العلامة محمود شاكر

بين الانشطار والانكسار والانتحار والانتصار

"1"

 

بقلم د محمد عباس

 

 

هل يمكن أن يكفي هذا المقال للحديث عن العلامة محمود شاكر؟

بل هل يمكن أن تكفي صفحات هذه المجلة لأداء هذا الغرض؟

بل لو اقتصرت أعداد المجلة أعواما للحديث عنه فهل تكفيه؟

محمود شاكر الذي قيل أنه قد رزق عقل الشافعي، وعبقرية الخليل، ولسان ابن حزم، وشجاعة ابن تيمية.

محمود شاكر الذي تحدث عنه  الأستاذ كمال النجمي فقال : "إنه ليقف اليوم وقد انتهت إليه الرئاسة في علوم اللغة وآدابها، قائما بسلاحه على نفس الثغرة التي كان يدفع عنها الأعداء منذ ستين عاما، منفردا متوحدا، قد خلا الميدان إلا منه لأن حربه التي أعلنها علي الفساد لا تضع أبدا أوزارها.

محمود شاكر الذي قال تلميذه وصديقه الدكتور محمود الطناحي أنه حصَّل من المعارف والعلوم العربية ما لم يحصله أحد من أبناء جيله، ثم خاض تلك المعارك الحامية: فحارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابه اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية، والعبث بها بحجة التطور اللغوي، ثم يستطرد قائلا: "ولكن كيف أكتب عنك أيها الشيخ الجليل، ومن أين أبدأ وكيف امضي، وإلى أين انتهى ؟ والحديث عنك إنما هو تاريخ هذه الأمة العربية الشريفة، عقيدة ولغة وفكرا ورجالا وآمادا رحبة متطاولة، لا يقدرها إلا أنت، ولا يعرف كنهها إلا أنت، وتاريخ أمتنا حاضر بين يديك، ماثل أمام عينيك، لم يغب لم عنك لحظة ولم تخدع عنه لحظة، فماذا أنا قائل فيك، وماذا أنا بالغ من الكتابة عنك ؟ "ومعذرة ثم معذرة شيخي أبا فهر إذ أكتب عنك بهذه الوجازة التي تراها، أراك الله الخير كله ودلك عليه، ورغبك فيه. "ثم معذرة من بابة أخرى : وهو أن أكثر ما ستقرأه، إن شاء الله منتزع من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك وأتقدم منك إليك".

***

أنا أيضا يا سيدي وشيخي و أستاذي سيكون كلامي منتزعا من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك وأتقدم منك إليك!! .. بل لعلى أقول أنه من الصعب جدا أن يتحدث الإنسان عنك  بغير ألفاظك الهائلة وفكرك الشامخ المعجز وبصيرتك النافذة وفكرك المحيط الشامل..

***

خطان متوازيان جمعاني بالعلامة محمود شاكر..

خط في أعلى الجبل كان هو يطير عليه..

وخط على السفح كنت  أتعثر فيه، كان هو القائد والأمير وكنت جنديا..

ولعلى – تمسحا به- أقارن بين موقفه الهائل في الدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية ضد وكيل الصليبيين لويس عوض، ومقالاته المدوية عنها في مجلة الرسالة التي انتهت بإغلاق المجلة، وبين موقفي المتواضع في مواجهة النصيري حيدر حيدر وأصحابه من المرتدين العلمانيين الشيوعيين فيما عرف بأزمة وليمة لأعشاب البحر حيث كتبت أربع مقالات مدوية انتهت بإغلاق صحيفة الشعب، وما تزال.

وهذا وجه واحد من وجوه كثيرة.

***

ولكي يعرف القارئ مكانة هذا العلامة الشامخ في قلبي، فإنني أعترف أنه في كل خلافاته مع الشهيد سيد قطب كان الصواب في جانبه، وربما للإنصاف نقول أن هذه الخلافات والمعارك قد نشبت قبل المرحلة الإسلامية في حياة الشهيد.. أما بعد المرحلة الإسلامية فقد كان الاختلاف ما بين الجبلين الأشمين هو أشد أنواع الخلاف قسوة. لأنه خلاف بين صوابين، حيث أجد كل قلبي مع الشهيد وبعض عقلي مع العلامة.

***

كان محمود شاكر هو الفارس الأخير كما قال عنه د. عبد القدوس أبو صالح ، و كان هو الذي حمل راية القرآن من الرافعي، كاتب الإسلام الأكبر، واستطاع أن يقف أمام طه حسين الذي فجر تيار التغريب في هذه الأمة، حين مضى يدعو إلى انسلاخ مصر، قلب العالم العربي، عن هذا العالم، بل عن الشرق كله، ويدعو في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" إلى أن يأخذ المصريون حضارة الغرب بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يستكره..وكذلك استطاع أن يتصدى في "أباطيل وأسمار" إلى "لويس عوض"، الذي يمثل الجيل الذي خلف طه حسين، وزاد عليه في التنكر للتراث، وفي دفع الأمة إلى مهاوي العلمانية واليسار والاشتراكية.

***

كتب الدكتور  محمد حسان الطيان في مجلة الفيصل العدد 266 (كانون الأول 1998) يقول:

لقد كان أبو فهر صاحب بيانٍ لا يُجارى في دنيا الأدب، وأسلوب لا يُبارى في دنيا الكتابة، تقرأ له فتسمو نفسك وتعلو مشاعرك حتى تكاد تلامس نجوم السماء، يأسرك أسلوبه الجزل، ويروعك تركيب جمله وعباراته، ويبهرك روعة استشهاده وحسن تأتِّيه، ويخلبك تخيُّره لمفرداته وانتقاؤه لكلماته. والأستاذ شاكر - فوق ذلك كلّه وقبل ذلك كله - قلب نابض بحبِّ أمته وتحقيق آمالها، وعقل واعٍ لتاريخها وثقافتها، وعينٌ راصدة لعالمها المتراحب، وحارس أمين يحرسُها من كلِّ خطر دقّ أو جلَّ، ومن كل عدو تخفّى أو تبدّى.

أما الكاتبة الصحافية اللامعة عايدة الشريف  فتقول عنه في كتابها (محمود شاكر قصة قلم- كتاب الهلال العدد 563"  وهو مرجع رئيسي لهذه الدراسة) : " إن عالمه ليس من النوع المألوف الذي نقرأ عنه في صحفنا ومجلاتنا المعاصرة. إن صورته هي جزء من مجالس العلم القديمة آلتي يصلنا شذاها عبر سطور التاريخ ومن خلال صفحات أمهات الكتب العربية، تلك المجالس آلتي أضاءت بمصابيح العبقرية العربية، متمثلة في علمائها ورواتها وشعرائها وفقهائها وكل من انتظم في ذلك العقد الفريد من هؤلاء الرجال العظام الذين مكنوا لكل ما هو عربي أصيل في هذه الأرض

***

في كتابه من أعلام العصر يتحدث أسامة أحمد شاكر عن آل شاكر، فهم ذرية بعضها من بعض، يتحدث عن جده و أبيه وعمه، محمود شاكر.

فقد تقلد الأب الشيخ محمد شاكر مناصب عديدة منها أنه كان وكيلا للجامع الأزهر، ورفض أن يتقلد مشيخة الأزهر وكان وضعها البروتوكولي آنذاك يسبق رئيس الوزراء، لأنه أدرك أنه سيجبر على السكوت على ما يرفضه الشرع. وكان مقربا من الشيخ محمد عبده، ولقد أخبر ابنه محمود شاكر، أن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني كانا عضوين ما سونيين وعرضا عليه الاشتراك معهما فأبى، وقاطعهما، ولكنه لا يتهمهما بل يلتمس الأعذار لهما بالجهل.

وكانت الصداقة قد توطدت بين الشيخ محمد شاكر والسلطان عباس حلمي الثاني، الذي ذهب للتهنئة بمولد محمود شاكر، ومنحه الباشوية وهو رضيع.

‏في مكتب رئيس جامعة القاهرة  صورة وضع حجر الأساس للجامعة المصرية، الذي وضعه الخديوي عباس حلمي الثاني، ويرى على يمينه الأمير أحمد فؤاد (والملك فؤاد فيما بعد ) ثم الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر وعلي يساره الخديوي رئيس الوزراء.

تاريخ العائلة كلها تاريخ حافل، ولكن واقعة محددة للشيخ محمد شاكر، والد العلامة محمود شاكر، تظهر أكثر من سواها كيف أن هذه العائلة كانت لا تخشى في الحق لومة لائم.

ففي عام 1916 كان طه حسين طالبا بالجامعة المصرية القديمة التي كان يرأسها الأمير أحمد فؤاد و الملك فؤاد فيما بعد،  وكان قد  تقرر إرسال طه حسين في بعثة إلى فرنسا فأراد ألسلطان حسين كامل أن يكرمه فاستقبله  استقبالا  كريما وحباه بهدية قيمة.

‏وكان من خطباء المساجد التابعين لوزارة الأوقاف خطيب متكلم مقتدر، هو الشيخ محمد مهدي  وكان السلطان حسين مواظبا على صلاة الجمعة يحضرها العلماء والوزراء والكبراء. فصلى الجمعة يومها بمسجد المدبولى القريب من قصر عابدين و أراد الشيخ محمد مهدي أن يمدح السلطان، ولكن خانته فصاحته فزل لسانه زلة لم تقم له قائمة بعدها إذ قال في خطبة الجمعة :

(جاءه الأعمى فما عبس في وجهه وما تولى)..

‏وكان من شهود هذه الصلاة الشيخ محمد شاكر فقام بعد الصلاة يعلن الناس في المسجد أن صلاتهم باطلة وآمرهم أن يؤدوا صلاة الظهر بدلا من صلاة باطلة للجمعة، فأدوها. ‏ذلك أن الخطيب الأحمق الجاهل كفر بما شتم به رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يتملق السلطان بتفضيله على الرسول.  وكان وضع السلطان خطيرا جدا،  فهو إن وافق الخطيب استفز الأمة المسلمة كلها و إن وافق الشيخ محمد شاكر أقر بكفر الخطيب مع ما في ذلك من تداعيات شرعية، وانحاز السلطان في الظاهر للشيخ محمد شاكر، ولكن تداعيات القضية استمرت بعد ذلك فترة طويلة.

***

كان الشيخ محمد شاكر من خطباء ثورة سنة1919م، وكان العلامة المحدث أحمد محمد شاكر، شقيق العلامة محمود شاكر ، وهو واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة فهو إمام المحدثين في القرن العشرين.

في هذه الأسرة نشأ العلامة محمود شاكر.

***

سوف يتعلق قلب محمود شاكر بالحروف والكلمات منذ طفولته الباكرة، فكأنما فهم الأمر"اقرأ باسم ربك الذي خلق" وقدّر أنه هو المخصوص به بعد أن اتخذه الناس مهجورا، يقول:  فمنذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا، وأرى سوادها وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها، لأني أدركت أول ما أدركت أن "الكلمة " هي وحدها التي تنقل إلى الأشياء التي أراها بعيني .

 إنه يبدأ درسه الأول في المدرسة الابتدائية  تحت وطأة نظام صليبي عنصري استعماري كان قد وضعه المبشر والقسيس دنلوب، حيث حصة اللغة الإنجليزية هي الأولى مع النشاط والانتعاش  وحصة اللغة العربية هي الأخيرة حيث الإجهاد والكسل والنعاس. يقول: "  اغتالت  حروف اللغة –الإنجليزية- الجديدة وكلماتها كلّ همّتي، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة، فقلَّ انتباهي إلى لغتي العربية، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها، وكذلك صرت في العربية ضعيفاً جداً، وهكذا أنفذ دنلوب اللعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر، ولكن كان من رحمة الله بي أن أدركتني ثورة مصر في سنة [1919 م] وأنا يومئذ في السنة الثالثة، فلما كانت السنة الرابعة سقطت في امتحان الشهادة الابتدائية... واتسع الوقت في السنة المعادة  فصرت حراً أذهب حيث يذهب الكبار إلى الأزهر، حيث أسمع خطب الثوار، وأدخل " رواق السنارية " وغيره بلا حرج، وفي هذا الرواق سمعت أول ما سمعت مطارحة الشعر، وأنا لا أدري ما الشعر إلا قليلاً.

***

يبدأ العلامة وهو بعد طفل في المدرسة الابتدائية في قراءة ديوان المتنبي بشرح الشيخ "اليازجي"، وكان مشكولاً مضبوطاً جيد الورق:  "فلم أكد أظفر به حتى جعلته وردي، في ليلي ونهاري، حتى حفظته يومئذ، وكأن عيناً دفينة في أعماق نفسي قد تفجرت من تحت أطباق الجمود الجاثم، وطفقت أنغام الشعر العربي تتردد في جوانحي، وكأني لم أجهلها قط، وعادت الكلمة العربية إلى مكانها في نفسي."

***

وبعد ثورة 1919 انتقل إلى مدرسة القربيّة بدرب الجماميز، ثم دخل المدرسة الخديوية الثانوية سنة 1921 م. ونال درجة البكالوريا سنة  1925م.

كان محمود شاكر منذ صباه الباكر على علاقة بكبار كتاب عصره، كما ربطته علاقة حميمة  بكل من الكاتب الكبير الأستاذ يحيى حقي والشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل وكان كل منهما يعتبر الأستاذ شاكر إماما عليما بأسرار البيان العربي في شعره ونثره، ومرجعا حيا للثقافة العربية، وقد عبر كل منهما عن تلك الرابطة في أكثر من مقام من مقامات القول منها: قصيدة الأستاذ محمود حسن إسماعيل في تقديم قصيدة ‏القوس العذراء، كما ذكر الأستاذ يحيى حقي في بعض أحاديثه الصحفية أنه قرأ أمهات كتاب الأدب العربي على الأستاذ شاكر.

لقد نهل من العلم الكثير، وقبل أن يدخل الجامعة، كان قد قرأ كتاب الأغاني للأصفهاني كاملا، كما قرأ لسان العرب كله، وتفسير الطبري وتاريخه، ودلائل الإعجاز للجرجاني، وأتيح له - أيضا أن يدرس اللغة العربية على يدي الشيخ سيد بن على المرصفي، أستاذ طه حسين، وصاحب كتاب "رغبة الآمل من كتاب الكامل" الذي يشرح كتاب الكامل للمبرد، وكتاب "أسرار الحماسة" وهو في شرح ديوان الحماسة لأبى تمام. كما قرأ كثيرا من كتابات المستشرقين فقد كان يجيد الإنجليزية إجادة تامة.

وسوف يساعده احتفاله بالحرف والمعنى على كشف حديث إفك المستشرقين ومكرهم الخفي  مبكرا.

راسل الأستاذ مصطفى صادق الرافعي -عملاق العربية وشيخ أدبائها- منذ سنة 1921م.

تصوروا..!! لم يكن قد جاوز الثانية عشرة من عمره..

***

لا يتسع المقال لكثير من التفاصيل، لكن ثمة مندوحة للقول أن العلامة محمود محمد شاكر قد ولد بالإسكندرية في الأول من فبراير عام 1909 "ليلة العاشر من المحرم 1327هـ" وكان والده الشيخ محمد شاكر من أسرة ابى علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي.

***

وبعد حصوله على البكالوريا التحق شاكر بكلية الآداب - قسم اللغة العربية - وهناك كانت البداية في معركته التي عاشها إلى يوم وفاته، معركته ضد أعداء الأمة، وكانت ساحة هذه المعركة هي ساحة اللغة والثقافة والأدب. وهي المعركة التي ستظل معركته إلى أن يموت.

***

في عام 1926، وبعد عشرة أعوام من موقف أبيه الشهير ضد إمام المسجد محمد مهدي، كانت الأيام تدور ليقف الابن وهو بعد في العرف الشرعي طفل ما يزال، موقفا هائلا ضد طه حسين. كان طه حسين صنيعة الوسائل الإعلامية الهائلة التي تكفلت بتصنيعه نجما كي يهدم الدين، وكان عميدا لكلية الآداب، وكان محمود شاكر في السابعة عشرة من عمره.

كان طه حسين قد عاد بجرثومة الحداثة من فرنسا، وكانت قد تمكنت منه، وأصبح مستعدا لهدم المقدسات جميعا، والبداية من نقطة الصفر، بإمكانيات قاصرة قصورها البشري بعد قصور الغرض والهوى. من هذه النقطة الفكرية الخطيرة بدأ طه حسين يلقي محاضراته الملغمة المسمومة على طلبته، تلك المحاضرات التي جمعها بعد ذلك في كتابه الملعون"الشعر الجاهلي".

وفي هذه المحاضرات كان يعلن فض فوه وبورك شانئوه" أن معظم الشعر الجاهلي مزور، و أنه كتب بعد الإسلام، بقصد تزوير آخر في رأيه الشيطاني، هو إظهار إعجاز القرآن المنسوب إلى هذا الشعر المزور المنحول، لأنه إذا كان القرآن قد تحدى العرب ببيانه، وكان بيان العرب يومئذ مرتبط أشد ما يكون الارتباط بالشعر الجاهلي، فإن إثبات أن المسلمين زوروا هذا الشعر كله سيفضي إلى أنهم قد زوروا إعجاز القرآن أيضا، بل والقرآن نفسه ( وليلاحظ القارئ أن هذه هي دعاوى الجاهلين والكفار دائما، ومنهم نصر حامد أبو زيد، الذي حكمت بكفره محكمة النقض، وليس مجمع البحوث الإسلامية). لقد كان الشعر الجاهلي يمثل روعة البيان والبلاغة عند العرب، والقرآن الكريم تحدّى العرب في أعظم ملكاتهم وهي ملكة البيان والبلاغة، فإذا تمَّ نفي الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن الكريم.

***

شاءت المشيئة لمحمود شاكر أن يلقاه أحمد تيمور باشا ، وهو يعرف ثقافته واهتماماته، وموقفه من المستشرقين رغم عمره، وناوله [المجلة الأسيوية الناطقة باللغة الإنجليزية في عدد يوليو 1925 م ] فإذا منشور فيها مقالة للأعجمي المستشرق مرجليوت ، تستغرق في نحو اثنتين وثلاثين صفحة من هذه المجلة بعنوان نشأة الشعر العربي، وكان محمود شاكر خبيراً بهذا الأعجمي منذ قرأ كتابه عن محمد رسول صلى الله عليه وسلم،  يقول: أخذت المجلة وانصرفت وقرأت المقالة وزاد الأعجمي سقوطاً على سقوطه ، كان كل ما أراد أن يقوله : أنه يشك في صحة الشعر الجاهلي ، لا بل أن هذا الشعر الجاهلي الذي نعرفه هو في الحقيقة شعر إسلامي وضعه الرواة المسلمون في الإسلام ونسبوه إلى أهل الجاهلية وسخفاً في خلال ذالك كثيراُ . ولأني عرفت حقيقة الاستشراق لم ألق بالاً إلى هذا الذي قرأت وعندي الذي عندي من هذا الفرق الواضح بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي."

وكان القدر يعد محمود شاكر لدوره الباهر في المعركة الحاسمة.

***

كان طه حسين في ذلك الوقت يعد المحاضرات التي سيلقيها على طلبة كلية الآداب عام 1926، ثم يصدرها في كتاب عام 1927. و في هذا الكتاب ( في الشعر الجاهلي ) الصفحة 26 ما نصه [ للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى] وفي نفس الكتاب تكلم عن القراءات السبع للقرآن والثابتة لدى جميع المسلمين وزعم إنها قراءات للعرب استحدثوها لتسهيل قراءات القرآن  وفي الصفحة 27 طعن في نسب النبي صلى الله عليه وسلم ما نصه ( ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي وأن تكون قصي صفوة قريش وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها ) . في الصفحة80 ( أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب ، كانت قبل أن يبعث النبي وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل ) وفي الصفحة 81 قال ( وشاعت في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ، ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان . ويقول أيضا أنه على الباحث حين يتصدى لدراسة هذا الأمور أن  يتجرد من كل شيء كان يعلمه من قبل وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذِّهن ممّا قيل فيه خلوّا تاماً وأنه يجب علينا حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وأن ننسى ديننا وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك أنّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين، وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟

ولم يكن أحد آنذاك سوى العلامة محمود شاكر يعلم أن كتاب الدكتور طه حسين ( الشعر الجاهلي ) لم يكن من بنات أفكاره. وتصدى للمعركة وحيدا فريدا..

***  

وقد وصف محمود شاكر رحمه الله هذه الفترة تفصيلاً في المقدمة الجديدة لكتابه "المتنبي" حيث يقول : (... كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور " طه " يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب في " الشعر الجاهلي " ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتد إلي رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمّ النسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور " طه "، عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمناً لا أستطيع أن أتكلم.  تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي والأدب - الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا- يمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة مَعْجَزة، وضاقت علي المذاهب، ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردد. وعرفت فيمن عرفت من زملائنا شاباً قليل الكلام هادئ الطباع، جم التواضع، وعلى أنه من أترابنا، فقد جاء من الثانوية عارفاً بلغات كثيرة، وكان واسع الإطلاع، كثير القراءة، حَسَن الإستماع، جيد الفهم، ولكنه كان طالبا في قسم الفلسفة، لا في قسم اللغة العربية. كان يحضر معنا محاضرات الدكتور، وكان صفوه وميله وهواه مع الدكتور "طه " ذلك هو الأستاذ الجليل " محمود محمد الخضيري ". نشأت بيني وبينه مودة فصرت أحدثه بما عندي، فكان يدافع بلين ورفق وفهم، ولكن حدتي وتوهجي وقسوتي كانت تجعله أحيانا يستمع ويصمت فلا يتكلم. كنّا نقرأ معا، وفي خلال ذلك كنت أقرأ له من دواوين شعراء الجاهلية، وأكشف له عما أجد فيها، وعن الفروق التي تميز هذا الشعر الجاهلي من الشعر الأموي والعباسي. وجاء يوم ففاجأني " الخضيري " بأنه يحب أن يصارحني بشيء وعلى عادته من الهدوء والأناة في الحديث، ومن توضيح رأيه مقسماً مفصلاً، قال لي: إنه أصبح يوافقن ي على أربعة أشياء:

الأول : أن اتكاء الدكتور على " ديكارت " في محاضراته، اتكاء فيه كثير من المغالطة، بل فيه إرادة التهويل بذكر " ديكارت الفيلسوف "، وبما كتبه في كتابه " مقال عن المنهج " وأن تطبيق الدكتور لهذا المنهج في محاضراته، ليس من منهج " ديكارت " في شيء.

الثاني : أن كل ما قاله الدكتور في محاضراته، كما كنت أقول له يومئذ، ليس إلا سطواً مجرداً على مقالة " مرجليوث "، بعد حذف الحجج السخيفة، والأمثلة الدالة على الجهل بالعربية، التي كانت تتخلّل كلام ذاك الأعجمي وأن ما يقوله الدكتور لا يزيد على أن يكون " حاشية " وتعليقاً على هذه المقالة.

الثالث : أنه على حداثة عهده بالشعر وقلة معرفته به، قد كان يتبين أن رأيي في الفروق الظاهرة بين شعر الجاهلية وشعر الإسلام، أصبح واضحاً له بعض الوضوح وأنه يكاد يحس بما أحس به وأنا أقرأ له الشعر وأفاوضه فيه.

الرابع : أنه أصبح مقتنعاً معي أن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي، قبل قراءة نصوصه قراءة متنوعة مستوعبة، لغو باطل وأن دراسته كما تدرس نقوش الأمم البائدة واللغات الميتة، إنما هو عبث محض.

وافق أن جاء في حديثه هذا في يوم من أيام العصبية. فالدكتور " طه " أستاذي، وله علي حق الهيبة، هذا أدبنا. وللدكتور " طه " علي يدٌ لا أنساها، كان مدير الجامعة يومئذ " أحمد لطفي السيد " يرى أن لاحق لحامل " بكالوريا " القسم العلمي في الالتحاق بالكليات الأدبية، ملتزما في ذلك بظاهر الألفاظ!! فاستطاع الدكتور " طه " أن يحطم هذا العائق بشهادته لي، وبإصراره أيضا. فدخلت يومئذ بفضله كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه. وأيضا فقد كنت في السابعة عشرة من عمري، والدكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة. كانت هذه الآداب تفعل بي فعل هوى المتنبي بالمتنبي حيث يقول:

رَمَى واتّقى رَمْيي وَمِنْ دونِ ما اتقَى             هوىً كاسِرٌ كَفَّي وقَوسي وأسْهُمي

فذلك ظللت أتجرع الغيظ بحتاً، وأنا أصغي إلى الدكتور " طه " في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، لا أستطيع أن أناظره كِفاحاً، وجهاً لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته لا في مشهده. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة " مرجليوت "، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور " طه " في تزييف هذا الشعر. وكان هذا " السطو " خاصة ممّا يهزّ قواعد الآداب التي نشأت عليها هزاً عنيفاً، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئا فشيئاً، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً، فجاء حديث الخضري، من حيث لا يريد أو يتوقع، لينسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الآداب. وعجب الخضري يومئذ، لأني استمعت لحديثه، ولم ألقه لا بالبشاشة ولا بالحقارة التي يتوقعها، وبقيت ساكناً، وانصرفت معه إلى حديث غيره.

وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور " طه " أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجاً، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه " منهجا " وعن تطبيقه لهذا " المنهج " في محاضراته، وعن هذا "الشك " الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن " المنهج " وعن " الشك " غامض، وأنه مخالف لما يقوله " ديكارت "، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليماً ما يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية، وفوجئ الخضيري خاصة. ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور " طه " وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذي استنكروا غضاباً ما واجهت به الدكتور " طه "، ولم يبق معي إلا محمود محمد الخضيري - من قسم الفلسفة كما قلت -. وبعد قليل أرسل الدكتور " طه " يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حيناً ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقالة " مرجليوث "، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضا!! وكتمان هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزاً عن الرد، وعن الاعتذار إليه أيضاً، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتاً مُطرقاً حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور: " طه " إلى غير رجعة!.

ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحياناً بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينا وشمالاً في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث، صارفاً همي كله إلى موضوع "المنهج" و "الشك " وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة، ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهلية، أن التماس الشبهة لتقرير أنه باطل بالنسبة، وأنه موضوع في الإسلام، من خلال روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير. ولكني من يومئذ أيضاً لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور " طه " وهي أنه سطا سطْواً كريهاً على مقالة المستشرق الأعجمي، فكان، بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور " طه " نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ " نلّينو " جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور " طه " زماناً، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالباً للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في " قضية الشعر الجاهلي " بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب ).

***

سوف تنفجر قضية هذه المحاضرات التي  جمعها طه حسين ليصدرها عام 1927 في كتاب الشعر الجاهلي، وسوف تقوم الدنيا عليه ولا تقعد بعد أن تصدى له أساطين العلم والفكر والبيان وعلى رأسهم مصطفى صادق الرافعي، أما سعد زغلول فقد شبه طه حسين بالبقر في جهله وعدم فهمه، لكن آنذاك، عام 1926، والكتاب لم يصدر، والمحاضرات لا يعلم بفحواها إلا عدد قليل جدا من الطلبة ، لم يكن يحفل بمحتواها إلا محمود شاكر.

***

سوف يذهب معظم أساتذة جامعة القاهرة إلى منزل الشيخ محمد شاكر كي يقنعوا محمود شاكر بالعودة إلى الجامعة، بل إن الدكتور طه بعث لشاكر ولمجلس أبيه بالمستشرق بنيليو ليقنعه بالعدول عن موقفه، بل إن نيلينو ربما نقل للدكتور شروط الطالب شاكر للعودة إلي الجامعة، وهى أن يعترف الدكتور طه بعملية السطو، سوف يذهب معظم أساتذة الجامعة للغرض نفسه فيواجههم محمود شاكر بالطلب نفسه، لقد سقطت الجامعة في عينه،  تصدعت القيمة وتلوث المعنى، وربما يرفأ الفتق ويرأب الصدع أن يعترف طه حسين أن بحثه مسروق من مرجليوت وبعدها لا بد أن يعتذر عن السرقة، وإزاء إصراره توجه طه حسين بنفسه إلى أبيه يرجو عودته، لكن محمود شاكر كان قد سافر بالفعل، وهذا يعنى أن الدكتور طه كان لديه شعور بالذنب تجاه شاكر، ربما لأنه يعرف بينه وبين نفسه كم هو على حق. حتى عندما لجأ إلى وسيلة دفاع أضرته بدلا من أن تفيده، حين استكتب مرجليوت شهادة يقول فيها أن طه حسين لم يسرق بحثة، و إنما قضت الصدف العجيبة(!!!) أن يصلا في ذات الوقت إلى نفس النتيجة وبذات الأسلوب!! وكانت وسيلة رخيصة جدا، بل كانت فضيحة!.

فيما بعد سوف يصف الناقد الكبير شكري عياد معركة محمود شاكر مع طه حسين وتركه للجامعة على إثرها  بأنها كانت نقطة تحول في تاريخنا الثقافي، فقد قادته هذه الحادثة إلى منهجه في التذوق والذي أثمر كتبا عديدة تزدان بها المكتبة العربية.

وفي سنة [1928 م] شدّ الرحال إلى الحجاز، وهناك أنشأ مدرسة " جدة " وعمل مديراً لها ولكنه بعد سنتين عاد إلى القاهرة، كانت شقيقته قد ماتت بحمى النفاس وشق ذلك كثيرا عليه.

وخلال المدة [1929-1935م] كان شاكر يعيش في شبه عزلة أعاد خلالها قراءة التراث طلباً لليقين في قضايا كثيرة، وكانت قضية الشعر الجاهلي تستبد بمعظم اهتمامه فأجاز لنفسه أن يسمي هذه المرحلة من حياته بـ " محنة الشعر الجاهلي "، وخلال هذه الفترة كان يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وقد وصف معاناته في تلك الأيام أنها كانت " تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم في نفسي وفي فطرتي ".

***

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

كانت  المعاناة تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم..

وذات صبح، دخلت شقيقة الأستاذ محمود شاكر عليه الحمام إذ كان يحلق ذقنه، فإذا به قد قطع شرايين يده و يسيل دمه نهرا على الأرض ويوشك على الموت.

***

أعرف –أنا- لفح تلك النار التي كوت العلامة محمود شاكر..

أعرفها..

أعرف لفحها، كما أعلم أنها تلك النار التي تنقي الحديد من الخبث، وأنها تلك التي تصهر المعدن لتفصل ما بين الحقيقي والمزيف، وليعود النضار نضارا كما كان.

وفى صبيحة اليوم التالي نشرت صحيفة الأهرام الخبر موجزا:

"أن شابا من الأدباء ، هو ابن شيخ كبير من شيوخ الأزهر ، قد حاول الانتحار بقطع شريان في يده.."

وكان ممن قرأ ذلك الخبر شيخ العربية وفقيهها مصطفي صادق الرافعي، وكان قد  واجه طه حسين عام 1927 عندما نشر تلك المحاضرات الملعونة التي واجهه بسببها محمود شاكر عام 1926، وكان الرافعي يعتد بصداقة محمود شاكر ويقر له ويعجب بدينه وتقواه  ويتوقع له مستقبلا مجيدا بين المجاهدين من أهل الأدب ودعاة الإسلام. قرأ الرافعي الخبر فأنبأه دبيب الألم في قلبه بأن المنتحر هو ذلك الشاب الذي طالما أحبه وانتظر مراسلاته..

إنه يهتف في صفيه وصديقه محمد سعيد العريان:

-         إنه هو .. لقد غلبه شيطانه على دينه آخرة أمره..

كان الرافعي يقيم في مدينة طنطا، فبادر بالكتابة إلى محمود شاكر،  يسأل  عن حاله وخبره ويرجو له العافية في دينه  ودنياه ، ثم يطلب إليه أن يصف له ما كان منه، وما حمله عليه وما آل إليه من أمره، وما تفيض به نفسه  من الحرن  والألم، وأن يرجوه الدقة في وصف المرحلة التي كان فيها بين  الحياة والموت ، فإنها المرحلة التي لا يحسن أن يصفها إلا من أحس  بها.

يقول  الأستاذ محمد سعيد العريان: فلما بلغ الرافعي نبأ شروعه في الانتحار جزع وتطير ، وضاقت نفسه ، وناله من الهم ما لم ينل لحادث مما لقي في دنياه، فمن أجل هذه الحادثة أنشأ مقالاته الستة عن "   الانتحار . المنشورة في وحى القلم  ولما لم يكن عندئذ يعلم من أحوال في صاحبنا ما دفعه إلى هذه المحاولة الطائشة ، فقد أخذ يتكهن وينتحل الأسباب ليبنى عليها الحديث والقصة ، فما جاء جواب الأستاذ "م " إلا بعد المقالة الثالثة ، فأخذ من هذا الجواب مادة الجزء الرابع من هذه ؟ المقالات.

***

يزعم البعض أن وراء قصة الانتحار قصة حب فاشلة أو مستحيلة، ويضيف البعض الآخر أن بطلة هذه القصة كانت فتاة مسيحية، لكنني أكاد أجزم جزم من عايش وشارك وسمع ورأى، أن كون قصة الحب الفاشلة تلك حقيقة أو حديث إفك هو شيء لا يؤبه له، وسواءُ حدوثها أو عدم حدوثها، فالأمر كان أجلّ، كانت النار الطاهرة التي وُصِفَت نار مثلها بأنها مِلْحَة الإيمان  قد تأججت حتى كادت تحرق بدلا من أن تطهر، وتبيد بدلا من أن تنقي، وتحيل الملح الصدئ إلى رماد بدلا من أن تحوله إلى نضار.  كانت الزلزلة الدينية – هي التي أشعلت النار فيه ودفعته إلى الشروع في الانتحار.

أشك أحيانا أنها كانت زلزلة الشك..

وأكاد أوقن أنها كانت احتجاجا على جرأة الآخرين على الشك.. وعجزه عن مواجهتهم.. خاصة بعد أن خانه بعضه وانضم إليهم في صراعه الضاري معهم.

أكاد أوقن أن لحظة الانتحار تلك لم تكن لحظة كفر، بل كانت لحظة بلغ فيها الإيمان ذروته لكن العقل زلّ والقرار ضلّ.

نعم، كان محمود شاكر يعاقب نفسه التي جرؤ بعضها على الشك ببترها، لعلمه بعظيم جرمها، تماما كم يلجأ سارق يريد أن يتطهر بالتوبة إلى الاعتراف كي تبتر يده، فإن لحظة الاعتراف ثم البتر لا تعد إصرارا على الخطيئة بل رفضا لها وتبرؤا منها، ولقد وصف سيدنا وحبيبنا ومولانا الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه توبة من هذا النوع بأنها  توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ، وفي رواية أخرى لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم . وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟.

نعم..

أوقن أن انتحار محمود شاكر لم يكن قتلا لنفس كفرا بالله أو يأسا من رحمته، بل كان يجود بنفسه لله تعالى بعد أن تلوث بعضها بالشك، وعجز بعضها الآخر عن الانتصار على من زرعوا الشك فيه تماما كعجزه عن الرد عليهم، لا لقوة حجتهم، بل لمكانتهم وخستهم، وحصانتهم التى منحها لهم فساد المجتمع ونخبته. كاد قد أدرك مُرَوَّعا مذهولا مدى الفساد في الأمة، وقدر انتشاره بين نخبتها المثقفة، حين أصبح أكابر مثقفيها هم بالذات أكابر مجرميها، فحق عليها القول!!.

لكن، هل كان محمود شاكر يقصد بالانتحارمفارقة الحياة فعلا؟ ربما جمح به خيال الشاعر ووجدان الفنان فهيئ له، أنه سيعود بعد قطع شراينه مطهرا من دنس الخطيئة كما يعود من أقيم عليه حد القطع بريئا من ذنبه. لا أتصور أنه ظن أنه سيموت و أنه سيلقى الله كافرا به جاحدا لنعمائه. كان يبحث عن إجابة، ولم يكن يكفيه نصف إجابة، وكان يبحث عن يقين، وكان يريد اليقين كاملا. كان يتصرف كما لوكان مخلدا، وأنه حين يقتل نفسه فإنه سيموت على سبيل المجاز لا الحقيقة ليظل بعدها حيا، لكن بعد أن يكفر عن ذنبه ويتطهر من دنسه، ويتخلص من عجزه، كمن يموت في المنام، ليظل حيا حين يصحو، وليكون الموت يقينا لا شك فيه، لكنه أشبه بشك لا يقين فيه.

أظن ذلك  وأتخيله، لكن  العلامة لا يتركني للتخيل كثيرا، ولا يتيح لي أن أحاول فهم الأمور بوضع نفسي في مكانه. إنه يقول:

قضيت عشر سنوات من حياتي في حيرة زائغة، وضلالة مضنية، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسي الهلاك، وأن أخسر دنياي وآخرتي، محققا إثما يقذف آبى في عذاب الله بما جنيت، فكان كل همي يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجيني من قبر هذه الظلمات المطبقة على من كل جانب. فمنذ السابعة عشر من عمري إلى أن بلغت السابعة والعشرين عام كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب ،  لم أجد لنفسي خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية والتي كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود، ويقوض كل قائم في نفسي، وفى طريقي، ويومئذ طويت كل نفسي على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا، وبعيدة جدا، وشاقة ومثيرة جدا.. بدأت بإعادة قراءة الشعر العربي كله، أو ما وقع تحت يدي منه على الأصح، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدي من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها إلى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين،وشئت بعد ذلك من أبواب العلم.‏

ثم إنه  بعد ذلك يكاد يفصح عن الحقيقة في المقدمة التي كتبها لكتاب "الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي  حيث يقول: وقد صهرتني المحن دهرا طويلا . . فاصطليت بالأسباب التي دعته إلى اتخاذ منهجه -  أي مالك بن نبي - في هذا الكتاب ، ثم أفضيت إلى الغاية التي أرادها، بعد أن سلكت طرقا مخوفة، وقد قرأت الكتاب وصاحبته ، فكنت كلما قرأت منه فصلا أجدني كالسائر في دروب قد طال عهدي بها ، وخيل إلى أن مالكا لم  يؤلف هذا الكتاب إلا بعد أن سقط  في مثل الفتن التي سقطت فيها- قبل ثم أقال الله عثرته بالهداية. وعن منهج الكتاب ، قال : "وهذا المنهج الذي سلكه مالك ، مستمد أصوله من تأمل طويل في طبيعة النفس الإنسانية، وفى غريزة التدين في فطرة البشر ، وفى تاريخ المذاهب والعقائد التي توسم بالتناقض أحيانا ولكنها تكشف عن مستور التدين في كل إنسان ، وفى خلال هذا المنهج تستعلن لك المحنة التي عاناها مالك كما عانيتها أنا". .

***

لم تكن قضية الشعر الجاهلي معركة ثقافية بين كاتبين بل كانت معركة شاملة لا تقل شراسة عن أشد المعارك العسكرية ضراوة، وقد دارت رحاها في ميدان الثقافة وكانت بالنسبة لمحمود شاكر معركة حياة أو موت،  إنه يقرر أن تلك المعركة قد  تركت في العقل الحديث وفى العالم الإسلامي أثرا لا يمحى. وفي الأعوام العشرة التالية لهذه المعركة، كان محمود شاكر يشحذ أسلحته ويدرب جنده، وكأي قائد عسكري عظيم، كان يدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، وأنه يكاد أن يكون هو الباقي في الميدان وحده، وكأنه آخر جندي في جيش مهزوم، وأنه الموكل إليه رفع الراية فربما تعود إليه الفلول الهاربة عودة المسلمين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حنين. لكنه رغم جهده شك في قدرته. وفي الثغرة بين الجهد والشك والخوف من الهزيمة كان قرار الانتحار. لم يكن هذا القرار هروبا من المواجهة بل كان خوفا من الهزيمة بعد المواجهة، لك أنه كان يدرك كم أن المعركة ضارية، وكم يحتاج فيها إلى مدد، وهو مدد لن يجده وسط نخبة مثقفة متغربة تحولت من قيادة المجتمع لتكون قوادة له.  في هذه المعركة لم يكن يكفيه نصف يقين ولا ثلاثة أرباع يقين، كان يريد اليقين كله، كان – مع الفارق الهائل في التشبيه- كعمر الحمزاوي في رواية الشحاذ لنجيب محفوظ وهو يصرخ : الشيء أو الجنون أو الموت، ولم يكن هذا الشيء المطلوب سوى الإيمان واليقين. إذ كيف يخوض مثل هذه المعركة بيقين ناقص. كان يطلب المدد فلا يجد، وكان يتوسل يقينا كيقين الأنبياء.

كان كجندي يطلب المدد لمواصلة المعركة حتى الاستشهاد فلا يجد ذلك المدد؟

كان لا يجد..

لا يجد..

لا يجد..

فقرر الانتحار..

***

هل كان – أستغفر الله – يغاضب ربه، هل وسوس له الشيطان : ها أنتذا الجندي الوحيد الباقي في المعركة ترفع الراية فأين مدد ربك لك؟ أين. أين.

الواقعة المذهلة ، أنه في اللحظة التي سقط فيها على الأرض وأشرف على الموت اكتمل إيمانه وتم يقينه ووجد المدد الذي كان يطلبه والعون الذي كان يستدعيه!!. أما المعجز فهو أنه وجد هذا المدد – الذي غاضب ربه من أجله- عنده، نعم، وجده عمده، داخل قلبه. أي ندم غمره حينذاك. هل صرخ ساعتئذ: لك العتبى حتى ترضى؟ لك العتبى حتى ترضى. لك العتبى حتى ترضى!!.

أدرك ساعتها –مغموسا في الندم- أنه كان مخطئا، و أنه راح يبحث عن المدد واليقين والقدرة في نهاية الأفق و آخر الدنيا، بينما هي جميعا عنده، في مخازن قلبه وعقه وروحه، أدرك  أنه "ينبغي للمؤمن أن يشعر في كل ساعة أنه لم يؤمن إلا منذ ساعة فهو أبدا محترس . فلو نحن كنا مسلمين إسلام  نبينا صلى الله عليه وسلم ، و إسلام المقتدين به لأدركنا سر الكمال الإنساني وهو أن يقر الإنسان في عالم نفسه ، ويجعل باطنه كباطن كل شيء إلهي.

أدرك محمود شاكرذلك..وجعل باطنه كباطن كل شيء إلهي.

وكتب لأستاذه وصديقه الرافعي واصفا حاله:

" أحسست أن قوة الوجود كلها مستقرة في روحي ، وخيل إلى أنى أنا وحدي القوى على هذه الأرض قوة جبالها وصخورها على حين كان جسمي ممددا كالميت لا يتماسك من الضعف. فأيقنت حينئذ ما لم أعرفه قط في الدنيا ، ولم أشعر به قط في الحياة ، أيقنت أنها معجزة الإيمان الجديد ، المتصل بالله لتوه كإيمان الأنبياء دون أن تلمسه شهوة أو يعترض خاطره أو تكدره ذرة واحدة من فكر أرضى دنس".

***

وهو كالميت، رأى برهان من يُخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ،  ولحظة أوشك أن يتلاشى، جعل الله الحياة تشعره بمعناها الأشمل، فتمنحه اليقين حيث لم يتوقع أن يجده أبدا، على حافة الموت، وجد الانشطار والانكسار والانتصار تتجمع  في نفس اللحظة لولا خداع الزمن البشري!  تتجمع في لحظة الانتحار، فكأنما التمع الضوء العلوي لحظة ليقهر ظلمات النفس الموحشة وليرى فجأة دلائل قدرته سبحانه وتعالى، وليرى أيضا أنه سبحانه وتعالى ما ودعه وما قلى، و أن كل ما طلبه منه موجود داخل نفسه،  وأذهله الوميض، ودوّخه النور وزلزلته المعجزة، فاختلط الأنين والألم بالفرح والنغم ، فارتجت جنبات نفسه متناغمة مع ارتجافات كون لا يكف عن التسبيح، حتى كاد أن يمسك اليقين بأصابعه وكاد أن يرى الإيمان ببصره، وكان كالتائه في الفلاة يعود إلى مضارب قومه، وكالطفل الضائع يعود إلى حنان أمه، وكالعبد الضال يعود إلى هداية ربه، فيعتدل المقلوب ويلتئم المكسور فلا يصبح وحيدا وسط نخبة ثقافية خائنة دنسة ديوثة وعميلة، بل يصبح جنديا في جيش عرمرم يقوده الأنبياء عبر التاريخ وجنوده الصحابة والتابعين إلى يوم الدين،  جيش لا ينهزم أبدا، تجمع هذا الجيش في داخل نفس محمود شاكر فأصبح وهو الواحد ملايين، أو كأنما تحولت كل خلية من جسده إلى عين ترى، وكأنما تحولت كل خلية في ذات الوقت إلى أذن تسمع، وكأنما أضيفت إلى ملايين ملايين الآذان والأعين طاقة فهم شاملة لم تدع بعدها سؤالا لمتسائل،  ولا معنى غير مفهوم، وكأنما تحول كيانه كله إلى قيثارة راحت التوبة النصوح والفهم الشامل اللذان تفجرا  في جسمه الممدد كالميت، فراحا  يعزفان على القيثارة البشرية لحنا عبقري الألم كشف للعلامة كل آثامه وحسناته ونعماء ربه وآفاق قوته الهائلة،  وقدرته التي لا يحدها إلا اتساع إيمانه، وكشفا له مخزون الطاقة والمدد واليقين داخل نفسه، والذي سيكفيه للجهاد بعد ذلك ثمانين عاما كأروع و أعظم ما يكون الجهاد، لكنه في تلك اللحظة البعيدة بجسد شبه ميت لا يتماسك،  في تلك اللحظة انطلق قلبه يهتف يكاد يرجع الصدى صوته وهو يهمس نادما أشد الندم على ما شرع فيه:

كيف جرؤت على أن تضع بينك وبين الله حمقك..

كيف جرؤت على أن تضع بينك وبين الله حمقك..

كيف جرؤت على أن تضع بينك وبين الله حمقك..

***

حاشية 1

اللواء خالد الجندي!

 

حديث  اللواء خالد الجندي – أو الشيخ خالد الجندي- في برنامج العاشرة مساء كان فضيحة.. فالرجل لا يعتذر عن التدخلات الأمنية في الدروس الدينية والمواعظ (اقرأها: السيطرة الأمنية على الدعاة).. بل إنه يعتبرها بديهية لا يرفضها إلا مجنون.. لقد عبثت بي  الهواجس حتى خفت أن الرجل سيفتى بوجوب صلاة سادسة بركعتين كل صباح بنية: نويت أصلى ركعتين للمباحث.. اللواء أكبر!!!(أستغفر الله العظيم).. ويا شيخ خالد: إذا بليتم فاستتروا.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرون..

ذكرني البرنامج بما نشر في بعض الصحف منذ أعوام عن داعية  كبير ممن يطلقون عليهم الدعاة الجدد، ورغم أنه  من شيوخ أمن الدولة إلا أنه أفتى ذات مرة وهو في الخارج  بما لا يرضي الأمن، وعلى سلم الطائرة كانوا في انتظاره، في الوكر الرهيب جردوه من ملابسه، ضربوه ضربا مبرحا( الضرب في هذه الأماكن نوع من التدليل، وهو يختلف عن التعذيب!).. وظل ثلاثة أيام عاريا.. ومن بعدها فهم الدرس!!

***

حاشية 2

مطلوب قرار بالعلاج على نفقة الدولة.

 

الأستاذ جمال البنا.. بعد أن خدم الدولة أكثر من نصف قرن.. مضحيا بكل غال ونفيس في حياته.. حتى بالدين نفسه..ألا يستحق من الدولة أن تصدر قرارا شاملا بعلاجه على نفقة الدولة من كافة الأمراض الجسدية أو العقلية التي يعاني أو يمكن أن يعاني منها؟..

منذ فترة، كان البنا في استضافة الصحافي مجدي مهنا على قناة دريم، وحتى مهنا المحترم تورط فيما يتورط فيه السفهاء من وصف جمال البنا بأنه مفكر إسلامي، مهدرا تقرير مجمع البحوث الإسلامية بجهل الرجل وبأن ثلاثة من مؤلفاته خارجة عن المعلوم من الدين بالضرورة، ثم أن الرجل غير مؤهل، ولا يحمل إلا شهادة متوسطة في التجارة، وأعتقد أن آراءه تتجاوز إمكانية الاتهام بالكفر إلى الاتهام بالجنون..

ولكن..

حتى أنت يا مجدي مهنا..

***

حاشية 3

اكتئاب

 

رغم أنني لا أطيق رؤية دم دجاجة تذبح، إلا أن اليوم الذي يمر دون سفك دم محتل أو غاصب في فلسطين والعراق يصيبني باكتئاب شديد.

***

حاشية 4

أمن

اتقوا الله يا رجال الأمن في عالمنا العربي، الجماعات الإسلامية سواء أخطأت أو أصابت لا يمكن أن تتورط في عمل يسيء إلى المقدسات الدينية في وقت الحج أو غيره، فإن لم يكن لكم طاقة بتقوى الله فاحترموا عقولنا و أتقنوا التلفبق!.

***

حاشية 5

توريث

ارتفاع عدد ضحايا عمارة الإسكندرية إلي‏26‏ قتيلا

وتعيين رئيس جديد لحي شرق

الإسكندرية تمكنت قوات الدفاع المدني والإنقاذ من انتشال‏6‏ جثث جديدة من تحت أنقاض عمارة الإسكندرية المنكوبة‏,‏ ليصل عدد الضحايا إلي‏26‏ قتيلا(...)‏ كما قرر اللواء عادل لبيب محافظ الإسكندرية تعيين اللواء أحمد صالح الأدعاوي رئيسا لحي شرق‏,‏ بدلا من اللواء ياقوت وهبة‏.

 الأهرام 28-12

تعقيب: ولماذا لم يتم تعيين النجل العزيز للواء ياقوت وهبة كي يرث موقع أبيه؟!

سؤال وجيه..!! أليس كذلك؟!

***

حاشية 6

أعدنا إلى فلسطين..

سوف أبكي حتى الموت ذلك الدعاء الحزين للحجاج الفلسطينيين العائدين من الحج ليقعوا بين مطرقة إسرائيل وسندان مصر التي اتفقت  فيما يبدو مع إسرائيل على أن تسلمهم مصر إليها.. فمكثوا محاصرين في البحر يقنتون..

سأبكيهم بدموع القهر والذل حتى الموت..

وسوف أدعو على كل من خذلهم أن يدمر الله ملكه ..

لماذا سمحت لهم مصر إذن بالخروج..

لماذا؟!

لماذا؟!

لماذا؟!

ليتها ما سمحت..

وليتها ما زنت ولا تصدقت!

***

حاشية 7

باب 25

هذه الطرفة رواها المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري ( وأستغفر الله من أي تجاوز شرعي داعيا القراء إلى تفهم آليات ومجازات الطرفة):

مات حاكم عربي، وبعد الموت توجه إلى الجنة على الفور، فأخبره  حارسها أن اسمه غير مدرج في أهل الجنة، فأرغى و أزبد لكنه تلفت فلم يجد حارسا من حراسه ولا معينا من أعوانه، فانصرف كسيفا محسورا، وذهب إلى حارس النار فأخبره أن اسمه موجود، و أعطاه بطاقة وطلب منه أن يبحث عن الباب  رقم "25" ليدخل منه، وبدأ الحاكم رحلة شاقة، ليجد أن الباب رقم "1" مخصص لمن سيحرقون بالشمع المنصهر، والباب رقم"2" لمن سيحرقون  بالماء المغلي  والباب رقم "3" لمن سيحرقون بالزيت المغلي  والباب رقم "4" لمن يحرقون بالرصاص المنصهر، والباب رقم "5" لمن سيحرقون بالحديد المنصهر، والباب رقم "6" لمن سيحرقون بالنحاس المنصهر، وهكذا راح الحاكم ينتقل من باب إلى باب، وكل باب عذابه أشد من سابقه، وفوجئ الحاكم بشخص يسأله عن الباب رقم "21" فأجابه الحاكم  أنه لا يعرف، مضيفا أنه يبحث عن الباب رقم "25 وليس رقم "21"، وهنا سأله صاحب الباب "21" مذهولا:

-    باب رقم"25" يا مسكين! بل يا فاجر! ماذا فعلت في حياتك؟ لقد ظننت أن الباب"21" هو آخر الأبواب وفيه أشد العذاب، و أنني أشد أهل الأرض عذابا..

وهنا سأله الحاكم في فضول:

-         فمن أنت إذن يا صاحب الباب "21"

فأجابه الرجل:

-         أنا..... أبو لهب!!

***

تعليق: وددت أن يدخل حكامنا جميعا من الباب الخامس والعشرين... بعد المائة..!!

د محمد عباس