العلامة محمود شاكر"2"

يسوسون الأمور بغير عقل      فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفًّ من الحياة وأُفُّ منِّي      ومن زمن رئاسته خساسة

جيل يساق إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان.

 

قد يظن بعض القراء وبعض الظن إثم، أنني حين كتبت و أكتب عن الشهيد سيد قطب، ثم عن العلامة محمود شاكر، فإنما أفعل ذلك لأحد أمرين: أولهما تجنب المواجهة المباشرة مع طاغوت بلغت حماقاته الذرى، وثانيهما أن اليأس المطبق قد أصابني بعد كتابة نيف وعشرين عاما، والحقيقة أن كلا الأمرين غير صحيح، فلا الخوف انتابني ولا اليأس أصابني. إنما أدركت أننا هزمنا هزيمة كاملة في معركة شاملة. وأن الطاغوت باق والتوريث قادم وكل حكام العرب يفضلون أولمرت على البطل المجاهد إسماعيل هنية، ويأمنون لإسرائيل أكثر من فلسطين، ولليهودية والنصرانية أكثر من الإسلام. أما الشعوب العربية والإسلامية فمن المؤكد أنها لم تقم بدورها ولم تنتصر لدينها، ومهما كانت التطورات في الفترة الأخيرة، فإن البترول الذي افتقدته غزة ليلة ساد فيها الظلام، كان يتدفق – من بلادنا- ليملأ خزانات الوقود في السيارات والدبابات والمركبات والطائرات التي كانت تحيط بغزة وتحاصرها وتقصفها وتنشر فيها الظلم والظلام والدم، وهو الأمر الذي كاد يدفعني لسب حكامنا سبا قبيحا، نفس السباب الذي اعترضت عليه عندما قرأت أن العلامة محمود شاكر وجهه للطاغية جمال عبد الناصر.

سوف أنزف كثيرا جدا من كرامتي وماء وجهي ودمي قبل أن تتلاشى هذه الصورة من مخيلتي إن قدر لها أن تتلاشى على الإطلاق. وسوف تظل دليلا لا يدحض ولا ينتقض على أن الأمة لم تقم بدورها، لا أتكلم عن الحكام، فأولئك لا يقلون في عدائهم للأمة عن الصليبيين واليهود، والذين إن بدت منهن بادرة شهامة أو رائحة شرف، فإنها بادرة مزورة ورائحة مصطنعة، لأنهم في هذه الحالة كالعاهرة التي تدعى الشرف كي تزداد قيمتها وثمنها في سوق البغاء، ولكن استمرار هؤلاء الحكام هو مسئولية الأمة، التي لا أنكر تضحياتها وآلامها، ولكنها تضحيات وآلام أقل بكثير جدا مما يمكن لهذه الأمة أن تعطيه. وسوف تظل هذه الأمة مدنسة بأبنائها الذين استدعتهم السلطة على عجل لإدانة أهل غزة، فكانوا كلابا شرسة و إن كانوا صحافيين أو كتابا أو مذيعين أو سياسيين وإن حملوا شهادات الدكتوراه، وكانت القنوات التي استضافتهم غرفة موبوءة في بيت دعارة دنس متضخم.. وكان كل هذا قربانا لإخراج الطاغوت من ورطته.. وتسويغا لتراجع العاهرة عن تبعات ادعائها الشرف.

نعم..

ليس في خيانة الحكام شك.. لكن ما نثبته هنا هو خيانة النخبة أيضا.. وعجز الأمة عن مواجهة هذا وذاك.

سوف أستدرك على الفور لأقول أن يقيني بالنصر لم يتزعزع أبدا رغم كل هذا الألم الذي نكابده والهوان الذي نعانيه والدم الذي نسفحه والكرامة التي ننزفها. لكن هذا اليقين يتعلق برحمة الله بنا وليس بكفاءة أدائنا، وربما يتعلق بأشياء أخرى لا أدركها، ستتضافر جميعا رغم العجز والذل والهوان، لتدفعنا إلى تسنم النصر الموعود بوعد الله.

أستدرك أيضا لأقول أننا قد هزمنا في معركة، لكننا سننتصر في الحرب. وستعلو كلمة الله وينتشر نوره في أرض يرثها عباده الصالحون ويستخلف فيها الذين استضعفوا في الأرض. وليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام . بذل ذليل أو بعز عزيز. بذل حكامنا أو بعز أعدائنا.

إن وضع الأمة وحكامها الآن أشبه ببناية هائلة، ليست على وشك الانهيار فقط، بل انهارت، رغم بقاء بعضها قائما، وفي مثل هذا الوضع فإن عمليات الترميم لا تجدي، فالمهمة التي على الأمة أن تقوم بها شاءت أم أبت، تكاسلت وتراجعت أم تشجعت وتقدمت، ليست هي عملية الترميم وصلب البناء المتداعي ( وهي المهمة التي يقوم بها الآن حكامنا) بل أن تقوم بإزالة الأنقاض، وعلى قمة هذه الأنقاض حكامنا ونخبتنا ومثقفونا.

ولقد قلت لنفسي أن الواجب علىّ الآن، ما دمت عاجزا عن إزالة الأنقاض، وهدم ما يزال منه بين الأنقاض قائما، أن أساهم في تقوية التربة التي سنقيم عليها بإذن الله ذلك البناء الذي سيشرق بنور لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأن تقوية هذه التربة إنما يقوم بإعادة بناء العقيدة وباستعادة سير عظماء كالشهيد سيد قطب والعلامة محمود شاكر، ومن هنا كانت كتابتي عنهما!.

***

سوف تتجاهل النخبة الفاسدة سير العظماء التي لا يمكن استعادة مجد الأمة إلا بجهادهم وسيرهم. سوف يتجاهلون على سبيل المثال سيرة العلامة محمود شاكر، وسوف يشوهون مواقفه وشخصه لعلهم يصرفون الناس عنه. سوف يصورون معركته مع لويس عوض على أنها معركة سلفي متشدد متعصب صعب اللغة والمراس ضد وجه من وجوه التنوير، ولم يكن الأمر كذلك، ولم تكن حتى مجرد معركة فكرية بين عملاق هائل كمحمود شاكر ومبشر علماني وعميل كلويس عوض .

آنذاك، في مقالاته في صحيفة الأهرام رمى لويس عوض، أبا العلاء المعرى في دينه اعتمادا على رواية لأحد المؤرخين ملخصها أن أبا العلاء لقي راهبا بدير الفاروس باللاذقية، وكان الراهب ملما بالفلسفة فقال لأبى العلاء ما زعم لويس عوض أنه شككه – أي  المعري-  في الإسلام.. كما شكك في نسب المعري العربي نفسه.

لم يكن يهم لويس عوض أمر أبي العلاء نفسه، لكنه كان يهدف إلى أن هذا العبقري الذي نفخر به ، ليس عربيا أولا، لأن العرب لا يمكن أن يكونوا عباقرة، ثم أنه كان ملحدا بعد أن شك في الإسلام، شك لأنه ليس جاهلا ولا متخلفا كالباقين، شك في الإسلام لأنه عبقري، وليس بعربي،  ولأنه عبقري فقد  رفضت عبقريته الإسلام، وكان الذي أنقذه من جهله وضلاله: راهب في دير الفاروس!. إنه شيء أشبه بأن تقول أن المجرم الدعي  الجاهل السليط زكريا بطرس قد هدى العلامة الدكتور عبد الوهاب المسيري فترك التوحيد إلى التثليث!.

كانت المعركة أكبر بكثير و أشمل بكثير من أن تكون خلافا بين كاتبين على شاعر وفيلسوف قديم.، ولعل القارئ لا ينسى، أن لويس عوض، تلميذ العميل سلامة موسى تلميذ أحمد لطفي السيد  كلهم كوزير ثقافتنا، خلفاء لرائد التنوير المعلم يعقوب الذي ألبسه لويس عوض ملابس البطولة وطيلسان التنوير بينما ألبس المجاهدين ضد نابليون ملابس التخلف ودمغهم بالإرهاب، وأن الأمر يسير على نفس المنوال منذ ذلك الوقت، الخونة العملاء هم المستنيرون والمتحضرون، أما المجاهدون فمتخلفون إرهابيون.

لم تكن مواجهة لويس عوض سهلة ، فقد كان مجرد رأس حربة، أو "دوبلير" لمن يتسترون خلفه. يقول د. الطاهر أحمد مكي:

 كان الدكتور لويس عوض في مصر يوجه الحياة الثقافية،وهي تخضع للأحكام العرفية، وكل وسائل الإعلام فضلا عن أنها مؤممة، تحت الرقابة العنيفة الصارمة.  يصنع ذلك من خلال موقعين هامين وخطيرين: أولهما:كمستشار ثقافي لصحيفة الأهرام، أيام الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكانت الأهرام وقتها مركز قوة، في كافة المجالات، والصحيفة الأولى في العالم العربي، دون استثناء. والموقع الثاني:  كشخص مقرب جدا من الدكتور ثروت عكاشة،صديقا أو مستشارا أو كليهما، وكان عكاشة يهيمن على كل جوانب الثقافة في مصر، بوصفه وزيرا لها، وللمكانة التي يتمتع بها لقربه من الرئيس عبد الناصر.  ولهذا حين أقدم العلامة محمود شاكر على التصدي للويس عوض، كان يعرف حقا سلطة لويس عوض في المجال الثقافي، ومكانة جريدة الأهرام،وموقع رئيس تحريرها في معمار السلطة،والنفوذ السياسي وهيبة الحكم. بل نميل إلى أن محمود شاكر أراد مواجهة السلطة في أعلى قمة لها،بمواجهته لحلقة ثقافية تمثل وجه الحكم القائم في ساحة الثقافة.

وكان في أثناء المعركة يوجه سلاحه مباشرة إلى الأهرام، ويأخذ عليها تسلط لويس عوض ويحملها المسؤولية التاريخية ( أي يحمل هيكل وبالتالي سيد هيكل).( المعروف أن محمود شاكر يسمي عبد الناصر في مجالسه: الخنزير!).

وكما يقول أحمد محمد البدوي : فليس أدل على موقف السلطة من أن كتاب: أباطيل وأسمار الذي جمع فيه شاكر مقالاته عن لويس عوض صودر من المطبعة الخاصة، في حين أن مؤسسة حكومية طبعت كتاب لويس: على هامش الغفران،وتولت توزيعه!

وقد أنكر بعض الناس كما يقول الدكتور د. عبدا لقدوس أبو صالح أن يتصدى الشيخ محمود شاكر، وهو العملاق الكبير، لقزم لا يطاوله، ولكنه أراد أن يجعل لويس عوض مثالاً لتحطيم الأصنام، التي أخذت أجيال من هذه الأمة المسكينة يعدونهم دعاة التنوير، ودعاة التقدم بعد أن تسنم الكثيرون منهم مقاليد الأمور وسيطروا على وسائل الإعلام المختلفة، وعلى دور النشر الرسمية.

كان محمود شاكر يرى الحكاية كاملة، منذ بداية الانكسار وحتى اكتمال الانهيار، كان يرى البذور والجذور والثمر، وكيف تخلقت الخيانة كمسخ في رحم الأمة التي اغتصبت واستبيحت، مسخ حرام، ليس أولهم المعلم يعقوب ولا آخرها تلك الألسنة النجسة التي تهاجم في الأيام الأخيرة حماس وتشوه دورها، كيف تخلقت الخيانة وكيف أتي نتيجة الاغتصاب والامتهان هذا النسل المسخ المهين.

 في كتاب"أباطيل وأسمار" يصف العلامة ما حدث في فهم كلي شامل جلّ عن أن يقع في غوايات تجزئة التاريخ والأحداث كي يفلت المجرم من الكشف ومن العقاب، نعم، إن حكاية لويس عوض لا تبدأ بتعيينه في الأهرام ولا بتنفيذه لسياسة عبد الناصر أو هيكل، الأمر أبعد بكثير، وهو مرتبط بالغزو الأوروبي للعالم الإسلامي الذي يصفه محمود شاكر بقوله:

 " ذلك الغزو خفي الوطء، بعيد المرمى، طويل الأجل ، لم يكن غزواً بالمعنى الذي كان الناس يعهدونه يومئذ، أو الذي نعهده إلى اليوم،لم يكن جيوشاً وجحافل لها صليل يقعقع ونقع يثور،فتدك في زحفها الحصون حصناً حصناً،حتى تفرغ من الأرض كلها في شهر أو شهرين، أو عام أو عامين. كان غزواً أقل ما فيه نكاية هو"الجيوش"، وأبلغه افتراساً هو "التجارة"، وأفتكه بالإنسان هو "التبشير""

هذه هي الخلفية التي تسلل فيها دجال  كلويس عوض ليقود الثقافة في مصر، والأمر لا يختلف عن قيام موشي ديان بقيادة الجيش المصري، لكن هذا أخفى من ذاك.

يواصل العلامة كشف الكارثة في مقدّمته لكتاب "المتنبي" فيقول :

"صار بيّناً عندي أننا نعيش في عالم منقسم انقساماً سافراً: عالم القوة والغنى، وعالم الضعف والفقر، أو عالم الغزاة الناهبين، وعالم المستضعفين المنهوبين. كان عالم الغزاة الممثل في الحضارة الأوروبية، يريد أن يحدث في عالم المستضعفين تحولاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، فهو صيد غزير يمد حضارتهم بجميع أسباب القوة والعلو والغنى والسلطان والغلبة. والطريق إلى هذا التحول عمل سياسي محض، لا غاية له إلا إخضاع هذا العالم "المتخلف" إخضاعاً تاماً لحاجات العالم "المتحضر" التي لا تنفد، ولسيطرته السياسية الكاملة أيضاً. ومع أن هذا العمل السياسي المحض المتشعب، قد بدأ تنفيذه منذ زمن في أجزاء متفرقة من عالمنا، إلا أنه بدأ عندنا في مصر، قلب العالم الإسلامي والعربي، مع الطلائع الأولى لعهد محمد علي، بسيطرة القناصل الأوروبية عليه وعلى دولته، وعلى بناء هذه الدولة كلها بالمشورة والتوجيه. ثم ارتفع إلى ذروته في عهد حفيده إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي الخديوي، حتى جاء الاحتلال الإنجليزي في سنة 1882 وبمجيء سيطر الإنجليز سيطرة مباشرة على كل شيء، وعلى التعليم خاصة، إلى أن جاء "دنلوب"(في 17مارس 1897) ليضع للأمة نظام التعليم المدمر الذي لا نزال نسير عليه، مع الأسف، إلى يومنا هذا"

***

كانت هي المقدمات الأولي لسيطرة الثقافة الوثنية الغربية علينا.. لقد أعدوا لهم طويلا طويلا.. مهدوا التربة لهم، وأقصوا فكرنا وعقيدتنا وتراثنا كي يخلو لهم الطريق. وما كان لفكرهم أن ينتصر وأن يسود لولا أن ولاة أمورنا خانوا الله والدين والأمة، ونحوا رجال لا إله إلا الله محمد رسول الله ووضعوا في الصدارة من يقول لا إله إلا الطاغوت. وحتى اليوم، فإن قناة فضائية إسلامية ضعيفة ترد كيد مائة فضائية من فضائحيات-لا فضائيات- الشيطان. ماذا لو أن الشهيد سيد قطب أُعطي بالحق منبرا كذلك الذي أعطي بالباطل لهيكل.. وماذا لو أن العلامة محمود شاكر مُكِّن من السيطرة على الثقافة كما مُكِّن لويس عوض؟..

 يقول العلامة في "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" : كان الغزاة يقنعون من المبعوثين بأن يعودوا إلى بلادهم ببضعة أفكار يرددونها ترديد الببغاوات، تتضمن الإعجاب المزهو ببعض مظاهر الحياة الأوروبية مقروناً بنقد بعض مظاهر الحياة في بلادهم، وبأن يكاشفوا أمتهم بأن ما أعجبوا به هو سر قوة الغزاة وغلبتهم، وأن الذي عندنا هو سر ضعفنا وانهيارنا. وقد وجدت ذلك ظاهراً ممثلاً أحسن تمثيل عند رفاعة الطهطاوي وأشباهه. ولكن لما جاء عهد "دنلوب" ، كان أمر المبعوثين وحده لا يكفي، وأصبح الأمر محتاجاً إلى ما هو أكبر وأوسع انتشاراً، فكان الرأي أن تنشأ أجيال متعاقبة من "تلاميذ المدارس" في البلاد، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بهذا التحول، عن طريق تفريغهم تفريغاً كاملاً من ماضيهم كله(...) هذا الجيل المفرغ من ماضيه قد تم ملء فراغ ماضيه بماض غامض بائد ليزاحم ماضيه الحي الإسلامي فظهرت الدعوات إلى الفرعونية والفينيقية وأيضاً: في ظل هذا التفريغ المتواصل(...) انتعشت الحركة الأدبية والثقافية انتعاشاً غير واضح المعالم، ولكنه يقوم على أصل واحد في جوهره، هو ملء الفراغ بما يناسب آداباً وفنوناً غازية كانت قد ملأت بعض هذا الفراغ، فهي تحدث في النفوس تطلعاً إلى زاد جديد معها".

هذا الجيل كما يقول د. محمد أبو بكر حميد قد أفرخ مجموعة من الكتاب الهدّامين الذين أُتيحت لهم الفرص للظهور والانتشار وارتقاء أعلى المناصب والرُتب في حياتنا الثقافية والفكرية، ولم يكن مصادفة أن يُعطي "طه حسين" لقب "عميد الأدب العربي" بعد أن شكّك في القرآن، ونفى صفة العروبة عن مصر وقال إنّها إغريقية التفكير أوربية الانتماء، ولم يكن مصادفة أن يُعطى "أحمد لطفي السيّد" لقب "أستاذ الجيل" بعد أن دعا إلى فرعونية مصر وأيّد النزعات الشعوبية ودعا إلى العامية وفتن بالفلسفة الإغريقية وأضاع جيلاً كاملاً ويصبح بذلك لا برغمه رئيساً لمجمع اللغة العربية التي حاربها!. وارتفع نجم "سلامة موسى" القبطي كداعية للتحرر، ثم جاء خلفه "لويس عوض" ليواصل فعل أسلافه الشياطين من هدم في تاريخ هذه الأمة وتراثها ولغتها.

أجيال خلف أجيال من الشياطين كل جيل منها يسلم الراية إلى جيل يليه ليقوم بدوره.

***

بدأ لويس عوض في سنة [1964 م] ينشر مقالات تحت عنوان : " على هامش الغفران- شيء من التاريخ " مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كان مبناها على نصرانية الأصل، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الشيخ محمود شاكر ، فتصدى له - كما يخبرنا الشيخ أبو قتادة الفلسطيني-  إذ يرى بحق لويس عوض حية رقطاء من الأفاعي التي أطلقها علينا الغرب.

يقول العلامة محمود شاكر "وإذا هو أسود سالخ - وهو أقتل ما يكون من الحيّات - يمشي بين الألفاظ فيسمع لجلده حفيف، ولأنيابه جرش، فما زلت أنحدر مع الأسطر والصوت يعلو، يخالطه فحيح، ثمّ ضباج، ثم صفير، ثم نباح - وكلها من أصوات الأفاعي -."..

***

تصدى العلامة لصبي المبشرين، فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض، وقام بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها " أباطيل وأسمار " أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعاً لدوائر التبشير والإستشراق. وفيما يقرب من السبعمائة صفحة صاغ محمود شاكر ملحمته الكبرى أباطيل وأسمار،  يرد فيه كيد الحضارة الغربية الوثنية وإن اتخذ من صبيها العميل هدفا مباشرا، ولعله يجزئنا الآن أن نستعرض بعض عناوين فصول ذلك الكتاب لندرك أي ملحمة كانت:

من هو (سكيف) الذي أهدى إليه (بلوتولند)   ص8- (بلوتولند) كتاب يستخرج الضحك   ص9- الأيدي التي تحرك أمثال لويس عوض، وأنه ليس مقصوداً لذاته   ص14- كلام لويس عوض عن (المنهج)    ص22 - نظرة في (منهج) لويس عوض!   ص27- دعواه أن أبا العلاء تعلم في أنطاكية واللاذقية ص  27- نقله عن الدكتور طه حسين، وما فيه من خيانة الأمانة ص   29- ذكر لقاء أبي العلاء أسامة بن منقذ، لم يرد إلا في كتاب واحد   ص30- نقد ابن العديم لخبر رحلة أبي العلاء إلى أنطاكية   30ص- دعوى تعلم أبي العلاء في اللاذقية، منقول من كتاب الدكتور طه ص31- ذكر تراجم أبي العلاء في الكتب، مرتبة على تاريخ مؤلفيها   ص32- خبر راهب دير الفاروس باللاذقية، لم يذكره سوى القفطي، وعنه نقله الناقلون ص  34- اضطراب الخبر، ودراسة ألفاظ من نقل عن القفطي ص  35- نظرة مقارنة بين نصوص المؤرخين لأبي العلاء   ص37- خبر غريب لا يسلم، وتغيير ألفاظه عمل لا ينبغي لدارس جامعي   ص39- نقد خبر الراهب من قبل روايته غير مسند إلى راو ولا إلى كتاب وانفراد القفطي به ص  44- ياقوت معاصر للقفطي مصاحب له، ومع ذلك أغفل ذكره في ترجمة أبي العلاء   46ص- الثعالبي، أول من ترجم لأبي العلاء، ومات قبله بعشرين سنة   ص46- دلالة النقد على أن خبر الراهب غريب منكر لا إسناد له ص51- نقد ما في خبر الراهب بعد مقارنة ما فيه بما في كتب أبي العلاء   ص52- تصانيف أبي العلاء في المنظوم   ص53- رأي أبي العلاء نفسه في (سقط الزند)   ص54- خلو (سقط الزند) من شعر يدل على إلحاد أبي العلاء   54ص- جهل صاحب الخبر بشعر أبي العلاء ص  55- دليل قاطع على أن صاحب الخبر غير معاصر لأبي العلاء ص  56- ما ذكره الطاعنون في ديانته، ليس من شعر صباه، بل من شعره فيما بعد الثلاثين   ص56- تحليل خبر أبي الحسن المصيصي الذي رأى أبا العلاء في المعرة، ووصفه، ولم يتهمه في ديانته ص  56- دلالة خبر المصيصي ص57- شيخ المعرة لم يكن مغموراً ولا متهماً في دينه وهو في الخامسة والعشرين   ص59- المؤرخون الثلاثة الأول المعاصرون له، تدل أخبارهم على بطلان خبر الراهب ص  60- وصف صاحب خبر الراهب   ص67- مدارسة خبر الراهب على منهج صحيح   ص69- أسرة أبي العلاء ونسبه ومنزلتهم   ص69- قول أبي العلاء إنه فارق العشرين من عمره، فما حدث نفسه باجتداء علم من عراقي أو شآم ص  70- شيوخ أبي العلاء في المعرة، ونقض دعوى أنه لا يعرف شيء عن تعليمه (الرسمي!) حتى العشرين ص71- دراسة أبي العلاء في أول عمره   ص72   خبر رواه ابن العديم ونقده، ودلالته على كذب صاحب خبر القفطي   ص77-  بطلان رحلة أبي العلاء إلى طرابلس ص   78-  بطلان خبر الراهب بالدليل العقلي   ص 80-  شناعة التدليس بالألقاب العلمية   ص87-  ما لقي أبو العلاء في حياته وبعد مماته، وعبث لويس عوض في مقالاته وتبجحه بذكر (المنهج)   ص89- خيانة لويس عوض للأمانة في النقل   ص 91-  الأسباب الداعية إلى الحكم على لويس عوض بأن سلوكه ليس سلوك أستاذ جامعي  ص 94-  عبث لويس عوض في الأدب العربي والآداب غير العربية، ودلالته على أنه لا يستحق حمل (الدكتوراه)   ص96-  طرح لفظ (دكتور)، لأن لويس عوض لا يستحقه   ص97-  شهادة لويس عوض على نفسه بأنه وهو في الثانية والثلاثين من عمره: أن إحساسه باللغة ضعيف بالفطرة! وأجنبي جداً!   99-  قضية اللغة العامية   100-  جريدة الأهرام ومنزلتها عند العرب والمسلمين، وتركها هذا العبث ينشر في صحائفها ص  105-  دمية يحركها أصحابها لأغراض مستورة ص  109-  عودة إلى راهب دير الفاروس، وتحليل معنى (اجتاز بالمكان) ص  112-  دلالة هذين اللفظين في خبر القفطي وفي غيره من الأخبار   ص114-  معنى (نزل بالمكان)   ص114-  دلالة لفظ (الدير) في العربية، ومرور ابن بطوطة بدير الفاروس   ص116-  العهد بيننا وبين أصحاب الأديرة من النصارى  ص 117-  شأن الأديرة في أول الإسلام   ص118-  لم تكن الأديرة مكاناً للدرس، بل للنزهة ولأصحاب اللهو والخلاعة  ص 119-  وصف ابن بطلان الطبيب النصراني، معاصر أبي العلاء، للاذقية، ومفاسدها وخبر مطرانها مع الخواطئ  ص 120- دلالة ذلك على بطلان خبر راهب دير الفاروس  ص 121 -  هل كان إضلال أبي العلاء محتاجاً إلى هذا الراهب؟   122-  هل يعقل أن أبا العلاء تعلم اليونانية القديمة في أيام اجتيازه بدير الفاروس؟  ص 124- مهمة الصحافة في توحيد الأمم العربية والإسلامية   132.

***

أعترف للقارئ أنني حائر كيف أكمل هذا المقال. فما أن أنكب على عمل من أعمال العمالقة كسيد قطب أو محمود شاكر إلا ويجرفني طوفان يجعلني أخجل من أن أكتب قائلا: الأولى بك أن تقرأ وتقرأ وتقرأ  وأن لا تكف عن القراءة.

ثم أن لمحمود شاكر صعوبة أخرى، فمع الكثيرين من الكتاب يمكنك أن تعرض أعمالهم و أن تلخصها وأن تخلصها مما فيها من ترهل فتستطيع في بضع صفحات أن تستعرض مئات الصفحات. أما مع محمود شاكر فإننا نحتاج إلى العكس، نحتاج إلى مئات الصفحات كي نستعرض فيها بضع صفحات مما كتب. ذلك أن كتابات محمود شاكر عمل فني بالدرجة الأولى بالإضافة إلى قيمته الدينية والفلسفية والفكرية والتاريخية والاجتماعية والوطنية، إنه أشبه بلوحة منمنمات رائعة، فهل يمكن لأي إنسان أن يختصر لوحة!!

إنني أقاوم نفسي كي لا أستعرض فهرست أباطيل وأسمار كله وإلا التهم هذا الاستعراض الصفحات المتاحة لهذا المقال، ذلك أن هذا الفهرست يكفي دليلا على عظمة الملحمة التي نتصدى لها، وسوف ألجأ- موجَعًا-  إلى حل وسط باستعراض أقل من نصف العناوين الباقية:

أثر المقالات الأدبية الفاسدة في تكوين الأمة ص  135- الأسباب التي دعتني إلى إسقاط صفة لويس عوض ودرجاته العلمية  ص 136- ليس له - لويس عوض - قيمة أدبية، وما يكتبه ضرب من الداء معد  ص 139-  ما هي الإجازات التي نالها وما قيمتها  ص 142- (مجلة الكاتب المصري)، يهودية، وأثر سلامة موسى في توجيهه  ص 142- حقيقة لويس عوض، كما كتبها، وهي قيامه للدعوة إلى العامية  ص 143- علاقته بالتبشير  ص 146- أعده المبشرون ليكون خليفة سلامة موسى، واستنباط ذلك مما كتبه  ص 147- لويس داعية للعامية، وبعض الأدلة على ذلك  ص 155- ما كتبه لويس عوض لا يخرج عما كتبه من سبقه من المبشرين  ص 157- سياسة الغزو الأوربي موجهة إلى مصر  ص 159- فزع التبشير والاستعمار من ذلك( إحياء العربية)، وبدء حركة مضادة للدعوة إلى العامية   ص161- استيلاء دنلوب على التعليم  ص 166- ارتباط الدعوة إلى العامية بالأحداث السياسية الكبرى  ص 170- الدعوة إلى العامية، ليس لها شبيه في أمة من الأمم   ص 175- تطويق العالم الإسلامي وغزو أطرافه   183- أدوات الاستعمار : (التجارة) و (الجيوش) و (التبشير)، والتبشير أفتك أدوات الاستعمار  ص 183- (التبشير) مقترن بدعوة الإصلاح في بلاد العرب والإسلام  ص 184- (التبشير) لا يراد به دعوة إلى الدين، بل هو أعمق من ذلك  ص 184- حقيقة لويس عوض عندي ص  185- صلة التبشير بالدعوة إلى العامية   ص188- تتمة في علاقة التبشير بالدعوة العامية وبالحركات السياسية ص  193- زويمر المبشر يعقد مؤتمراً للتبشير سنة 1906 في بيت أحمد عرابي  ص 194- مندور لم يقرأ ما كتبت  ص 201- دراسة معنى الألفاظ الأربعة : (الخطيئة) و (الخلاص) و (الفداء) و (الصلب)  ص 206- معاني هذه الألفاظ الأربعة عند النصارى، واستحالة أن يعتقدها مسلم  ص 211- استخدام الشعراء لهذه الألفاظ الأربعة التي هي أس العقيدة المسيحية  ص 214- صبيان المبشرين هم الذين روجوا هذه الألفاظ  ص 217- شيوع هذه الألفاظ النصرانية الأربعة، والدعوة إلى العامية، قضية واحدة  ص 223- تطويق العالم الإسلامي والعربي، وكتاب المؤرخ توينبي : (العالم والغرب)   ص225- آفة العالم الأوربي أنه لا يرى في الدنيا سوى نفسه  ص 229- أهم وسائل الاستعمار والتبشير، هو الاستيلاء على الصحافة وعلى التعليم  ص 253 - أثر التبشير في تحطيم النفس العربية المسلمة  ص 256-  محاربة اللغة العربية هو أول عمل من أعمال التبشير والاستعمار  ص 257 (الاستعمار) و (التبشير) و (الاستشراق) ثلاثة أسماء لحقيقة واحدة  ص 269-  ما كتبه صبي المبشرين عن أبي العلاء، تم على أسس تبشيرية متنكرة في ثياب دراسة أدبية  ص 269- دوران لويس عوض على الآذان بأني أردت (التجريح الشخصي) و (التعصب)، وبعث (فتنة دينية) كما قال مندور أيضاً  ص 324- علاقة لويس عوض بالتبشير  ص 330-  أثر لويس عوض في صحيفة الأهرام  ص331- مؤسسات التبشير جهاز (واحد)  ص 331- بشارة تقلا، يبصق في وجه عرابي وهو مسجون  ص 339- لويس عوض يقتدي بتقلا   ص340- رأيه هو نفس ما قاله المبشرون، وما قاله أحمد لطفي السيد منذ خمسين سنة!  ص 357- لويس عوض لم يستح من نشر جهله بشعر أبي العلاء، ولا من عبثه في تفسير آية من القرآن، ولا من تخليطه في شعر السياب  ص 380-اتخاذ الصحافة للطعن الصريح في الإسلام  ص 413- المبشر الثقافي في جريدة الأهرام  ص 421- الخلط بين (الموضوعية) و (السب)، شرح (التبشير) شرح موضوعي، واستخراج طبائع المبشر موضوعي أيضاً   422- (الشرلتان) صفة دالة على لويس عوض ص  423-  معنى (شرلتان) في لغة الأعاجم   ص424- نشأة لويس وتاريخ مولده إلى أن دخل المجلة اليهودية (الكاتب المصري)  ص 433- معارك أجاكس عوض التي خاضها!! وكيف كان ذلك!  ص 434- وصف الحوادث العظام التي كانت تحيط بنا في يونيه 1965، وغفلة قادة الرأي يومئذ عن النذر المتتابعة   ص441- أربعين سنة كنت أرانا فيها قطيعاً يساق إلى المجزرة  ص 442- عمل (دنلوب) أو (التبشير) و (الاستعمار)، هو أن يحوز المتعلمين إلى صفه عن طريق (الثقافة)، وأن يشق الأمة بشقين، وصفة كل فريق منهما  ص 444-   وضع (أجاكس عوض) في موضعه في الحرب الصليبية التي تدور الآن في بلادنا   ص447-  مختصر تاريخ (أجاكس عوض) إلى أن كان في المجلة اليهودية، (الكاتب المصري)   449-  (أجاكس عوض) صورة أخرى للمبشرين في ثيابهم المختلفة   ص452- ما قاله في تأبين مندور، يدل على علمه بتآمر الأمم الغربية المسيحية علينا سنة 1965 وما بعدها  ص 453- كهوف التبشير التي يلجأ إليها صبيان المبشرين  ص 464- صفة السفهاء الذين يعملون لأهداف التبشير والاستعمار  ص 465-  504- مخاوف (الاستعمار) و (التبشير) من السلفيين، وبث فكرة التشدد عند (السلفيين)، وتبغيضها إلى العامة  ص 506- الحضارة، والثقافة، والعلوم، والآداب، والفلسفة، كلها عالة على (الكلمة) في جميع الأمم   ص650

***

أظن أن القارئ الآن يتمنى لو أنني كنت أوردت الفهرس كاملا ليتابع عناوين فصول هذه الملحمة  الدالة عليها وهو يلهث إعجابا وانبهارا.

أقول للقراء أن هذا الكتاب صرح شاهق لا يمكن لمن يدخل في رحابه أن يخرج منه كما دخل.. هذا كتاب يعلم فنون الكتابة والبحث والتوثيق والتحقيق والصدق والضمير والعلم ومناهج كتابة التاريخ وتحليل مكر أعدائنا الخفي والسياسة والاقتصاد والاجتماع.. و..و..و.. هذا كتاب لا يليق بمثقف أو مهتم بشئون الأمة أن يتركه، إنني أنصح شبابنا أن يقرؤوه كي يتعلموا، وكبارنا كي يفهموا ما التبس عليهم( خاصة أنه مطروح على الشبكة العنكبوتية) فهذا السفر الضخم، ليس كغيره، إنه يعلمك كيف ترى كما لو كنت ترى لأول مرة، وكيف تفهم الأشياء على النقيض مما فهمتها قبل ذلك، كتاب يفرز الطيب من الخبيث، والنضار من الضار، والسمين من الغث. وفي هذا الكتاب سوف تجد الجد حتى أقصاه، والهزل حتى أقصاه، ستبكي وتضحك، وتشعر بالعزة والفخار والانبهار مع الذل والحسرة والانكسار. وسوف تدرك كم كنا أمة عظيمة، وكم أنه من الممكن أن نعود.

***

يصف العلامة لويس عوض بالشرلتان، والشرلتان لفظ أعجمي يعني الدَّجال، كما يسميه أجاكس عوض ، لأن لويس شبه نفسه في أحد مقالاته برمز يوناني تتداوله خرافات اليونان اسمه: أجاكس بن تلامون.

***

انفجرت القضية  التي اتخذت من اسم الشاعر أبي العلاء المعري اسمًا لها، حيث كان لويس عوض يكتب في الأهرام واسعة الانتشار حيث التأثير على الجماهير الغفيرة التي يراد توجيهها والسيطرة عليها، بينما يكتب محمود شاكر في مجلة الرسالة التي لا تصل إلا إلى نخبة من المثقفين،   انفجرت القضية بين المثقفين و إن كانت قد ظلت محجوبة عن جمهورها الطبيعي: عن الأمة، التي تعرضت لسموم عوض دون ترياق شاكر. وكان هذا، وما يزال، جزءا من الخطة.

لقد تناول محمود شاكر القضية بمنهجية كشفت سطحية أستاذ الجامعة، وللقارئ – بل عليه- أن يراجع دراسات عديدة عن ذلك منها :"دراسات عربية و إسلامية" وهو كتاب ضخم أهداه مريدو العلامة وتلاميذه إليه في عيد ميلاده السبعين، وراجع أيضا:"شيخ العربية وحامل لوائها - أبو فهر محمود شاكر بين الدرس الأدبي والتحقيق"-محمود إبراهيم الرضواني-  وكتاب جمهرة المقالات  الذي جمع فيه الدكتور (( عادل سليمان جمال )) مجموع مقالات الأستاذ (( محمود محمد شاكر )) في مجلدين تحت اسم (( جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر )) وجاءت في 1274 صفحة من الحجم الكبير، وهو كتاب يتضمن المقالات التي لم يتضمنها كتاب (( أباطيل وأسمار ))، وفيه مقدمة عن العلامة نحو 40 صفحة عبارة عن مذكرات للمؤلف عن الشيخ العلامة، وراجع أيضا دراسات ممتازة للأستاذ الدكتور حلمي القاعود، والأستاذ الدكتور محمود الربيعي، والأستاذ الدكتور إبراهيم عوض، والشيخ أبو قتادة الفلسطيني والدكتور هاني السباعي ودراسات أخرى عديدة.

 لقد واجه محمود شاكر لويس عوض بمنهجية مذهلة، سحق بها الدجال سحقا،  فقد أورد قائمة مختصرة عمن تتوفر تراجمهم لأبى العلاء المعرى، كانت المراجع التاريخية التي تحدثت عن المعري ثمانية وعشرين مرجعا، لم تذكر عشرون منها شيئا عن الواقعة المدعاة، أما الثمانية مراجع الباقية فقد ثبت أنه كلها منقولة من مرجع واحد!. لقد أجرى العلامة بمنهجه ما يشبه الجرح والتعديل في الأحاديث النبوية الشريفة، فناقش المتن والسند وسير المؤرخين، ثم أن بعضهم عاصر المعرى مثل الثعالبي والخطيب البغدادي ولم يذكروا رواية راهب دير الفاروس في تراجمهم له، كما أن آخرين أساءوا للمعرى مثل ابن الجوزي ولم يذكروا تلك الحادثة. ولقد  تتبع محمود محمد شاكر هذه القصة فأثبت أن أول من قال بها هو القفطي، الذي نقل الآخرون عنه، والقفطي هذا ولد بعد وفاة المعرى بمائة وعشرين عاما، وقال: إن أكثر الأخبار في ترجمته للمعرى مسندة إلى راوٍ إلا هذه القصة وقارن بين القفطي وبين ياقوت الحموي، فذكر أن ياقوتا أورد في ترجمته لأبى العلاء أخبارا كثيرة وياقوت والمعرى شابان كما أن ياقوت أعلم من القفطى بأخبار أهل الشام وكان يتتبع أخبار أبى العلاء وينقدها لكنه لم يذكر قصة دير الفاروس.  في تذوقه لشعر أبى العلاء في صدر شبابه "سقط الزند" وجد شاكر أن أبا العلاء قد اعتذر عما فيه من مدح لنفسه، وتاب مما فيه من إسناد صفات إلى الناس هي لله تعالى وحده، ولم يعتذر عن شكوك أثارها راهب دير الفاروس. وقد  كانت اللاذقية بأيدي الروم وقت أبى العلاء وكتب رحالة نصراني أنها كانت مكانا للمفاسد الخلقية، فلا يعقل أن يجهل أهل أبى العلاء ذلك. كما أثبت  في تحليله للغة القفطى أن لغة الكتاب كله تختلف عن لغة هذه القصة مما يدل على أنها مدسوسة عليه.

وسيكتشف جهل لويس عوض وزمرته كما لم يكتشف أبدا، ففي فضيحة ليس لها مثيل يضبط العلامة محمود شاكر لأعمى القلب  لويس عوض الذي دفعه سعاره ضد الإسلام  لخطأ فادح فاحش هائل في قراءة كلمة في بيت شعر للمعري يصف فيها الإبل فيقول:

صليت نار الهجير    وباتت تغص بالصليان

والتي حرفها الدكتور لويس عوض فقال:-

وباتت تغص  بالصلبان..

والأولى الصليان – بالياء- وهو نوع من العشب تأكله الإبل، أما الثانية فهي الصلبان وهي جمع صليب. ولأن الغرض مرض، ولأن لويس عوض كسلامة موسى كأحمد لطفي السيد كطه حسين كمحمد حسنين هيكل كرفعت السعيد كجابر عصفور،  فقد تغاضى عن فهم البيت على النحو الصحيح، وقرأها الصلبان ليثبت أن الصلبان كانت منتشرة جدا حتى أن الإبل تغص بها، دون أن يدرك الجاهل، أنه سواء كثرت الصلبان أم قلت، فإن الإبل لن تأكلها وتتغذى عليها،  كانت الفضيحة هائلة، للدرجة التي دفعت لويس عوض إلى تقديم استقالته إلى محمد حسنين هيكل، باعتبار اكتشاف جهله وانكشاف أمره، لكن هيكل رفض الاستقالة، نفس الرائحة النتنة ونفس الفعل المشين الذي سيحدث بعد ذلك دائما، وعلى سبيل المثال لا الحصر قضية وليمة لأعشاب البحر، وقضية نصر حامد أبو زيد، وقضية فرج فودة، فالمسئول مهما بلغ جهله وخطؤه لا يستقيل.  بل لقد حطّوه في مكانه كي يخطئ وينشر الأباطيل.

***

عند ذلك استجمعت جوقة الشيطان فلولها، وانطلقت كلاب الصيد تعوي.. لتترك فضائح لويس عوض العلمية، وأخطاءه المخزية، لتقول أن محمود شاكر إنما يهاجمه لأنه مسيحي! و أنه بهذا سيسبب فتنة طائفية!!.

يقول محمود شاكر

..فبعضهم يزعم أنِّي قد تجنبت "الموضوعية" فيما أكتب، و خرجتُ إلى سبِّ هذا الشيء المسمى "لويس عوض"، و وقعتُ في شتيمته! و هذه قضية باطلة ، لأني شرحتُ كلَّ أمرٍ مذ كتبتُ عن "رسالة الغفران" و عن العامِّية، وعن التبشير شرحاً "موضوعياً، واحتجتُ إلى أن أستخرجَ طبيعةَ هذا الشيء المسمى "لويس عوض" من نص كلامه، من ظاهره و باطنه، فكان لا بدَّ من وصفه بألفاظٍ، فإذا كانت هذه الألفاظ نابيةً إذا وضعت في غير مكانها، فهي إذا وُضعت مكانَها عينُ الحق، لا يستطيع الطبيب-والكاتب المحلل كالطبيب-أن يشخص مرضَ إنسان تتخالج أعضاؤه، و يلتوي لسانه، و يلوح الزَّبَدُ أبيضَ عند منتهى شفتيه إذا هاجت مِرَّتُه، و تتساقط الكلمات من فيه بلا رِباط مفهوم، فيقول مثلاً: "هذه أحداثٌ عارضة للبدن"، لأنه إذا قال ذلك، لم يفهم سامعه شيئاً ذا بال، بل لعله قد غرَّر به. و لكن إذا قال: "هذا مجنونٌ ينبغي أن يُقيَّدَ حتى يُشفى" ، فقد أفهَمَ، و دلَّ أهلَه على الواجب عليهم في أمره، ووقاهم شرَّ الغموض في شأنه ".

***

سوف يشرح لنا محمود شاكر كيف كانت الجامعة آنذاك – في بعض أقسامها- وكرا لاصطياد الخونة وتوظيفهم ضد أمتهم. وكيف أن " كريستوفر سكيف "أستاذ لويس عوض وراعيه،  كان أستاذاً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوساً محترفاً في وزارة الاستعمار البريطانية، وكان  فوق ذلك، " شرلتان " عريض الدعوى، لا يستحق أن يكون أستاذاً في جامعة، ولكن سيادة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة، وكانت كلمتها هي النافذة. فأصبح سرّ " أجاكس عوض " مفضوحاً عندي، بإهدائه " بلوتولند، وقصائد أخرى " إلى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، و " الشرلتان " الذي صار أستاذاً في الجامعة " كريستوفر سكيف " !.  وبرغم ذلك يواصل محمود شاكر قراءة كتاب لويس عوض:  فإذا أوله هذا العنوان " حطموا عمود الشعر " ! وتحته مباشرة هذا الكلام: " لقد مات الشعر العربي، مات عام [1933م]، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات "... فتوقفت دهشة، ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الأطباء: " مانياهلو سينارتوريا "، وهو الهذيان والوسوسة واختلاط العقل.

وقلت: حاله لُطف " ! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا، لكي أُسَرِّي عن نفسي وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم. وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت فيه من بغض شديد للعرب، ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم، ومن غرور فاجر وسوء أدب. ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت ألفاظه، فقد كنت ألفتُ أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في ثيابهم المختلفة، حين يستخْفون فيها وحين يستعلنون. وقنعت بما سرَّى عني الهموم من هذيانه ووسوسته واختلاطه، وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل، إذ كان يومئذ شيئاً مغموراً لا يُؤبَهُ له.

***

 

يكشف  محمود محمد شاكر الفضائح العلمية للويس عوض، ويفضح عمليات التزوير  والتزييف والإحالات المرجعية إلى مصادر لا تتطابق وربما تناقضت مع ما يطرحه الدكتور لويس عوض من معلومات ينسبها إلى هذه المظاهر  في تدن وتسفل وخيانة للأمانة وللمنهج.

وقد كرر العلامة محمود شاكر مرارا  أنه لا يكشف لويس عوض بمقدار أن يكشف هجمة عاتية على هذه الأمة، لتبصر الأمة حقيقة ما يراد بها من هؤلاء الكتبة:

" ... إن تكن هذه عجيبة فلويس عوض أعجب منها! فقد ملأه مالئه منذ دهر ثمّ تركه، وضبطه له إلى أهدافه بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلال الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصة، وهو لا يكاد يرى إلا ما ركب لأجله : لا يكاد يرى إلا اليونان والرّوم، والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبية والصلبان والخلاص، والفداء، والخطيئة، وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي، واللغة العامية، والفتح الإنجليزي لمصر سنة [1882م]، وما شئت من أمثال ذلك مما ضمنّه كتبه ومقالاته قديماً وحديثاً.  فهذا التركيب الموجَّه !! لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا باورسيوس ولا المعرِّي إلا مقروناً براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي غصّت بها حلب !! ولا " وردة الدهان " وهي آيات العذاب يوم القيامة، إلا مقرونة بروزا مستيكا " مريم العذراء "، ومعاذ الله، وبرَّأها مما في عقله من السمادير ولا يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ولا توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة. ثم تأتي الطامة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلا مقروناً بترجمته إلى اللغة العامية، كما تُرجِم الإنجيل إلى اللغات الحديثة وهي عامية اللاتينية، وإلا مقرناً بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي. وهنا وهناك تراه طائشاً، زائغ العينين خفيف العقل سليط اللسان، قد استرخت مفاصل عقله، وانحلت تلافيفه. هذا، والذي أطلقه واقف من بعيد ينظر، وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده، ويفتر ثغرة عن ابتسام، إعجاباً باختراعه المدهش الذي ركّبه وأطلقه، ولم يكن يظن ظناً أنه قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! ف إذا به " يبرطع " في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية ويأتي في خلال " برطعته " - وهي البلتعة بالفصحى - بالعجائب التي لا تنقضي ، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب. وهذا نجاح مدهش ولا شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه الخُيلاء باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي لا تنكر للاختراع المسجل " لويس عوض " !

يصرخ العلامة : " وقد استغل المبشرون الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر...

ويعلق قائلاً:  وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة التي أرادوها والتي أرادها " دنلوب " وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه صلى الله لعيه وسلم، والذي عبّر عنه " وليام جيفرد بلغراف " بقوله: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربية يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه... ) - وخسئ المبشر التالف -.

ثم كشف الشيخ شاكر كيف استأجر هؤلاء المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلامية لتمرير مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم، ومن هؤلاء الدكتور محمد أحمد خلف الله.

***

***

أعترف للقارئ أنني الآن أقوم – كما أفعل في معظم مقالاتي للمختار الإسلامي- بعملية شديدة الإيلام على نفسي، عملية قاسية كالسلخ. ذلك أن المقال في صورته الأولي يتجاوز عشرة أضعاف ما يصل إلى القارئ في النهاية، وتعتلج الجمل والفقرات أمامي وأكاد أشعر بالنزيف داخل قلبي، كل جملة وكل فقرة تحاول أن تنجو من المذبحة، فكأنني أسلخها من جلدي و أقتطعها من لحمي، وكأن كل واحدة منها تخطب أمامي خطبة الموت مدلله على أهميتها و أهمية وصولها إلى القراء، مستغيثة كي أستثنيها، بل يخيل إلىّ أحيانا، أن كل كلمة أحذفها سوف تقاضيني أمام الله يوم القيامة معتبرة أن حذفها نوع من كتمان الشهادة أحمل إثمه. فما حيلتي إذن واليد مجذوذة الأصابع وسماء المنى عالية والأحلام هادرة والإمكانات قاصرة.

***

كنت أريد أن أحكي للقراء عن دخول العلامة السجن لمدة تسعة أشهر خلال عام 1959، وكان قد أيد الثورة في شهورها الأولى ثم اكتشف بطشها وظلمها وسوقيتها، وفي عام 59 حكوا له عن التعذيب الهمجي الوحشي في السجون على أيدي زبانية عبد الناصر فصرخ:

وقد يستذل الحر بأولاد الكلاب..

بل وقيل أن الذي قاله محمود شاكر أشد وأنكى، فقد قال:

والحر ممتحن بأولاد الزنى..

ورغم حبي لمحمود شاكر في الله وبغضي لعبد الناصر في الله فإن ثمة خطأ شرعي في هذا التعليق وددت لو لم يقع فيه.

وقد دار هذا الحديث في بيت محمود شاكر، وكانت المخابرات تسجل ما يدور فيه بدون علم أهله، وبسبب هذه الجملة فقد الشيخ الباقوري منصبه الوزاري الذي خان الإخوان في سبيله، كما نُحِّي يحيى حقي عن منصبه، وكانت التهمة التي وجهها الطاغوت إليهما: "علم ولم يبلغ"..

كنت أريد أن أحدثكم عن تفاصيل الجامعة التي افتتحها محمود شاكر في بيته، حين كان رؤساء الأقسام وعمداء الكليات يعتبرون أنفسهم تلاميذ صغارا  في مدرسته، حين كان أساطين العالم العربي يواظبون على الحضور إليه كي يتعلموا.

كنت أريد أن أحدثكم عن المآدب الجامعة التي كان يولمها كل يوم جمعة لكل من يتردد عليه، وأرسل إليه وزيران من وزراء الثورة مطالبين بأن تكون هناك مأدبة للعامة ومأدبة للخاصة متشكيان من أن "الأسطة سيد الحلاق" كان بجوار أحدهما في الجمعة الماضية، وفي الجمعة التالية قال العلامة محمود شاكر لضيوفه أن على كل منهم أن يخلع منصبه مع حذائه قبل دخول بيته، وأن "الأسطة سيد الحلاق" قد يكون أفضل من علية القوم.

كنت أريد أن أحدثكم عن رقة مشاعره وهو في السبعين من عمره لكنه يبكي كالأطفال حين راح يحكي عن  زوجته وأفضالها عليه وحبه لها.

وكنت أريد أن أحدثكم عن موقفه المذهل أمام الملك فهد..

وكنت أريد أن أحدثكم عن مؤلفاته.. عن قدرته الهائلة على فهم النصوص.. عن كتاب من خمسمائة صفحة يشرح فيه قصيدة من الشعر الجاهلي من 23 بيتا.. ومع ذلك تحس أنه اختصر وكثف وتتمنى لو أنه أطال واستفاض..

وكنت أريد أن أحدثكم عن قصته مع أصدقائه وتلاميذه ومنهم المرحومة الأستاذة عايدة الشريف..

وكنت..

وكنت..

وكنت..

ولعل القارئ يتساءل : ولماذا لا تكتب حلقات أخرى عنه..

و أجيب عليه: وماذا عن بقية القضايا التي تذبحنا..

وأواصل الرد على القارئ: لقد قمت بجزء من دوري وعليك أنت أيضا أن تقوم بجزء من دورك، ولعلك تسألني كيف؟ وأجيبك: اشتر كل شهر ثلاث  نسخ من هذه المجلة ووزعها على من تتوسم فيهم خيرا، فإن كلمة واحدة يمكن أن تغير طريق إنسان قد يهديه الله على يديك فيكون لك مثل حسناته دون أن تنقص منها شيئا. إنك بها تساهم في رفع الحصار الإعلاني الذي يفرضه الطاغوت  على المجلة، وفي هذا الصدد فإنني أناشد قراء هذه المجلة أن يغيروا عاداتهم الغربية التي سادت بيننا، ولتكن هدايانا التي نتبادلها في اليسر والعسر كتبا – بدلا من التورته والجاتوه- لنهد بعضنا البعض كتبا كالظلال والمعالم و أباطيل و أسمار وواقعنا المعاصر والاتجاهات الوطنية وحصوننا مهددة.. و..و..ومجلة المختار الإسلامي.

***

نعود إلى العلامة محمود شاكر، الذي لخص وضع الأمة العربية في غفلتها وسلبيتها بأنها  كقطيع من الخراف يساق إلى المجزرة التي نصبها له الاستعمار وهو فرح بها نشوان. فقبل أن تنتهي ملحمته مع الشرلتان لويس عوض كواجهة لجند الشيطان تم إغلاق مجلة الرسالة التي كانت تنشر مقالاته، ولم يكتف الطواغيت المجرمون بذلك، بل أخذوه إلى السجن (أين كان محمد حسنين هيكل وهذا العلامة يساق إلى السجن بسبب تحريض صحيفته وقرار سيده، بل أظن القرار كان لهيكل)،  اعتقل ودخل السجن في يوم 20-8-1965 ومكث فيه حتى 30-9-1967، وفي ذلك يقول:

 أحاطت بي الأسوار وأظلمت الدنيا، وسمعت ورأيت وفزعت وتقززت… وكان ما كان...

وعلمت، حتى ما أُسائل واحداً      عن علم واحدة لكي أزدادها

وتسليت عن كل ما ألقي إلي بقول شيخ المعرة...

يسوسون الناس بغير عقل      فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفًّ من الحياة وأُفُّ منِّي      ومن زمن رئاسته خساسة

***  

***

***

حاشية 1

اعتذار

يا للعار.. هل يغسلني الاعتذار..!!

أعتذر.. أعتذر.. أعتذر.. أعتذر.. أعتذر.. أعتذر..

أعتذر يا فلسطين.. أعتذر يا غزة..

أعتذر يا إسماعيل هنية.. ويا زهار..

وأشعر بالخزي والعار من كل حكامنا وبعض كتابنا.

***

حاشية 2

مباحث أمن الدولة

 

أذكِّركم.. لقد كتبت قبل ذلك أحذر من أن الهيئات العسكرية أو شبه العسكرية هي بسبب طبيعتها، الأسهل في اختراقها، وأن هذا الاختراق يهدد الأمن القومي كله، وكتبت أحذر من أن خائنا يقبع في مكان ما هو الذي يوجه طريقة التعامل الأمنية الباطشة  مع أهل سيناء.. بطريقة تجعلهم يكفرون بالوطن الأم.. تمهيدا لتقسيم قادم لمصر..

هل كان الأمر سيكون أسوأ لو تولى الأمن في سيناء ضابط من الموساد؟!

***

حاشية 3

حماس

الكلاب التي  تعوي خوفا من قيام حماس بغزو سيناء.. والذين أعلنوا أن ن صواريخ القسام التابعة لحركة حماس تهدد المدن المصرية..!!.. إعتبروا الفلسطينيين   كالإسرائيليين الذين يحق لهم دخول سيناء دون تأشيرة دخول..

إعتبروهم كذلك ياكلاب.. يا خنازير..

***

حاشية 4

وجه الحكم

الوجه الحقيقي للحكم ليس هو ذلك القناع  الذي سمح لأهلنا  الفلسطينيين بالدخول.. بل هو الوجه الأخير: وراجع الحاشية السابقة.

***

حاشية 4

ما أشرفهن!!

 

عندما أقرأ لبعض كتابنا يصرخ ضميري: ما أشرف العاهرات!!.

***

حاشية 6

أحمد الوكيل

شاب عبقري في علوم الكمبيوتر موسوعي في ثقافته بالغ التأثير على من حوله، لا ينتمي إلى هيئة أو فئة أو صحيفة أو نقابة، أنشأ وكالة الأنباء الإسلامية، وكانت شديدة التميز،  وكان انتقادي لها أنها تركز على الجانب النظري مغفلة الجانب الحركي، أحمد في عمر أبنائي، و أعترف أنني استفدت منه، ومن علمه، ومن قدرته على ألا تكون له خيرة فيما قضى به الله، أعرفه وأعرف أباه، وكان الأب أيضا إنسانا فذا ( كان عليه رحمة الله زميلا لرفعت السعيد ثم هداه الله). لم أر إنسانا بارا بأهله وبزوجة أبيه (ماتت أمه بعيد ولادته)  كما رأيت أحمد الوكيل.

منذ خمسة عشر عاما كنت قد نشرت دراسة عن قصة "العسكري الأسود" ليوسف إدريس، وبلغ تأثر أحمد الوكيل بها حدا أثار دهشتي، كنت أعلم أنه يسبقني في مجالات عديدة في قراءة الأدب، وكنت أعلم أنه قرأ  القصة قبل ذلك كما قرأ الأدب المصري الحديث كله تقريبا، وكثيرا جدا من الأدب العالمي، وتسلل بصيص من الضوء إليّ، فثمة جزء في شخصية أحمد الوكيل ينتمي إلى بطل القصة، الدكتور شوقي، الذي تمحور وجوده كله على الهرب من العسكري الأسود، ومن جميع الطرق التي قد تؤدي به إلى لقائه.. والذي و إن بدا كبقية الناس، إلا أنه من الداخل، من أعمق أعماق الداخل، ليس سوى ندبة هائلة لجرح هائل.

حاول أن يهرب من العسكري الأسود لكنه رغم هروبه الدائم وقع في براثن من هو أسود منه..

حاول أحمد الوكيل أن يهرب منه بكل طريقة حتى أنه رفض – بين دهشة أصحابه- عرضا نادرا بالانضمام إلى نقابة الصحفيين.. وربما ظن أن ذلك الاحتماء بالنقابة قد يغضب العسكري الأسود الذي يرى أية محاولة للتمرد على الاستسلام التام إرهابا يستحق العقاب الشديد.

فجأة منذ أكثر من شهر ألقت مباحث أمن الدولة القبض عليه.. دون سبب.. دون بادرة.. دون إنذار.. دون أن يقترب من محرماتها..ولا حتى بلعن الشيطان!..

وكأنه مات.. فلا خبر عنه.. ولا تفسيرا لما تم.. ولا تحقيق أمام النيابة.. ولا هيئة تدافع عنه..

لشد ما آلمني أن أحدا لم يدافع عنه..

أحسست بمعنى آخر لليتم، ليس ليتمه فقط بل ليتم الإنسان مجردا، ليس لموت الأب والأم ، بل لموت مشاعر وضمائر أهل شارعه مدينته وطنه أوطانه  أمته بل لموت الإنسانية كمعنى يضم الناس. يتيم بمعنى فقد الأمن والعاهل والشرطي والمثقف والقاضي والحاكم. أحسست بمعنى اليتم للبشرية حين يصبح القانون هو انعدام القانون والحرمة  والكرامة.

وجماهير اليساريين –عليهم اللعنة- التي تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل عاهرة  أو شاذ أو مخمور لم تذكر-مجرد ذكر- خبرا واحدا عنه.. لكن كيف يغفرون له أن أباه قد فعلها ذات يوم حين تبرأ منهم، وأن أحمد نفسه كان قريبا جدا منهم ذات يوم.

لم يسأل عنه أحد..

وكانت هذه الملاحظة وحدها كفيلة بتبرئته من أي شبهة.

لم يدافع عنه أحد..

لم تتحرك منظمات حقوق الإنسان.. ولم تذع الفضائيات ولا كتبت الصحف..

وصلنا إلى الدرك الأسفل فهل ثمة أسفل من ذلك؟!..

لو أن من اختفى كان كلبا لتحركت منظمة من هنا أو لاحتج صوت من هناك..

فأي حياة كالموت فرضوها على الناس قاتلهم الله و أهلكهم وأهلك قادتهم وأئمتهم..

لم يتحرك أحد..

اشتد غضب الله على من يظلم من  لم يجد إلا الله ناصرا..

وأنت لم تجد يا أحمد المظلوم المأسور ناصرا..

فهل هناك من يسمع أو من يعقل أو من يجيب؟!

وإن كان الكل شيطانا أخرس.. فإنني أسألك.. يا كبيرهم..

أسألك.. يا وزير الداخلية.

***

حاشية 7

رجل رشيد!!

صك صوت القارئ سمعي فانخلع قلبي:

-         أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ؟!

فأجبت على الفور:

-         نعم.. نعم.. وعزتك وجلالك يا رب ما في حكامنا رجل رشيد.. بل هم أسوأ ممن نزلت فيهم الآية..