المعركة بينما هو قد خسر شرعيته كلها في نفس اللحظة..

أرجو أن تكونوا قد استوعبتم أسلوبي في الشرح.. وأنني لا أستعمل الألفاظ بأي مدلول حقيقي.. وإنما أستعملها بالمدلول الذي اتفق الناس عليه.. وأنني في هذا الصدد لا أعترف إلا بشرعية واحدة.. هي شرعية التغلب بأي وسيلة.. لكن هذه الوسيلة يجب أن يتم عرضها بالجلال المناسب. وأن يتم التوقف عن العرض كليا في الوقت المناسب. إن النجاح في الحكم كالنجاح في العمل أو الطعام أو الشراب أو المباريات أو الصداقة أو حتى العبادة.. وحتى.. حتى الحب.. فهذا النجاح يعتمد في أحد أهم وجوهه على قدرة المرء واستعداده للتوقف بينما ما تزال لديه الرغبة في الاستمرار والقدرة عليه لكن دون الجلال المناسب. إن هذه الخاصية موجودة في الطب أيضا.. فهناك حكمة طبية تقول أن الطبيب البارع ليس هو من يعلم متى يُقدم.. بل هو من يعرف متى يُحجم.

وعلى الرغم من كل ذلك الوضوح فإن هناك من لا يريد أن يتوقف أبدا حتى لو تحول إلى "مسخ" شائه مضحك ليقدم نموذجا هزليا مشوها للحكم.

ولقد شعرت بالخجل عندما سمح أحدكم بانتهاك أعراض النساء من رعاياه في الشارع.. تحت كاميرات الفضائيات الفاضحة.. كان أمرا مشينا جدا.. جعلني أشك في قدرتي على الشرح لكم.. على تعليمكم والتأثير فيكم.. خاصة مع هذا الرجل.. الذي يستمع إليّ بانتظام منذ أكثر من ربع قرن.

أريد أن أقول لكم شيئا هاما.. شيئا هاما جدا.. لا تنسوه أبدا.. وسوف أبدأ بضرب المثل كي تستوعبوا ما أقول.. إن أي داعرة لو اعترفت بأنها داعرة فإنها ستفقد إلى الأبد فرصتها في حياة حرة شريفة وكريمة.. وأنا لا أطلب من هذه الداعرة أن تتوقف عن الدعارة.. بل أطلب منها أن تنكر دائما وعلى طول الخط أنها داعرة وأن تتصرف طول الوقت على أنها أكثر النساء شرفا.. فذلك.. وذلك فقط.. هو الذي يزيد من سعرها في عالم الدعارة والأشراف جميعا.. إن عليها أن تراهن ليس على من يعرفون الحقيقة بل على من يجهلونها.. وسوف يكون نجاحها شبه مطلق لو اقتصرت نسبة من يعرفون حقيقتها على 10% أو 20%.

أرجو أن تكونوا قد تجاوزتم سذاجة البدايات الأولى وألا يشعر أحدكم بالإهانة لتشبيهي إياكم بالداعرات. سيكون ذلك مضحكا إذا حدث.

إذن فالحاكم مهما كان.. ومهما فعل.. عليه أن يبدوا مهيبا وقورا جليلا يتمسك بأهداب الأخلاق والشرف.. وأن يراهن طول الوقت على من يجهلون حقيقته لا على من يعرفونها.

لماذا كان عليك أيها العجوز الصغير أن تزوِّر وأن تنتهك الأعراض تحت كاميرات الفضائيات.. لماذا لم تفعل ذلك وأضعافه في الخفاء لتدّعي في نفس الوقت أنه لم يحدث أبدا ولتندد بمن يدعيه وتتهمه بأبشع الصفات.. لماذا؟.

نعود إلى مثل الداعرة.. نعود إلى المثل مكررين ما قلنا ففي التكرار إفادة لكم يا معشر الحكام.. إنها تعرف بالطبع أكثر من أي شخص آخر أنها داعرة.. كما أنها تعرف أن بعض الناس يعرفون أنها داعرة.. لكن كل رهانها يجب أن ينصب على من لا يعرفون. وفي اللحظة التي تصاب فيها هذه الداعرة بالانهيار فتظن أن الناس جميعا قد اكتشفوا سرها فقد انتهى أمرها.

كذلك الحاكم أو الملك أو الرئيس أو الأمير.. إنه يعرف أكثر من أي شخص آخر .. وأكثر من أشد معارضيه شراسة .. كما أنه بمقاييسهم ومصطلحاتهم التي اتفقنا منذ البداية أنها خطأ- يعرف بمقياس هذه المصطلحات أنه لص وجلاد وخائن ومجرم وعميل وربما شاذ وكافر أيضا.. ذلك كله لا يهم.. وليس له معنى.. وحين يدرك أن البعض يفهمه على هذه الحقيقة فإن ذلك لا يهم أيضا.. ما يهم.. هو عدد الناس الذين يستطيع إقناعهم بأن الأمر ليس كذلك.. بل إنه على العكس من ذلك.. وأن أعداءه هم المجرمون وهم الجلادون وهم اللصوص وهم الشواذ وهم الكفرة.. إن بقاء الحاكم في مكانه يعتمد علي هذه المعادلة.. على نسبة الناس الذين يستطيع خداعهم. وفي اللحظة التي يظن فيها أن الناس جميعا قد اكتشفوا أمره .. فقد انتهى أمره.. ليكون بقاؤه في الحكم بقاء جثة ميت لم يدفن.. أما الخطأ الجوهري الكامن في هذا الموقف.. فهو أن الناس لا يمكن أن يتفقوا أبدا إلا بعد اعتراف صريح.. أما بدون هذا الاعتراف فإن من أعجب العجائب أن الناس مستعدون دائما لتصديق الكذاب وتكذيب الصادق.. وهذه قوة هائلة يحسن البعض استغلالها فترفعه إلى أعلى عليين ولا يدرك البعض إمكاناتها فترده أسفل سافلين. يعني هذا أن الناس لن تجمع رأيها على الحاكم أبدا دون اعتراف صريح منه.. وما لم يدل بهذا التصريح فسوف تظل الغالبية أشد ميلا لتصديقه.

إنني أدرك أبعاد الضعف الإنساني.. كما أفهم الرغبة الكامنة عند كل إنسان على ظهر هذه الأرض في الانتحار والاعتراف.. وهي رغبة لا يكاد يفلت منها أحد ولو لثانية واحدة طول عمره.. تحت وطأة هذا الضعف فإن الواحد منكم.. والذي يعرف عن نفسه ما يعرف.. يظن أحيانا- في نوع من الانهيار العصبي- أن الآخرين جميعهم قد عرفوا.. وأن أمره انكشف.. وأنه لم يعد لديه أي وقت كي يضيعه في محاولات الإخفاء.. لذلك لا يتورع عن ارتكاب أمور مشينة وحقيرة.. كمنع الناخبين من الوصول إلى صناديق الانتخاب وانتهاك أعراض النساء في الشارع.. وأرجو ألا تخطيء أحدكم في فهمي.. أنا لا أستنكر الفعل.. بل أستنكر فعله في العلن. إن مثل هذا الحاكم يهبط بجلال الحكم المفترض إلى مهانة لص يَهرَب أو قاطع طريق يواجه أعداءه بالسنجة والمطواة والمسدس.[2]

والآن سوف أسألكم سؤالا هاما جدا راجيا أن يكون قد خطر ببال أحدكم على الأقل أن يوجهه إلى نفسه:

ماذا كبح هذه الوحوش المفترسة التي نسميها الناس- رغم كل ما فعلناه وما نفعله وما يعرفون أننا سنفعله بهم - عن افتراسكم ؟ ..

أنا أجيبكم.. :

لقد خدعناهم.. علمناهم أن الخضوع للقانون رمز للتحضر وأساس للتقدم.. لم يسألوا أي قانون ولماذا وماذا وكيف؟.. وببساطة خضعوا للقانون، القانون الذي وضعناه نحن كي نفترسهم به.. فما القانون في الحقيقة إلا قوتنا مقنَّعة .. ولقد وضعناه بديلا عن شريعة لم تعد تناسبنا.. نحن لم نقل للناس أبدا إن الدين خطأ أو أننا ضده.. لكننا باستمرار أمددناهم بقوانين تهدم بصورة فعلية لا تعصبهم الديني فقط كما ادعينا دائما.. بل تهدم دينهم ذاته دون أي تصريح منا أو اعتراف.. على أننا قد وضعنا القانون لا لنطبقه.. بل لنتظاهر أننا نطبقه كي يطبقوه هم.. وفي اللحظة التي نتوقف فيها عن هذا التظاهر فسوف يقلدوننا على الفور ويخرجون على القانون كما خرجنا نحن عليه.. وتكون النهاية المؤكدة.

على كل واحد منكم إذن أن يتظاهر باتباع القانون والدين والإخلاص لهما.. فذلك هو السبيل الوحيد للسيطرة على الرعاع.

لا تواجهوا الدين أبدا بل التفوا حوله.. هؤلاء الرعاع يظنون بفكرهم المنحط أن الاستعمار هو الذي خلع الشريعة من على عرشها.. لأن استمرارها كان يعنى قدرة الرعاع على المقاومة.. ويقينهم من الجدوى.. وأملهم في الجزاء.. دعوهم يظنون ذلك.. لأن الاتهام إذا لم يوجه إلى الاستعمار فسوف يوجه إليكم.. ولتكونوا على بينة دائما من أن الشريعة أعدى أعدائنا.. وفى نفس الوقت علينا ألا نكف عن التظاهر دائما أننا نطبق الشريعة.. بل وأننا حماتها..

إن قانون الطبيعة هو : الحق يكمن في القوة .. والسعادة تكمن في اللذة.. تلك هي الحقيقة وكل ما عداها هراء..

هل يحسب بعضكم أنني بهذا أهدم الأخلاق والقيم والمبادئ والشرائع؟..

كل هذا هراء.. نعم.. هراء تسرب إلى عقولكم من مفاهيم الرعاع والدهماء..

دعوني أسألكم هذا السؤال :

لماذا لا يكون منافيا للأخلاق لدى دولة يتهددها عَدُوّان أحدهما خارجي، والآخر داخلي - أن تستخدم وسائل دفاعية ضد الأول تختلف عن وسائلها الدفاعية ضد الآخر، وأن تضع خطط دفاع سرّية، وأن تهاجمه في الليل أو بقوات أعظم؟..

لماذا يكون منافيا للأخلاق لدى هذه الدولة أن تستخدم هذه الوسائل ضد العدو الخارجي ولا تستعملها ضد العدو الداخلي وهو الأخطر حتى من العدو الخارجي، فالعدو الخارجي قد يوكلكم في الحكم نيابة عنه.. أما العدو الداخلي فإنه يحطم أسس حياتكم وأسس سعادتكم ؟.. نعم العدو الداخلي هو الأخطر وعليكم أن تعدوا له القوة الأكبر.. العدو الداخلي من المعارضين والرعاع والدهماء.. والغوغاء.. لا يوجد عند العدو الخارجي فدائيون.. ومعه أو ضده- تستطيع أن تحسب الأرباح والخسائر.. بل وتستطيع بدرجة عالية من الدقة أن تحسب الأفعال وردود الأفعال.. أما مع العدو الداخلي.. الغيبيّ الفدائيّ.. فأنت لا تستطيع أن تحسب أيا من ذلك.. إذ كيف تستطيع التصرف مع من يعتبر الموت فوزا.. وأنه يدخل الجنة مع أول قطرة تراق من دمه.. ثم إنك تستطيع أن تتفاهم مع العدو الخارجي.. وأن تتصالح وتتفاهم وتتعاون ولو ضد الأمة.. أما مع العدو الداخلي فإنك لا تستطيع أن تمارس أيا من ذاك.. ذلك أن أول ما يطلبه ذلك العدو هو رأسك.. والباقي بعد ذلك بالطبع لا يهم!..

علينا أن نعلم أن الانتصار هو الحقيقة التي يجب أن نصل إليها.. وأن نعلم أن الانتصار مع العدو الخارجي لا يأتي إلا بالاستسلام له وتحقيق أغراضه ليحقق أغراضكم.. أما العدو الداخلي فالأمر يقتضي الترويض والالتفاف والتمزيق والفتنة والسحق. وعليكم أن تستعملوا كل أنواع الأسلحة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل-في الحالتين.. دون أن تعترفوا أبدا أنكم استعملتموها.. مهما كان حجم الأدلة ضدكم..

إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء . والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسي بارع .. بل هو ليس بسياسي على الإطلاق.. وهو لذلك غير راسخ على عرشه.

لابد لطالب الحكم وكذلك لطالب الاستمرار فيه من الالتجاء إلى المكر والرياء، فإن الشمائل الإنسانية العظيمة من الإخلاص والأمانة تصير رذائل في السياسة، وإنها لتبلغ في زعزعة العرش أعظم مما يبلغه ألد الخصوم..

إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا - ونحن نضع خططنا - ألا نلتفت إلى ما هو خيّر وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروريّ ومفيد ..

إن ما يحقق استقرارنا في الحكم هو أن تكون السلطة في قبضة شخص واحد مسئول . وبغير الاستبداد المطلق لا يمكن أن يستمر حكمنا..

يجب أن يكون شعارنا : كل وسائل العنف والخديعة.

إن القوة المحضة هي المنتصرة في السياسة، وبخاصة إذا كانت مقنعة بالألمعية اللازمة لرجال الدولة . يجب أن يكون العنف هو الأساس. ويتحتم أن يكون ماكرا خداعا من يريد حكم تلك الفئات من الأمة التي تأبى أن تداس إرادتها تحت أقدامنا . إن هذا الشر هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى هدف الخير لكم ولأبنائكم وأحفادكم.. ولذلك يتحتم ألا نتردد لحظة واحدة في أعمال الرشوة والخديعة والخيانة والتزوير إذا كانت تخدمنا في تحقيق غايتنا وتضمن لنا الاستقرار والاستمرار . لكنني في الوقت ذاته أنبه وأحذر من أن يرى العدو الحقيقي وجهنا الحقيقي.. أعني العدو الداخلي.. أو بالأحرى العدو الوحيد..

لست أعنى أن تتصرفوا كالوحوش الضواري.. ولا كالحالمين السذج.. على العكس.. يجب أن تبدو عليكم كل مظاهر الرقة والتحضر والتهذيب ودماثة الأخلاق .. بل والوقار.. ذلك ضروري.. جوهري.. لذلك كان غضبي عظيما ودهشتي أعظم.. من ذلك الغبيّ الذي مزق أستار الجلال التي تغطي على بشاعة الحكم.. فأمر أغواته وخدمه بضرب الناس وقتلهم في الشارع.. والذي كون عصابات من البلطجية لكي يواجه بهم معارضيه والرافضين لحكمه.. الغبيّ.. فيم كانت المليارات التي أُنفقت على التعليم والإعلام والقضاء والنيابة والثقافة إذن.. يجب أن تفهموا ذلك.. أن تفهموه بطريقة أفضل من ذلك.. ذلك أن من يفعل ذلك إنما يهين جلال الرئاسة ويهبط بمنصبه من رئيس مملكة إلى رئيس عصابة.. كان يستطيع أن يقتل من شاء.. لكن على يد النيابة والقضاء..

إن القوة محكومة بالقدرة.. وقدراتكم محكومة بإجادة اللعب بين عدوين خطيرين: عدو الداخل وعدو الخارج.. عدو الخارج هو العالم كله عامة والبلاد الغربية على سبيل الخصوص .. أما عدو الداخل فهو شعوبكم كلها.. وأنتم بين شقي الرحى وتروس المفرمة.. لو اكتشف الغرب أنكم مخلصون لشعوبكم فسوف يسحقكم سحقا.. ثم إن لطاقة شعوبكم على الاحتمال حدودا ولو اكتشفت خيانتكم السافرة والكاملة لها فسوف تسحقكم هي الأخرى عليكم أن تفهموا أنني أستعمل الخيانة هنا بمفهوم الشعوب لا بمفهومنا نحن الذي يتلخص في أن الخيانة ليست خيانة .. الخيانة تجارة .. والتجارة شطارة .. والأذكى من يحصل على أقصى ثمن - ..

عليكم أن تدركوا أننا بين احتمالات الانسحاقين علينا أن نعيش وأن نحكم..

إن عدو الخارج أقوى وأذكى وأخطر لذلك فهو الصحيح والمصيب والصادق أما شعوبنا فضعيفة لذلك فهي الخطأ والباطل والكذب.. علينا إذن أن نخلص كل الإخلاص للغرب لكن دون أن تكتشف شعوبنا ذلك.. علينا أن ندعى دائما الإخلاص لها والدفاع عنها.. أن نتشدق بأكثر الكلمات حماسة.. وأكثرها إيمانا .. علينا أن نلهب دائما عواطفهم وأن ندغدغ غرائزهم.. وأن نمنيهم.. سوف تكونون مجانين وحمقى لو تصورتم أن شعوبنا ستصدقنا.. ذلك خيال لا أمل لنا فيه.. لكن كل ما نسعى إليه أن نجعلها غير واثقة أبدا من خيانتنا لها.. وتلك هي المعادلة الصعبة.. أن تخدعوها طول الوقت.. ولن تستطيعوا خداعها طول الوقت إلا إذا أفرغتم جماجمهم من العقل وقلوبهم من الإيمان..

لكن.. كيف يمكن أن ننجح في ذلك؟..

هل بالدبابات والمدافع؟..

لا أنكر أن الدبابات والمدافع هي الضامن الوحيد والأخير لنا.. علينا إذن ألا نلجأ إلى خط دفاعنا الأخير إلا بعد أن نستنفد كل وسائل دفاعنا الأخرى..

لقد قلت لكم إن مفهوم الله مفهوم خطر.. وإن الملوك على دين شعوبهم.. وإن عليكم أن تتجنبوا تجنبا مطلقا المواجهة المباشرة مع الله أو الدين.. وقلت لكم أيضا إن عليكم أن تزلزلوا يقين شعوبكم وأن تفرغوا قلوبها من الإيمان..

لعلكم تتساءلون الآن : كيف نفعل الشيء وضده في نفس الوقت؟!..

و أنا أقول لكم أنه ليس أمامكم إلا أن تفعلوا الشيء وضده في نفس الوقت!!..

عليكم أن تثبتوا دائما أن 1+1 =2 إذا كانت المعادلة تتعلق بكم.. أما إن كانت تتعلق بشعوبكم فيجب أن تكون النتيجة صفرا .. مهما تكررت عمليات الجمع.. حتى لو تكررت مليارا ونصف مليار مرة.. ولكي تصلوا إلى ذلك فإن عليكم أن تسحقوا سحقا لا رحمة فيه مؤسسات المجتمع المدني التي تحاول أن تتحدث باسم الأمة.. عليكم أن تسحقوا النقابات والأحزاب والهيئات والمنظمات.. لكن ذلك لا بد أن يتم بذكاء لا بغباء.. وأصارحكم القول أنني يمكن.. أن أقبل كل أنواع الجرائم عندما تكون مبررة وعندما تعود عليكم بالخير وأفهمها وأرحب بها وأقدرها .. لكن الجريمة التي لا أقبلها أبدا.. ولا أجد لها مبررا أبدا ولا أغفرها أبدا هي جريمة الغباء. لكن يجب أن أشير الآن أنه حتى الغباء فإننا نستفيد منه في بعض الأحيان.. ذلك أن للغباء قوة مدمرة هائلة إن لم نفهمها أفسدت خططنا. كما أن تقديم بعض النماذج الغبية ستجعل العامة تنبهر بالأذكياء. وفيما نتحدث فيه على سبيل المثال.. فإنه لا يكفي القضاء على منظمات المجتمع المدني.. وإنما يجب قبلها أن ننشئ منظماتنا البديلة ولا أقول العميلة.. وأن نغرق عملاءنا فيها بالملايين.. إلى الدرجة التي تجعلهم مستعدين للدفاع عنا بدمائهم.. عليكم أن تسيطروا تماما على الصحف والقضاء والنيابة والأمن والجيش.. وسوف أتحدث بإسهاب عن كل ذلك.. لكن الأهم من ذلك كله أن تؤمّنوا ظهوركم من الدين.. إن فتوى واحدة لشيخ قد تقضى ببيعكم كعبيد.. ولما كنا لا نستطيع مع بالغ الأسف - تغيير الدين نفسه فلابد أن نبحث عن سبيل آخر..

نحن لا نستطيع بالطبع أن نجعل كل الشيوخ تابعين لنا.. لكن ما نستطيعه هو أن نختار من بين التابعين فقط من نمنحه حق الإفتاء ورؤساء الشيوخ ورئيس الرؤساء.. ألا نسمح إلا لأتباعنا بالظهور على شاشات التلفاز أو الحديث على موجات الراديو أو الكتابة في صحفنا الرسمية أو تلك التابعة لنا لكننا ندعى أنها غير رسمية.. ثم إن علينا أن نحاصر من يرفضون الخضوع لنا .. أن نمنعهم من الخطابة في المساجد أو حتى الاجتماع بالناس.. أن ندينهم بالخيانة والمروق.. أن نحيلهم لمحاكمنا الاستثنائية.. أن نضيق عليهم كل سبيل.. أن نتهمهم حتى بالكفر.. لكننا لو فعلنا هذا بأنفسنا لاكتشفت الأمة حقيقتنا.. لذلك يجب أن يتصدى لإدانة معارضينا من رجال الدين كبار المشايخ التابعين لنا.. فهنا لن نكون مسئولين أمام الناس عما يحدث.. ولا حتى مشايخنا الذين تتحرك ألسنتهم بما يدور في رؤوسنا لن يكونوا مسئولين .. سيكون الدين هو الذي يدين المتمردين بالخيانة والمروق والكفر.. تذكروا ذلك.. لنعترف.. أن الدين بالنسبة لنا مصدر خطر ماحق على المدى البعيد.. لكننا إن طوعناه لصالحنا فسوف يصبح ذا فوائد لا تنضب. ولمن أراد أن يهدمه أن يعرف أنه إذا حاول ذلك بنفسه فسوف يقصمه.. فلن يهدم الدين إلا الشيوخ وعلماء الدين.. ركزوا على هذه النقطة ولا تنسوها أبدا.. ولا ترتعبوا من تشدد بعضهم وتطرفه.. فإنكم ستحصدون أكبر المنافع من أكثر المتشددين.

هل تذكرون القس جيمي سواجارت؟ رجل الدين المفوه والخطيب العظيم الذي أعاد مجد خطابة شيسيرون .. هل تذكرون جولاته في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية والشعبية الهائلة التي حققها.. كيف أشعل مشاعر الجماهير وكيف اتبعه الملايين؟ .. هل تذكرون صرخاته التي استولت على القلوب والعقول:

No Sex before marriage and no sex outside marriage.

" لا جنس قبل الزواج ولا جنس خارج الزواج.. " ..

هل تذكرون صرخاته وهو يهاجم رقص الشباب بجميع صوره ويهاجم الخلاعة والفنون ومدينة هوليود ويعتبرها بؤرة من بؤر الفساد في العالم..

هل تذكرون حواراته الصاخبة مع الداعية الإسلامي أحمد ديدات؟.. هل تذكرون سخريته وتهكمه من قوانين الزواج والطلاق عند المسلمين.. مقارنا إياها بالديانة المسيحية التي تحتم على المسيحي أن يحصل على أفضل طائر له من الطلقة الأولى (يعنى اختيار زوجته) ..

هل تذكرون ما حدث له بعد ذلك؟؟..

هل تذكرون فضيحته.. فضيحته الجنسية المدوية بعد أن ابتزته العاهرة التي كان يعاشرها.. والتي كان يخصص لها رحلتين شهريتين للاتصال بها بطريقة شاذة لإشباع رغباته ونزواته

هل تذكرون ما حدث بعد ذلك من توالى الفضائح الجنسية على قساوسة آخرين كانوا يعملون ببرامج الدعوة الدينية في التليفزيون الأمريكي مثل القس جيم بيكر والقس مارفن كورميج وآخرين..

لعلكم سمعتم عن كل ذلك أو عن بعضه.. لكن الذي لا تعلمونه أن العاهرة لم تفضح القسيس بسبب الاختلاف على الثمن ولا حتى بسبب الغيرة.. العاهرة كانت موظفة من المخابرات.. والقسيس اندمج في الدور ونسى أنه "موظف" يأتمر بأمر الحاكم لا بأمر الله.. لذلك حدث له ما حدث..

أريدكم أن تبحثوا عن شيوخ من هذا النوع تسندون إليهم مناصب المشيخة الكبرى.. النوع الذي يكف عن الإحساس بأنه يتحدث باسم الله ويقنع بأنه مجرد "موظف" لدينا .. موظف يساعدنا على الدوام على إماطة القداسة عن المقدس.. موظف يتحدى المعلوم بالضرورة بمعاونة الشيوخ.. فمثل هذا النوع هو الذي تستطيعون ابتزازه وتهديده باستمرار كي يضع لكم خاتم الحق الإلهي على قراراتكم ومشروعاتكم.. كي تبدو أمام الدهماء أنها ليست قوانينكم التي ابتدعتموها لتحطيم مؤسسات المجتمع وإنما قوانين الله.. وسوف يتيح هذا لكم أن تحولوا معارضي تلك القوانين إلى إرهابيين أو كفار.. مثلُ هذا "الموظف" هو الذي يحلل لنا الحرام ويحرم الحلال.. وليس أمامكم مفر من أن يحتل هذا النمط المناصب الدينية الرئيسية الكبرى..

وليس يسعني في هذا المجال إلا أن أوجه الشكر والتحية إلى معظمكم.. فقد كان أداؤكم في عالم الشيوخ رائعا.. وإنني أعرف العديدين منكم.. الذين ظلوا عشرين أو حتى ثلاثين عاما.. ينتقون من الشيوخ الأسوأ فالأسوأ ليولوه المنصب الأعلى فالأعلى.. حتى وصل الأمر ببعض الأماكن في النهاية أنه لم يعد يدعو للدين إلا كافر ولم يعد يدافع عنه إلا عميل.. أما الدعاة الحقيقيون فقد نجحتم نجاحا رائعا في وصمهم جميعا بالجهل والتخلف والإرهاب.. نعم.. كانت نتائجكم أكثر من رائعة.. وأكثر حتى مما توقعناه.. لقد كان جهل الناس عظيما.. ولم يدهشنا ذلك.. أما الذي أدهشنا حقا فقد كان تصديق الناس لنا.. ربما نناقش في لقاء آخر هل صدقونا بالفعل؟.. أم أننا وصلنا بهم إلى درجة من الإعياء واليأس والعجز بحيث كانوا كالغريق الذي يبحث عن قشة على أمل أن تنقذه من الغرق غير مدرك أنها القشة- سبيله إليه.. وعلى أي حال من الأحوال ذلك فرق أكاديمي لا يهمنا الآن.. لكن الذي يهمنا.. والذي اكتشفناه بالمصادفة.. وعلينا أن نستثمره حتى حده الأقصى.. هو أننا عندما حولنا الشيوخ التابعين لنا إلى عبيد لنا لا لله.. فقد اختلفت المشارب والتوجهات.. كان ذلك طبيعيا ومنطقيا لكننا لم نفطن إليه في وقته.. ولقد ترتبت عليه نتائج هائلة.. كارثية هائلة على الرعاع ومبهرة لنا. كان كل شيخ من هؤلاء الشيوخ ينفذ سياسة واحد منا.. ولما كنا مختلفين في الوسائل لا في الغايات فقد اختلف شيوخنا.. ولما كان لكل شيخ منهم أتباعه ومريدوه فقد انقسم الأتباع والمريدون كما انقسم الشيوخ.. وازداد تشرذم المجتمع شيعا وفرقا وتضاعف ضعف الناس.

***

***

***

عندما وصلت إلى هذا المدى من قراءة البروتوكولات تمزق قلبي وانهد كياني..

كيف قضيت عمري كله في هذا الظلام وأنا أظن أنه نور..

كيف صدقت هذه الأكاذيب كلها وأنا أحسب أنها الصدق..

كيف تعرضت لهذه الخيانات كلها وأنا أظن أنها الأمانة..

كيف سرقني من كنت أظنه أنه الأمين.. وكيف ذبحني من ظننته يحميني..

يا أللـــــه..

الحامي غول.. والهادي مضل.. والخائن مؤتمن.. والجلد فاجر.. والثقة ضعيف..

كنت أبكي على نفسي..

فماذا إذن عن الشيخ..

هل كان كما يصفون؟..

يا أللــــه..

لطالما صليت خلف شيخ بلدتنا ولطالما صمت على رؤيته وتعبدت على فتاواه..

كنت أرتجف وكنت أنوح:

وكنت أخاطب شيخي في خيالي.. إذ لم أكن أجرؤ على مواجهته فقد يكون واحدا من العسس السرّيين..

كنت أقول :

- لو كنت واحدا من الشيوخ "الموظفين" فقد أفسدت علينا آخرتنا بعد أن ضيعت علينا الدنيا..

ورحت أردد :

أفسد الآخرة وضيع الدنيا..

أفسد الآخرة وضيع الدنيا..

أفسد الآخرة وضيع الدنيا..

 

 

 

 

 


بروتوكولات حكماء العرب

-2-

 

 

سنختار لهم رؤساء مِمّن لهم ميول العبيد

من بروتوكولات حكماء صهيون

 

 

 

يتحرش بي العسس .. فقد جاءوني في المنام أمس ..

كان حلما .. ولم أقل كابوسا .. فالكابوس هو مجيئهم في اليقظة ..

وقبل أن تتهموني بالتحامل على أولئك العسس يا قراء.. أو بأنني أتهمهم بما لم يقترفوه من أشياء لا تُسأل عنها إلا هواجسي .. قبل اتهامكم ذاك أقول لكم أنني لو لم يرهقني الرعب من مجيئهم في نهاري وقيامي لما أتوني في ليلى ومنامي.. ولو أنهم لم يطاردوني في أيامي لما غلبوا على أحلامي .. كانوا أربعة .. وكانوا يجلسون على ممر وقر في خاطري أنه من ممرات محاكم التفتيش .. أولهم كانت عيناه من نار .. نظر إلىّ فتفككت أوصالي .. تراخت أصابعي القابضة على أوراق المخطوط فكأنما قطع تيار الكهرباء عن عضلاتي وعظامي فتوقفت أصابعي عن الانقباض والتشبث بالمخطوط .. سقطت الأوراق فتلقفها كائن لم أره وأعطاها له.. وحين مد الأول يديه لتناول المخطوط فوجئت بحوافر في نهاية الأيدي .. كانت الحوافر من نار فاستبد بي الفزع ورحت أبسمل وأحوقل وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. ناولها الأول للثاني والثاني للثالث الذي تناولها وراح يقرأ فيها كلاما ليس هو المكتوب وكان الكلام يطفح من بين شدقيه وينهمر حروفا من نار كحديد منصهر يفيض على حافة بركان ويسيل فصرخت رعبا واحتجاجا فبادلني الصراخ فإذا بصرخته نفثة نار أحرق لسانها وجهي ولساني .. كان الرابع وهو كبيرهم - يجلس على مقعد لم أر مثله في حياتي .. مقعد من الجمر .. ونظرت إليه مذهولا فإذا بجسده مكون من نار تتأجج .. كان من نار وكان يجلس مستمتعا على النار ..

صرخ فيّ:

- أيها الخبيث .. هل تظن أنك تخدعنا .. تجدّف في كلامك ثم تقول: وصلني مخطوط من مجهول .. نحن نعلم سرّك وعلانيتك .. ما هي إلا حيلة ظننت أنها ستنطلي علينا فلا نطالك .. حيلة تظن أنك تتخفى وراءها لتكفر بنا وتظن أن ناقل الكفر ليس بكافر .. عندنا نحن يختلف الأمر .. فناقل الكفر أشد إجراما وأكثر خطورة من الكافر نفسه .. فلتكفرْ في بيتك كما تشاء .. لكن أن تروّج للكفر مدّعيا أنك إنما تكتب مجرد مقالات أو قصص تتكسب منها أو تسري بها عن نفسك عندما تحفرها على جدران معبد أو تنشرها عبر مجلة أو على صفحات صحيفة فلن نسمح لك به أبدا .. يا لك من خبيث كافر .. منحناك الحرية والحياة فلم تشكر لنا بل وكفرت بنا ..

صرخت:

- الله هو مانح الحياة وهو المحيى والمميت وبه أومن وله أشكر وأحمد ..

صرخ:

- ألم نكن بقادرين على اعتقالك أو اتخاذك رهينة أو قتلك ..

قلت

- بلى ..

قال:

- ولم نفعل فنحن إذن أحييناك ..

قلت:

- فالله يأتي بالشمس من المشرق فأتوا بها من المغرب ..

فبهت .. لكنه واصل الحديث قائلا:

- دعنا من سفسطتك .. لنرجع إلى حيلتك التي تظن أنك من خلالها تستطيع أن تقول ما تجبن عن قوله بدونها ..

وقلت له:

- ما أنا إلا كاتب اؤتمن أمانة استودعها إياه مجهول .. وعليه أن يؤديها ..

فقال:

- حيلتك الساذجة لن تنطلي على أحد .. أنت ألّفت حكاية كاملة محبوكة الأركان معظمها صدق و أقلها كذب.. لكنك أيها المجرم رجوت أن نصدق كذبك وأن نكذب صدقك.. ألّفت الحكاية خصّيصا لنا .. لكي تخدعنا .. وتحسب أن القراء سيتواطئون معك .. سيعلمون أنه ما من مخطوط قد وصل إليك وأنك تستعمل هذه الحيلة كي تهزأ بنا .. كي تنشر ما تريد أن تنشره لكنك تخفيه مخافة يقظة أجهزتنا وعذاب سجوننا فابتدعت هذه الحيلة كي تنشر ما تشاء متخفيا خلف المقال والإبداع .. وأنت تفعل ذلك مدركا أن قرّاءك على الجانب الآخر يفهمون الأمر ويتواطئون معك فيصل إليهم ما تريد أن تقوله لهم بتمامه دون تحمل مسئوليته وعقابه .. أنت تكتب ما تشاء وهم يقرؤون ويعجبون فيقولون عنك : يا له من شجاع .. ولقد قيل ..

ثم نظر إلى أتباعه وصرخ:

- اقذفوا به إلى النار ..

فصرخت:

- ما أنا سوى كاتب ..

فقال:

- ثم ظننت أنك ستموه الأمر علينا .. فما دمت قد قلت إن هناك مرسلا مجهولا فلابد أننا سنعتقد أنك تكذب .. وأنه لا يوجد مرسل أصلا وأنك تخفى خلف كذبك مصيبة أخرى نندفع لنتعقبها فتفلت بجريمتك الأولى .. الواقع أننا نعتقد أنكم جميعا لا تكفون عن الكذب .. لكننا نعلم أنك لم تكذب في هذه الواقعة بالذات .. فالواقعة حقيقية والمخطوط حقيقي والمرسل مجهول يَجدّ رجالنا الآن في أثره .. يا أحمق .. ظننت أنك ستخدع الجميع بحيلتك .. نحن والقراء والتاريخ .. لكننا نفهمك جيدا ..

صرخت في توسل:

-    أنا لست على هذه الدرجة من الدهاء والخبث ..

نظر إلى رفاقه قائلا في نشوة المنتصر:

-  إنه كالذي يعترف أنه ارتكب مخالفة مرور في مكان ما كي يثبت أنه كان بعيدا عن المكان الآخر الذي ارتكب فيه جريمة قتل ..

صرخت في توسل:

-    أنا من زمرة المساكين فلا تحمّلني ما لا طاقة لي به ..

-    قال:

-    فلنجرب حتام تصمد! ..

التفت إلى الثاني سائلا:

-    هل تبدأ بالوسائل القديمة ..

وأشار إشارة بذيئة فارتعدت .. لكنه أهملني والتفت إلى الثالث مواصلا:

-    أم بالوسائل الحديثة ..

ثم التفت إلى كائن لا أراه خيل إلىّ أنه هو الذي ناوله المخطوط عندما أفلتته يداي- قائلا له:

-  عبيدكم سبقوكم وتلاميذكم تفوقوا عليكم.. إن لم تفلح وسائلكم فأرسلوه إلى القاهرة أو عمان أو الرباط فهناك بلغت براعة وسائلهم أن الصخر في أيديهم ينطق والموتى يتحركون !

طارت نفسي شعاعا .. لكنني استجمعت أشلاءها وهتفت في ضوء ذبالة شجاعة لم تنطفئ بعد:

- ما فعلت إلا الواجب وما هاجمت أحدا لكنني دافعت عن عقلي وقلبي وروحي .. أغار الجراد على حقلي فقاومته كي لا أجوع، زحفت الثعابين والحيات والعقارب إلى مخادع أطفالي فقاومتها كي لا تلدغ أبنائي وتنفث السم في عروقهم، زحف الظلام فأشعلت شمعة .. أنا لم أسئ إلى الظلام لكن النور بدده ..

صرخ صرخة عظيمة اهتز لها كياني:

-    دعك من المجاز والكناية والتشبيه أيها الحشرة .. تكلم مباشرة كما أكلمك ..

تمتمت بصوت حرصت على ألا يسمعه:

-    حتى لغتي يتآمرون عليها لاغتيالها ..

ثم استجمعت بقايا شجاعة لأواجهه بنبرة حملت كثيرا من الاستجداء وقليلا من التحدي:

-  نشر صبيانكم وشذاذ آفاقكم الكفر والشذوذ والانحطاط .. اجترءوا على ذات الله العلية وسخروا من رسوله الكريم .. فلما أردنا مواجهتهم أوصدتم في وجوهنا الأبواب .. اتهمتمونا بالجهل والانغلاق والتحجر والتأسلم .. كانت حجتكم حرية التعبير .. أليس لنا في حرية التعبير هذه نصيب؟! .. هل من يهاجم الله والرسول مستنير أما من يهاجم الحكام فهو كافر؟! ..

صرخ في وجهي:

-    لماذا لا تذهب إلى مليكك كي تواجهه بذلك .. ما شأننا نحن بهذا الأمر كله؟!.

صرخت في توسل:

-  لا تخدعني يا سيدي .. فأنا أدرك أن مليكي ليس إلا صبيا من صبيانك علاقته بك علاقة عبد بسيد وعلاقته بنا علاقة سيد بخدم وعبيد .. فأنت المسئول إذن .. وما تحمله لا يخفّف عنه وما يحمله لا يخفّـف عنك ..

وتدفقت الحمم النارية:

-    يخفّـف عني أو عنه؟! .. أمام من يا أهلك الصعاليك ..

وتزايدت حدة التحدي فما أدري إن كانت هذه الزيادة عائدة لقوة إيمان أم ليقين بهلاك أدركت أنه لن تجدي معه المساومة ولا حتى التخلي، فقلت:

-    أمامه .. أمامه هو .. من لا هو إلا هو .. الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم .. له ما في ..

وهنا .. لطمني لطمة هائلة كي لا أكمل .. وكنت أحس لسع الجمر على صدغي وأشم رائحة الشواء من كبدي .. لطمني وتدفقت الحمم من عينيه كالطوفان وهو يصرخ في نفاد صبر متأففا:

- ألم أقل لكم اقذفوا به إلى النار ..

حاولت الهرب منهم .. طفقت أجري وأجري وأجري وأجري وجنود محاكم التفتيش يطاردونني ويسدون عليّ الآفاق ..هل كنت في قرطبة أم القاهرة؟ في القنطرة أم القنيطرة؟ في كابل أم بابل؟ في الشيشان أم في لبنان؟ كنت في الظلام وكانت جحافلهم خلفي وكنت رغم الظلام أراهم بظهري.. كانوا يفتشون عني في الدور والبساتين فيرد عليهم أهل تلك الدور قائلين: هرب.. ثم يكررون الكلمة بتنغيمات مختلفة :هرب .. هرب إلى مالطة.. هراب.. هاراب.. خاراب إلى مالطة.... خراب مالطة .. هل كنت في مالطة؟ كنت مختبئا في الظلام وكانوا يسألون أهل مالطة عني فيقولون لم يأت عندنا أحد.. وسمعت صوتا من بعيد خيل إلىّ أنه صوت الأذان فتلفت الناس حولهم في ذعر هاتفين ليس في هذه البلاد مسلم فابحثوا في مكان آخر.. وانطلقوا صائحين ساخرين:

-    يؤذن في مالطة!!.. من هذا المجنون الذي يؤذن في بلاد ليس فيها مسلم؟!..

وكنت ما أزال أجري وكانوا ما يزالون من فوقي ومن أسفل مني وعن يميني وعن شمالي وقدامي ومن خلفي وزاغ بصري وبلغ قلبي حنجرتي فطفقت أجري و أجري و أجري .. و كانت سرعتي في الجري رهيبة وظننت أنني اخترقت حاجز الصوت حتى اختلط عليّّ الأمر فرحت أخرّف:

-    من المؤكد أنني لست أنا .. لم تكن لي هذه السرعة من قبل ..

وكانوا هم أسرع مني .. كانوا كالصقور وكنت كأرنب .. لم أر ذاتي لكن استقر في يقيني أنني كالأرنب .. لم أر ذاتي .. فالإنسان كالعين .. والعين ترى كل شيء إلا نفسها .. وكذلك الإنسان .. وكذلك أنا .. كانوا يحلقون في السماء وكنت أخبّ على الأرض .. ولولا مناوراتي وانعطافاتي وخشاش الأرض الذي كنت أختبئ فيه وأتوارى لتمكنوا مني منذ الدقائق الأولى .. كانت أشكالهم تتبدل .. فأحيانا يكون وجههم كوجه البوم .. وأحيانا تختفي سحناتهم خلف صفحة الغيوم .. لكنني أدرك بالحدس أنهم موجودون .. وأحيانا أخرى ينقضون عليّ كالصقور أو يحومون فوقي كالنسور .. ولقد أدركت شيئا غريبا جدا .. فرغم أنني كنت أحلم .. وكنت أدرك في الحلم أنني أحلم .. لكنني كنت أسيرا في براثن الحلم لا أستطيع الخلاص بالفرار ولا باليقظة ..ورغم فزعي ورعبي قلت لنفسي لا تنس عندما تصحو أن توثق ما علمت عن خراب مالطة والأذان في مالطة وهل لها أساس تاريخي أم مجرد أضغاث أحلام.. وكنت أجاهد أن أصحو كغريق يجاهد كي يصل إلى سطح الماء وكنت أختنق وقد نفد الهواء من صدري..واكتشفت شيئا غريبا .. غريبا جدا .. فأنا لم أكن أفرّ في المكان فقط .. ولا هم كانوا يطيرون في المكان فقط .. بل كانوا يطاردونني في الزمان وكنت أفر في الزمان أيضا .. وقد أدركت هذا عندما تحولت البومة إلى طائر الرخ .. والنسر إلى طائر العنقاء .. ثم اشتد الحال فانقلبت الطيور إلى طائرات الفانتوم والشبح والميغ والميراج .. وعلى الأرض كانت الجياد تطاردني تركبها كائنات لا تظهر منها إلا عيون ينطلق منها الشرر فلا أعلم إن كانت لإنس أم لجن .. وكانت الجياد تتحول أحيانا إلى ديناصورات ضخمة وأحيانا أخرى إلى دبابات هائلة .. وكان القمر كالبحر ينشق .. وكنت أجري وأجري وأجري وألهث وألهث وألهث .. حتى غلبني الجهد والفزع من انتظار النهاية فكدت أستسلم لكنني استنجدت بآخر قواي ورحت أشجع نفسي محاولا النداء والتشجيع فاكتشفت أنني نسيت اسمي فرحت أهتف:

-    يا أنا .. يا أنا .. يا أنا ..

لكنني لم أسمع إلا رجع الصدى فظللت أجري وأنادي على نفسي ولم ترد عليّ نفسي أو أنها حين ردت أخرس صوتها الفزع وظللت أخوض الكرب وأعاني الهول حتى أدركتني رحمة ربي فاستيقظت من نومي ألهث ألهث ألهث ألهث ..

كنت من الرعب في رعب .. وخشيت أن يكون الأمر قد اختلط عليّ.. أن تكون الأحلام واقعا والواقع كابوسا، كنت مرعوبا من أن تكون أوراق المخطوط قد ضاعت مني فعلا لا حلما عندما أخذها ذو الحافر الناري المشقوق .. كيف أعتذر عن ضياعها، ليس للمرسل المجهول بل لأمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أخبرني المجهول أنه لا توجد في الدنيا نسخة أخرى كاملة من ذلك المخطوط .. وأن النسخ الأخرى كانت مرتبطة بوقائع أزمان محددة..أما النسخة التي أرسلها إليّ فهي أصل الأصول.. هي أول نسخة وآخر نسخة.. يوجد الكثير من النسخ المقلدة أو المزيفة أو الموضوعة..قال لي إنه ظل عشرات الأعوام يبحث لها عن مستودع أمين فلم يجد .. فكر في البداية أن يحفظها في الأطراف والأجنحة بعيدا عن أعين الراصدين في المركز والقلب.. لكن الأطراف كانت تتساقط كأصابع المجذوم.. حاول أن يخفيها في الأندلس لكنها زالت.. وفي تيمور الشرقية لكنها انفصلت.. وفي الفليبين لكنها تنصرت .. وفي الداغستان وبخاري لكنه وجد الكفر قد استقر هناك ليحكم.. وفي الهند لكنه اكتشف أنهم تركوا الإسلام بمعونة الرومان وعادوا يعبدون البقر.. وإلى السند فوجد أن حاكمها مسلم بالاسم لا بالفعل وأن التعامل معه غير مشرف وأنه أشد كفرا من الكافر الأصلي وأعظم خطرا..سألته لماذا لم تطبع منها مئات النسخ فإن ضاعت واحدة وجدت العشرات .. فقال: يا مسكين فماذا أفعل إن ذهب كل قوم بنسختهم يزيدون وينقصون.. حتى نصل إلى زمن لا يبقى من المخطوط إلا المختلف عليه حتى الاقتتال وطوفان دم.. قلت : ولكن كان هناك وسائل.. لكنه أوقفني ثم واصل ما كان فيه: إذ أنه لم يجد في الأطراف ملجأ فعاد إلى المركز.. فكر ذات يوم أن يحفظها تحت قبة الصخرة في المسجد الأقصى .. لكنه أدرك أن القبة أسيرة والولاية عليها للأشرار دون الأخيار .. وفكر في يوم آخر أن يخفيها في قمة مئذنة الأزهر لكنه اكتشف أن الأزهر قد اخترق الأعداء رأسه .. وأن من اختُرق رأسه فقد مناعته وبأسه ..

حذرني المجهول أيضا من أن أخفيها حتى في الكعبة .. فقواعد الأعداء هناك قريبة .. وما من أحد يعلم مخططاتهم لغد .. ثم إن الكعبة وإن كانت ليست أسيرة لكنها بالأسيرة أشبه، وهي محاصرة، وإن بدا للعيان أن الولاية فيها للأبرار فالله وحده يعلم ما خلف الظاهر من أسرار..

سألت نفسي وأنا من الرعب في رعب:

- هل أضعت أوراق المخطوط بعد كل هذا؟ .. أضعتها بعد أن افتقدتها .. منذ عام .. بل منذ مائة عام بل منذ ألف عام .. بل .. بل .. ماذا أقول؟ وبم أهذي .. وكيف أقول أنني افتقدتها ألف عام ولم أعرف بها إلا منذ أيام قلائل.

هرعت إلى الكهف الذي أخفيتها فيه ..

اخترته كهفا كآلاف الكهوف لا يميزه في حد ذاته عنها شيء لكنني علمته بشمس تزاور عنه في شروقها ذات اليمين وتقرضه في غروبها ذات الشمال..

هرعت هرعت هرعت هرعت ..

هرعت يفترسني خوف وحشي من احتمال ضياع شيء فريد ليس له في الوجود مثيل، شيء إن ضاع ضاعت بضياعه ملايين الملايين. شيء اؤتمنت عليه، وأمانة ارتضيت حملها، كنت جاهلا وظالما ولا أعلم قدر العقبات والعواقب فقبلت. فهل ضيعتها بعد كل هذا. هل ضيعتها وضيعت نفسي وأهلي وقومي وأمتي، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أنوء بوزري، فكيف بي إذا تحملت أوزار الباقين جميعا. أبوء بذنبي، فكيف إذا حملت مع الآخرين أوزارهم، وماذا أفعل إن طبّقت على بنود قانون "خيانة الأمانة" أو "الإهمال الجسيم الذي لا يفرقه عن الغش إلا "حسن النية" أو قانون "علم ولم يبلغ".

ماذا أفعل ماذا أفعل ماذا أفعل ..

كانت الشمس غائبة ففقدت دليلي.. هل كنت كذلك الأحمق المشهور الذي خبأ ثروته تحت ظل سحابة عابرة فلما عاد إليها لم يجد السحابة وضاعت الثروة.. لماذا لم أجعل دليلي شيئا ثابتا.. إن لم يكن خارجا عني فقلبي.. آه.. كانت الشمس غائبة وكان الظلام سائدا و أنا النور رائدي وسبيلي.. طال الليل لكن الصبح في النهاية لاح..

عندما طلعت الشمس محت آية النهار أية الليل فوصلت إلى الكهف الذي أخفيت فيه المخطوط ..

كان قلبي قد كاد أن يتوقف.

وأنا واثق أنني لو كنت قد اكتشفت ضياع المخطوط مني لكان قلبي قد توقف ..

الحمد لله .. وجدت الأوراق كما تركتها ..

رحت أنظر حولي متحسبا من تعقب العسس لي .. لكنهم بحمد الله لم يروني .. وها أنذا أعكف على الفور لأنسخ لكم ما جاء في البروتوكول الثاني قبل أن يعاود العسس كرّتهم فيأتون في الحقيقة لا في الأحلام:

 

 

البروتوكول الثاني:

 

هناك نقطتان أريد أن أثيرهما في بداية حديثي اليوم لكم ..

إن بعضا منكم ينظر إليّ كلصّ سرق بروتوكولات حكماء صهيون ثم نسج على منوالها .. لا تسألوني كيف عرفت .. وليس يزعجني اتهامكم .. لكن ما يزعجني هو جهلكم .. لقد ضربت لكم المثل في المحاضرة الماضية بكلمة "الماء" .. كنت أقصد أن تفهموا المثل كمجرد نموذج ينطبق على ما عداه .. لا أن تقتصروا عليه .. لشد ما يزعجني الأفق المحدود .. وافتقاركم للخيال والقياس..إنني أغفر كل شيء إلا الغباء..ولكن دعوني في البداية أروي لكم هذه الطرفة.. إذ يقال أن الخليفة الروماني في واشنطن دعا أمراءه في بلاد العرب إلى مؤتمر للقمة.. وهناك قال لهم أن بلاده أعطتهم أكثر مما يستحقون وفوق ما يطلبون لكن أوضاعهم استمرت تسوء لا لشيء إلا بسبب غبائهم وغباء حاشيتهم.. وقال لهم أن سر تقدم بلاده إنما يعود إلى ذكاء وزيره الأول.. ونادي على وزيره وسأله:

-    أجب يا ريتشارد: شخص هو ابن أمك وأبيك لكنه ليس بأختك ولا بأخيك.. فمن هو؟

وأجاب الوزير ببساطة وتلقائية على الفور:

-    أنا نفسي أيها الخليفة.. أنا ابن أمي وأبي ولست أختي ولا أخي..

وعاد حكام العرب إلي بلادهم يملأهم الخزي بعد التوبيخ والتقريع.. وبمجرد أن وصل كل منهم إلى بلاده استدعى الوزير الأول على الفور وسأله نفس السؤال:

-    شخص هو ابن أمك وأبيك لكنه ليس بأختك ولا بأخيك.. فمن هو؟

واختلفت الإجابات وعجز الوزير الأول في غالبية الإمارات عن الإجابة لكن أكبرهم سنا أجاب كما أجاب ريتشارد:

-    أنا نفسي يا جلالة الملك..

-    أنا نفسي يا فخامة الرئيس..

-    أنا نفسي يا سمو الأمير..

وغضب كل ملك وكل رئيس وكل أمير على وزيره صارخا فيه:

-    إجابة خاطئة أيها الغبي وقد صدق الخليفة أنكم بغبائكم سر تخلف بلادنا..

وسأل الوزراء:

-    فما هي الإجابة الصحيحة إذن..

واتفقت إجابات حكام العرب جميعا:

- نعم .. إجابة خاطئة أيها الغبي.. والإجابة الصحيحة أن ابن أمك وأبيك الذي ليس بأختك ولا أخيك إنما هو مستر ريتشارد بنفسه.. الوزير الأول للخليفة.. ولقد أقر هو نفسه بذلك.

مالكم لا تضحكون يا جلالة الجلالات وفخامة الفخامات وسمو الأمراء.. ؟ هل عجزتم حتى عن فهم الطرفة؟ ما أقصده أن الحكام الأغبياء لم يفهموا علم القياس.. أخشى أن تفعلوا ذلك بالأمثلة التي أضربها لكم.. أن تعتبروا كل مثل حكاية تنتهي مع آخر حروفها.. وليس هذا ما أقصد بالطبع.. بل إنني أضرب لكم الأمثال كنماذج تفسر لكم ما عداها.

نعم.. إن بعضا منكم قال لندمائه أنني لص سرق بروتوكولات حكماء صهيون ثم نسج على منوالها.. ليس يهمني وصفكم في حد ذاته.. لكن ما يهمني وما ما يزعجني هو استعمالكم لمعنى كلمة لص .. فالكلمات كما وضحت لكم لا معنى لها .. ونحن نعطيها المعنى الذي نريده لها .. الكلمة كالحجر .. والأحجار التي بنت أفخر المنتجعات هي نفسها الأحجار التي بنت أقسى المعتقلات .. الفارق هنا يكمن في إرادة من بنى .. في تخطيطه ومشروعه .. في التصور الشامل الذي يجعله يتخيل قبل أن يضع الحجر الأول الشكل النهائي للمشروع..فيرى بأول رأيه آخر الأمر.. كلمة اللص إذن في مشروعنا لا تعنى من سرق حقا لآخر .. بل تعنى الآخر.. نعم .. تعنى المسروق الذي يطالب بحقه دون أن يملك من القوة ما يغلبنا به على أمرنا .. يجب أن تفهموا ما أقول وإلا ما كنتم جديرين بمناصبكم ..

هل فهمتم .. ألمح في أعينكم عدم الفهم .. سوف أحاول أن أشرح لكم الأمر بطريقة أخرى .. فنحن على خلاف ما نتشدق به وندعيه لا نعتبر الجريمة جريمة بمجرد ارتكابها بل نعدها كذلك إذا أمكن اصطياد مرتكبها و إقامة الدليل عليه إذا استطاع الضحية إثباتها، افهموا أن مرتكب الجريمة في هذه الحالة لا يعاقب بسبب ارتكابه للجريمة بل بسبب غبائه حيث لم يستطع طمس الأدلة خلفه أو إسناد الجريمة إلى غيره أو سحق خصومه الذين أثبتوا الجريمة عليه.. فإذا كان ذكاؤه بالقدر الكافي فلم يستطع الخصوم إثبات الجريمة عليه أو إن كانت أدلتهم غير كافية فلابد أن يعاقبوا بتهمة التشهير والادعاء الكاذب .. ولما كانت كل الأجهزة في أيدينا وكل الوسائل أيضا، فإننا سنستطيع بمنتهى السهولة أن نثبت عليهم ما نريد إثباته .. سنثبته بكل قوة .. بكل يقين .. ابتداء من المستندات الرسمية حتى وسائل الإعلام .. لقد نجحتم نجاحا هائلا في تقديم رجال ونساء الإعلام..إنني أضحك أحينا في دهشة وحبور عندما أكتشف براعتكم الناتجة من تطبيقكم لما أقول لكم.. حيث حولتم رجال الإعلام إلى قوادين ونساءه إلى عاهرات يتنافسون ويتنافسن على إمتاعكم دون أي مراعاة لأي شيء.. هذه طاقة جبارة وأعلم أنكم استثمرتموها لكن ليس للحد الأقصى.. إن كل أجهزة الدولة مكرسة لإثبات براءتكم من كل جريمة.. إنكم تستطيعون اختلاق الحكايات وتدبير الشهود وتزوير الوثائق واصطناع المستندات وحتى شرائط التسجيل بالصوت وبالصورة.. نعم.. الكذب ليس عيبا وعليكم أن تمارسوه بقدر ما يفيد وكذلك اللصوصية وكافة الموبقات الأخرى.. إن عليكم مهمة شاقة كي تكونوا متحضرين.. عليكم أن تخلعوا تراث عشرة آلاف عام من الأباطيل التي شوهت وجدانكم وبلبلت أفكاركم.. عليكم أن تقاطعوا هذا كله وتنقطعوا عنه.. وأن تبدءوا من جديد.. وعليكم أن تدركوا أن الطبيعة هي مثلنا الأعلى وأستاذنا الوحيد.. لا تصرحوا أبدا بذلك لكن مارسوه دائما.. تعلموا من الطبيعة.. هل يتهم الأسد الذي يفترس غزالا بالإجرام.. أو الأفعى التي تسرق بيض الدجاج باللصوصية.. وهل لذلك أي عقاب.. إلا إذا افترضنا أن الغزال يستطيع أن يحصل على قوة أسطورية تجعله يقوم بعقاب الأسد بنفسه.. أو يدفع الدجاجة وهي تدافع عن بيضها وأفراخها لنقر عين الحية الرقطاء.. تلك أشياء لا تحدث عادة.. لكنها أحيانا نادرة تحدث..ربما نتميز عن عالم الحيوان بميزة.. ففي مثل الأسد والغزال لا يستطيع حيوان ولا إنسان أن يدين الغزال إذا ما استطاع أن يمزق الأسد إربا.. ولكننا على المستوى الإنساني نستطيع بوسائلنا فوق العادية أن نجرم هذا العمل و أن ندمغه بالوحشية والإرهاب.. فلتعلموا ذلك ولتستغلوه حتى أقصاه..إننا نخلق حقائقنا بأيدينا، ولا حق إلا ما نراه حقا ولا باطل إلا ما نراه باطلا .. وبهذا فإننا نسمي ما نشاء بطولة وما نشاء خيانة .. إلا أنني أحذركم وأنبهكم من أن هذه المسميات غير ثابتة ولا هي مستقرة .. فبطولة اليوم قد تكون في الغد خيانة وخيانة الغد قد تكون أول أمس أو بعد غد بطولة .. هل تريدون توضيحا أكثر .. سوف أضرب لكم مثلا من أنفسكم .. إذ يحكى أن ملكا عادلا ( لا تبتسموا .. ففي أحيان نادرة جدا يمكن أن يوجد ملك عادل .. إنه الاستثناء الذي يثبت القاعدة) وكان شعب هذا الملك يكاد يعبده .. وكان أي معارض للملك العادل يلقى به في السجن على الفور .. ثم انقلبت الأمور .. وأصبح الباطن ظاهرا والظاهر باطنا وقبض على الملك العادل وأودع السجن وصدرت الأوامر بإلقاء القبض على كل من يمتدحه .. وذات يوم اجتمع في أحد السجون ثلاثة وأخذ كل واحد منهم يعترف بجريمته التي سجنوه من أجلها .. فقال الأول:

-    كنت أهاجم الملك العادل ..

وقال الثاني:

-    كنت أدافع عن الملك العادل ..

وتلكأ الثالث قليلا ليقول ..

-    أما أنا .. فقد قبضوا عليّ لأنني أنا الملك العادل نفسه!.

لا .. لا .. لا .. لا تضحكوا .. فإن معنى ضحككم أنكم لم تفهموا ما أعنيه .. فليس ما قلته طرفة .. بل هو يمثل جوهر الحقيقة عندنا فنحن يمكن أن ندين الشيء وضده وأن نحبس النظرية نفسها .. هل فهمتم؟!.

النقطة الثانية هي انزعاج بعضكم ودهشة بعضكم الآخر عندما وصفت الأجنبي عموما والغرب خاصة- وسوف أستعمل مترادفات عديدة تؤدي إلى نفس المعنى- بأنه عدوكم .. فهل كنتم تظنونه صديقا؟! .. قولوا ما شئتم لرعيتكم لكن افهموا الحقيقة المجردة وإلا هلكتم .. إنني مذهول كيف استطاع من يفكر بطريقتكم هذه أن يستمر في سدّة الحكم .. نعم .. الغرب عدوكم .. أخطر أعدائكم .. أم حسبتم أنكم ما دمتم قد أفرطتم في تقليده ولبستم لباسه وتحدثتم بلسانه انفصلتم بالكامل عن شعوبكم وأصبحتم منه .. لا .. سوف يقابلونكم في الغرب مرحبين متهللين.. ولكنه ليس تهلل الصديق لصديقه .. بل تهلل الداعر لقواد ساق إليه بغيته أو الصياد لكلب صيد حمل إليه فريسته أو على أحسن الفروض تهلل الإنسان لقرد يحاول أن يقلده فيلبس حلة ورباط عنق ويضع على عينيه عوينات ويدخن سيجارا ويشرب كأسا من الخمر ويراقص النساء .. هل يمكن للقرد إذا ما فعل كل هذا وأكثر منه أن يصبح إنسانا؟ .. هكذا ينظر ولاة الأمر هناك إليكم .. إنهم ينظرون إليكم كمجرد قوادين يسهلون متعتهم وكلاب صيد تحمل لهم فرائسهم وقرود تقطف لهم الثمار من أماكن خطرة فيكفونهم شر المخاطرة بأنفسهم .. ولقد كانت أدبياتهم وفلسفاتهم تتحدث عنكم عندما قالوا:

"سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا" ..

يجب أن تفهموا هذه النقطة وإلا هلكتم .. هل تذكرون ما قاله القائد الأعجمي عن زميله القائد العربي في الحرب الأخيرة التي كنتم فيها حلفاءهم .. هل وعيتم كمّ الازدراء والاحتقار الذي يواجهونكم بها .. قال القائد الغربي:

" كانت أكبر مشكلة واجهتني أثناء الحرب هي أن أتخلص من الأسئلة الساذجة الغبية لزميلي في القيادة- القائد العربي .. والذي لم يكن يعرف الفارق بين الواقي الذكرى ومدفع الكلاشينكوف .. وإن خبراته القتالية بالدبابات والطائرات لا تتعدى خبرات الطفولة عندما كان يلعب بلعب تقلد الدبابات والطائرات .. " ..

نعم .. لا يذكركم الأجنبي ولا يذكر شعوبكم إلا مقترنين بألفاظ تتفاوت في حدتها بدءا من "ضحل"، "محدود"، "مخلّ"، "بسيط"، و"ساذج" و"مقزز" و"عاجز"و"بدائي" و"متخلف" و"ظلامي" و"رجعي" و"ضعيف" و"مارق"، وليس نهاية بـ "جاهل"، "عميل"، " انتهازي"، "صفيق"، و"وقح" وإرهابي" و"مجرم" و"محور الشر".

نحن لا نتكلم عن سباب يمكن أن يتم الاعتذار عنه بجلسة "تبويس" اللحى، بل نتكلم عن فلسفة كاملة تؤكد الفرقة وعدم التكافؤ وأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، فلسفة ترسخ الفروق العرقية والجنسية التي تحسم بشكل نهائي أنه من المنطقي والطبيعي استعلاء الغرب على الشرق، إنهم يجندون لذلك كتابا كبارا وفلاسفة من الوزن الثقيل وليس حشرات وديدان كتلك التي تربونها حولكم وتسمونها كتابا، أو بالأحرى فهم لا يجندونهم، وإنما اقتضت نتائج التطور الفكري لمجتمع متجانس تغيرت مرجعياته أن تكون تلك هي القناعات الحقيقية للمفكر أو الفيلسوف، بل ربما يكون الأمر هناك على العكس منه في بلادكم، حيث يسير الحاكم خلف المفكر ليطبق نظرياته.

نعم، أكرر أن المثقف هناك ليس مجرد كلب صيد كالذي تطلقونه لتمزيق معارضيكم بالحق أو بالباطل عندما تشاءون، وضعية المفكر هناك تختلف مواكبة الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها أفكاره وتوجهاته، ويجب أن تستوعبوا ذلك جيدا، لأن المفكر هناك لا الجنرال هو عدوكم الأول في معركة هائلة لا تنتهي أبدا آخر ما يظهر فيها السلاح، معركة يدخلها الجميع حتى الشعراء، ويدخلها بالطبع الروائيون، والفلاسفة، والمنظرون السياسيون، والاقتصاديون، والإداريون الذين يبنون أعمالهم وأنشطتهم على هذا التمييز المسبق بين ما هو شرقي وما هو غربي. تتضافر جهود الجميع على ترسيخ هذه النظرة إليكم وإلى شعوبكم، انظروا إلى صوركم على سبيل المثال في أفلامهم، أو ما تكتب عنكم أقلامهم، حيث يطفح الاحتقار على الدوام بمبررات ومظاهر هيمنتهم عليكم، باستعمال السلاح ضد شعوبكم واعتبار ذلك أمرا طبيعيا وأخلاقيا ومبرَّرا فإذا مارد المستضعفون ولو كأفراد باستعمال السلاح أو حتى الحجارة -حين لا يوجد السلاح- كان فعلهم إجراما وإرهابا وغير مبرر .. هل تفهمون ما أقول؟ وهل تدركون تلك الرغبة العميقة عند الأجنبي في أن يبيدكم كالهنود الحمر، كان يود ذلك لكن طبيعة العصر لم تعد تسمح، ولكنه وقد عجز عن الإبادة عجز في نفس الوقت عن قمع مشاعره ضد شعوبكم، مشاعره التي تتفجر فيها رغبة عارمة في إخصائكم عقليا وروحيا وعلميا، لقد عجز عن إبادتكم كبشر، فلا مفر إذن من أن يهبط بكم من المستوى البشري إلى مستوى دون الحيوانات، لكي يبرر في النهاية حقه في ذبحكم ذبح السائمة وفي السيطرة عليكم وعلى ثرواتكم، وهناك، حيث بلغت الثقافة ذروتها والتقدم أقصاه، لا تتشوش رؤاهم بأي كوابح أخلاقية، إن الناس غير متساوين، وذلك جزء من طبيعية الحياة وقوانينها، فمثلما تدور الأرض حول الشمس يجب على الضعيف أن يدور حول القوي وأن يتبعه؛ فخضوعكم للأقوى ودونيتكم أمامه هي مسألة عادية من قوانين الطبيعة أستاذنا الأكبر ومعلمنا الوحيد، مسألة يجب تقبلها، بل يجب عدم الشعور بها، والعماء عن ملاحظتها.

إنني أنبهكم مرة أخرى أنني لا أحدثكم عن صواب وخطأ ولا عن حق وباطل ولا عن صدق وكذب، وبالطبع لا أتحدث عن حلال وحرام . أحدثكم عن الواقع المجرد كما هو لكي تستطيعوا التعامل معه. إن بعض معارضيكم يتعبون أنفسهم كثيرا في محاولة تعقب ما يسمونه أخطاء أو أكاذيب في المنظومة الفكرية الغربية عن شعوبكم، وهم سذج جدا، يرون القذى ولا يرون الخشبة، ما زالوا يرون الأشياء بمفهوم الصدق والكذب، وهو مفهوم لا أحبه ولا أحترمه ولا أقره، ولا أستعمله هنا إلا لكي أبسط الأمر أمام عقول مجهدة كسولة لم تتعود على الغوص فيما خلف الظاهر لتسبر الأغوار، أقول لكم إن المنظومة الفكرية للأقوياء والمستكبرين كلها كذب، إنني أشعر بالاشمئزاز من نفسي وأنا أستعمل كلمة كذب، لكنني أصارحكم، بأنني أنظر إلى هذه المنظومة بإعجاب وانبهار لا يوصف أمام عمل إبداعي ليس له مثيل، أنتم تعرفون رأيي فيكم وفي شعوبكم، ولا يتسع المجال الآن للحديث عن ذلك، لكنني أتحدث عن هذه المنظومة الكبرى من الأكاذيب-مع تحفظي على كلمة أكاذيب- التي شارك في صياغتها مئات الملايين عبر مئات السنين كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن من صورة خيالية لكم ولشعوبكم، صورة خيالية لا تكاد تمت للواقع بصلة، صورة خيالية تحكمت فيها نية مسبقة وتخطيط مسبق بأن تكونوا في هذه الصورة البشعة التي تبرر معاملتكم معاملة لا يرتضونها لحيواناتهم، وللوصول إلى هذه الصورة، كان على كل مؤسسات المجتمع أن تنسج نسيجها الفريد، كان على الأقلام أن تكتب، وعلى الصحف السيارة أن تنشر الفضائح، وعلى المجلات المحترمة أن تنشر الأبحاث الموجهة، وعلى الجامعات والهيئات والندوات والتلفاز والمقالات واستقطاب العملاء واستكتاب المأجورين واستمالة أصحاب المصلحة أو الهوى أو أصحاب هذا الفكر كل أولئك لكي يصوغوا فكرة دونيتكم ودونية شعوبكم، كان عليهم أيضا أن يتلاعبوا بالبنوك والأموال وبأسعار صادراتكم ووارداتكم، فإذا فشلت هذه الوسائل كلها كان السلاح يتحرك، كان الهدف أن يبدو ضعف الضعفاء كبنية جوهرية غير قابلة للتبدل والتغيير، وكان الواجب دائما قمع أي محاولة لتغيير هذه الصورة الخيالية. نعم. أنا أعترف أن الصورة التي يقدمها المستكبرون والأقوياء عن الضعفاء ليست إلا عملا فنيا بارعا لا ينتمي للواقع، عمل فني كالشعر، الذي أعذبه أكذبه، إن الأقوياء المستكبرين هم الذين حددوا وفصلوا ومايزوا بين بنيتين تم تعريفهما على أنهما مستكبرون ومستضعفون، أو أقوياء وضعفاء، أو شمال وجنوب أو شرق وغرب، فكلها مترادفات تؤدي نفس المعنى، ولقد حرصوا على أن يكون هذا التمييز تمييزا نهائيا يتضمن تأكيد سيادة الأقوى على الأضعف، كائنا ما كان موقعه وجغرافيته. المهم أن تتشكل المعرفة الأكاديمية المصطنعة مصحوبة بالقوة العسكرية والسياسية، لتؤبد وتؤكد حالة الخصاء الوجودي للآخر، ليقبل الضعيف باستعلاء القوي عليه واستعباده له.

هل أدركتم الآن سر دهشتي لأنكم لم تفهموا أن بلاد الأقوياء في الغرب والشمال والشرق على هذه الدرجة من العداء لكم؟

نعم إنهم هناك ينظرون إليكم بمنتهى الاحتقار والازدراء .. إلا أنني أتوقف هنا لأؤكد أن المنظومة الفكرية للمستكبرين وإن كانت في جملتها وتوجهها تقدم صورة خيالية إلا أنها في ذات الوقت تحتوي على الكثير من الوقائع الحقيقية والصادقة والتي تساعدهم في حبك منظومتهم الفكرية، إن أي منظومة للكذب تنهار على الفور إن لم يوجد بها بعض الحقيقة. تنهار كما ينهار جدار رصت فيه الأحجار دون ملاط، الأحجار هي كتل الكذب، والملاط هو المادة اللاصقة التي تجعل من الأحجار المتناثرة المفككة جدارا صلبا، إن فساد الحكام والنخبة في بلادكم على سبيل المثال ليس خيالا، ولو أن أي واحد منكم كان هناك وعمل ما يعمله هنا لتكفل قانون الجنايات العادي بسجنه مدى حياته .. لكنهم هناك، حينما يتحدثون عن فساد حكمكم لا يفعلون ذلك كي تصلحوا الفساد أو لأجل أن تقللوا منه، على العكس، إنهم يذكّرونكم بأنهم يعرفون خبايا فسادكم، وأنهم رغم علمهم يصمتون، ولذلك مقابل: أن تعطوا لهم ما يريدون. تذكروا دائما ذلك .. وتذكروا أيضا أن هدفهم ليس فقط إقناع شعوبهم أنكم لا تستحقون المعاملة كبشر كي يقدموا لهم المبرر الأخلاقي لما يفعلونه بكم، إنهم يريدون أيضا أن تقتنعوا أنتم وشعوبكم بذلك، ولا أنكر مع انبهاري- كم وكيف نجحوا في هذا الأمر، لدرجة أن الكثيرين جدا من رعاياكم يشعر بالخزي عندما يضطر لذكر جنسيته. إن بعضا منكم يحاول أن يهرب من هذا المصير التعس بأن ينضم إليهم في احتقارهم وازدرائهم لرعاياه، لكن: لا تتخيلوا أبدا أن إيمانكم بأفكارهم ونظرياتهم وفلسفاتهم سترفع من قدركم في أعينهم .. قد يصفقون لكم أحيانا وقد يعجبون بكم إعجاب مدرب القرد بما وصل إليه القرد من مهارة .. ولعلكم تتساءلون الآن عن جوهر علاقتهم بكم .. عما يربطهم بكم ويربطكم بهم هذا الرباط المتين على الرغم من عداوتهم التي شرحتها لكم على الفور .. أنا أقول لكم .. ما يربطهم بكم ويربطكم بهم هو عدو مشترك .. هذا العدو المشترك هو شعوبكم .. نعم .. هو شعوبكم! .. فكلاكما ينظر إلى هؤلاء الرعاع بخوف ورعب .. لأن أولئك الدهماء هم بأنفسهم من هددوا حضاراتهم ذات يوم وما زالوا يتوهمون أنهم يملكون البديل الأفضل .. لم يهددوها فقط .. بل لقد انتصروا عليها وكادوا يسحقونها .. هذه الشعوب ما لم تسحق .. ما لم تروض .. ما لم تزور إرادتها ويزيف وعيها فإنها تستطيع أن تنهض لتناوئ من جديد .. ولقد كانت تكاليف هذا السحق على الغرب أكثر مما يطيق .. ثم إن عمليات السحق نفسها كانت تلهب مشاعر الرعاع فيزداد بغضهم للمستكبرين وتحفزهم لهم .. كانت عمليات السحق تلك غير مضمونة ويمكن أن يفلت عيارها في أي وقت ليحدث ما ليس في الحسبان حين يستقوي الغزال على الأسد فيمزقه إربا إربا.. ثم إنهم من يسمونهم بغض النظر عن الأسماء: المستكبرين- كانوا قادرين دائما على قتل الأجساد .. لكن الأفكار استعصت عليهم .. إن قتل الأجساد لم يكن غاية.. على العكس .. فهذه الأجساد هي التي تمثل الأيدي العاملة الرخيصة كما تمثل أسواقهم التي يبيعون فيها بضائعهم .. كان قتل الأجساد يروى حقدا قديما لكنه كان يزيد الأمور سوءا .. وقد وجدوا أنفسهم في حلقة مفرغة.. كلما قتلوا الأجساد أكثر كلما ترسخت الأفكار عند الرعاع أكثر .. وكلما ازداد القتل كان ذلك باعثا على مزيد من الرغبة في الثأر والانتقام من ناحية .. ومن الناحية الأخرى فإن ذلك القتل يغذي وجهة نظر القائلين منهم بأن الوحشية والهمجية والإرهاب صفات المستكبر لا صفات الشعوب المسحوقة المسكينة.. وسماته لا سماتهم .. وكلما بالغ في القتل كان ذلك دليلا عند الرعاع على صواب رأيهم .. بل وكانت دليلا على أن هذا القوي الشرير الإرهابي المجرم الذي لا يعترف بغير الرصاص وسيلة للحوار يجب أن يواجه باللغة التي يفهمها .. بالرصاص .. وتدور الحلقة الجهنمية المفرغة حيث يكون القتل باعثا على مزيد من القتل .. والإرهاب يستدعي الإرهاب .. كان لابد من عامل قوي يكسر هذه الحلقة المفرغة ويمنع تداعياتها الخبيثة.. لذلك نبتت حاجة الغرب إلي وكلاء له يقومون عنه بما ينبغي أن يقوم به دون أن يثيروا الحساسيات والمضاعفات التي يثيرها وجوده المباشر .. وهكذا صنعوا آباءكم وأجدادكم وأسلافكم .. صنعوهم صنعا .. وليس هذا هو المجال الذي أقول لكم فيه كيف صنعوهم .. ثم صنعوكم أنتم .. كانت صناعتكم بحكم اشتراك الوراثة في الصنع- أسهل .. كان عملا عبقريا .. لأنكم .. بحكم أنكم من نفس هذه الشعوب قادرون على قتل الأجساد والأفكار معا .. وبتكلفة أقل .. لذلك حملوكم على أعناق شعوبكم .. لكن لا تنسوا أبدا أن بداية وجودكم كانت مرتبطة بهذا المنهج .. وأن استمراركم رهين به ..

لشد ما أرثي لبعضكم .. الذين يتصورون أنهم بتسريع العملية وبالمبالغة في سحق شعوبهم ينالون حظوة عند الغرب أكثر .. إن الأمر ليس بهذه البساطة .. إنه معقد بدرجة لا يمكن أن يفهمها إلا داهية .. سوف أحاول تبسيط المسألة لكم لأن مستوى ذكائكم يتدهور بدرجة مقلقة.. سوف أحاول أن أبسط لكم الأمر .. هبوا أنكم استأجرتم قاتلا ليقتل عدوا لكم .. إن علاقة هذا القاتل الأجير بكم يحددها أمران: الأول أنه يعلم أنكم أقوى منه وأنكم تملكون عقابه، والثاني أن يعلم أنكم تملكون القدرة على عطائه عطاء جزيلا .. فإذا اختلت هذه المعادلة فتذكروا أن القاتل الأجير يمكن أن ينقلب على صاحبه، وأن يكون مكمن خطر، إما بدافع الانتقام أو بدافع الطمع.

والآن لنعد إلى مَثَـلِ القاتل الأجير .. ستجزلون له العطاء .. لكن إن كان هذا العدو الذي استأجرتم القاتل لقتله صديقا للقاتل نفسه فلابد أن تجزلوا له العطاء أكثر لأن مهمة القاتل هنا ليست القتل فقط بل وخيانة الصديق أيضا .. فلنتقدم خطوة أخرى .. هبوا أن هذا العدو ليس صديقا للقاتل فقط .. إنه أبوه وأمه .. أبناؤه وزوجته .. أشقاؤه وعشيرته .. أهله .. لو كان الأمر كذلك فإن العطاء الجزيل وحده لا يكفى .. إذ لابد هنا من خداع القاتل .. من غسيل مخه .. من التزلف إليه وإيهامه بأنكم أنتم أهله وعشيرته الأقربون .. لابد من التزلف إليه والمبالغة في التظاهر باحترامه .. عليكم أن تقوموا بكل ذلك رغم كل ما يعتمل في أنفسكم من ازدراء واحتقار .. وعليكم أن تواصلوه حتى ينجز مهمته .. وفى اللحظة التي ينهى فيها القاتل الأجير مهمته .. في اللحظة التي تنتهي حاجتكم إليه .. فليس ثمة قوة في الدنيا بقادرة على منعكم من إظهار مشاعركم الحقيقية نحوه .. من ازدرائه واحتقاره بل ومن محاولة التخلص منه .. لأنه منذ اللحظة التي ينهى مهمته فيها سوف يكون عبئا ومصدر ابتزاز خطر .. وأخطر ما في موقفه أنه سيظن أنه بسبب ما أسداه لكم أصبح ندا لكم .. بل أصبح ذا فضل عليكم .. وأن الثمن الذي يتوقعه ليس ثمنا ماضيا .. تدفعونه له وينتهي الأمر .. بل هو ثمن مستمر في الحاضر والمستقبل .. ثمن استقراركم وسيطرتكم .. بل إن هذا القاتل الأجير يتحول إلى مبتز، وقد يقوم هو نفسه بالتحريض عليكم وإشعال الفتن ضدكم حتى يذكركم بما يجب أن تدفعوه له .. فما هو الحل في هذه المشكلة الخطرة .. ألا توافقونني في أنه ساعتها يجب عليكم أن تدبروا المؤامرات والقلاقل ضد هذا القاتل الأجير حتى تنتهوا منه .. إنني أرجو مخلصا أن تكونوا قد تخلصتم من الحساسية المرضية من استعمال الألفاظ والكلمات والصفات.. وأرجو ألا يخدش كبرياء جلالاتكم ومعاليكم وسموكم تشبيهي لكم بقاتل أجير .. إنني أعتذر لكل من يظن أنني قد خدشت كبرياءه .. لكنني في نفس الوقت أصر على تشبيهي .. بل وأزيد لأقرر أنه ليس مجرد تشبيه!.

هل فهمتم الآن ما أقصد .. إنكم مكلفون بمهمة معينة .. فإن أتممتم إنجازها فلا حاجة بهم إليكم .. ولقد كان عدم فهم هذه النقطة بالذات هو السبيل إلى المآسي الفاجعة التي انتهت بقتل رؤساء وتشريد ملوك ..

سوف نعود لهذه النقطة مرات ومرات .. لكن ما أحب أن أقوله الآن لكم .. أنهم لم يخفوا عنا كل ذلك .. ولقد قرأت عليكم منذ قليل اعترافهم بأنهم انتقوكم من بين الرعاع والدهماء .. كانوا حريصين على أن تكون صفاتكم صفات عبيد .. إنني أرجو ألا تؤلمكم هذه الصراحة .. ومرة أخرى فالكلمة ليس لها معنى إلا المعنى الذي نعطيه لها .. ولكيلا يهولكم الأمر .. فإن الوجود البشرى كله ينبني على وجود سيد وعبيده .. وحتى بين الأقوياء أنفسهم فإن الأقوى نسبيا يستعبد الأضعف نسبيا .. صحيح أنهم ارتقوا هناك بالمفهوم كي يمتعوا أنفسهم .. لم يكتفوا باستعباد بعضهم بعضا .. فجعلوا من التكنولوجيا عبدا من العبيد .. ثم إنهم نجحوا في أن يحولوا العبودية نفسها إلى نوع من المتعة .. ونجحوا بعبقرية أن يتبادلوا الأدوار .. فالعبد بالنهار سيد بالليل وسيد الليل عبد بالنهار .. والحاكم هذا العام يصبح محكوما في العام الذي يليه .. بينما يصبح المعارض حاكما دونما حاجة إلى الصراع الوحشي وسفك الدماء، ولقد استطاعوا بذلك أن يصلوا إلى درجة من الاستقرار أمّنت لهم سبل التقدم ونقلت صراعاتهم الداخلية إلى الخارج. إلى بلادكم أنتم. لذلك فإن مفهوم الانفصال الطبقي عندهم ليس ظاهرا كل الظهور .. ذلك كله صحيح .. وصحيح أيضا أنه لولا اختيارهم لكم ما كنتم في مناصبكم التي تتمتعون بها الآن .. وصحيح أن عصمتكم في أيديهم فمن شاءوا منعوه ومن شاءوا أطلقوه ومن شاءوا خلعوه ومن شاءوا قتلوه ومن شاءوا عزلوه ومن شاءوا أطلقوا له الحبل على غاربه .. وذلك كله يعنى أن مفهومهم عنكم كعبيد مفهوم صحيح .. لكن هذا هو المعنى الذي يستطيعون إعطاءه للكلمة .. أنتم تستطيعون أن تعطوا الكلمة معنى آخر .. لكنني قبل أن أتطرق إلى هذا المعنى أدلف لمفهوم كلمة العبيد عند رعاياكم .. نفس الشيء .. إن الوجود ينقسم عندهم إلى سيد وعبد .. ورغم أن الكلمتان تتكونان من ذات الحروف فشتان ما بين المعاني .. ذلك أن مفهوم الرعاع والإرهابيين أن الله هو السيد الواحد الأحد وأن جميع الخلائق بعد ذلك عبيد .. هذا المعنى الخطير يقتضى أن البشر كلهم عبيد .. وما داموا عبيدا فهم متساوون .. إذ لا يمكن أن يكون البشر متساوين إلا في حالة وجود إله .. إنهم يعترفون على أنفسهم بأنهم عبيد .. وأنتم أيضا من وجهة نظرهم عبيد .. ويرون حتى سادة الغرب عبيدا .. الكل عندهم عبد والعبودية مطلقة وذلك يعنى تساوي الرؤوس جميعا وليس لأحد العبيد أن يعتبر أنه أفضل من العبد الآخر إلا بمحض صفاته الشخصية .. هذه الفكرة هي ما تزعج الأقوياء هناك كما تزعجكم.. لأنها تهدد فلسفة القوي الأجنبي وحضارته كلها بالفناء .. وهى تهددكم أيضا بذات الفناء .. ولأن الأجنبي قد فشل في قمع هذه الفكرة .. حيث نجحتم أنتم.. فإن ذلك يعطيكم ميزة .. وهذه الميزة تجعلكم سادة وليس عبيدا .. أو على الأقل نصف سادة..على ألا تنسوا أبدا .. أن وجودكم مرتبط بوجود شعوبكم .. ولو تصورنا كارثة طبيعية أهلكت شعبَ واحدٍ منكم فلم يبق من الشعب إلا هو .. فإن الغرب ساعتها لن يواصل التظاهر بمعاملته كسيد بل سوف يتعامل معه كلص ومجرم ..

هل فهمتم ما قلت يا سادة ..

تلك هي لعبتكم الكبرى .. وهى ليست لعبة حظ ولا متعة وإنما لعبة حياة أو موت .. الأجنبي يتعامل معكم كسادة ولكنه يعتبركم عبيدا .. وأنتم تعاملون رعاياكم كعبيد لكنكم تتظاهرون بسياستهم كسادة .. وما بين الاثنين .. الأجنبي ورعاياكم تقبع فرصتكم .. وتذكروا دائما أن رعاياكم هؤلاء هم الفئة الوحيدة التي تعترف على أنفسها بالعبودية .. إنهم لا يتنافسون معكم على سيادة ولا حتى نصف سيادة وإلا لأمكن التفاهم معهم.. برشوتهم .. أو باصطفاء الأقوياء منهم ليكونوا معكم سادة .. ليسوا مثلكم .. وذلك مكمن خطرهم .. وصعوبة سياستهم .. إذ كيف تتمكنون من السيطرة على من لا يعترف بكم سادة .. من لا يعرف له سيدا سوى الله .. لكن ذكاءكم سيكمن في تقليدكم لما يفعله الأجنبي معكم وبكم .. اختاروا لهم وزراء ممن لهم ميول العبيد .. وشيخ أكبر ممن لهم ميول العبيد .. ومدع عام ممن لهم ميول العبيد .. وقضاة ممن لهم ميول العبيد.. ومحافظين ممن لهم ميول العبيد .. ورؤساء جامعات ممن لهم ميول العبيد .. واجعلوا الوزراء يختارون وكلاء ممن لهم ميول العبيد .. اختاروا أيضا رؤساء تحرير صحفكم ممن لهم ميول العبيد .. والمسئولين عن إعلامكم وثقافتكم وتعليمكم وصناعتكم وتجارتكم وزراعتكم وكل شئون الحياة في ممالككم وإماراتكم .. اجعلوا كل مرؤوس عبدا لرئيسه سيدا لمرءوسه .. لأنكم بذلك تجعلونه يتخلص من توتر قهر رئيسه له بقهر مرءوسه .. وليظل الصراع مستعرا بين طوائف أممكم .. صراع كصراع العبيد في روما القديمة .. حين كان العبدان يقتتلان حتى الموت.. يموت أحدهما في المبارزة .. فيتقدم جنود الرومان لقتل الآخر على الفور.. كان الفارق بين حياة القاتل والمقتول دقيقة .. بين النصر والهزيمة دقيقة .. ولقد تجلت عبقرية الرومان في أنهم لم يتركوا للعبيد أي فرصة ليدركوا معنى هذه الدقيقة ومغزاها .. ولو أنهم أدركوها لاتحدوا وقتلوا قاتليهم .. هذه العبقرية هي بالضبط ما أريدكم أن تتزودوا بقبس منها .. عبقرية الحكم .. لكن لا تنسوا أبدا أن أعداءكم الآخرين هناك يمارسون نفس السياسة العبقرية معكم .. لكن مهمتكم أصعب من مهمتهم.. إنهم يعاملونكم ورعاياكم بنفس المنهج .. أما أنتم فإن عليكم أن تمارسوا الشيء وضده في نفس الوقت .. أن تتعاملوا معهم بطريقة ثم تتعاملون مع رعاياكم بطريقة مضادة على طول الخط .. إن الجهاز العصبي للكائن البشرى غير ممهد لفعل الشيء ونقيضه في نفس الوقت ..

والآن ..

دعوني أرفه عنكم .. سأقطع هذا الحديث القاسي المتجهم .. سأرفه عنكم بلعبة طريفة ..

فليضع كل واحد منكم يديه على صدره .. اقبضوا أصابعكم .. ودعوا السبابة وحدها منتصبة .. والآن هيا .. لنبدأ اللعبة .. اجعل السبابة اليمنى تتحرك على النصف الأيمن من صدرك صعودا وهبوطا .. هيا .. بسرعة .. والآن .. دون أن تتوقف سبابتك اليمنى .. اجعل سبابتك اليسرى ترسم دائرة على نصف صدرك الأيسر .. هيا .. بسرعة .. اجعلوا الدائرة منتظمة .. لا توقفوا السبابة اليمنى عن حركتها الرأسية .. السبابتان معا .. في نفس الوقت والحركة المختلفة ..

والآن .. انتهت اللعبة .. أطلقوا أيديكم كما شئتم ..

هل أدركتم صعوبة وربما استحالة- تلك اللعبة؟ .. أن يتحرك نصفك الأيمن عكس حركة نصفك الأيسر ..

هذا بالضبط ما يحدث لكم في الحكم .. وعليكم أن تكتسبوا تلك المهارة الصعبة .. فباكتسابها تستطيعون قلب المعادلة كيفما شئتم .. تستطيعون مواجهة عدوكم ليس بأنفسكم وإنما بعدوكم الآخر ..

من أصغر مستوى إلى أكبر مستوى .. من خلافات بين قريتين ومرورا بالصراعات المصنوعة بين الأحزاب والهيئات والمؤسسات والدول ووصولا حتى الحرب العالمية .. وبهذه الطريقة تنتصرون وتبقون ويبيد أعداؤكم في الداخل والخارج .. يستهلك كل منهما قواه ويفرغ توتره مع الآخر .. لتبقى الساحة بعد ذلك بأقل قدر من التوتر .. فتحكمون كما تشاءون .. وإلى أبد الآبدين..

***

 

 

 

 


بروتوكولات حكماء العرب

 

البروتوكول الثالث

 

عبقرية الشيطان

 

هل تعرفون أكثر عملية عبقرية نجح الشيطان فيها؟..

أنا أقول لكم:

أكثر ما نجح الشيطان فيه أنه استطاع إقناعنا أنه غير موجود!!.. فلما اقتنعنا بذلك راح يعربد كما يشاء واثقا بأنه لن يتهم أبدا.. وما دام لن يتهم فقد أتيحت له الفرصة كي يفعل ما يشاء واثقا أن الناس ستفعل ما يشاء لها أن تفعل وهى تظن أنها إذ تفعله تفعله بدافع من الفكر أو العاطفة أو الذكاء أو الثقافة أو.. أو.. أو.. العبقرية.. لذلك ستواصل فعله.. وربما لو أنها أدركت أن الشيطان هو الذي وسوس إليها كي تفعل ما تفعل لعزت عليها كرامتها وربما لأقلعت..!!..

إنني لا أدعوكم طبعا للإيمان بالشيطان.. فالإيمان به يعنى بداية الإيمان بالغيب.. والغيب هو عدونا الذي لا نستطيع معايشته أو الانتصار عليه.. هو مشكلتنا الكبرى.. ذلك أنه سينتهي بنا في النهاية إلى الله.. وقد قلت لكم أن الله عنصر خطر.. وأن علينا أن نعزله عن حياتنا كلها..

لقد قال دستويفسكى: إذا غاب الله .. فكل شيء مباح..

هذا تماما ما أقصده..فلكي يكون كل شيء مباحا لكم عليكم أن تبتعدوا عن فكرة الله.. فبغيابه لا تصبح الفضيلة فضيلة ولا الرذيلة رذيلة ولا الخير خيرا ولا الشر شرا ولا الصالح صالحا ولا الطالح طالحا ولا الحق حقا ولا الباطل باطلا.. يصبح الصواب ما نقوله نحن ولا يُحكم علينا بما يقوله هو.. نعم .. ثمة تعارض كامل بين استمراركم واستمرار الإيمان بالله.. وفى وجود الله لا توجد لكم أي مشروعية وليس مباحا لكم أن تحكموا وتسودوا.. إن عدم الإيمان بالله يقتضي بداهة عدم الإيمان بالشيطان.. وأنا لا أدعوكم إلى هذا ولا إلى ذاك ولا إلى عكس هذا أو ذاك.. بل إن الأمر كله على مستوى الاقتناعات الشخصية لا يهمني.. ولو كانت الاقتناعات الشخصية هي المحرك لما طرحت عليكم هذا الأمر أبدا.. ولكي أيسر لكم الأمر فإنني أشبهه بسلوككم في البورصة.. إنكم وأنتم تقامرون وتغامرون فيها لا يهمكم حالة الاقتصاد بل يهمكم ما تستطيعون أن تجنوه منها مهما كانت الوسائل التي تستعملونها بل إن هذه الوسائل لو أدت إلى الانهيار والخراب لاقتصاد أوطانكم فإنها لن تردعكم ما دام ذلك يعود بالمكاسب عليكم. . إن البورصة في عالمكم لا تمثل سوقا حقيقيا للتجارة.. إنها تمثل الواجهة التي تمارسون من خلف مظهرها المشروع عمليات غير مشروعة.. إنني عندما أتحدث عن الله أو الشيطان أقصد نفس الشيء.. أريد أن تعملوا خلف الواجهة بغض النظر عن إيمانكم أو عدم إيمانكم بها.. أنتم لا تؤمنون بالبورصة ورغم ذلك تعملون من خلالها.. ولو آمنتم بقوانينها الحقيقية لانهارت ثرواتكم وانكشفت أعمالكم التي يجرمها القانون.. ها أنذا أستعمل المصطلحات مرة أخرى بمفهوم غيري.. ولكن ليس أمامي وسيلة أخرى.. فلو أنني وقفت أمام كل لفظ لأحرر كل كلمة وكل معنى ولأربط الدال بالمدلول لاستغرقت المحاضرة الواحدة عدة أعوام لا عدة ساعات.. أرى في أعينكم عدم فهم المثل الذي ضربته لكم عن البورصة.. فلأضرب مثلا آخر.. إن المحامي يدرس القانون لا لكي يطبقه أو يحميه بل لكي يعثر على الثغرات التي يمكنه الاستفادة منها فيه.. وليس هناك أي علاقة بين إيمان هذا المحامي أو عدم إيمانه بهذا القانون.. بل إنه لو شغل نفسه بهذه المشكلة فلن يمكنه أن يكون ناجحا.. علاقتنا بالشيطان تشبه علاقة هذا المحامي بالقانون.. الحقيقة لا تهم على الإطلاق بل في الواقع لا توجد أي حقيقة.. سواء وجد القانون أو لم يوجد..أحتُرِم أم لم يُحتَرم فذلك كله غير مهم وهو لا يؤثر في النتيجة النهائية ولا حتى في الوسائل.. دعكم الآن من أن كل قضايانا خاسرة لأنها تنتهي بالموت رغما عنا .. لكن ذلك موضوع آخر.. ولكن تذكروا في إطار هذا المثل أن وجود القانون مهم جدا حتى لو لم تؤمنوا به.. بل أقول أن وجوده أكثر أهمية لمن لا يؤمنون به.. لأن القانون هنا سيف يمسكه الأقوياء يذبحون به الضعفاء.. فلنعد إلى ما كنا فيه.. الشيطان ليس مجرد سيف بل سلاح إليكتروني رهيب يدمر به الأقوياء الضعفاء..دعكم من اعتقادنا.. لكن رعاياكم يعتقدون في وجود الشيطان.. وعليكم أن تستغلوا ذلك حتى حده الأقصى بغض النظر عن وجوده أو عدم وجوده فما يهمنا أنه موجود كفكرة بغض النظر عن وجوده أو غيابه كواقع.. وهو موجود ولو افتراضيا لصالحكم.. لكي يحمل عنكم خطاياكم.. هل تشعرون بالدوار.. حسنا.. ذلك هدف من أهدافي.. بل ويجب أن يكون هدفا من أهدافكم أيضا.. فهدف الحاكم الخائف علي مكانته من الاهتزاز هو تدويخ شعبه بصورة دائمة.. فإن لم يكن يستطيع أن يمنحه يقينا ولن يستطيع- فإن هدفه يجب أن يكون زلزلة هذا اليقين.. وبناء على هذا فإن علينا أن ندافع بصورة غير مباشرة طبعا عن النظريتين بكل شراسة وحماسة.. حقيقة وجود الشيطان ونظرية عدم وجوده.. أسمع همهمة.. دعوني أقلب الجملة فأقول نظرية وجود الشيطان أو حقيقة عدم وجوده .. إلا أنني أنبهكم هنا بغض النظر عن المعنى المراوغ للألفاظ إلى أنني لا أقصد شيطانا مخلوقا من نار بل أقصد شيطانا مصنوعا من أفكار..

ألا تبحثون في حياتكم اليومية طول الوقت عن كائن تحملونه جرائمكم ليدفع الثمن نيابة عنكم محتفظا بصورتكم أمام رعاياكم أبرياء أطهارا أو على الأقل ضحايا للشيطان الرجيم.. إن هذا الكائن ذا ما وجدتموه يكلفكم الكثير.. ولكنكم إن أنحيتم باللائمة على الشيطان الذي يقدم نفسه مجانا- فسوف تهربون من تبعة الجرائم وتظفرون في نفس الوقت بالتعاطف.

نعم.. الشيطان وليس الله هو ما يجب أن يعتمد عليه كل حاكم..

لكن عليه أن يخفي ذلك فلا يتصرف كما تصرف حاكم غبي كشف أمره فأصدر مرسوما ملكيا بالعفو الشامل عن عبدة الشيطان ليرفض في نفس اليوم اعتماد حكم المحكمة بتبرئة من يطلقون على أنفسهم أنهم مجاهدون..

ذلك غباء..

وأنتم تعلمون أنني أود أن أحرق المجاهدين المتطرفين جميعا.. لكن ليس بهذه الطريقة الفجة الغبية.. إذ يجب أن يتم تلويثهم وتشويههم وإلا تحولوا إلى أبطال وقدوات ومثل عليا.

...

لماذا تتململون الآن..

هل أمللتكم؟!..

لماذا أسمع منكم الهمهمة..

لا يليق هذا بكم يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات..

ويب لكم.. ويح لكم .. ويل لكم ..

هل تظنون أن خيط التفكير قد أفلت منى .. وأنني أذكر لكم اليوم أمورا متناقضة لا يربط بينها رابط..

سوف أشرح لكم الأمر على الفور..

لكنني قبل أن أفعل ذلك أريد أن أنبهكم..

أريد آذانكم وعقولكم معي.. فما أقوله لكم سرى جدا.. محظور نشره .. محظور نسخه .. محظور تسجيله.. فأنتم تدركون بالضرورة مدى خطورة أن يطلع الناس على خباياكم.. لذلك فإن الموت عاقبة من يحاول مجرد المحاولة أن يتنصت على حرف منه ما لم يكن ملكا أو رئيسا أو أميرا.. ثم أنه بعد ذلك ليس مكتوبا في كتاب ولا مراجع له.. إن الطبيب يرجع إلى مراجع الطب حين يستغلق عليه أمر.. كذلك المهندس والعالم والصحفي.. وحتى رجل الدين.. ثم أن خلف المراجع مراجع أشمل وأكمل.. وخلف مراجع المراجع تقبع الفلسفة النظرية التي تشكل الأساس الذي لا يمكن أن يرتفع بدونها بناء ولا أن يتم أمر.. كل فئات المجتمع هكذا.. إلا أنتم.. و إلا.. فهل صادف أحدكم كتابا بعنوان: كيف تكون ملكا؟ أو : الطرق السرية للوصول إلى رئاسة الجمهورية؟ أو : كيف تفتت شعبك وتهدم مؤسساته المدنية؟.. أو: كيف تلفق التهم لخصومك السياسيين؟ أو : كيف تعذب المعتقلين وكيف تقتلهم؟ أو: كيف تفسد من حولك لتسيطر عليهم؟! .. لن تجدوا ما أقوله لكم الآن في مكان آخر.. لذلك أريد عقولكم وآذانكم ووجدانكم معي .. لا تعودوا إلى التململ والهمهمة مرة أخرى.. إنني أعلمكم فنون السيطرة وبدونها تُذبحون.. افهموا إذن وراجعوا ما نبهنا إليه أحد كبار فلاسفتنا من أن واجبكم أن تفهموا الأشياء لا من حيث الحق والباطل أو الصدق والكذب أو حتى الوجود والغياب بل من حيث " نفعها وضررها بالنسبة لكم " وأن عليكم ألا تتعاملوا مع هذه الأمور إلا من باب واحد " هل هي معنا أم علينا ؟ " وتذكروا دائما في نفس الوقت أن واجبكم أن ترضوا المتدين و العلماني و الليبرالي.. وأن ترضوا الفئات العديدة التي تنقسم إليها كل شعبة.. فلابد أن يرضى عنكم على سبيل المثال السلفي والصوفي بل وحتى الشيعي.. والعلماني المتجنب للدين وذلك الذي يسعى إلى هدمه.. والليبرالي الساذج الذي ما يزال يظن الليبرالية تعني الحرية وذلك الذي يفهمها بمفهومها الصحيح.. يجب أن يشعر كل واحد من هؤلاء أنكم معه .. بل وأنكم على دينه.. وأنه لولا مقتضيات السياسة وضغوط الداخل والخارج لأسفرتم عن هذا التوجه الموافق له.. يجب أن تفعلوا كل هذا كما البهلوان.. يجب أن تفعلوه كي تفوزوا في صراع البقاء و للسيطرة على الداخل " بكل تناقضاته " و التناغم مع الخارج أيضاً بكل تناقضاته. يجب أن يكون لدي كل حاكم القدرة على إقناع كل فرد في المجتمع سواء المحلي أو الدولي أنه يفهم احتياجاته و رغباته و يسعى لتحقيقها بأساليب مشروعة معترف بها مع أنه في قرارة نفسه لا يهتم لذلك كله، فهو يفهمه لكي يسيطر عليه، ويسألك عن احتياجاته ليضغط عليه من خلالها و في النهاية، فهو لا يسعى إلا لتحقيق ما يريد هو أو من يعمل لحسابه. قد يقول بعضكم أن هذه صفات محتال لا حاكم.. وأنا لن أدافع!.. ولن أخيب أمل من يقول ذلك.. فليس هناك فارق حقيقي بين السياسة والحكم من ناحية وبين النصب والاحتيال من ناحية أخرى.

نعم.. وإن ما أريد الوصول إليه هو أن أشرح لكم أن ممارسة الحكم ليست طلاسم سحرية و لا معادلة عبقرية و لكنها ببساطة " خداع ذكي و كذب كثير و فرص مستغلة و جمع بين التناقضات و جرأة على التغيير الجذري و على الدم ورائحة البارود " !. و أن السياسية لا تعترف بدين و لا أخلاق وأن السياسي يقدس " التوفيق و التنسيق " بين المتناقضات ويشعر بأن العيش مع المتناقضات هو النجاح الحقيقي بينما صفاء المبدأ و شفافية المعتقد تعتبر خلقاً ساذجاً و تلقائية صبيانية !..

أسمع همهمة.. بل سمعت من يهمس مرة أخرى أن لهذه المحاضرة جذورا في بروتوكولات حكماء صهيون وفي بروتوكولات أخرى..

مرة أخرى..

يا له من غباء..

يجب أن تعلموا أنه ليس هناك في الدنيا شيء جديد.. منذ خمسة آلاف عام على الأقل ليس هناك جديد.. الجديد فقط هو إعادة الصياغة بغض النظر عن الجذور.

...

والآن نعود إلى ما كنا فيه..

قلت لكم اعزلوا الله.. وحدثتكم عن عبقرية الشيطان..

لا أعنى بهذا-كما نبهتكم مرارا- أن تؤمنوا بالله أو الشيطان.. كما لا أعنى أن تجاهروا بالكفر أمام شعوبكم وإلا سَـحَـلَـتْـكُمْ في الشوارع.. بل لا أعنى حتى أن تكفروا .. صوموا كما شئتم وصلوا كما شئتم وزكوا كما شئتم وحجوا كما شئتم ولتشهد ألسنتكم بما شئتم .. لكن على ألا يتجاوز الأمر قلوبكم إلى عقولكم أو إلى المجتمع الذي تحكمونه.. الدين لله نعم.. لكن الدنيا لكم.. فليعطوكم مالكم ثم بعد ذلك ليعطوا لله ما لله.. وليس شاغلي الآن كيف تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.. على العموم فقد أثبتت التجربة العملية أنكم تجيدون صياغة المتناقضات .. ليس ذلك شاغلي لكن شاغلي يقبع في بالغيب.. هنا نقطة الخطر التي يمكن أن تدمركم تدميرا.. وهنا أعيدكم إلى مثل كلمة " الماء " الذي ضربته لكم في البداية.. آمنوا أنتم أيضا أمام رعاياكم بالغيب.. لكنه سيكون غيبا يختلف تماما عن الغيب الذي يؤمن به رعاياكم.. فغيبكم يعني أن كوارث الإهمال كالغرق والحريق قضاء وقدرا.. وأن الناس بؤساء لأنهم أخيار لا لأنكم أشرار ولأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.. وأن الأيام القادمة سوداء والدليل لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.. لا تعارضوهم في هذه المفاهيم أبدا.. لكنكم ستحاولون دائما تدمير إيمان الناس دون أن تظهر لأي واحد منكم أي بصمة.. هل سمع واحد منكم أنه أمكن التقاط بصمة للشيطان؟ .. أريدكم أن تفعلوا مثله.. ولا يقتضى هذا أن تؤمنوا به.. فالعبقرية ضالتنا .. أنى وجدناها فنحن أولى بها..

إن الأمر ليس سهلا أبدا.. فما أقوله لكم هو فلسفة الحكم ومرجعيته التي لا توجد لكم مرجعية سواها.. ثم أنه محظور أن يدرس هذه الفلسفة إلا جلالة ملك أو فخامة رئيس أو سمو أمير.. وهذا يعنى أنه سوف يظل بعد أن يتولى الحكم فترة قد تطول وقد تقصر حتى يستوعب فلسفة الحكم..

لابد أن تدركوا أن الشيطان هو الشريك الأساسي في الحكم.. هو النائب الأول.. بل لابد أن يكون هو الحاكم أحيانا ليكون الحاكم منكم مجرد نائب له.. لا بد أن يكون موجودا على الدوام وغير موجود على الإطلاق في الوقت نفسه.

ثمة نقطة مهمة لابد أن أنبهكم إليها هنا.. لقد حدثتكم عما يجب أن تكون عليه مواقفكم تجاه الله والشيطان.. تعلمون أنهم في الغرب عموما قد وضعوا كل حديث عن الله والشيطان في موسوعاتهم في أقسام الخرافات والأساطير.. ولا ينفي هذا تعلقهم بالخرافات والأساطير.. بل ويزيد يقينهم بها في أحيان كثيرة عن أي يقين ديني.. لكنني لا أنصحكم بحكاية الخرافات والأساطير هذه..أذهب بكم إلى ما هو أهم وأعمق.. إلى الربط بين الحب والله.. وبين الكراهية والشيطان .. إن الحب ينتهي بالله.. أما الشيطان فتبدأه بذور الكراهية.. إن الحب ساذج.. أما الكراهية فعبقرية.. إن الحب لابد أن يكون مؤمنا أما الكراهية فلا يمكن أن تكون إلا كافرة.. لذلك أحذركم من الحب بجميع درجاته و أنواعه.. ذلك أن الحب يعني أن للإنسان قيمة أعلى من مجموع ما يحتويه.. يعني فكرة التجاوز.. وفكرة التجاوز هذه لابد أن تؤدي إلى الله..

لا تقلقوا.. أعلم أنكم لا تفهمونني..

سأوضح لكم الأمر..

إن سبيكة من الذهب تساوي بالضبط وزنها بالجرام طبقا لأسعار الذهب اليوم..

ولكن إذا ما صاغ فنان ماهر من هذه السبيكة تحفة فنية فإنها قد تساوي أضعاف ما يساويه وزنها.. فأن أضيف إلى ذلك أن كانت من التحف الأثرية فإن قيمتها لا تقدر بمال.. وأضرب لكم المثل بقناع توت عنخ آمون..

إن الفن والزمن وليس المادة هما ما رفع قيمة الذهب..

وكذلك الحب هو ما يرفع قيمة الإنسان ليعني أنه يساوي أكثر من قيمته.. هذا الفارق بين القيمتين هو التجاوز الذي لابد أن يؤدي الإيمان به إلى مشاكل لا أول لها ولا آخر ومنها الإيمان بالله.. حيث تنشأ الصعوبة حين تجدون أناسا يتعاملون بعملة لا تتعاملون أنتم بها ولا يمكنكم تزويرها. إن الحب يجمع الناس على أهداف لا يمكنكم تقدير قيمتها لأنها لا توزن ولا تقاس ولا ترى ولا تسمع ولا تُشم ولا تحس ولا تعرض في بورصة الأوراق المالية.. وأنتم تدركون خطورة تجمع الناس..ربما أحدثكم بتفصيل أكثر عن هذه النقطة فيما بعد.. أما في هذه المرة فإنني أحدثكم عن الشيطان.

لقد نصحتكم بتجنب الحب لأنه يؤدي إلى الله..

وها أنذا أنصحكم بممارسة الكراهية التي تؤدي في نهاية طريقها إلي الشيطان..

نعم..

اكرهوا ما استطعتم.. فبقدر قدرتكم على الكراهية سيطول حكمكم وتدوم انتصاراتكم.. انثروا حولكم الكراهية والحقد والبغضاء والحيرة والحسد.. بالكراهية تفتتون قوة الآخرين وتفرقون جموعهم.. انثروا الكراهية وانشروا الحقد وازرعوا البغضاء وغذوا الصراع في كل مكان.. بين الأغنياء والفقراء.. بين أهل الشمال وأهل الجنوب.. بين أهل الشرق وأهل الغرب.. بين الطوائف والأحزاب والهيئات وبعضها البعض.. بين الأحزاب السياسية.. بل بين الأفراد بعضهم البعض.. بين الأشقاء.. بين المرء وزوجه.. وبين الأب وابنه حتى يكون الجو قيظا والولد غيظا ويبر المرء صديقه ويجفو أباه.. لكنه لا يبر صديقه إلا لاتفاقهما على الفحشاء..

إن أهداف الشيطان هي أهدافكم.. لا تنسوا ذلك أبدا..

إن الهدف الأول للشيطان أن يدفع الإنسان إلى الكفر.. فالكافر قيمة ثابتة كسبيكة الذهب الخام تدفع ثمنها فتحصل عليها دون زيادة أو نقصان. الكافر لا يحب.. وهو لذلك لا يقاوم ظلما ولا يتحالف مع مظلوم ولا يبحث عن حق ولا يطارد باطلا.. وأبدا أبدا أبدا لا يموت في سبيل شيء..أي شيء.. تذكروا ذلك دائما.. الكفر هو الهيكل الخرساني لحكمكم والكفار هم اللبنات.. قد يبدو العمل شاقا وبلا نهاية.. والواقع أنه ليس كذلك.. لأن كل عضو جديد في نادي الكفر سوف يتحول على الفور إلى داعية يدعو معكم وهذا وحده يكون قوة هائلة كقوة الإعصار التي تعصف بقوة المجتمعات ووحدتها عصفا شديدا. إن الحب اقرءوها الإيمان- يشبه رجلا يصعد جبلا فما أشد عناءه لكي يصل- إذا وصل- في النهاية وحده.. إنه لا يستطيع أن يجذب معه الآخرين إلا بصعوبة بالغة وبشق الأنفس.. أما الكفر- اقرءوه الكراهية- فهو كرجل يهبط متزحلقا من على قمة الجبل .. فما أسرع ما يصل دون عناء بل إنه يدفع معه كل من يلقاه في طريقه حتى ولو لم يكن هدفه الهبوط..

لقد حذرتكم .. ولن أكف عن تحذيركم أن يتم ذلك بمنتهى الحرص ودون تورط.. بل ويجب أن يكون الواحد منكم مستعدا دائما للتراجع والإنكار والاستنكار وأكثر من هذا لتقديم بعض كباش الفداء عند ظهور أي بادرة تمرد من المؤمنين الرعاع والإرهابيين.. في هذه الحالة عليكم أن تتراجعوا.. لكنه تراجع التكتيك لا الاستراتيجية.. التراجع الذي يمهد لتقدم أكبر.. فلا مانع من بعض المجاراة والفصل من الوظائف بل والسجن أحيانا.. إنه تراجع من يتأهب لقفزة أكبر.

لكن جهدكم يجب ألا يقتصر على ذلك.. فإن عجزتم عن إقناع الناس بالكفر عليكم تمويه الكفر.. أن تلبسوه ثيابا مزورة للإيمان مرة تحت اسم الشيوعية ومرة تحت اسم الاشتراكية ومرة تحت اسم القومية ومرة تحت اسم العلمانية.. ومرة تحت اسم الليبرالية ومرة تحت اسم المجتمع المدني.. ولو أنكم نجحتم في هذا فإن الأمر لا يختلف من الناحية العملية عن الكفر الصريح المباشر..

فإن عجزتم عن ذلك فإن عليكم أن تقتحموا الدين من الداخل.. انشروا البدع..روجوا للكفار على أنهم مفكرون إسلاميون كبار.. وتحدثوا عن الإسلاميين الحقيقيين على أنهم إرهابيون.. ثم دعوا أجهزتكم تروج للفاحشة وتنشرها فليس أقدر من الكبائر على هدم إيمان المؤمنين.. قد تعجزون مع الجيل الأول من المؤمنين.. لكنكم ستصيبونهم في مقتل عندما تستدرجون أبناءهم وأسرهم لتخيبوا آمالهم ولتحطموا قلوبهم.. هونوا من أمر الكبائر واجعلوها حرية شخصية كما جعلتم من الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه.. اجعلوا الزنا حبا.. والخنا تقدما.. والخمر مشروبا روحيا والدعارة شطارة والتحرير تعهيرا.. والعفة جمودا.. والطهارة انغلاقا.. باختصار: ادفعوهم إلى الخجل مما درجوا على الفخر به وإلى الفخر مما درجوا على الخجل منه.. فإن عجزتم ولن تعجزوا- فعليكم أن تدركوا أن كل خطوة تصيب البعض وتفلت آخرين.. وعليكم في الخطوة التالية أن توجهوا جهودكم لهؤلاء الآخرين.. عليكم على سبيل المثال أن توجهوا جهودكم مع الآخرين الذين لا يمكن غوايتهم للسقوط في الكبائر باستدراجهم إلى السقوط في الصغائر.. أرغموهم على اقتراف ذنوب أخرى.. اجعلوا الواسطة والرشوة هما السبيل الوحيد لقضاء المصالح.. سوف يتلمسون الأعذار لأنفسهم بأنهم مضطرون .. نعم.. عليكم وأنتم ترفعون لواء العقلانية أن تسحقوا العقل وتمتهنوه فلا يبقى من سند للعقل إلا السيف.. لا منطق ولا ضمير ولا أخلاق ولا حقوق إنسان ولا ديمقراطية.. هل سمعتم عن تضافر الحضور والغياب؟ عندما توجد شجرة أمامك فلن تحتاج إلا إلى الإشارة إليها.. أما إذا غابت فلابد أن تذكر اسمها.. إن حضور الاسم يعني غياب الواقع.. وحضور المدلول عليه يعني غياب الدال.. ولذلك.. وبنفس المعنى.. فإن الحديث الكثير عن الديمقراطية والحرية والشفافية وحقوق الإنسان يعني غيابها لا حضورها..

إن عليكم بعد ذلك ألا تيأسوا أبدا.. مهما فشلت المحاولات فابدأوا من جديد.. وأنا أؤكد لكم أنكم ستستقطبون من كل ألف تسعة وتسعين وتسعمائة..

يجب أن تكونوا واثقين أن نشر الكراهية أسهل بكثير جدا من تعليم الحب..

فالأولى تنتشر كما الوباء لتشمل العالم كله في زمن جد قصير.. أما الحب فيحتاج لأجيال وأجيال..

وعندما أتحدث عن الكراهية والحب فأنا في الواقع أتحدث عن عبادة الشيطان وعبادة الله.

لا تبتئسوا مما هو ملقى على أعناقكم من مهام.. فالطبيعة تدخر لكم مكافأة كبري.. ذلك أن كل واحد ينضم إليكم لا يكون جنديا في جيشكم بل يكون بحد ذاته جيشا كاملا.

نعم.. أقول لكم أن الشيطان هو سيدكم ونائبكم..

وأكرر عليكم أهمية أن يبقى هذا الكلام سريا ومحظورا إلى أبد الآبدين..

محظور أن يدرس ما أقول لغيركم .. ولا حتى لأبنائكم ولا لأولياء عهودكم.. لأن أبناءكم وأولياء عهودكم مصدر خطر آخر.. وذلك أمر سوف نتناوله بعد قليل ..

إن جزءا مهما في سياسة الحكم هو الاستقرار والاستمرار.. لأن أي ثغرة سينفذ منها الرعاع والإرهابيون على الفور.. لذلك يجب أن تكون عنايتكم بالمستقبل جزءا من عنايتكم بالحاضر.. وأن يكون اهتمامكم بخليفتكم لا يقل عن اهتمامكم بأنفسكم.. إن الأمر يتعدى تدمير السمعة وكشف الخيانة أمام الناس على يد خليفة أرعن لا يدرك أنه سيكرر ما فضحه بعد قليل.. الأمر يتعلق بشرخ جدار الكذب القائم بينكم وبين الناس.. لذلك لا تتوقفوا عن الاهتمام بالرجل الثاني الذي سيصبح بعد زمن قصر أم طال هو الرجل الأول.

ولقد لاحظت أن معظمكم يختار الرجل الثاني بطريقة خاطئة.. أو يرفض اختيار نائب على الإطلاق.. وهذا هو أحد موضوعاتنا الرئيسية اليوم.. سأساعدكم خطوة خطوة وسأشرح الأمر أمامكم بطريقة تحفظها في وجدانكم أبدا..

في أوساط الرعاع والإرهابيين فإنهم يجعلون الله دائما بينهم وبين الآخرين.. فهم لا يعاملون الآخر ولكن يعاملون الله.. وأنا أريد منكم أن تفعلوا نفس الشيء.. لكن مع الشيطان..

نعم.. يجب أن يكون الشيطان بين الرجل الأول والثاني..

لكننا قبل أن نتحدث عن الرجل الثاني يجب علينا أن نتحدث قليلا عن الرجل الأول.. الملك أو الرئيس أو الأمير.. أو.. أو.. أو...

يجب أن نحدد أولا ماهية الرجل الأول . . صفاته . . وظيفته.. الغرض منه . . مسئولياته ..

سيظن بعضكم أن كل تيك - أشياء يحددها الدستور..

لكن الدستور ليس إلا عقدا شرعيا لعلاقة غير شرعية . يجب أن نعترف بهذا . كعقد عرفي لزواج متعة .. وسيلة تمكن الرجل أن يستمتع في الوقت الذي يريده دون تحمل أي مسئولية .. في كل الدنيا يستخدم الحاكم من مواد الدستور ما يناسبه و يقمع ما يقيده .. الدستور في النهاية ليس إلا مخالب وأسنان ننشبها في جسد من يحاول التمرد ومفرمة نفرم بها العصاة .. إنه لعبتنا التي نسيطر بها على الجماهير العمياء فيجب أن لا ننخدع نحن الآخرين به .. الدستور سلاح كأي سلاح آخر. . لا يستفيد منه إلا من يملكه.. نصل إذن إلى أن المكتوب في الدستور عن الملوك والرؤساء مجرد رماد نذروه في أعين الدهماء كي نعميهم..

فلنعد إلى موضوعنا .. ما هي وظيفة نائب الرئيس أو ولى العهد أو الرجل الثاني في الدولة . . هل تقتصر وظيفته على أن يظل في كواليس الحكم أعواما يتدرب فيها على أصول الحكم وفنونه . . مجرد تلميذ ليس من حقه أن يتخذ قرارا أو أن يبدى رأيا.. وأن يبدو أمام الناس هو الذي يملك المشروعات القذرة-في نظر الجماهير- تلك المشروعات التي تدر ربحا يفوق بكثير تجارة المخدرات والسلاح.. لا أريد الآن أن أتطرق إلى وقائع خاصة .. لكنني أرى أنه من الضروري أن أشير إلى أن ما حدث في موضوع العبارة الأخيرة كان غباء مطلقا كشف الحاكم وجعله عاريا أمام شعبه.. كان يجب للمسألة أن تدار بطريقة أخرى تنتهي بموت مفاجئ للمسئول بالذبحة أو نزيف في المخ أو حتى بالانتحار.. لكن انتهاءها بهروب المسئول بتلك الطريقة الغبية قد كشفت للناس من هو المالك الحقيقي لتلك العبارة بل لكل مشروعات المليونير الهارب.. بل وأيضا لكل المليونيرات اللصوص.. لقد اكتشف الناس أن الرجل الكبير هو اللص الوحيد أما من حوله[3] فليسوا سوى صبيانه وغلمانه الذين يقومون بالعمل لحسابه... ليسوا لصوصا بل صبيان لصوص.. نعم.. كان ذلك الهروب المشين خطيئة سياسية كبرى وكبيرة من الكبائر.. لقد أصبح ذلك المسئول بهروبه مصدر خطر شديد من مكمنه.. لأنه هناك يملك دائما أن يذيع أسرارا ما ينبغي لها أن تذاع و أن يفضح أمورا ما ينبغي لها أن تفضح دون أن تكون لأجهزتكم المختلفة القدرة على قتله أو حبسه أو تشويه صورته..

لا يمكنكم إذن أن تقصروا واجب الرجل الثاني على الجانب الاقتصادي أو السياسي ..إن الكثيرين يرون ذلك.. إلا أننا لو شايعناهم لكان أداؤنا تبسيطا مخلا لأمر معقد .. إننا بهذا ننظر للرجل الثاني كما نراه نحن ..أو كما يحدد موقعه الدستور.. إننا ننظر إلى الأمر نظرة مجردة.. وذلك خطر جدا فوق أنه خاطئ جدا.. لا تنظروا إلى أحد أو إلى شيء نظرة مجردة.. اغمسوا كل شعور من مشاعركم بالكراهية وبالشيطان وأيضا لونوه بالكذب.. و لكي نفهم أمر الرجل الثاني فهما حقيقيا فإننا يجب أن نكمل الصورة بأن ننظر إليه كما يرى هو نفسه..

إن هدوء الرجل الثاني سواء كان ولى العهد أو نائب الرئيس وصمته و رقته ووداعته أو حتى عنفه ليست جميعا صفاته الأصلية .. إنه يمحو ويذيب ذاته في ذات الملك أو الرئيس أقصد من يشغل دور الرجل الأول كي يكون محل ثقته، إنه يكون هادئا عندما يريده الرجل الأول أن يهدأ.. و يصمت حين لا يريد الرجل الأول أن يسمع صوته . . ثم هو لا يثور بناء على تفاعلات أو نتيجة لانفعالات داخل نفسه . . بل يثور و يعنف عندما يريد منه الرجل الأول أن يفعل ذلك . . حتى بدون أن يعرف لماذا يثور ولماذا يعنف . . ولكن ذلك السكون الظاهري ليس إلا البذرة الكامنة لعنف سينفجر ذات يوم ..

ذلك وجه من وجوه النائب . .

بعد هذا الوجه هناك وجه آخر. . الوجه الآخر للسمع والطاعة والخنوع والاقتناع الكامل بكل شيء والاحترام حتى التقديس . . إن هذه المشاعر والأحاسيس كلها مجرد تعبير مقلوب عن إحساس الرجل الثاني الحقيقي.. إنه يكره الرجل الأول بنفس الدرجة التي يدعى أنه يحبه بها .. ويحتقره بنفس الحجم الذي يدعى احترامه به .. وهو يتمنى له الموت كلما دعا له بطول البقاء . . إن كل يوم جديد في حياة الرجل الأول هو يوم مخصوم من حياة نائبه أو ولى عهده .. خاصة في نظام كنظام الحكم في عالمكم العربي درجت العادة فيه أن يخلف الرجل الثاني الرجل الأول في الحكم .. أن تزور الاستفتاءات والانتخابات وتؤخذ البيعة له..

إن الرجل الثاني بحكم موقعه هو أقرب الناس للرجل الأول . . الوحيد الذي يرى صفاته البشرية أكثر من أي إنسان آخر. . انه يراه بملابس النوم بل بلا ملابس عندما يتناقش معه في شئون الدولة والمدلك يدلك جسده .. إنه يشم روائحه الكريهة ويدرك أن أكداس العطور لا تكاد تخفيها.. إنه يدرك قصوره وعجزه.. أنانيته وخبثه.. بل إجرامه وفجره- وتذكروا أن معنى الألفاظ متعلق فقط بقائلها- .. إنه أيضا هو المشرف على إعداد ملذاته بكل ما فيها من مجون وفسق.. وهو المسئول عن إتاحة الفرصة للرجل الأول كي يفعل كل ما يشاء بمنتهى الحرية دون أي اعتبار لشعبه ولكن بشرط ألا يعلم هذا الشعب أي شيء مما يحدث.. حتى إذا تحدثت الصحف الأجنبية عن الفضائح فعليه هو أن يقمعها ويعتم عليها ليطلق شائعات بديلة عن الملك أو الرئيس أو الأمير الذي يترسم خطى أسلافه الصالحين بل يفوقهم زهدا وورعا.. إنه يروج الشائعات الأسطورية عن العاهل الذي يتنكر في زى رعاياه كي يتفقد أحوالهم.. وعن الرئيس الذي لا ينام الليل.. ليس لانشغاله بجواريه ولا بغلمانه بل بشعبه..

ربما أتجاوز بهذه التفصيلات حدود اللباقة واللياقة لكننا نناقش أمرا من أهم أمور الحكم لا يجوز الإخفاء أو الكياسة فيه. .

نعم..إن الرجل الثاني يرى غضب الرجل الأول وهدوئه . . سخطه ورضاه .. يأسه وأمله . . تفاؤله وتشاؤمه . وهو بحكم موقعه أيضا يرى الميزات الهائلة التي يستحقها منصب الرجل الأول . . لكنه دائما داخل نفسه يشك في مدى جدارته بهذه الامتيازات لأنه يرى نفسه أولى بها . إنه يرى أن الرجل الأول قد عاش أكثر مما يجب . . . واستمتع أكثر مما يجب . . وأن دوره هو كي يتقلد المنصب قد حان . . وأن كل يوم جديد يقضيه الرجل الأول في الحكم هو اغتصاب لحق أصيل له . . إنه عندما يسأله عن أحواله لا يتمنى له إلا السوء . . وعندما يسأله عن صحته لا يتمنى له إلا الموت ... إلا أنه لا يستطيع إلا الادعاء بأن روحه ودمه ليست فداء للرجل الأول فقط بل فداء لقلامة ظفره.. ثم هو بعد ذلك كله يضخم عيوب الرجل الأول و يبخس مزاياه .. وفى الوقت نفسه يلغى عيوب نفسه ويضخم مزاياها . وهذا التناقض العنيف بين ما يبطنه الرجل الثاني وما يظهره يجعله قابلا للانفجار في أي وقت ..

نعم .. إذا كانت الأعمال بالنيات فإن كل نائب يستحق الإعدام على نواياه..

لعلكم اقتنعتم الآن بأن طريقة معظمكم في اختيار الرجل الثاني طريقة خاطئة تماما . . ولقد لاحظت أن أساس اختياره طوال الأعوام الماضية تعتمد أساسا على صفة واحدة : ألا يكون له دخل بالسياسة العامة للبلاد.. أن يكون هادئا ومطيعا ودمث الخلق ومؤدبا.. وأنه كلما انحطت مقاييس عقله وذكائه وجميع قدراته كان ذلك أفضل..

قد يتساءل منكم متسائل وهو يسخر :

- هل تريدنا أن نختاره شرسا أو وحشا . .؟

لكن.. لا تسخروا منى .. سوف أؤجل الإجابة عن هذا السؤال بعض الوقت..

إن الأمور تتشابه مقبلة فلا يعرفها إلا الحصيف.. فإذا أدبرت يعرفها الجاهل كما يعرفها العاقل..

سوف أوضح الأمر لكم:

تعلمون أن مجتمعكم العربي مجتمع غير متجانس ..

مرة أخرى أسمع همهمة لا تليق بجلالاتكم ولا فخاماتكم ولا حتى سمو بعضكم.. نعم أقول مجتمعكم ولا أقول مجتمعنا .. فأنا لست منكم.. أرجوكم ألا تقطعوا تواصلي.. فإن فقداني التركيز والسهو عن أمر مهما بدا تافها قد يكلف أحدكم حياته وعرشه.. لذلك أرجوكم التركيز وعدم مقاطعتي بالهمهمة.. ذلك أمر لا يليق بكم.

ولنعترف أنه ما من شعب من شعوبكم يحب مليكه أو رئيسه.. دعنا الآن من الهتافات التي تصنعونها ومن الحشود التي تحشدونها ومن الـ 99,9999%.. دعنا مما يكتبه رؤساء تحرير صحفكم وأولئك سأتناولهم في بروتوكول قادم- .. دعونا من كل ذلك فنحن هنا نبحث عن الحقيقة كي نعيد توظيفها لصالحنا.. إن الغالبية العظمى من شعوبكم ترى فيكم قَدَرًا لا مفر منه إلا إليه..إنها أغلبية طيبة وغير خطرة.. إنها تدرك أنكم تكذبون فيما تقولونه لها عن اهتمامكم بها وسهركم على مصالحها.. تدرك ذلك فلا تملك إلا أن تبادل كذبكم بكذب فتدعى لكم الولاء وتصرخ أنها تفديكم بدمائها وأرواحها لكنه صراخ لا يتجاوز الحناجر.. تعرف أنكم تكذبون وأنتم تعرفون أنها تكذب وانتهى الأمر.. قد يطلقون بعض النكات عليكم.. كتلك الطرفة الموحية عن جائع فقير مر بمحل للشواء فأخذ يشم رائحة الطعام الشهي.. فلما رآه صاحب المطعم طلب منه ثمن ما شم.. رفض الجائع أن يدفع شيئا لأنه شمّ ولم يأكل .. فاصطحبه صاحب المطعم إلى القاضي واختلفا إليه.. وهنا أقر القاضي بحجة صاحب المطعم.. أخرج من جيبه بعض العملات المعدنية وألقاها على الأرض.. ثم أمرهما بالانصراف .. صرخ صاحب المطعم احتجاجا لأنه سمع رنين النقود ولم يحصل عليها.. وهنا قال له القاضي: هو شمّ ولم يأكل.. وأنت سمعت ولم تأخذ.. هذا هو العدل.. الرنين مقابل الشمّ..

نعود إلى ما كنا فيه.. هذه الأغلبية الصامتة هي الأساس الذي تبنون عليه .. لأن وجودها وصمتها هو الذي يعطيكم الحق في اتهام الخارجين عليكم بأنهم مجرد شراذم متناثرة.. تلك الشراذم المتناثرة في المعارضة أو في الشارع .. لكن الخطير أن بعض هذه الشراذم قد نجحت في التسلل إلى صفوف السلطة .. في الجيش والشرطة مثلا . إن هذه الشراذم الخائنة الضعيفة الهزيلة لا ترضى بحكم الرجل الأول .. وهى تبحث عن بديل آخر.. فما هو البديل المتاح أمامها . . البديل القوى الذي يملك علاقات متشعبة بالطبقة الحاكمة تجعله مؤهلا لقيادتها . إن أهم المؤهلين هو النائب أو ولى العهد.. الرجل الثاني . . إنه يتمتع بوضع مثالي شديد الخطورة .. لأن من يحبونكم يحبونه هو أيضا لأنه اختياركم .. وإيمانهم به جزء من إيمانهم بكم.. ولكن شراذم المعارضين لكم أيضا يراهنون عليه.. على التناقض بينكم وبينه وعلى فهمهم لحقيقة شعور الرجل الثاني نحو الرجل الأول . إنهم يحبونه لأنهم يكرهونكم . . ولأنهم يرونه البديل الوحيد المتاح عنكم .. وهو بهذا يتحول إلى زعيم مؤكد لمشروع انقلاب قد يحدث في أي وقت ..

تلك هي خطورة الرجل الثاني في الحكم..

فإذا كان ما أقوله هو الواقع فهل يجب أن يلغى هذا المنصب فورا؟!..

تلك نقطة جديرة بالدراسة والبحث . إن الأدلة المنطقية تؤيد ذلك . . بل يبدو أن ذلك هو الحل الوحيد ..

لكن ما يبدو أحيانا هو الحل الوحيد يكون دائما أسوأ الحلول .. بل والطريق إلى الكارثة.. .

لعل منكم من يتساءل الآن لماذا لا أقول ما عندي دفعة واحدة ..

أقول لكم..

الكلمات كالبناء . . وأنت لا تستطيع أن تبنى الدور الأخير من ناطحة سحاب دون أن تبدأ من الأساس ..

فسواء وجد نائب الرئيس أو ولى العهد أو لم يوجد فسوف يكون هناك دائما الرجل الثاني في الدولة.. سوف يكون هناك دائما أقوى وزير بعد الملك أو الرئيس .. تلك هي سنة الطبيعة . . إن الجهد الخلاق الذي يجب أن نبذله يجب ألا يكون في محاربة سنن الطبيعة وإنما في ترويضها واستغلالها لمصالحنا .. لعلكم معي الآن في أن جوهر الرجل الثاني عداوة خطرة ومشروع انقلاب ولغم قد ينفجر في أي وقت .. إنه منصب خطير ومرعب .. فهل يجب إلغاؤه؟..

أجيب على السؤال: لا..!! لأن إلغاء هذا المنصب سوف يحول العدو الظاهر إلى عدو خفي . . إنه الآن أمامك و بين يديك . . تستطيع أن تحصى عليه سكناته وحركاته . . بل وتستطيع أن تعد عليه حتى أنفاسه . . وهو برغم كل شيء يعرف دائما أنه يستمد قوته من رضائك عنه . فإذا ألغيت هذا المنصب سيكون هناك عشرات يتنافسون عليه.. ليس على المنصب نفسه بعد أن ألغى.. و إنما على الموقع الشاغر المفترض للرجل الثاني في البلاد.. نعم.. الموقع الافتراضي.. وسيجد بعضهم دعما ورعاية منكم.. لكن آخرين سيبحثون عن مصدر القوة من جهات أخرى.. في داخل البلاد وخارجها ..من الأعداء والحلفاء.. وفى أتون هذا الصراع لن يكون وضع الرجل الثاني جامدا .. بل سيتغير كل حين و آخر .. سيعتمد ذلك على مئات العوامل التي قد نستطيع أن نحصر بعضها.. لكن معظمها لا نستطيع التأثير فيه.. تماما كأسعار الأسهم في البورصة.. وتذكروا دائما أنكم لستم الأقوى.. عدوكم الغربي هو الأقوى وهو الذي سيحدد مدى ارتفاع أو انخفاض أسهم الرجل الثاني.. المشكلة معقدة.. وبذلك قد نفاجأ ذات يوم بكارثة لم نعمل لها حسابا..

كذلك فإن الصراع للفوز بمكان الرجل الثاني لن يقتصر على الوصول إلى المنصب فقط ..

بل إلى محاولة الاحتفاظ به بعد الوصول إليه . وفى محاولة الاحتفاظ بوضعه لن يتردد أمام أي فعل .. وذلك قد يكون خطيرا جدا .. فقد يكون ما يهدد احتفاظ مثل هذا الرجل بوضعه منافس آخر. . سيسحقه . . وقد يأتي مثل هذا التهديد من عدم تأييدك له . . سوف تكون المعركة بالنسبة له معركة حياة أو موت . . وفى معارك الحياة أو الموت تتوقف المشاعر والأفعال عن التبدي بعكس حقيقتها.. ستتوقف آلية تحويل العداء الخفي إلى ولاء ظاهر والازدراء إلى تقديس .. والاحتقار إلى تبجيل.. ومثل هذا الرجل هو الذي يحمل خطورة الانقلاب على نظام الحكم وزعزعة الاستقرار وإيقاف الاستمرار..

إن المشكلة تبدو كما لو كانت بلا حل . فان وجود نائب أو ولى عهد أمر خطير لكن عدم وجوده أشد خطورة .

ما هو الحل إذن..؟!

إن المشكلة لا تقتصر على الرؤساء دون الملوك.. لأن جميع ما قلناه ينطبق على الأبناء المتعددين للملك خاصة إذا كانوا من أمهات أو محظيات مختلفات.. لذلك نرى أن مشكلة الصراع على منصب الرجل الثاني موجودة في النظام الملكي بصورة لا تقل شراسة عن النظام الجمهوري.. وهذه الحقيقة كفيلة بإظهار مدى غباء وخطأ أولئك الرؤساء الذين يحاولون حل المشكلة بتوريث أبنائهم الحكم.. إن ذلك لا يغنيهم شيئا.. ففي مثل هذا المستوى من العلاقات تتقطع الأنساب.. يتوقف الابن عن أن يكون ابنا والزوجة عن أن تكون زوجة.. ولا يختلف وضع الابن في هذه الحالات عن أي شخص أجنبي.. بل إنه يكون أكثر خطورة باعتبار ميزات اقترابه الأكثر.. لعل بعضكم ما يزال أسيرا للخرافات القديمة التي تتحدث عن علاقات الدم وأواصر المصاهرة.. ذلك كله باطل.. ليس للمحبة في وجودنا مكان.. ليس لأننا أشرار بل لأن العالم كذلك.. ولا وجود للحب.. لا وجود إلا للمصلحة أما انقسام العالم إلى أصدقاء وأعداء فخرافة أخرى لأن الواقع يقول أن هذا العالم ينقسم إلى صنفين من الناس: الصنف الأول هو صنف الأعداء.. أما الصنف الثاني فهو صنف الأعداء الأشد. بل إنني أركز هنا على أن عداوات ذوي القربى تكون أكثر تأججا ولهيبا وحقدا.. وبالتالي تكون التصرفات وردود الأفعال أكثر جرأة ووحشية وخسة.. فتذكروا واحذروا .. ولعل بعضكم يعلم ما حدث لأحدكم.. عندما استخلف ابنه لولاية العهد.. وضاق ولى العهد بطول عمر أبيه فسلط عليه من يقتله في مخدعه بعد أن أجزل له العطاء.. وقتل القاتل الملك بطريقة من تلك الطرق السرية التي لا يعرفها سواكم.. والتي تعلمتموها أبا عن جد كي تتخلصون ممن تريدون عندما تريدون دون إثارة الشبهات.. كان الملك قد أخطأ خطأ عمره فعلم ابنه هذه الطرق.. فكان هو نفسه أول ضحية لها و له.. ارتكب القاتل جريمته ثم عاد إلى ولى العهد كي يحصل على المكافأة.. لكن ولى العهد أصر على الاطمئنان بنفسه.. فاصطحب القاتل إلى مخدع الملك.. أبيه.. ولكنه وجد أن أباه ما يزال حيا يصارع الموت.. ما أن رآه أبوه حتى استغاثت به عيناه.. كان قد فقد النطق.. أشار إلى القاتل كي يدرك الابن ما حدث.. وأشار إشارة أخرى لابنه يستغيث به أن ينقذه.. لكن الابن نظر إلى القاتل غاضبا وأمره أن يكمل مهمته.. ولولا أجهزة المراقبة التي وضعناها ما اكتشفنا ما حدث.. فهل أدركتم الآن كيف أن الشيطان أقرب لكم من أبنائكم وأكثر إخلاصا وأكثر أمنا وأقل خطرا.. لعلكم لاحظتم أنني لا أذكر الأسماء حتى لا أتسبب في أي حرج.. لكنني فقط أنبهكم إلى خطورة الرجل الثاني في الحكم.. وأن هذا الرجل الثاني قد يكون وليا للعهد أو نائبا للرئيس .. وأن التوريث في النظام الجمهوري لا يحل المشكلة..

والآن.. وبعد أن ضاقت بنا الأرض بما رحبت.. ألا يوجد أي حل؟!..

لا.. فلا يوجد أي مشكلة في الوجود بلا حل..

إن الحل يكمن في عبقرية الشيطان..!!

نعم..

عبقرية الشيطان..

لكنني ألمح ملامح الإرهاق على وجوهكم.. ثم أنني أريد للسؤال أن يتغلغل في أعماقكم.. لذلك أؤجل طرح الحل إلى جلستنا القادمة.. وعلى أن ألفت نظر جلالاتكم وفخاماتكم وسموكم ومعاليكم .. إلى أن البروتوكول الثالث لم ينته بعد..

******

*****

****

***

**

*


 

بروتوكولات حكماء العرب

-4-

 

شرسٌ .. ووحش..!!..

 

 

 

و أنا أنسخ " بروتوكولات حكماء العرب " لكم يا ناس رعبت رعبت رعبت.. ارتعبت ارتعبت..

ارتعبت حين رحت أقرأ ما فيها..

أقرأ فأفهم فأعلم وأعرف فتلزمني الحجة أمامكم وأمام المرسل المجهول وأمام الأمة وأمام التاريخ وأمام الله يوم القيامة فيهولني عظم الأمر الذي وقعت فيه.. حتى لأهتف ليت أمي لم تلدني..

قرأت ففهمت فعلمت لكنني لم أعمل بما علمت.. اللهم إلا إذا كان نشر هذا المخطوط عليكم عملا يوضع في ميزاني يوم القيامة.. لكن هل يوضع لي أم علىّ .. لكم وددت أن أترك هذه الدنيا لا لي ولا علىّ..

قرأت ففهمت فعلمت فعانيت من الرعب ألوانا حرت في أسمائها..

رعبت، فزعت، خفت، دهشت، ذهلت مما قرأت..

و رعبت، فزعت، خفت، دهشت، صعقت مما رأيت ..

ورعبت، فزعت، خفت، دهشت، حزنت مما سمعت..

رعبت، فزعت، خفت، دهشت، ذهلت، صعقت، حزنت مما عرفت، فهمت، أدركت ..

أدركت أن الموت أهون مما نحن فيه..

ذلك محزن..

لكن الكارثة أنني أدركت أيضا أنه أهون أكثر بكثير - مما سيليه..

لأننا ما دمنا سنحاسب على الجبن والخنوع والسكوت على الظلم ومداراة الفاجر الكافر فما أرخص الشجاعة والأمر بالمعروف!!.. بل ما أهون الموت..

ولست أدرى والله أيها أشد على قلوبكم.. ما أنسخه لكم.. أم ما تنشره صحفكم..

في صحفكم يا ناس قرأت أن مباحث أمن الوطن في بلادي وفى بلاد غير بلادي- إبان سعيها الدؤوب لمعرفة من نسخ المخطوط ومن سربه ومن نشره- راحت تداهم بيوت إخواني.. لم تجد في بيوت معظمهم إلا القرآن.. فاعتبروه من المضبوطات الممنوعات .. وعدّوه قرينة ودليلا على الخروج على النظام.. تستوجب العقاب والصوارم..

حرت كيف أسمى ذلك..

انتظرت مرارا أن تصدر نيابة أمن الوطن قرارا بضبط وإحضار ضابط مباحث أمن الوطن الذي اعتبر القرآن حرزا فحرزه..

لكن النيابة لم تفعل هذا أبدا..

اعتبرت هي الأخرى القرآن حرزا فحرزته..

سألت نفسي- حين كنت أتسلل إلى بيوت إخواني المقبوض عليهم، غير المغضوب عليهم، من الله لا من السلطان، ولا الضالين- هل يقبضون عليهم حقا من أجل ما يدّعون وما يلفقون أم أنهم علموا أن نسخا من " بروتوكولات حكماء العرب " قد وصلت إليهم فراحوا يبحثون بينهم عن المرسل المجهول..

سألت نفسي..هل هؤلاء الذين يروعون الناس من الوطن..من الأمة .. من جنسنا وجلدتنا؟ ..

وسألت نفسي.. إن كانوا من أهلينا.. فلماذا ألسنتهم أمر من الصبر وقلوبهم قلوب ذئاب؟..

حددت البصر فيهم.. بحثت عن قرني الشيطان وحافريه.. ثم بحثت عن قناع يخفى ذلك.. كلّ البصر فلم أرَ.. كيف لم أرَ؟!.. هل كلّت البصيرة أيضا.. سألت نفسي.. لو أنهم داهموا واحدا من المقبوض عليهم، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين، لو أنه داهموه إذ يقرأ القرآن .. تتنزل عليه الملائكة .. تحيطه .. لو أنهم رأوا المعجزة.. فهل تهتدي قلوبهم أم يحاولون ضبط الملائكة .. لتحريزهم هم الآخرين..

أقول لكم يا ناس غير كاذب.. أن واحدا من إخواني هناك.. اشتد به العذاب فصرخ مستجيرا : يا رب.. فسخر منه الجلاد الذئب.. نطق بالكفر.. وأي كفر.. والله يا ناس إن ما قاله الجلاد يتأبى على بياني.. يخشى لساني أن ينطقه فيحرقه.. ويخشى بناني أن ينسخه فيصعقه.. قال الجلاد الذئب : لو نزل إليك الله فسوف أحبسه معك.. وسوف أفعل به ما أفعله بك..

آه..

آه تذوب فيها كل الحروف تحت وطأة ما هو أشد من النار و أعظم..

"ألف" ينطلق منها الشرر و "هاء" ينطلق منها الشرر فيندمج الشرر بالشرر بأقوى من الاندماج النووي فينطلق منه ما هو أشد من النار النووية فيذيب ما بينهما وما بعدهما من حروف.. فلا تبقى من كل الأبجديات إلا ألف وهاء.. فتصبح كل الكلمات آه آه آه آه ..

آهٍ.. آهٍ.. آهٍ..آه..

آه .. ويا له من ذنب لو وزع على الأمة كلها لوسعها..

عندما انتشرت الفضيحة أنكر أصحاب الجلاد الذئب أنه قال ما قال.. لكن لسان الحال أصدق من المقال.. وهاهم أولئك يعدّون القرآن ممنوعا يحرز.. فكيف ينكرون ما ينكرون..

ماذا يخرسكم يا ناس..

تخرسون وتدعون..

تدعون وتظنون أن يستجاب لكم دعاء..

ما أخرسكم؟؟؟..

ما أخرسكم!!!..

كنت أعود من زيارة إخواني المقبوض عليهم غير المغضوب عليهم حسيرا..

أعود..

أعود محنىّ القامة منكسر الهامة..

ماذا يمكن أن يفعل الذئاب لو أدركوا أنني الشخص الذي يبحثون عنه .. وأنني أنا الذي أنسخ المخطوط..

أوصد جنبات نفسي على سرى..

أحاذر أن أحمل القرآن في يدي.. ما داموا قد اعتبروه من الممنوعات.. قلت لنفسي مادام وجوده في بيتك أو يدك قرينة ضدك فلا تحفظه فيهما.. احفظه في قلبك.. حفظه في القلب أثقل كثيرا وأصعب كثيرا .. لكن ماذا أفعل.. وأنا مرعوب ممن قلوبهم قلوب ذئاب..

مرعوب ..

مرعوب ورعيب..

رَعَبَه يَرْعَبُه رُعْباً ورُعُباً؛ فهو مَرْعُوبٌ ورَعِـيبٌ..

عانيت من الرعب ألوانا وألوانا.. كانت ثمة أنواع من الرعب أعرف أسماءها.. لكن أنواعا أخرى حرت كيف أسميها..

رعبت رعبت رعبت رعبت..

حتى حسبت أنه لا يوجد من ألوان الترعاب أكثر مما عرفت..

فزعت..

عندما رأيت القرآن من المضبوطات المحرزات فزعت..

لزمت خاصة بيتي..

لا..

لست مثل صاحبي الذي كان يدعو:

لك الحمد منك الرزايا عطاء..

ومنك المصيبات بعض الكرم..

لا.. لست مثله..

كان يعتبر الابتلاء اصطفاء.. ودليلا على الرضا..

لا .. لأنني يا ناس أعتبر الابتلاء فتنة.. ثم أنني مرعوب أن يدهموا بيتي ذات يوم يفتشون عن القرآن.. فحين لا يجدوه في يدي ولا في بيتي.. فإذ ذاك يشقون قلبي فيخرجوه منه..

مَرْعُوبٌ ورَعيبٌ، ورَعَّبَهُ تَرْعِيباً وتَرْعاباً، فَرَعَبَ..

كيف أعيش إن أخذوا القرآن من قلبي.. وحرزوه..

كيف أعيش إن نجحوا في فتنتي..

إن طلبوا منى أن أكون عينا لهم فأيما بيت نزلت الملائكة فيه أرشدتهم إليه..

يا ناس .. الابتلاء للضعفاء مثلي فتنة لا اصطفاء..

وأنا رأيت الفتن مقبلة كقطع الليل..

فرعبت..

لزمت خاصة بيتي..

أسدلت الستائر على نوافذي خيفة أن يهبط على قلبي الذي حفظت فيه القرآن ملاك فيرى العسس نوره فيدهموني.. فيحرزوا الملاك كما حرزوا القرآن ثم يحرزوني فتؤمن النيابة على ما فعل العسس فتحيلني إلى قاض من القاضيين اللذيْن هما في النار فيحكم لهم وعلىّ..

لزمت خاصة بيتي..

وفى ذلك الوقت بالتحديد بدأت نشر المخطوط..

وبدأت المطاردة والحصار..

نضبت يا ناس ألوان الرعب التي حرت في أسمائها..

وأتت صنوف ما لهن أسامي..

ورعبت، فزعت، خفت، دهشت، ذهلت، صعقت، حزنت، أرِقت..

من حينها تطاردني الأحلام والكوابيس والهواجس والرؤى..

تنفجر الشكوك وتتناثر جنبات النفس أشلاء وأتوه ما بين جهد المُقلّ وعجز المخلّ..

أقرأ.. فيشملني عجز وتلفني حيرة..

أين لي عقل يفهم ما خلف الأشياء..

أين لي أذن لا تسمع إلا صدقا وعين لا تقرأ إلا حقا ولسان لا ينطق إلا صوابا وبصيرة لا يخدعها سراب..

آه .. لو أستطيع أن أمد يدي فأمسك اليقين..

لو أستطيع أن أعثر على ورق ينبئني حين أنسخ الكلمات عليه: هذا الكلام صادق وذاك الكلام كذاب..

لو أستطيع أن أعثر على مداد يخبرني حين أخط الحروف به من أين أتت تيك الحروف.. من عند المرسل المجهول أم دسها علىّ أعوان السلطان لينكلوا بي ..

من أين أتت .. من لدن الرحمن أم من عبدة الشيطان..

رعبت..

رعبت، فزعت، خفت، دهشت، ذهلت، صعقت، حزنت، حزنت، حزنت ..

دعكم من الرعب الذي هز كياني وزلزل أوصالي إذ رحت أقرأ في المخطوط ذلك الحرص على ألا يعرف ما فيه إلا ملك أو رئيس.. وأن من يكشف أي حرف فيه محكوم بالموت عليه..

ها أنذا ..

ها أنذا واحد من الرعاع وقد عرفت.. ونسخت .. وكتبت .. ونشرت..

ترى .. ماذا سيفعلون بي وقد أذعت سرهم وهتكت سترهم وكشفت أمرهم..

أنا واحد من الرعاع والدهماء يرعبني أن ألقى - صدفة - في الشارع أحقر ذئب من عسسهم حتى ولو لم أرتكب ذنبا.. ترى ماذا يفعلون بي وقد ارتكبت الذنب الأكبر.. لا ضد واحد ولا ضد اثنين.. بل ضد ثلث حكومات دول العالم.. أنا الذي يذوب قلبي من الرعب حين ألقى بالمصادفة واحدا من ذئابهم ماذا أفعل حين يطاردني ملايين وملايين.. ملايين تنفجر في الواقع كالكابوس.. تلعق حواجز الرعب التي وضعتها بيني وبينها حتى تذيبها.. كيأجوج ومأجوج.. تطاردني .. تحاصرني..

أين المفر؟!..

لكنني أصارحكم يا ناس أن هذا ليس عذابي الأكبر.. ولا خوفي الأهم.. ولا خطبي الأطم..

فعذابي الأكبر أنني قرأت فعرفت..

قرأت .. قرأت.. قرأت.. عرفت.. عرفت .. عرفت ..

آه يا ناس لو أنكم قرأتم ما قرأت وعرفتم ما عرفت..

ها أنذا أحاول أن أنسخ لكم ما أقدر على نسخه..

لم أخدعكم .. فكيف يخدع الكاتب أهله..

لم أكذبكم .. فكيف يكذب الإنسان قومه..

ولقد صارحتكم من البداية.. أنني إذ أنسخ لكم من المخطوط.. أبدل بعض الكلمات .. ولا أسمى الأشخاص بأسمائهم.. كما أن المرسل المجهول.. لم يصرح لي بأن أقول لكم كيف اتصل بي.. ودعوني أصارحكم.. أنه بعد انتشار ما نسخت بينكم.. وبعد أن بدأ العسس يطاردون إخواني بالشبهات.. فيقبضون عليهم.. ويلفقون لهم التهم.. ويعذبونهم عذابا شديدا حتى يعترفوا..لا بما ارتكبوه .. ولا حتى بما ادعوا عليهم أنهم ارتكبوه .. بل يأمل الذئاب والكلاب.. أن يكون بين المقبوض عليهم واحد ممن ينشرون المخطوط بين الناس.. أو واحد ممن يعرفون المرسل المجهول.. الذي عاود الاتصال بي.. بطريقته الفذة الغريبة.. والتي لم يصرح لي أن أبوح بها لكم.. بل إنه لم يصرح حتى بأن أخبركم بفحوى الحوار الذي دار ما بينه وبيني.. لكنه كان يشجعني.. ويبشرني وإخواني .. لا بالفوز والنصر .. بل باستشهاد وشيك.. ورحت أسأل .. وأسأل.. وأسأل.. وحين ألححت في السؤال و ألحفت في المقال وتطاولت في المطالب.. قطع الاتصال غاضبا.. كنت أسأله : ما يدريني أنك مدسوس علىّ.. فغضب .. أشار إلى قلبي وقال : سَلْهُ.. فناشدته ورجوته وتوسلت إليه: طمئن قلبي أكثر .. فقطع الاتصال ..

كنت أريد أن أسأله.. والرعب ينهشني.. إن كان ما ورد في هذا المخطوط صحيحا فأنى لنا أن نواجهه.. عشنا أعمارا بعد أعمار .. وأجيالا وراء أجيال .. وحقبا خلف حقب.. نحسب أن ملوكنا ورؤساءنا وأمراءنا منا.. منا لا علينا..ولا وكلاء أعدائنا لدينا ..منّا.. إلا أن الشيطان قد استخفهم فأطاعوه .. ورحنا ندعو لهم بالهداية.. مهما بلغ غيهم وظلمهم وجورهم وفسقهم كنا ندعو لهم جميعا عقب كل صلاة بالهداية.. ومكثنا ننتظر الإجابة..كنا نحسب أن خطاياهم هي الخطايا العشوائية إثر عدم اتصال بالعلم.. إثر جهل.. إثر قساوة في القلب.. أو عتامة في الروح.. أو غلبة في الشهوات.. أو عدم فهم للدين .. بل كنا نحسب أنهم أنفسهم .. يتمنون التوبة وينتوونها لكنهم كل مرة يؤجلونها ليوم آخر.. غير مدركين أنهم حين يمسون لا يعرفون هل يصبحون وحين يصبحون لا يعرفون هل يمسون.. كنا نظن ذلك.. وكنت معكم يا ناس أظن ذلك.. حتى جاءني ذلك المخطوط المروع الرهيب.. الذي كشف لي الأمر وما كشف الغمة.. لأدرك أن المصيبة ليست خبط عشواء بل هي علم وفكر وفلسفة وخطط وكفر بالله وإيمان بالشيطان يتوارث عبر القرون.. ليس عشرة قرون كما حسبت ذات يوم .. ولا حتى مائة قرن .. أكثر أكثر أكثر أكثر.. ليست اجتهادا فرديا لكل ولى أمر منبت الصلة بما قبله وما بعده.. لا.. ليس ذاك.. بل مؤسسة أخطبوطية عملاقة وعلم شيطاني ممنوع علينا ومحاضرات يلقيها من لا نعرف هي التي أنسخها هذه الأيام لكم.. فكيف نواجه ذلك الهول كله.. كيف نواجهه وما لنا من حيلة.. نحن البسطاء الضعفاء العزل .. كيف نواجههم وهم جبابرة الأرض .. كيف نثنيهم عن الباطل وهم لم يقعوا فيه صدفة بل قصدوا إليه قصدا.. كيف نواجههم.. وكيف ننتصر.. فبرغم كل ذلنا وضعفنا وهواننا ليس أمامنا اختيار آخر.. لأنهم لو واصلوا الانتصار علينا لكسبوا الدنيا وخسرنا نحن الدنيا والآخرة..

لكن .. كيف نواجههم..

كيف يواجه المقلاع صاروخا..

كيف يواجه السهم قاذفة قنابلٍ شبح..

كيف يواجه القارب الخشبي البالغ الصغر حاملة طائرات ضخمة..

وكيف يواجه القلب العاري خنجرا يغمد فيه .. لا تحميه يد فاليد مكبلة..

رعبت رعبت رعبت..

فزعت وخفت..

سألت سألت سألت ..

لن أخدعكم..

لا أخدعكم..

فإنني لا أملك أية إجابة.. ولا أي حل.. لكنني أطمع أن يضئ لي المرسل المجهول الذي لا أكف عن التفكير فيه طريقي.. أطمع أن يعاود الاتصال..

فلقد فكرت بعد أن هدني العجز .. أن ذلك المرسل المجهول قد يساعدني بقدراته الفذة على الإجابة.. ولمَ لا.. وقد استطاع بطريقة لم يخبرني بها أبدا.. أن يخترق حصونهم.. ويقتحم قلاعهم.. فيسجل ما يقولون.. ويحصى ما يدبرون.. خاصة أنهم كما فهمنا في البروتوكول الثالث حريصون على عدم كتابة هذه البروتوكولات أو نسخها أو تسجيلها بأية طريقة .. لم يخبرني المرسل المجهول بشيء.. لكنني استنبطت أنهم ما داموا حريصين على سرية بروتوكولاتهم هذا الحرص كله.. فلا يمكن أن يكونوا هم الذين نسخوها.. فلا ريب إذن أن المرسل المجهول هو الذي سجلها عليهم.. ولتفهموا يا ناس إذن معي أن الخط الذي كتبت به البروتوكولات خط المرسل المجهول لا خط الملوك.. و أن اختلاف الخطوط الذي أنبأتكم به في البروتوكول الأول قد يعنى أن له أعوانا.. ثم أن نسخ هذه البروتوكولات .. ونشرها بينكم.. قد يكون الخطوة الأولى في المواجهة.. وهى مواجهة ليس لنا رغم كل ضعفنا وبؤسنا وهواننا على الناس.. ليس لنا أبدا أن نخسرها.. قد يكون المخطوط هو الخطوة الأولى في المواجهة.. لذلك أنسخه لكم.. لكنني أوصيكم.. لا تحتفظوا بالأوراق التي أنسخ لكم فيها هذا المخطوط في بيوتكم.. ولا في أيديكم.. فربما .. بل من المؤكد .. أن عسس أمن الوطن .. ونيابة أمن الوطن.. وقضاة أمن الوطن.. سيعدونها من المحظورات لو ضبطوها في بيوتكم.. وسيستعملونها كقرائن ضدكم.. يذهبون بها إلى نيابة أمن الوطن.. فلا تأمر بضبطهم وإحضارهم .. بل بضبطكم وإحضاركم.. إلى قضاة النار.. من أجل ذلك لا تحفظوها في أيدكم ولا في بيوتكم.. احفظوها في قلوبكم.. وخشية أن يحصوكم عددا ليمزقوكم بددا .. ومخافة أن يستحر القتل فيكم.. إن لم يكن بالإعدام على المشانق.. فبالسم الذي يدسونه لكم في شرابكم وطعامكم ..أو بالقهر.. تموتون في بيوتكم.. وقد يضيع المخطوط بموتكم.. فليحرص كل منكم.. ألا يموت إلا وقد بلّغ بما علم .. ورِّثوا كلمات المخطوط لأبنائكم.. وسربوها لمن تثقون فيه..

لقد أطلت عليكم.. أستميح عذركم.. ولندلف إلى بقية البروتوكول الثالث..

******************************************




 

بقية البروتوكول الثالث

 

يا جلالة الملك.. يا فخامة الرئيس .. يا سمو كل سام .. ويا معالي كل عال..

لا يسعني إلا أن أشكركم.. وأن أشيد بكم.. معترفا بأن التقدم الذي أحرزتموه في العقود القليلة الماضية.. يفوق أعظم أحلامي.. وما هو ببعيد ذلك اليوم .. الذي يحتل فيه أحدكم مكاني.. وكم من تلميذ بز معلمه.. ثم أن أكثر ما بهرني فيكم.. غلبة الحسم عليكم.. وهو أمر تتفوقون فيه على آبائكم وأجدادكم.. من الملوك والرؤساء والأمراء والسلاطين.. والذين كان يعتريهم في بعض الأحيان ضعف يجعلهم يميلون إلى الرعاع أو إلى شيخ لم يستأنس.. أشهد لكم.. أنكم فهمتم لغتنا لغة الملوك أسرع كثيرا مما كانوا يفهمون.. وأنني لم أر فيكم ما كان يعتريهم من ضعف وتردد ولوم للنفس وتأنيب ضمير.. أشهد أنني ما رأيت واحدا منكم فريسة لعذاب ضمير.. وتلك لعمري آية نضج أقرظكم عليها.. لذا وجب التنويه..

والآن أعود إلى ما كنا فيه.. كنا نتساءل عن الرجل الثاني في الدولة.. عن نائبك يا رئيس وولى عهدك يا ملك.. قلنا أن وجوده خطر.. ثم أردفنا أن غيابه أشد خطورة.. وقلنا أن اختيار من يتسمون بالوداعة الغبية والجهل الجميل خطأ كبير.. وتساءلنا ساخرين:

-هل نختاره شرسا أو حشا..

والإجابة أن هذا هو عين الصواب..!!

نعم يا جلالة يا فخامة يا سمو يا معالي.. نعم .. أن تختاره شرسا . . أو وحشا . . أن يخافه الجميع .. المواطنون والمعارضة والحكومة . . أن يروا فيه الشيطان نفسه بينما تكون أنت ملاكهم الحارس .. أن تكون سلطاته بلا حدود إلا حدودك.. أن يصبح بالنسبة للآخرين خطرا ماحقا لا ملاذ منه إلا اللجوء إليك.. أن يكون مكروها من الجميع . . بل أن يكون سفاحا إذا أمكن . . فذلك، وذلك فقط هو الذي يدفع الجميع .. رجال السلطة والرعاع والمعارضة إلى أن يحافظوا عليك و يتمنوا استمرار حكمك خوفا من أن تذهب أنت فيجئ هو. . . . يجب أن يكون السواد الخالص والشر الكامل الذي يبدو بجانبه كل لون أبيضا وكل شر خيرا. . يجب أن تترك له دائما القرارات التي يستاء لها الرعاع . . أن يكون عصاك التي تؤدب بها من تريد . . دعهم جميعا يأتون إليك متوسلين برحمتك من قسوته . . . وبرضاك من غضبه . . وبجنتك من جحيمه ، وليكن قرارك عندئذ ما تمليه مصلحتك. . تستطيع أن تصمت إذا كنت تريد لبطشه أن يستمر. . وساعتها سيكون على الصحف والتليفزيون وجميع وسائل الإعلام أن تفسر صمتك للناس . . فجلالته وفخامته وسموه ومعاليه .. وسط مشاغله العليا بمصالح الوطن القومية والمصيرية لا يستطيع أن يتابع كل كبيرة وصغيرة وعليهم أن يثبتوا أن النائب أخطأ حتى تتدخل. . . . ثم أنهم لن يستطيعوا أبد إثبات ما يريدون إثباته إلا إذا أذاعته إذاعاتك ونشرته صحفك.. ولما كانوا لن يستطيعوا أبدا إثبات ذلك- إلا بإرادتك - فسوف تكون الكرة دائما في ملعبك تقذفها حين تشاء .. وعندما تتدخل صحافة المعارضة بالتشهير فإننا نستطيع استغلال حصار المعلومات الذي نفرضه عليها لنسرب إليها معلومات خاطئة لنطلق كلاب صيدنا أقصد كتابنا بالطبع- عليها.. نأمرهم أن يسفهوها ويحقروها.. وبذلك نجعل الرأي العام نفسه يرفض أن يتنازل لقراءة هذه الصحف الحقيرة..

إن الإذاعة والتلفزيون والكتلة الرئيسية للصحافة في أيدينا .. ولن يستطيع أحد أن يثبت فيها إلا ما تريده أنت أن يثبت . . . إنك سنعرف ما تريد أن تعرفه . . أما مالا تريد أن تعرفه فلن يستطيع أحد إثبات أنك عرفته . هذا من ناحية .. أما الناحية الأخرى فهي أنك ستتدخل أحيانا كي تقلم أظافر نائبك أو ولىّ عهدك عندما يكف عن نفاقك أو يعتدي على رجالك.. سوف تقمعه وتلغى أوامره وتصدر عكسها .. وستقوم الصحف والإذاعة والتليفزيون ساعتها بإبراز مدى ديمقراطيتك وحرصك على الوطن والأمة .. ذلك الحرص الذي يأبى أن تسكت عن ظ