جمعة الـ C.I.A.

على جميع العملاء التوجه إلى ميدان التحرير يوم جمعة  التغيير 9-9  حيث يتم تغيير المسار الذي كاد الشعب يصل إليه عن طريق صندوق الانتخاب. وسيتم التغيير بمختلف الوسائل شاملة الحرب الأهلية أو حرب عصابات على الجيش أو انقلاب عسكري أو ضغط إسرائيلي على الحدود أو تهديد أمريكي أو كل ذلك معا، ونطمئنكم أن كتائبكم في اليوم السابع والمصري اليوم والشروق والتحرير والمحور ودريم  على أهبة الاستعداد للمعاونة. ونمني المشاركين بسرعة صرف مكافآتهم من السفارة الأمريكية، كما نعدهم بتقسيم ولايات مصر على زعمائهم بعد نجاح جمعة التغيير وتقسيم مصر.

***

هل ستهزم الثورة؟!

 

بقلم د محمد عباس

www.mohamadabbas.net

mohamadab47@yahoo.com

 

هذه مقالة كان يمكن أن تدفع بي إلى المحاكمة العسكرية على الفور لولا سبب وحيد هو أنني لا أتحدث فيها عن الحاضر أو المستقبل بل أتحدث عن الماضي، ولا أتحدث في إطار الواقع بل في إطار رواية لا أحبها، ولم أعد لقراءتها منذ اثنين وعشرين عاما، رغم أنني كاتبها.  ولذلك فإنني أرجو ألا يكون الحديث عن الفساد فيها خطيرا جدا، ولا طريقا إلى مزرعة طرة، التي لا أحب جوار قاطنيها، وأرجو أن يكون مباحا كذلك في عوالم الرواية لا الواقع، الحديث عن عمولات السلاح الذي لم يكن يأتي أصلا، عن المليارات التي أهدرت خصما من أمن الوطن واستقلاله وقدرته على الدفاع عن نفسه. وتورط العديدين في تلك العمولات في إطار حرص الطاغوت على توريط من حوله، خاصة من العسكريين، لتتسع رقعة المتورطين معه والمدافعين عنه دفاعهم عن وجودهم وأنفسهم إذا أزفت الآزفة، وكذلك فساد القضاء ورجال الشرطة وتعهر النخبة، فكل ذلك يدور في إطار الرواية، التي أتدرع فيها بحرية الإبداع، تلك الحرية التي تحمي المتدرع بها، حتى لو هاجم الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لو استهزأ بالقرآن الكريم  ونال منه، بل ولو هاجم الله. وإنني واثق أن حرية الإبداع تحمي المتدرع بها من عواقب مهاجمة كل المقدسات، لكنني لست واثقا تماما أنها يمكن أن تحميني إذا ما تعرضت فيها للقضاء أو للعسكر أو للنخبة المدنسة أو حتى لشنودة أو ساويرس. النخبة المدنسة التي سيذكر لها التاريخ أنها كررت مأساة 1952-1954، عندما وقف آباؤهم وأجدادهم لينادوا بالدستور أولا، وبسقوط الديمقراطية، فسقطت الديمقراطية، ولم يجئ دستور 1954 أبدا.

*** 

إنني أنصح القارئ الذي أصابه الذهول من التشابه بين قصتي القصيرة"حفل إفطار رمضاني" التي كتبتها عام 2007، وبين ما حدث بعد ذلك فعلا عام 2011، أنصحه أن يقرأ هذا العمل أيضا، لكنني أناشده، ألا يحاول توريطي بأكثر مما يقتضيه العمل الأدبي، كما أرجوه، إذا وجد من التشابه ما يثير ارتيابه، ألا يشيع الأمر، وأن يكتم عني ويستر عليّ، وألا يحاول أبدا – إكراما ليَ لا للحق!- الربط أو الإسقاط بين نائب الرئيس في هذه الرواية، والذي قاد الثورة المضادة ومكن لها حتى انتصرت، وبين نائب رئيس الوزراء الحالي، الدكتور يحيى الجمل، الفقيه الدستوري، الذي سيؤدي موقفه من الدستور إلى وأد الدستور ستين عاما أخرى، وتذكروا أن من قتل دستور 54، كانوا فقهاء دستوريين مثله، ولكن تلك قصة أخرى تنتمي إلى عالم الواقع لا إلى عالم الرواية الذي نتحدث عنه.

*** 

أنهيت هذه الرواية عام 87، وظلت مباحث أمن الدولة تمنع صدورها لمدة عامين، ساوموني أثناءها كثيرا لتغيير الاسم، لكنني أبيت، فصدرت في النهاية عن دار مدبولي-رحمه الله-. وكان اسمها وما يزال : "الحاكم لصا" كانوا قبلها قد صادروا مجموعة قصصية لي بعنوان :"مباحث أمن الوطن" بعد أن اكتملت طباعتها ( في تحذير لمدبولي من أنه سيتكبد خسائر فادحة إذا ما نشر لي).

في ديسمبر 1988 اتصل بي مستشار دار النشر ليطلبني لمراجعة "البروفة"، لكنني كنت أعيش الأيام الأكثر حزنا في حياتي، كان أبي يموت، عليه من الله رحمة واسعة وأسكنه في الفردوس الأعلى. اعتذرت، وطلبت تأجيل النشر، كان معرض الكتاب على الأبواب، تعهد الناشر أن يراجعوها بأنفسهم مراجعة دقيقة، بعد الطبع هالني كثرة الأخطاء المطبعية فيها بل وسقوط بعض الصفحات وكل الهوامش، وددت أن نلغي الطبعة كلها، لكنني لم أشأ أن أفجع الناشر في ماله مرة أخرى.

اجتمع ظرف موت أبي والأخطاء المطبعية كي يبعدا هذه الرواية عن قلبي فلم أقرأها منذ عام 1988. ولم أتذكرها إلا بسبب إلحاح القراء علىّ الآن وهم ينبهونني إلى أنني أتنبأ فيها بما يحدث الآن كما حدث في قصتي" حفل إفطار رمضاني".

إزاء إلحاح القراء أعدت قراءتها فإذا بي قد ظلمتها كثيرا. لقد كانت وعاء للواقع، وسبيكة انصهرت فيها الأحداث السياسية بالفلسفة والتاريخ وعلم النفس، ولقد أفدت فيها كثيرا بمؤلفات الدكتور على زيعور ومصطفى حجازي وبمجلة الصحة النفسية وبكتابات الدكتور يحيى الرخاوي وبدوريات نفسية متعددة وبتقارير منظمات حقوق الإنسان، ومزجت فيها الخيال بالواقع. المزعج حقا، والمحزن حقا، أن القراء استدعوها، ليس لأنها تمثل لهم كابوسا يمكن أن يروعهم، بل لأنها تمثل واقعا يمكن أن يقع.

*** 

بطل الرواية لا اسم له، وهو يعيش في دولة خيالية اسمها "أوفريسيا"  وهو  يكنى في نصف الرواية الأول بالملك وفي نصفها الثاني بالمايسترو، لكنه لم يكن ملكا ولا رئيسا، كان يحرك الأحداث دون أن يحكم. وهو مجرم عريق في الإجرام، معتد بذكائه إلى غير حد، كان فاسدا أدرك فساد النخبة كلها، الرئيس والوزراء ورجال الأعمال، وكان حريصا كأشد ما يكون الحرص، لكنه فجأة وجد نفسه في السجن، كان يظن أن النخبة لا تدخل السجن  إلا بسبب الغباء أو عدم الحرص.. الآن يدرك أن دخول السجن ككوارث الطبيعة لا تفسير لها ولا حذر يمنعها.

في السجن.. فرضت عليه الفكرة نفسها.. فلماذا لا يحكم المسجونون؟! المسجونون الجنائيون وليس المعتقلين السياسيين!

وأعجبته طرافة الفكرة فأخذ يتخيل انقلابا على نظام الحكم يقوم به المساجين فيشكلون حكومة ويحكمون البلاد، وأخذ وضحكاته الداخلية تتعالى يشكل حكومته الجديدة فعين أحد المتهمين بتزييف النقد وزيرا للمالية وعين تاجرا للمخدرات وزيرا للشرطة وعين جاسوسا رئيسا للمخابرات .. كما عين القواد سلطان الأطرش وزيرا للثقافة والآداب !!

ولم يكن الملك يتخيل أن هذه الفكرة التي نبتت في عقلة كطرفة ستشكل بعد تطويرها محورا لوجوده كله باقي عمره.

*** 

كان موسى الدهان ضابط شرطة فاسدا، ساوم الملك على الصمت، قال له أنه قد لا يستطيع أن يساعده  لأنه يعرف من هو أهم وكبر، لكنه على الأقل يستطيع أن يمتنع عن الإضرار به. ورفض الملك، لأن وزير الداخلية نفسه طوع أمره، لم يقدر ساعتها مواهب موسى الدهان، لقد تجنب التورط، لكنه لم يتخيل التلفيق. فوجد نفسه في السجن. ولم يكن أمر السجن صعبا، فأصدقاؤه في الخارج سيعاونونه، كما أن مصلحة الطب الشرعي ككل مصالح أوفريسيا كانت تفتح بابا واسعة الرشوة، وبها تم استبدال المخدرات التي وضعها موسى الدهان في حقائبه، وانتهت القضية إلى لا شيء، وكان وزير الداخلية بنفسه يتابع أمر الرشوة والإفراج، وذات صباح، فوجئ بوزير الداخلية أمامه، ظن أنه جاء لكي يصطحبه، لكنه فوجئ أنه جاء سجينا، وأن موسى الدهان أصبح وزير الداخلية!.

*** 

في ذلك الوقت كان الامبرائيس في أوفريسيا يحكم منذ عشرات الأعوام . كان اسم المنصب قد اشتق خصيصا بتهجين كلمتي الامبراطور والرئيس . كان شعب أوفريسيا قد رفض النظام الملكي . ليجرب بعد ذلك مختلف أنواع الحكم . وجاء الامبرائيس أخيرا ليضع نظاما جديدا وفريدا في العالم. وهو أن يكون الحاكم مزيجا من الرئيس والإمبراطور فقد كانت تجربة الرئاسات المتعاقبة كل عدة سنوات فضيحة أمام العالم . كان كل رئيس يأتي يمكث عدة سنوات في الحكم ثم يواجه الشعب في خطاب علني هام يعلن فيه أنه استلم الخزانة من سلفة خاوية وأن الاقتصاد تحت الصفر وأن الأوفريسين يحجب أن يربطوا الأحزمة على البطون . وكان يتهم نظام الحكم السابق باتهامات شائنة منها الاختلاس والرشوة وإهدار المال العام وتهريب النقد إلي الخارج .

لذلك كله فقد كان اقتراح أعوان الرئيس وخدمه من الصحافيين والمفكرين عبقريا . فعندما انتهت مدة حكمه وآن أوان الانتخابات الجديدة كتب ربيبه الحميم خنفس بوللي رئيس تحرير صحيفة الأنباء مقالا طويلا عن عيوب نظام الانتخابات، وكان مما قاله أن الرئيس لو كان عظيما فمن حق الشعب أن يتمتع بعبقرية عظمته مدى عمره . ولو كان غير ذلك أيضا فالأفضل أيضا أن يستمر في الحكم مدى عمره . حتى لو كان لصا ،  لأن أهم سبب للنزيف المتصاعد لخزانة أوفريسيا هو إحساس الرئيس أنه سيترك الحكم بعد سنوات معدودة بما يدفعه أن يحاول في هذه السنوات أن يؤمن مستقبله ومستقبل أتباعه . وكان النظام الذي يقترحه خنفس بوللي سيؤمن مثل هذا الرئيس بأن الخزانة كلها ملك يديه طوال عمره مما يجعله ينصرف عن السلب والنهب إلي مصالح  البلاد .

وانبرت صحافة المعارضة – التي كانت فلسفتها المعارضة من أجل المعارضة – في تسفيه فكرة الأستاذ خنفس بوللي متهمة إياه بأنه عبد كل حاكم وكلب – كل سلطة .

ومرت الأعوام والامبرائيس يحكم وخنفي بوللي يكتب ولم يأتي الرخاء. لكن ذلك لم يكن ذنبهم . كان الشعب الاوفريسى لا يعمل كما تعمل باقي الشعوب . والحقيقة أن أجهزة الإعلام أشبعت هذه الفكرة حتى اقتنع كل أوفريسى أنه لا يستحق أن يعيش وان حياته منه من الامبرائيس عليه ؟. لكن قليلا من الأفروسيين الكذابين كانوا يدعون أنهم يعملون وينتجون، لكن هناك من يسرق إنتاجهم.

*** 

مع وصول وزير الداخلية إلى السجن سجينا راح الملك يتابع الأحداث من داخل السجن بقلق . فقد كانت المعارضة تنفخ في النار وتقصد تغيير الامبرائيس ذاته. وكان لابد من مذبحة تسحق من يعارض وترهب من يشجع . كان الملك في سجنه يتوقع المذبحة كل يوم . وكان سعيدا. فقد كان يدرك أن الامبرائيس مضطر بعد المذبحة للتضحية بموسى الدهان .

وكان الملك يمنى نفسه بقرب انقشاع كابوس موسى الدهان .

*** 

كانت مظاهرات الرعاع قد انفجرت في أنحاء اوفروسيا منذ الصباح الباكر ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب . أسفرت الحيوانات البشرية عن المشاعر الكامنة فيها فراحت تحطم كل شيء في سبيلها وتشعل النيران وتخرب الاقتصاد الوطني للبلاد . ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يطالبون برأس ثلاثة : الامبرائيس  والشرطة المجرمة والصحافة الفاسدة .

كان موسى الدهان قد حاول بقواته منذ الصباح مواجهة المظاهرات التي اكتسحت كل شئ . وعجزت الشرطة عن مواجهة الكارثة فطلب موسى الدهان من الامبرائيس صدور أوامره بتداخل الجيش – تقاعس الجيش عن التدخل ففوجئوا في المساء بقائد الجيش يدخل السجن معهم . وعندما أمر الملك قائد جيشه الجديد بمواجهة المظاهرات كان الزمام قد أفلت في نظر القائد … وحاول أن يشرح للإمبرائيس أن المظاهرات لن تهدأ إلا بقرارات سياسية تحمل بعض التنازلات للرعاع . وأنه لا يستطيع مواجهة الجماهير بالدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة وألا  انضم جزء منه إلى المتظاهرين بأسلحته لينهار الاستقرار والاستمرار في أوفريسيا

لم يتفهم الامبرائيس كل ذلك واتهمه بالجبن . كان كل منهما يفهم الأخر . إن الأمبرائيس يريد من قائد الجيش أن يسحق للرعاع حتى لو قتل نصف شعب اوفريسيا فهم أشرار لصوص يستحقون الموت . وليس عنده مانع بعد ذلك من أن يقدم قائد الجيش للنصف الباقي كي يمزقوه إربا ملقيا باللوم عليه لأنه هو الذي دبر للمذبحة . نزلت قوات الجيش بقيادة الفريق الطرابلسى لتسحق المتظاهرين سحقا . وأوجس الملك خيفة فها هو ذا واحد آخر من أصدقائه سوف يقدم قربانا للرعاع بعد سحق الفتنة .

كان الملك واثقا أن ذلك العنف سيولد بين الرعاع مزيدا من العنف وأنه لن يمكن السيطرة عليهم إلا باستخدام الحيلة. حيلة تمتص بها عنف اللحظة الهائج المجنون. حيلة تحول الثورة إلى فورة والفورة إلى خيبة أمل. . ولا توجد إلا حيلة واحدة هي أن تقدم لهم ضحية تقنعهم بأنها السبب في كل مصائب أوفريسيا . ولا يمكن أن تكون هذه الضحية سوى موسى الدهان .

واغلق الملك عينيه في نشوة … لينام .

ولكن ما حدث في الأسبوع الرابع للمظاهرات كان أشد غرابة من أي خيال يمكن أن يخطر حتى في بال الشيطان. وذات صباح أخذت أجهزة الإذاعة والتلفزيون تناشد المواطنين الاستماع إلي بيان هام بعد قليل منوهة أن هذا البيان سيحل كل مشاكل أوفريسيا .

تأجل البيان أكثر من مرة دون سبب، وكان ذلك يثير هياج الناس وغضبهم. 

أخيرا لم يظهر الإمبرائيس بل ظهر موسى الدهان على شاشة التليفزيون . وأحس الملك بقلق خفي . . وكانت بداية البيان مفاجئة صاعقة .

أعلن موسى الدهان أن الامبرائيس يعالج الآن في المصحة النفسية بعد أن وقع عشرة من كبار أطباء الأمراض النفسية على شهادة بأنه يعانى من مرض عقلي متقدم هو : السيكوباتي المتعدى . وأن هذه الحالة لا ينتظر شفاؤها وأنه لم يعد يصلح للحكم .

وأضاف موسى الدهان أنه منذ اللحظة الراهنة مسئول عن أمن أوفريسيا وعن رفاهية شعبها . وقرر أنه لن يترك الجرائم التي حدثت في الماضي ضد شعب أوفريسيا تمر دون عقاب.

وصرح الامبرائيس الجديد بأن قائد الجيش معتقل الآن في سجن أوفريسيا الكبير لمسئوليته عن المذابح التي حدثت.

*** 

لم يشعر الملك بالاضطراب في حياته كلها كما يحسه الآن .مزيج من الظلام الدامس والضياء الباهر. لكنه إزاء عقله الكلي الشامل لم يعجز، فقد بدأ خطة عبقرية مكنته على المدى البعيد ليس من الخروج من السجن فقط، بل والبداية من جديد باسم جديد هو المايسترو. كانت الخطة تتلخص في تقمص شخصيات الآخرين  بعد قتلهم وتصميم أقنعة متقنة يرتديها المتقمصون ويمارسون أعمالهم. وبعد أن أصبحت إدارات عديدة داخل السجن وخارجه من المقنعين  تم أعداد ثلاثة أقنعة، أحدهما للملك والآخر لفيروز العسال والثالث لحيدر الطرابلسى. ألبست الأقنعة لسجناء سياسيين ماتوا أثناء تعذيبهم . وصدر بيان من السجن بموت حيدر الطرابلسي وفيروز العسال والملك أثناء محاولاتهم لهروب من السجن.

*** 

لم يكن المايسترو يتوقع أن يستطيع موسى الدهان الاحتفاظ بالحكم عاما كاملا، لكنه أخلف ظنه، وهاهو ذا يحكم منذ عشرة أعوام.

لقد نجح في كسر شوكة الرعاع في اوفريسيا وهم يمثلون الأغلبية الساحقة .. ونجح في أن يكون حوله حاشية واسعة مستفيدة بسلطاته . وكان يشجع كل واحد من هذه الحاشية أن يقلده ليكون له هو الآخر حاشية أصغر وأن يكون لكل واحد من الحاشية الأصغر حاشية أصغر وأصغر وأصغر وبهذه الحاشيات استطاع تكوين مؤسسة رائعة للحكم يكون فيها حزب الفساد أقوى من أي حزب آخر. بل أقوى من أي هيئة ومؤسسة، أقوى من الجيش، أقوى من الشعب كله. ولقد تكفل هذا الحزب بالإضافة للشرطة والإعلام بسحق المعارضين سحقا كي لا يبقى من الرعاع سوى عناصر هشة بلا قيمة لا يفكرون إلا في صراع البقاء .. مجرد البقاء ولو كحيوانات بائسة.

*** 

كانت فكرة الأقنعة قد حققت نجاحا يفوق أعظم أحلام المايسترو جنونا!

كان الامبرائيس يعتقد أن ولاء المسئولين له . بينما كانت الحقيقة أن عددا كبيرا منهم كانوا من لابسي أقنعة المايسترو الذين اندسوا في كل مؤسسات البلاد . وكان معظم الآخرين يدركون أن هناك قوة أخرى خفية خلف الامبرائيس هي التي تحكم حقيقة وكان ولاءهم لها لأنها باقية والإمبرائيس زائل .

وكانت تكنولوجيا صناعة الأقنعة قد حققت تقدما مذهلا.

وكان المايسترو يدرك أن عنق الإمبرائيس قد اصبح في يده منذ فترة طويلة وأنه لو أراد عزلة وسجنه وتعذيبه واتهامه بالخيانة العظمى لاستطاع . ولقد فكر في ذلك فعلا لكنه استبعد الفكرة فورا : فقد كان في حاجة قصوى إليه. إنه يدرك أنه يهدم كل شيء وأنه سيصل بأوفريسيا في النهاية للانهيار . والحقيقة أن هذا ما يصبو المايسترو إليه .. فبعد ذلك يستطيع أن يعيد تشكيل الجزئيات المنهارة كي تكون أوفريسيا كما يشاء .

*** 

منذ الأعوام الأولى للحلم المستحيل كانت معظم الصحف ووسائل الإعلام قد سقطت في يده.  اندهش المايسترو للسهولة التي استولى بها على الصحافة تماما .. لم يكن يتخيل أن هذه الوجوه التي تقطر كبرياء وعنادا وسلاطة لسان وبذاءة يمكن أن تستسلم بهذه السهولة وتبيع نفسها بثمن رخيص.. فقد كان يعطيهم من البنكنوت ما يشاءون.. ولم يدرك الأغبياء أن كل أموال البنكنوت كانت مزيفة. ولم يكن لها أي قيمة إلا داخل أوفريسيا…

بدعم الصحافيين والعسكر وصمت الرعاع تم تفويض الإمبرائيس وحده لاستيراد السلاح. وقد أثبت مرونة رفعته كثيرا في عين المايسترو وعندما لم يلتهم اللقمة السائغة وحده. بل أشرك معه عددا كبيرا جدا من المسئولين في أوفريسيا ومعظم القادة المهمين في الجيش. حقيقة أنهم كانوا يحصلون على فئات من العمولة . إلا أنها كانت كافية لتجعلهم يحسون أنهم مشاركون في الحكم من ناحية وأن تجعلهم يعيشون دائما أسرى القلق من انكشاف ما حصلوا عليه،  خاصة أنهم لم يكونوا واثقين من تورط رؤسائهم المباشرين أو قائدهم الأعلى معهم.

كانت الأسلحة تأتي متقدمة جدا وكانوا يعجزون عن إدارتها . وبلغ بهم الظن السيئ الذي هو من طبيعة الرعاع دائما أن ينشروا شائعة خبيثة أن هذه المعدات العسكرية ليست متقدمة جدا وإنما قد استوردت في الأصل فاسدة، أو ناقصة أجزاء جوهرية لا تعمل بدونها. وأنهم لم يعجزوا عن تشغيلها لغبائهم وتخلفهم بل هي من الأصل لا تعمل، واتخذ القادة قرارات صارمة إزاء هذه الشائعة الخبيثة والتي كانت تخفي – من وجهة نظر القادة – عجز وجهل الفنيين عن استيعاب هذه الأسلحة التي تحتاج إلى عقول ذكية لفهم ما فيها من تكنولوجيا متقدمة .

*** 

كان الصحافي الكبير محمد أحمد يدافع عن الإمبرائيس السابق بضراوة . وعندما أدرك أنه أصيب بخلل عقلي تحول فورا إلى تأييد الإمبرائيس الجديد . كان يفهم جيدا حقيقة الأوضاع . لم يكن مثل السفلة الأغبياء والآخرين الذين لم يفهموا بعد أن السلطة مجرد فرصة للحكم . فرصة قد لا تستمر . وأن كل من يتمكن من الحكم سيسلك النهج نفسه . لأن ذلك هو ما يحدث في أوفريسيا وما سيحدث فيها دائما .

كان قد أدرك أن أجهزة الدولة كلها -يجب أن تتكتل للدفاع عن الإمبرائيس وحاشيته مهما كانوا لصوصا ، كان يعلم أن الناس لن يصدقوه، لكن يقينهم سيتزلزل،  سوف يدفعهم إلى حالة البين بين …  سينتابهم إحساس  وجداني بأنه لص ، لكن الأدلة العقلية والمستندات سوف تثبت لهم أنه برئ وهذه الحالة من البين بين هي ما يجب أن تحرص عليها دائما بالنسبة للرعاع … أن ندفعهم للشك بعد أن يصلوا إلى اليقين .. ثم ندفعهم من اليقين إلى شك آخر ثم إلى يقين يثبت أنه كاذب … وأن يتبلور هذا إلى إحساس يرفض الشك واليقين معا .. بمرحلة من التذبذب والتردد تنهش كالسرطان في إرادتهم … وقد يدرك بعضهم حقيقة اللعبة لكنهم برغم ذلك لن يستطيعوا فكاكا.. وسوف يظلون مترنحين إعياء بين يأس لا يدفع إلى ثورة ورجاء لا يجاب .

*** 

كان النظام قد نجح في تحويل  رجال الشرطة إلى أعنى وأحط أنواع المجرمين لتتجاوز وحشيتهم وهمجيتهم وجرائمهم  أقصى ما يمكن أن يصل الخيال إليه .. وكان من يتمرد أو يرفض الأوامر الصادرة إليه يوجد بعد أيام وقد مات ميتة طبيعية.. تماما!!.. أو تنحرف سيارته فتنقلب.. أو تسقط به طائرة داخل البلاد.. والأفضل خارجها!.

*** 

ورغم كل أدوات البطش لم ينجح الإمبرائيس في القضاء على الإرهابيين الذين نجحوا في إحدى عملياتهم القذرة في اختطاف أحد معاونيه الذي لم يصمد فاعترف. لم يترك الخسيس  شيئا لم يقله . وكان كل ما قاله أكاذيب حقيرة – كما نوهت أجهزة الإعلام في أوفريسيا دون أن تذكر هذه الأكاذيب .اعترف الرجل بعمالة الإمبرائيس يصنع للخارج .وبين لهم أن السلطة في عمومها تستند إلى ثلاثة أركان رئيسية : أولا : القوة المسلحة والتي تشمل الجيش والشرطة والحرس الوطني والميليشيا الشعبية وثانيا : قوة طبقة المليونيرات وثالثا قوة رجال الدين. ثم واصل حديثه المسجل بالصوت والصورة لأحد الإرهابيين:

- لعلك تلاحظ تأكيدنا المستمر على عدالة القضاء وهيبته ونزاهته .. ولعلك تدرك أن هذا التأكيد المستمر بالطبيعة يواجه نفيا لا نتحدث عنه . بالنسبة للهيئة القضائية كانت أكثر الهيئات مقاومة ولكن لم يكن في حسبان السلطة ولا رغبتها أيضا أن تستولي على القضاء كله . كان المطلوب كله أحكام بالإعدام على بعض الأبرياء .. وأحكام بالبراءة على بعض المدانين .. وهو ما حدث، بل إن ما حدث فاق ما توقعه النظام وانتشر الفساد بين القضاة.

 صمت الصحفي قليلا ثم واصل :

- لقد حدثتك  قبل ذلك عن القوى المهيمنة في أوفريسيا ، ما لم أقله أن أيا من أفراد هذه القوة يبدأ نموه في داخل أوفريسيا . لكنه لا يكون مركز قوة حقيقي إلا عندما تمتد جذوره للخارج . إن العملية شديدة التعقيد . ويتحول الوضع في النهاية إلى أن ما يبقى على هذه المراكز ليست رغبة الإمبرائيس وإنما ضغوط الدول في الخارج وتوازنات السياسة المعقدة . وعند هذه النقطة ينفطمون عن ثدي أوفريسيا .. ويتحول ولاؤهم إلى من يحفظ لهم أماكنهم .. يتحول الولاء من الإمبرائيس إلى الخارج .. إن الإمبرائيس يمدهم بالقوة في البداية .. ثم يمدونه هم بالقوة في النهاية لأن وجوده تكريس للاستقرار .. استقرار كل واحد منهم في مكانه.  وعدم إتاحة الفرصة للرعاع لنشر الفوضى والخراب.

وفي كارثة أخري فجر أحد المعارضين قنبلته الكبرى  عندما أثبت بمستنداته أنه كان يمكن ألا تكون هناك أزمة في استيراد القمح منذ البداية وأن هناك في أوفريسيا مليون هكتار بور  يمكن أن تستصلح بأقل التكاليف وتزرع قمحا تكفي استهلاكها .. وتساءل النديم وقد خلع برقع الحياء تماما .. لماذا لم تزرع هذه الأرض .. بل لماذا حوربت مشاريع القطاع الخاص لإنتاج القمح كما حدث في مزرعة الصحراء الكبرى التي هدمها الأمن بمدرعاته  بعد أن بدأت في الإنتاج .

*** 

كانت الخطة العبقرية للمايسترو أن يبدو أمام الدهماء أن الحرية في أوفريسيا مطلقة .. أن يتكلم الجميع وأن يكتب الجميع . لكنه بتحكمه في منافذ النشر والتوزيع والدعاية والنقد كان يستطيع محاصرة فكر معين ونشر فكر آخر.

كان المايسترو خلال عمليات بالغة التعقيد قد اقترب من موسى الدهان.. الإمبرائيس.. وأثبتت عملية الأقنعة نجاحها المطلق.. فالدهان لم يعرفه. وواصل المايسترو نصائحه للإمبرائيس حتى تعقدت الأمور تماما.

فنصحه المايسترو:

-         فلنجر انتخابات جديدة !!

*** 

وبدأت الانتخابات..

وادعت صحافة المعارضة أن مراكز الشرطة قد استعدت عددا كبيرا من المشبوهين وتجار المخدرات والبلطجية ووعدتهم بإسقاط التهم عنهم إذا ساعدوا السلطة عندما يطلب منهم ذلك.

. المعارضة السافلة والرعاع والمتشددون والإرهابيون تآزروا للمرة الأولى على التصويت وحماية صناديق الانتخاب. وكان ذلك يعني كارثة في الداخل وفضيحة في الخارج.

وجاء التقرير الأول عن لجان الانتخاب مذهلا .. ففي الساعة الأولى لفتح اللجان توجه إليها أكثر من مليون ناخب .كان الشباب الطائش الذي طورد وضرب وأهين يهتف ضد إجرام  الإمبرائيس ورجاله . كانت مشاعر الرعاع قد أسفرت من حقيقتها عندما قل خوفها من السلطة فانفجرت مشاعرهم الوضيعة في عنف مدمر .. كان الوضع خطيرا .. وكان منطقيا أن تستعد السلطة زمام المبادرة فصدرت الأوامر بعدم الاعتماد على الفتوات فقط  وصدرت الأوامر بتدخل قوات الأمن الرئيسية تدخلا مباشرا لإغلاق اللجان . وقد نجح هذا الإجراء في قمع الجماهير التي تراجعت في جبن كفئران مذعورة … وبرغم جبنهم فلم يتورع بعضهم على الكذب فأقسموا بالله أنهم شاهدوا بأعينهم بعض القضاة يساعد بنفسه في ملئ بطاقات الانتخاب لحزب الحكومة …

وتم فرز الصناديق تحت إشراف قضائي أثبت فوز حزب الحكومة ب 95% من أصوات الشعب.

كان الإمبرائيس يشعر بالضيق وهو متوجه لإلقاء خطبة افتتاح مجلس الأعيان . لأول مرة تخيب نصيحة المايسترو . لقد أشعلت الانتخابات هياج الرعاع ولم تقلله … لشد ما يبغض الإمبرائيس هؤلاء الرعاع … لشد ما يود أن يموت الشعب كله.

لكن الحقيقة التي ارتاح لها الإمبرائيس قليلا أن معظمهم كان ينجى بالأئمة على وزير الشرطة وقد أتصل وزير الشرطة ليخبره عن حادث مؤسف حدث في الصباح … أحد الرعاع ركب دراجة وأخذ يطوف بها شوارع أوفريسيا العاصمة وهو يحمل صحيفة المعارضة ويصرخ باكيا :" باعوا أوفريسيا .. انتخابات مزورة " . وكاد هذا الملعون يتسبب في تكدير الأمن .. لولا أن مواطنا مجهولا أطلق عليه الرصاص فأراده فتيلا …………………… كان وزير الشرطة قد لجأ إلى هذه الحيلة العبقرية كي لا تنسب بعض الجرائم إلى جهاز الأمن .. أن يسير بين الناس جنود بلباس مدني يستطيعون التصرف الفوري دون أن تحمل السلطة وصمة أفعالهم ..

*** 

كان الإمبرائيس يسير في غرفة مكتبه مهتاجا يلعن المايسترو .. أشار عليه بالانتخابات كي يلهى الشعب ثم تركه وسافر .. ولم تله الانتخابات الشعب الذى خرج في مظاهرات عارمة بعد أن ألقى خطابه في مجلس الأعيان .. حيوانات بشرية لا تخشى الموت .. وكل يوم يزيد أوار المظاهرات فيتسلل إلى قلبه رعب رهيب .. ويسائل نفسه : هل أكمل الزمان دورته وآن الأوان لكي ينتهي بالقتل أو السجن أو مستشفى أمراض عقلية …. إنه يحاول أن يلهب نائبه بالأوامر … أقصى درجات العنف مع هؤلاء السفلة … أطلقوا الرصاص فورا على أي تجمع … ولتسحق مدرعات الشرطة أفواجهم المهتاجة كالحمير الوحشية .. كان القتلى كل يوم عشرات … ثم اصبحوا مئات .. لكن تلك الدماء المسفوكة كأنما كانت وقودا يلهب مزيدا من المظاهرات لم يعد يملك الوقت ولا البال الذي يستجدي فيه هؤلاء الرعاع من الدول الأجنبية غذاءهم .. وعندما حدث ذلك شحت المواد الغذائية فانتهز التجار الفرصة ورفعوا أسعارهم … كانوا هم الآخرين كلابا ؟. الجميع كلاب ينهشون فيه ولا أحد يرحم .. هو الآخر لن يرحم أحدا … فلتمتلئ السجون بكل من يحاول تكدير الأمن في أوفريسيا. وجاءه نائبه ليقرر له أن جهاز الأمن والميليشيا الشعبية غير قادرة على حفظ الأمن … وسأله بارتياع فما هو الحل إذن … وأجاب النائب لا مفر من نزول الجيش 

هذا الوغد … أيحاول أن يلعب معه اللعبة القديمة التي لعبها هو نفسه مع الإمبرائيس السابق … أنه خائن … الجميع خونة … وها هو ذا يرسل استدعاء كل يوم للمايسترو كي يعود لكنه لا يعود ..خائن جبان مثلهم … عندما تنتهي الأزمة سوف يعاملهم جميعا كالكلاب .. سوف يسحقهم سحقا … لن يعود في أوفريسيا رجل كبير إلا هو وحده … لكن عليه الآن أم يستعيد جلاء عقله القديم … أن يتعامل مع الجميع ويلعب معهم اللعبة حتى ينتصر .. يريد النائب نزول الجيش إلى الشوارع .. فلينزل الجيش .. وأصدر أوامره بنزول الجيش لكنه كان قد رتب بحيث لا يستطيع قائد الجيش أن ينقلب عليه … إن كان لا بد من الهزيمة فليس قبل أن يهزم الجميع … ليكن هو آخر المهزومين … دبر لمجزرة رهيبة تم في نهايتها اغتيال القائد نفسه.

كانت قوات الجيش ما زالت تحصد الجماهير حصدا … لكن الرياح لا تأتى بما تشتهي السفن دائما .. فثمة واقعة صغيرة حدثت قلبت الأمور كلها رأسا على عقب … كانت مجموعة الجنود في دبابة تطارد الرعاع المجرمين المخربين، وكانت الأوامر قد صدرت بنسف البيوت التي يلقي المتظاهرين منها الحجارة وزجاجات المولوتوف على الدبابات .. وبدا في نهاية الشارع منزل يعتليه المتظاهرون … وصدر الأمر لدبابة المقدمة أن تنسف هذا البيت بمن فيه … لكن قائد الدبابة صرخ فجأة :

- هذا بيتي …

وجاء الأمر عبر اللاسلكي …

- أنسف البيت فورا ..

- وضع قائد الدبابة يده المقود … راح ينظر .. ولمح شبحا يتحرك خلف نافذة .. تخيل لوهلة إنها أمه .. إنها في البيت … أينسفها ؟ … جاءه الأمر صارخا مرة أخرى .

- - انسف البيت

- في لمحة فائقة أدار برج الدبابة بحيث اتجه مدفعها إلى الخلف ونسف دبابة قائدة ..

انتشرت هذه الحادثة في أنحاء أوفريسيا في لا زمن .. فهمها قواد الجيش أكثر بكثير من حقيقتها حين تخيلوا أن بعض فرق الجيش قد تمردت … وفهمها  الرعاع على حقيقتها … أن جنود الجيش أبناءهم وأخواتهم …. وبلا تخطيط تغير فورا تكتيك المظاهرات .. وبعد أن كان الناس يجرون أمام الدبابات راحوا يجرون نحوها  … كان منظر الدماء والأشلاء رهيبا وتوقف الجنود عن إطلاق النار … وصعد الناس على أبراج الدبابات … وهتف صوت مشروخ تحيا أوفريسيا ..

وفى لحظات كانت السماء والأرض تهتز لدوى الهتاف الذي أخذ الرعاع والجنود يرددونه " تحيا أوفريسيا"..

كان الإمبرائيس يعرف ما يحدث لحظة بلحظة … لكنه لاحظ فجأة أن الحرس الإمبرائيسى يهرب من قصره .. أعمل فكرة بسرعة … وأدرك أن الجميع قد خانوا .. عليه الآن أن يهرب بجلده – لو رآه الناس الآن فسوف يمزقونه إربا .. الوقت يمضي  والخطر ماحق .. عليه أن يفكر فكرة رائعة من أفكاره القديمة .. ها هي .. لا يوجد شئ آخر …

ولبس الإمبرائيس ملابس امرأة منقبة .. تسلل من باب خلفي للقصر وأندس وسط الجماهير المتجهة نحو القصر هاتفا معهم :

تحيا أوفريسيا .

 نجحت أجهزة المايسترو – كما كانت تنجح دائما – في القبض على موسى الدهان متخفيا في ملابس امرأة منقبة في ميناء ساحلي صغير أثناء محاولته الهروب من أوفريسيا. ونشرت الصحف والإذاعة والتليفزيون على أوسع مدى ممكن صورة الإمبرائيس الجديد ساخرة منه شامتة فيه .

*** 

يجب أن يتحول اهتمام الشعب كله إلى محاكمة الإمبرائيس . واعترافاته، ولكن قبل ذلك يجب بناء هيكل جديد للسلطة يقوم بمحاكمة الإمبرائيس ودفع المايسترو وأعوانه إلى تقليب وجهات النظر في صحافة أوفريسيا وكل منهم يعرض فكرة جديدة لنظام جديد للحكم … كان المايسترو يقود الجميع إلى الفكرة النهائية الموجودة قبل ذلك في خلايا مخه …. لقد عرض كل رأى وفندت كل فكرة. وتم الاتفاق على حل مجلس الأعيان الذي أتى بانتخابات مزورة على أن يقود مجلس الرئاسة أوفريسيا لمدة ستة أشهر تتم فيها انتخابات جديدة حرة ونزيهة 

كانت محاكمة الإمبرائيس  السابق أعظم حدث في تاريخ أوفريسيا، وفي نفس الوقت كان العمل يجري على قدم وساق لإعادة ترتيب البيت.  وتم التحقيق – في عدد كبير من الجرائم وتم استرداد بعض الأموال المنهوبة … وثبت أن ما كانت صحافة المعارضة تنشره لم يكن صحيحا فقط بل أنه كان مجرد قشور لحجم هائل من الفساد … وبرغم كل مجهودات الحكومة الجديدة فلم يمكن حصر هذا الفساد كله .. إذ أن جهة مجهولة – لعلها تتبع الإمبرائيس السابق – قد دمرت معظم الوثائق والمستندات … واستطاع عدد كبير من المنحرفين الهرب إلى الخارج كان من بينهم نائب رئيس الوزراء السابق . وأعيد تقييم جديد للمشروعات التي اتفق عليها المليارات فإذا بمعظمها هياكل مشاريع وليست مشاريع حقيقية … وثبت يقينا أنها أنشئت لا لتنمية ثروة الوطن بل لنهبها .

وأجريت الانتخابات مرة أخرى .. وكانت باعتراف الجميع انتخابات حرة .. إلا أنه صحب ذلك انهيار الوحدة المعنوية التي  ربطت أحزاب المعارضة في البداية … واخذ كل حزب يهاجم الآخر ويبدي مساوئه كي يفوز هو بالسلطة .

ولم يحقق حزب من الأحزاب الأغلبية المطلقة … وجرت مناورات كثيرة لتكوين حكومة ائتلافية … وتكونت هذه الحكومة أخيرا بعد أن امتلأ هيكلها بالشروخ…

ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ..

وواجهت الحكومة الجديدة في أوفريسيا مشاكل كالجبال ..

وبدأت نشوة الرعاع في أوفريسيا تتضاءل إزاء ما سموه انتفاضتهم الكبرى .

حدثت انشقاقات عديدة في الائتلاف الحكومي … وتغير الرئيس أكثر من مرة .. وكان يبدو أن القداسة التقليدية التي طالما احتفظ بها مقعد الحاكم لم تخدش فقط بل تحطمت تماما ، وبدأت شرائط التسجيل تنتشر من جديد .. وأخذ الرعاع يطلقون النكات على الحاكم ..

*** 

الديون هائلة بحيث لا يمكن سدادها .. بل إن دخل أوفريسيا القومي كله لم يعد يكفي حتى لسداد فوائد الديون … وأصبحت الوسيلة الوحيدة هي مزيد من الاقتراض لمجرد سداد ديون أخرى ..  كانت مقادير أوفريسيا قد أصبحت مربوطة بخيوط تحركها من الخارج … وكانت الحكومة تمثل مجرد مدير أعمال تقليدي لتسير أمور الحياة اليومية ، ولم يقتصر الأمر على ذلك .. فقد كان كل ائتلاف يجئ يضطهد  أحزاب المعارضة الأخرى ويحاول تصفيتها واضطهاد أعضائها كي يضعف هذا الحزب .. وانتشرت المساومات الوضيعة .. ولكي تظهر الحكومة ديمقراطيتها فقد كانت كل حين وآخر تعقد مؤتمرا لمناقشة مشكلة من المشاكل ..

*** 

وكان أحد قيادات المعارضة الوطنية يصرخ: اتفقوا قبل فوات الأوان .. الاتفاق أو الضياع .. إنكم تتركون الأصول لتتقاتلوا على الفروع .. إن الإمبرائيس لم ينته كمنهج .. إن أوفريسيا أمامكم كمريض ينزف … وأنتم تتركون النزيف لتدخلوا في جدل عقيم حول طريقة العلاج والمريض يموت ..

*** 

لم ينج حزب من أحزاب أوفريسيا من تسلل أعوان منظمة التحكم والسيطرة التابعة للمايسترو وتم تسريب أنباء ملفقة عن الاختراق. وكان الهدف  من ذلك أن يشك كل عضو في زميله . أن يعتبره جاسوسا وعدوا …

وفى  غصون أعوام قليلة أصبح معظم الوزراء إما مقنعين أو عملاء مباشرين .. وأصبح  القواد معاوية زغلول رئيسا للوزراء .

في قصر فاخر من قصور معاوية زغلول في بلاد الغرب كان المايسترو يجلس  وأمامه  فيروز العسال وهو يقول له باسما .

- ها قد تحولت الثورة إلى مجرد فورة ..

- وسأله فيروز العسال في إعجاب :

- كيف لم يزعجك الأمر في البداية ؟

وأجاب المايسترو بثقة :

- عندما يكون الشعب متخلفا فلا تخشى من أي تحول .. فالشعب المتخلف يمثله حزب حكومي متخلف يرأسه حاكم متخلف تحركه مراكز قوى متخلفة وتعارضهم أحزاب معارضة متخلفة … إنها حكمة بسيطة لكنها تخفي على الكثيرين … إن من يزرع الحنظل لن يحصد قمحا … وسوف ترى في السنوات القادمة كيف سيحدث الاستقطاب بين الأحزاب الحاكمة لتتبلور الأمور في النهاية عن حزب قوى يحكم وإمبرائيس آخر  … وأحزاب معارضة هزيلة …

صمت المايسترو وطويلا ثم أضاف :

- ما يقلقني حقا هو تلك الجماعات المجهولة التي تصدر شرائط التسجيل . بعد إفراجهم عن الصحفي محمد أحمد حاولنا بكل أجهزتنا أن نعرف أي شئ عنهم لكننا فشلنا . إنها مجموعة منظمة تنظيما جيدا وتقوم بعملياتها ببراعة حقيقية وإتقان يكاد أن يكون مطلقا …

وأضاف المايسترو :

- هذه المجموعة هي التي تقلقني .. ينبغي أن يحاول مركز التحكم والسيطرة التسلل إليها كما ينبغي أن نعيد تنظيم مركز صناعة الأقنعة فقد نحتاجها في السنوات القادمة .

*** 

وكانت شرائط هذه المجموعة  تحاول أن تشرح للأوفريسييين أنهم ليسوا رعاعا وأن التخلف ليس سمتهم  و ليس عيبا خلقيا ولدوا به وليس قدرا من السماء قدر عليهم .. وإنما هو موقف نفسي دفاعي تجاه آلام لا تحتمل يتسبب فيها قهر إجرامي وإذلال لا يطاق في نظام حكم قاهر تشكل المواجهة معه خطرا ساحقا للمجتمع … خطر الإبادة والتعذيب والقهر .. وهو مجتمع تقوم بنية السلطة فيه على القهر والاستغلال .. ولا يوجد فيه حدود فاصلة بين المشروع غير المشروع … مجتمع يصبح فيه لزاما على كل فرد أن يلعب اللعبة حسب إمكانياته .. لا قانون يحمي ولا سلطة تحكم ولا منطق يسود وويل لذوى النية الطيبة ، فهم في نظر السلطة المجرمة سذج وأغبياء وحمقى .

*** 

وبدأت الدورة تدور من جديد..

واشتعلت مظاهرات سقط فيها عشرات الآلاف تم قتل الطاغية مرة أخرى، لكن الكارثة أن ذلك لم يتم على يد أحد المقنعين أو أعوان المايسترو. على العكس، للمرة الأولى كانت ثورة شعبية بالكامل.

كانت الأسابيع التالية مزعجة حقا .. كانت لعبته القديمة قد استمرت في إطارها الذي رسمه .. وكان الإبداع قد أثمر نوعا من التسيير الذاتي للحكم على هواه حتى أتى هذا الانقلاب ليهدد بهدم كل خططه .

اتضح أن اسم قائد الانقلاب خالد سليمان نور الدين الأيوبي. لم يكن المايسترو يعرف أي شيء عنه . ولم يسفر انقلابه عن القضاء على الحكومة أو رجال السلطة فقط..  فقد كان يسعى للقضاء على طبقة بأكملها .. وهذا هو بالضبط ما أزعج المايسترو لأنه كان يدرك دائما أن الملك أو الرئيس أو الإمبرائيس أو الحاكم مجرد محصلة لطبقة .. الوجه الظاهر لقوة خفية .. لذلك كان القضاء على إمبرائيس لا يسفر إلا عن إمبرائيس آخر مثله ، كان كالممثل على خشبة المسرح … لا يشترك في كتابة الرواية ولا الإخراج ولا الموسيقى ولا الديكور ولا حتى اختيار الممثلين الآخرين الذين يمثلون باقي الأدوار معه .. لذلك كان من السهل دائما كلما ذهب إمبرائيس أن يأتي – حتى ولو من الكومبارس – من يقوم بدوره . فالملقن موجود والرواية لا تتغير

ومن هنا كان انزعاج المايسترو .. لأن هذا المسمى خالد قد أدرك سر اللعبة فغير الرواية والمسرح والمؤلف والمخرج والممثلين جميعا .. إنه يلعب في ساحة أخرى . إنه يسحق الطبقة العليا دون أن يقيم طبقة أخرى بديلا عنها بل ويدفع بالطبقة المتوسطة كي تتولى زمام كل الأمور في أول انقلاب حقيقي على أنظمة الحكم . انقلاب بغير مُصدر القرار ومَصدره.

كان هوس الرعاع في تقديس الحاكم مذهلا حتى له …

وأدرك لأول مرة في حياته أن الاستعباد لا يكون بالقهر .. بل يوجد استعباد بالحب أيضا !!

هذا الحاكم الداهية ليس كتلة من اللحم والعظام والدهن كسابقيه .. إنه يصوغ تاريخا آخر وشعبا أخر يكاد المايسترو لا يعرفه.. حتى ملامح الناس قد تغيرت ..

لكن ثمة خطأ قاتلا يقع الداهية فيه .. خطأ فكري .. ولشد ما يخشى المايسترو أن يتسع الوقت أمام خالد سليمان نور الدين الأيوبي لاكتشافه …

وهو يعلم الشعب أن الصواب واحد .. أنه وحده ومن معه على صواب .. هم فقط الذين يملكون الحق .. أما الآخرون فمخطئون  مجرمون مارقون .

أعيد تشغيل عملية الأقنعة بطاقتها القصوى.

وكان النجاح الباهر للمنظمة عندما اختار القائد نائبا له أحد المقنعين.

نعم..

القائد والزعيم والرئيس خالد سليمان نور الدين الأيوبي اختار نائبا له من المقنعين ومن ثم فتح الباب على مصراعيه أمام تنفيذ كل مخططات المايسترو.

*** 

كان المايسترو قد تخلي - إزاء  خطورة ما حدث - عن فكرته القديمة بألا يتولى المقنعون السلطة فالرئيس في أوفريسيا  يصل دائما إلى منصبه عن طريق الصدفة .. ولم يعد المايسترو يقبل ذلك .. لا بد أن تكون هناك خطة محكمة لكل شيء.

بدأ تنفيذ الخطة الأخيرة..

كان القائد والزعيم خالد سليمان نور الدين الأيوبي متوجها إلى قصر الأمة لإلقاء إحدى خطبه .

بلغ جنون الجماهير الحمقاء أن رفعت سيارته على أكتافها … وآلاف المنازل أخرجت قطع السجاد لتفرش بها الشوارع التي يمر بها الزعيم كي تنال شرف مرور سيارته عليها .. فأي جنون وأي تخلف …

في شرفة قصر الأمة وقف يلقي خطبته … بدا كما لو كان يحتوي ملايين الجماهير للتي تجمعت في الميدان الكبير بعقله وقلبه وعينيه .. إنه يتكلم لغة أخرى .. كأنما اكتشفت طريقة جديدة كي يتصل انفعاله بالجماهير في تيار جارف هادر هائل .. كان يبدو أن الجماهير ليست وحدها هي التي تستمع لكلماته .. حتى الكون يصمت والرياح تخمد وشقشقة العصافير تخبو .. وعندما يتصاعد الهتاف كان يبدو أن الكون كله يردد هتاف الهاتفين ….

كان المايسترو يجلس متوترا يشاهد الخطاب في التليفزيون متعجلا انتهاءه ….

انتهى الخطاب فدوى إعصار من التصفيق والهتاف الذي لم يسمع المايسترو في حياته له مثيلا .

دقيقة …………………………………

دقيقتان ………………………………

خمس دقائق ……………………………

عشر دقائق ……………………………

والجماهير ما زالت تنفجر هتافا والقائد يحيي .. يرفع يده مؤكدا بأصابعه على حتمية انتصار الجماهير ..

دخل القائد أخيرا من الشرفة ليستريح بعد كل هذا العناء ………

عندما دخل خالد سليمان نور الدين الأيوبي إلى مكتبه فوجئ بشيء غريب .. ويبدو أنه ظن لوهلة أن أمامه مرآه..  فقد رأى خالد سليمان نور الدين الأيوبي آخر يواجهه .. كان الفرق الوحيد أن الآخر يحمل مسدسا .. وقبل أن يدرك القائد ما يحدث كان الرصاص قد انطلق من مسدس كاتم للصوت .. فمات.

*** 

كان القناع مجهزا.. فارتداه البديل المدرب على الفور..

كانت الجماهير ما زالت تهدر في الخارج فخرج إليها خالد سليمان نور الدين الأيوبي الجديد ملوحا بذراعيه .. مبتسما ابتسامته التي كانت الجماهير تعشقها .

لولا دقة ملاحظة المايسترو ولا نخدع مع الجماهير ..

"نجاح كامل"

تلك كانت الرسالة التي وصلت إليه.

في حوض سباحة صغير في أحد القصور المهجورة كان مزيج الأحماض معدا . وألقت فيه جثة خالد سليمان نور الدين الأيوبي …….كان المايسترو نفسه موجودا .. فتلك هي أعظم لحظات حياته.

وانتهت الثورة..

انتهت دون أن تدرك الجماهير العمياء أنها انتهت..

فقد كانت ما تزال تهتف وترقص وتغني.

*** 

انتهت الرواية..

وأؤكد للقارئ أنني لم أقرأها له في ظل ما يحدث الآن.. على العكس.. أقرأ ما يحدث الآن في ظلالها..

يجثم على قلبي هم عظيم.. أحملق في المسئولين كل صباح وكل مساء لأتساءل:

هل وجوههم ما تزال وجوههم.. أم أن الثورة قد سقطت.. وأننا الآن نواجه الأقنعة..